4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 23

محمد علي الشبيبي
2011 / 9 / 28

من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)


أصداء من أعماق الزمن/2
وطلقت جامع الهندي بحكم انتقالي في دراستي إلى شيوخ يلتقون بطلبتهم في بيوتهم. فقد درست على الشيخ محمد طاهر الشيخ راضي، والشيخ حميد الشيخ راضي، والسيد أمين الصافي، والسيد مير صهر المرجع الديني أبو الحسن، والشيخ محسن شرارة، والشيخ محمد شراره وهو أيضا دخل سلك التعليم. وانتمى للحزب الوطني الديمقراطي ثم أتهم بأنه انتمى للحزب الشيوعي العراقي ولا اجزم بصحة هذا ، إذ كنت قد ابتعدت عن كل حزب.
وفي بداية الثلاثينات أول شبوبي حضرت في بيت الشيخ عبد المنعم الكاظمي بمناسبة زواجه، كأي واحد من الناس. والكاظمي من أتباع الشيخ احمد كاشف الغطاء ومندفعا بحماس ضد أبو الحسن وحدث أن قام بعمل مهين ضده. وقالوا إن ذلك جرى بعلم من مرجعه، وبسبب تلك الإهانة اضرب ابو الحسن عن صلاة الجماعة وعن زيارة الحرم. وتأتي أن يمرض كاشف الغطاء. ولم يمهله الموت فمات. وعند هذا جاء الكاظمي معتذرا يعلن التوبة ويطلب الصفح وتحول إلى جانبه. ثم ترك النجف وقطن في جامع إحدى المحلات إماما له، ثم دخل سلك التعليم وانتقل إلى الزراعة ثم عاد إلى العمامة بعد التقاعد وألف كتاباً بعنوان -من كنت مولاه ...-. وقُرأتْ في بيت الشيخ -على العادة- قصيدة كانت للشيخ عبد الرزاق محي الدين، كانت بعنوان "أحلام اليقظة". الشعراء التقليديون ما كانوا يضعون لقصائدهم عناوين، كانت تقرأ القصيدة فيصيح بعض الحاضرين: لمن؟ ويجيب المنشد: لفلان! واغلبها غزل، تشبيب، وحسب المناسبة، مديح، تهنئة، رثاء. هذه القصيدة أيقظت انتباهي على غير سابق معرفة بالشاعر، بل لم اسمع باسمه قبل هذا. عنوانها والمقطع الأول ملفتان للأسماع. إنها طراز لم اسمع مثله. في محافل النجف الشعرية. أعيد هذا المقطع مرات. في المقطع الثاني لاح على وجوه البعض ما ينم أن الوتر مثير، وان المتهامسين خصوم. ثم سرى تهامس، حتى إذا ما وصل المنشد المقطع الرابع، صرخ بعض المعممين -كانوا في سن الشاعر- محتجين. وسرعان ما تطور الأمر إلى صدام. وطارت أحذية وعمائم! واختلط الحابل بالنابل وغادر المجلس من لا يهمه الأمر، فهو مهنئ أو لقضاء الوقت.
وعيت وحفظت كل ما القي منها، ولكني لم أفكر بمَ وكيف سينتهي الأمر، ولماذا؟ غدا الموضوع حديث الألسن. ليس هذا، فقد روته الألسن روايات مختلفة. وتطور الأمر. وقصد خصوم الشاعر المتحمسون أولا المرجع الديني الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء. فاستجاب وكتب. على إخواننا المؤمنين أن يتجنبوا مجالسة الشاعر حتى يعود إلى نهج الحق والصواب. أما أبو الحسن وهو أشهر منه ومرجع للغالبية، فقد أجاب: إني لا دراية لي بالشعر والشعراء، وليس ما قال الشاعر عقيدة. إذن ماذا نقول عن غزل الشريف الرضي وخمريات الحبوبي؟ ولكني أؤلف لجنة من أدباء وفقهاء يدققون ويحققون مع الشاعر، ويرفعون إليّ ما يتوصلون إليه من رأي. فأصدر حكمي بموجبه.
وعقدت اللجنة في بيت والدي. مؤلفة من شيوخ عرفوا وبرزوا منهم فقهاء وأدباء حقاً. وحضر -المتهم- وطولب بالقصيدة، فاعتذر إن الذين أثاروا الزبعة مزقوها. فأعلنت متبجحاً: إني حفظت المقاطع التي ألقيت، وقد شهدت المعركة وكيف تلقفت القصيدة الأيدي الغاضبة. فأكد أبي إني لهذه القابلية. ورحت ألقي ما سمعت مقطعاً مقطعاً، فكانوا يقاطعونني بقولهم: قف، نسيت بيتاً، تذكر جيداً. فأصرُ، كلا لم أنسَ، هذا ما سمعت. فيسمعوني بيتاً:
يقولون إن الله يبعثنا غداً وذاك لعمر الله كفر وبهتان!
فأنفي، وأنا صادق لم أسمع هذا أبداً. كانت الأبيات التي لم تتجاوز الثلاثة أو الأربعة. لم اعد أتذكر غير هذا البيت، ونصف بيت آخر نسيت الشطر الأول منه. وقد كان كافياً لإثبات أن ما نسب إليه ملفق، فهذا الشطر (أدين بما قد دان شبلي وجبران) والجمع بين شبلي الرجل العالم الصريح بإلحاده كيف يدين به من يدين أيضاً بجبران وهو يدين بالله وليس بملحد مثل شبلي شميل! وفي السنوات المتأخرة قرأت كتاب لشبلي شميل "هكذا عرفت" فلم أجد فيما قرأته ما يدل على إلحاده. نوقش المتهم حولها. فنقدها وكشف الخطأ الفاضح فيها. وانتهى التحقيق ببراءته. وأعلن أبو الحسن دعوتهم إلى مائدة عنده تنزيهاً للشاعر وتكريماً له وللجنة.
ومن هنا بدأت علاقتي بالشاعر. وطلبت من أبي أن يكلمه عن رغبتي بالدراسة عنده. وهكذا تم وتعمقت الصلة بيننا وكأننا أخوان. فلم تجده إلا عندنا أو تجدني عنده في غرفته الخاصة بمدرسة -الخليلي- في شارع السلام. وبدأ يوجهني. أشار عليّ أن أبدأ بكتاب كليلة ودمنة وتأريخ الأدب لأحمد حسن الزيات، وكتب طه حسين، وكتب جبران.
وصرت واحداً من أصدقائه -الشيخ صالح الجعفري، حسين شبر، إبراهيم الكاظمي- وآخرون كانوا على الهامش. وكنا كأتباع لابن عمته الشيخ قاسم محي الدين الرجل الظريف، والأديب أيضاً، والسليم الطوية مع كرم النفس.
كان أهم مجلس يجمعنا جميعاً، وكأنه لنا بعمومياته، وخصوصياته، هو مجلس الشيخ حبيب العادلي. الرجل الوقور والشهم الكريم. مجلسه صباح الجمعة. يحضره من رجال الفقه والأدب عدد، وهؤلاء طبعاً لا يتابعون الحضور كل أسبوع، فلهم كما يبدو برامج. أما العصاري فهي لنا ولأمثالنا ولجواره المخلصين.
لقد أطلت، والذكريات التي ما تزال في ذهني، والليالي الزاهرة بتلك الوجوه، يرن صداها في نفسي، وإذا ما زرت النجف عجّ فؤادي بالحنين. ولا أكتم أمري إني كثيرا ما أتعمد المرور على تلك البيوت وأمر عجلاً، فلن تعد مساكنهم، ولكني أحس أني أسمع الصدى، وارى الوجوه الحبيبة. وان رقد بعضها في الرموس.
ونزهاتنا أحيانا مع شيوخنا، الشيخ جواد الجزائري، والعادلي وأخوه جليل، السيد مير، ونحن الشباب، وقد حملنا معنا القدور والباقلاء الخضراء، واللحم الطازج واللبن، وقمنا بالطبخ والنكات تنطلق من الأفواه كالسلسبيل، والشيوخ ليس لهم شاغل غير النكتة والتعليق. بينما نحن نغالي بالمرح مع بعضنا إلى حد الأذى والإزعاج.
ولن نكتفي بهذا، لدينا سفرات ونزه مقتصرة علينا، بطريقة -اشتراكية-. فنحن دائما لا نملك شروى نفير. يترأس الأمر، صاحبنا الماهر في تدبير كل شيء ولو عن طريق -مؤامرة- وكل يجلب من أهله ما يمكن من رز، ماش، سمن، بصل، حمص أما اللحم فهو الحمام. ومما يرويه الناس أن وجود هذا الحمام، إن أحد الهنود جاء بعدد منها وسلمها لخدم ضريح الإمام علي وان يستفيدوا عندما تتكاثر من لحمها. فلما أصبحت النجف مدينة كبيرة وتطور بناء الضريح والصحن العلوي وكثر ساكنو النجف ، تغيرت نظرتهم وصاروا يحترمون هذا الحمام!.
رفيقاي مرتضى وإبراهيم لم اهجرهما. لقاءاتنا لها وقتها المعين المعتاد. واغلبنا انتظم عضوا في جمعية الرابطة الأدبية. كان عبد الرزاق أحد أعضاء الهيئة المؤسسة، وعبد الوهاب الصافي رئيس الهيأة الإدارية. وفي إحدى الدورات الانتخابية صرت مديرا لإدارتها. وكانت لي ملاحظات حول بعض المواد في نظامها الأساسي والداخلي، ومعي عدد من الأعضاء يشاركونني الرأي، فقدمت الملاحظات وأيدني الآخرون. حاولوا إقناعي بالعدول عنها فأصررت وفُصل بعض من أيد، استغل ضعفه لكونه في الواقع خال الوطاب!
وصادف أن دعيت في الكوفة من قبل صديق هو المرحوم الشيخ علي البازي الأديب الفكه. كان قد دعا الشيخ أحمد عارف الزين، ومعه اثنان من أدباء بيروت. وطرح أمر إصراري، وقد أخذوا يبرهنون لي: إنا لا نوافق لسبب واحد، هو إن الجمعية نتيجة لتصلب أعضاء الهيأة من جانب وإصرارك من جانب فتبدي وزارة الداخلية حلاً وسطاً فتغلقها، لأمر في نفسها! اقتنعت ولكن قدمت استقالة. والواقع إن الجمعية لم تتقدم فهي ليست أكثر من أسم، والبارزون من أعضائها استغلوا كيانهم الأدبي فيها، فحصل عبد الرزاق على عضوية البعثة، ورئيسها عين قاضياً، وآخر أيضا كذلك.
كانت رسائل عبد الرزاق من مصر تردني، يصف فيها أساتذتها ومكانته لديهم، وصالونات الأدباء. كان مما يبدو من بعض تعبيره، لا يعتبر العقاد وطه حسين من وزن واحد. وحين أنهى السنة الأولى وعاد ناجحاً، كرمته بحفل دعوت إليه نخبة الأدباء كهولا وشباباً. وألقيت كلمات وقصائد من أصدقائه وطلبته بعدهم جميعاً كلمتي، وقد أدخلت، وكان هذا بتحريضه لي، فيها ما دعا الجامدين أن يثوروا أثناء إلقائي. فقد تعرضت لنمط الدراسة والنهج الذي لم يتبدل بمرور الحقب والعصور. وصفت نفسي طالباً ضجر من كتب لا تردد ولا تعرف غير دم الحيض والاستحاضة مما لا يتصل بالنفس ولا يقع على الروح ولا ينمي العاطفة! وصفت العجيج والضجيج في جامع الهندي، من عشرات السنين، وأجيال تعاقبت، وهم حتى اليوم كما كان الذين من قبلهم، ومن بين شباب بزي الكهول، وكهول بزي العجزة الغابرين! ويتخرج المستفيد لا لينهض بإصلاح وتجديد، بل ليجبي الزكاة، وسائر الحقوق الشرعية مورداً حلالاً له، أو يستمر يعاني الجوع والحرمان. فثار بعض الكهول ممن كان يبدو كشيخ جاوز السبعين، وغادر الحفل آخرون، بينما صفق الشباب تأييدا واستحساناً. وسارع شيخ، محسوب في عداد الأدباء، أيضا إلى العلامة كاشف الغطاء ليحصل منه على فتيا تجريم بحقي.
ولكن رسولا من الشيخ هادي كاشف الغطاء سارع إلى العلامة: أن لا يتعجل الفتيا! والشيخ هادي هو والد الشيخ محمد رضا وجد الشيخ علي، وكان من المجتهدين ولكنه زهد فلم يرشح نفسه لزعامة ولكنه كان إمام جماعة، فهو فقيه وأديب أيضا، ومن اخص آل كاشف الغطاء بجدنا الشيخ جواد الشبيبي، ومن نمطه في النكتة الأدبية. وبمناسبة كلمتي بعد أن اطلع عليها سارع فنبه الشيخ محمد حسين عنها. أما أستاذي محي الدين فقد توسع فيما أشرت إليه ليثير حولي ضجة يرفع بها اسمي!