4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 22

محمد علي الشبيبي
2011 / 9 / 16

من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)


أصداء من أعماق الزمن/1
هي ذكريات، والذكريات صدى السنين الحاكي!
بالأمس كنت أطالع وأتصفح اضمامة صور. ضمت صور أصدقاء أحببتهم وأحبوني، وللظروف أحكامها. بعضهم فارق الحياة، وآخرون انقطعت صلاتهم بي دون أن اعرف السبب. آخرون كان السبب كونهم من فئة التجار. وبعد أن كان تصريف أمور التجارة بيد الولي تحولت إليهم، وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا ....، لكنهم لم يتنكروا ولم يعادوا. بل هم يكنون لي حباً وتقديراً.
كنت استعرض الصور، فاستعادت ذكرياتي حياتي مع بعضهم، فاعتادني حنين. فقذف صدري زفرات حادة وعنيفة. كيف مرّ الزمن ودار؟ أين تلك الوجوه؟ كأني اسمع رنين ضحكهم، واراهم في حالي هزل وجد، ومرح وانقباض، تبعا للظروف التي كانت تقسو علينا في كثير من الأحيان. ونترسل في سلوكنا ومسيرتنا صابرين غير مبالين. نبدو وكأننا في حال يسر ورفاه. وما كنا نملك شيئا، إلا أن نرزق من الآباء، عفوا وبلا طلب!
كان لي محبون، اسميهم أصدقاء. وهذا مصطلح عند الناس، مع أن للصداقة معنى أعمق ولها صفات وحدود. منهم -وهذا ما لم أتعالَ عليه- من عشت معه بحكم الجوار، والطفولة، ثم اختلفت بنا السبل. بعضهم عامل في معمل آجص، وآخر يتاجر بالصوف، وآخر بالسلاح، أو بالتهريب!
ثم انتهت علاقاتنا، بين حلول اجل بعضهم، وبين من انتقل وراء الكسب. وكانوا حتى النهاية إخوان صفاء والتزام. صنف آخر تنوعت مكاسبهم واتجاهاتهم. جمعني وإياهم حب الطرب. فنحن كنا نحيي الليالي في سراديب النجف العميقة، من بيوت بعضنا، أيام لم نكن نعرف غير -الحاكي- الذي كان شائعا. ولكن من يجرأ منا على اقتنائه، أو حتى استعارته من أحد! فإذا أمكن ذلك هبطنا إلى السرداب كيلا يسمع احد، أو ينم بنا واشي، والله خير الساترين!
أحيانا نجمع من كل واحد قدر إمكانه لنشتري السكر والشاي والفحم، واجر -الجوقة- التي تتألف من ضاربي الطبلة وعازف الناي والراقص ابن غزالة، ونقضيها سهرة. بمرح الشباب والأغاني حتى مطلع الفجر!
صديقان من سني وقد اُلبسا العمائم، ونحن دون سن الشباب. كانت تجمعنا الدراسة في جامع الهندي، الذي يجتمع فيه مختلف صنوف الدارسين ودرجاتهم. في ألفية بن مالك و مغني اللبيب لابن هشام والمختصر في البلاغة، والحاشية والشمسية في المنطق، واللمعة في أصول الفقه، وغيرها. هذا الجامع ما يزال قائما حتى اليوم. وسمي حسب جنسية بانيه. ويروى انه أعلن انه لا يضع حجر الأساس فيه إلا من لم يصلِ صلاة الصبح قضاءً ومنذ صلى مبكرا في حياته. ولم يأتِ أحد! فقال: أنا تعودت أداء الصلاة منذ بلغت السادسة من سني ولم أتأخر عن صلاة الصبح في وقتها أبداً طيلة حياتي. إن معظم الدارسين إذ ذاك كانوا يحضرون هذا الجامع، بينما للعلماء المجتهدين جوامع أخرى يحاضرون فيها على طلابهم الذين بلغوا مرحلة متقدمة.
جامع الهندي أعظم مدرسة شهدتها في حياتي. تخرج منها فقهاء، كان لهم شأن في حياة النجف وتاريخها العلمي والاجتماعي والسياسي. وبرز منهم أدباء عظام، بحكم دراستهم. قبل الفقه -النحو والبلاغة- واعتماد هذين العلمين على الاستشهادات بالشعر والنثر الأدبي. فتمت عندهم الملكة، وقد نهلوا من دواوين الماضين حتى ارتووا وفاضت القرائح.
وتعرفت على الصديق مرتضى بن الشيخ طاهر فرج الله. كان أديبا وشاعراً. وكانت علاقتي به وثيقة منذ كنا معممين حتى صرنا معلمين. وشدني إليه حب الشعر وطموحي لنظمه. وكنت قد حفظت الكثير حفظا مترسلا. ذلك لان والدي كان يحفزني ويشجعني على حفظ سور من القرآن الكريم -عم، الجمعة، يس، الرحمن-، ويمنحني مكافأة نقدية. ولكني أصبت بنكبة بسبب ضعف موقف هذا الصديق أمام التحقيقات الجنائية عام 1948، بينما أنا حاولت أن أبرئه وأبرر موقفه. وانقطعت صلتي به منذ ذاك الحين.
ولا انسَ أن اذكر، إني تمكنت من قراءة القرآن كله -عدا البداية، الحروف، والسور القصيرة من جزء عم- بتشجيع منه، إذ يمنحني عن كل سورة قطعة نقدية. كان هذا أثناء عودتنا إلى مدينتنا -النجف- وقد غادرناها عند الاحتلال، حيث أقمنا في قرية يقطنها عم والدي وابن عمه خالي (شقيق أمي، أبوه الشيخ عبود شقيق الشيخ عبد الرضا وكلاهما إخوان للشيخ الشبيبي الكبير "جواد") ثم تحولنا إلى سوق الشيوخ، وهو محتل من قبل الانكليز. غادرنا سوق الشيوخ قبيل ثورة العشرين، بعد اصطدام والدي بأحد زعماء السوق بتحريض من الحاكم الانكليزي -دكسن- ذكرت هذا في موضوعة "أحلام اليقظة مع ذكريات عن بلدي"
عدنا في سفينة شراعية، تحمل العائلة والأثاث. ولا خلاص لي من أبي وتشجيعه لي على قراءة السور من جز -عم- فانا اقرأ عليه وهو يرشدني إلى الصواب إذا أخطأت، وما وصلنا مدينة السماوة حتى توقفت عن هذا بسبب -حمى- لم أفق منها إلا حين وصلنا الكوفة، وسمعت ضجيج العائلة فرحا بالوصول، فأفقت وكأني بتمام الصحة.
كان لأبي صديق، هو الشيخ عبد المحمد (مرّ ذكره في موضوعة "هفوة محرجة جداً" في "معلم في القرية"). ندر أن يفترقا احدهما عن الأخر، إلا عند سفر أبي المعتاد. كان الرجل من الفقهاء. ويجري تدريسه لطلبته في بيته وكان احد معتمدي المرجع الديني أبو الحسن الموسوي. كان يختار لي أبياتا شعرية، كل مقطوعة لا تتجاوز الثلاثة أبيات أو الخمسة. أغلبها عن آل البيت خصوصا -الإمام علي- بينما هو يلفت نظري بشدة، والملتفت نحوه دهشا، حين اسمعه ينشد أبياتا للشريف الرضي أو لغيره. ينشدها وهو منطرح. بنغم خاص وترديد شجي:
هل ناشدٌ لي بعقيق الحمى غُــزَيلاً مرّ على الــركبِ
أفلت من قـانصـه غــــرةً وعاد بالقلب إلى الســربِ
أو: يا ظبية البانِ ترعى في خمائلهِ لِيَهنكِ اليوم أنَ القلبَ مرعاكِ
إلى أمثال هذا من شعر الحبوبي، والرضي ما يلفت نظري، انه كان بعد أن ينهي عدة أبيات، يرسل زفرات حادة. وإذا انتهى سألني: حفظت منها شيئاً؟ فأعيدها عليه. وسألته: إن كان ينظم الشعر، فنفى ذلك. وما أزال حتى وقتي هذا إذا تذكرته، كأني أسمع ترديده وزفراته، بينما كان يمليه عليّ لأحفظه، في مدح الأئمة وخاصة الإمام علي، والزهد والتنسك، من شعر أبو العتاهية وأبي نؤاس.
كان أبي يصحبني إلى مجالس وأندية أصحابه، الشيخ عبد الكريم الجزائري، والسيد علي العلاق وأمثالهم. وحدث أن صحبته إلى حفل بمناسبة زواج وكُلف هو أن يقرأ قصيدة للشاعر علي الشرقي بهذه المناسبة، كانت تبلغ سبعين بيتاً -أو أكثر قليلاً-. وهذا الحفل أقامه إبراهيم والد العريس ابن الشيخ علي الكرباسي -إبراهيم، والد المدرس موسى الكرباسي-، ومطلع القصيدة:
قالوا الربيع فقلت روح ثاني هبطت فجددت الشباب الفاني
خير الربيعين الشـباب فليته كالورد يرجعه الربيــع الثاني
المستمعون الأدباء في هذه الحالة إذا استحسنوا بيتاً أو مقطعاً، يستعيدونه. يصيح المستحسن -أحسنت، أعد- وقد يتوالى هذا الطلب مرات قد تبلغ العشرة. والمنشد يلقي القصيدة بترديد ونغم خاص لكن لا مما هو يماشي أغاني الطرب المعروفة. حين انتهى أبي ونزل عن المنبر، قلت بمرح وزهو: أني حفظتها، كلها! وطار أبي فرحاً فخاطب الشيخ جواد الجواهري: عمي أبو محمد حسن، علي ابني حفظ القصيدة كلها عن المنبر! فصاح الشيخ جواد: تعال ولك أمتحنك! وأخذتُ اُسمعه. وهو يردد بإعجاب، عال، عال، عفيه، أحسنت! وعند الانتهاء منحني -روبيتين- وبصوت عال ليسمع الشاعر الشرقي، قال: أشترِ كاغد وماي ذهب اكتب القصيدة تخليداً لهذه الموهبة مو لأجل القصيدة لأجل قابليتك هذه!
وحين اُلبست العمامة، صرت بعد أن أكمل ما يجب علي من خدمة أبي، كتقديم الشاي وتهيئة القهوة، إعداد المصابيح النفطية، أخرج لأقضي شطراً من وقت العصر مع رفاقي في الدرس في الصحن العلوي، حيث ينتشر المعممون الصغار والكبار حلقات على الفرش المعدة للمصلين خلف أئمة الجماعة. هناك نتداول طرح الأسئلة في إعراب جمل فيها أوجه متعددة أو قد تكون من نوع الأحجية. فإذا حان الأذان تهيأنا للصلاة ثم زيارة الحرم الشريف والدعاء. وإذا ما كان لنا علم بمجلس تعزية بعد هذا قصدناه. بالنسبة لي هذا معلق بما يحدده لي أبي من وقت للعودة. أما إذا سافر في منتصف شعبان، فلا يعود إلينا إلا في شهر ربيع الأول، فهنا تبدأ حريتي المطلقة!
وعن علاقاتي بالصديق مرتضى. تعرفت إلى صديقه إبراهيم الوائلي. نحن الثلاثة جمعنا الإفلاس وحب الأدب والشعر خاصة! لذا لم نجد لأحاسيسنا والتعبير عنها إلا حين نأوي إلى هذه البادية في العصر الأخير من كل يوم. واليوم أصبحت تلك البادية أوسع من مدينة النجف. بنيت فيها قصور ودور وامتدت حتى لتكاد أن تتصل بابي صخير وأول محلة عرفت فيها محلة الأمير غازي، ومدرسة ابتدائية باسم غازي أيضا، سميت بعد هذا -النضال- ونادي الموظفين والكمارك. في البادية تنطلق حناجرنا بالأغاني. مرتضى يجيد المقام، وأنا للابوذية والأغنية العمارية. هنا في هذه البادية التي تمتد بين النجف وقضاء أبي صخير، وتشرف على بحر النجف والنخيل، يأتي أعداد من الشباب، منهم من لا غرض له إلا الانطلاق الحر. حيث لا يتعرف عليه أحد -وكل حزب بما لديه فرحون- ومنهم للشرب الحرم متسترا بالليل إلا نور القمر البهي.

ألناشر
محمد علي الشبيبي
السويد ‏16‏/09‏/2011