4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 21

محمد علي الشبيبي
2011 / 9 / 7

من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)

ثورة/ 2
في 10/11/68 بلغت من قبل مديرية التربية بكتاب مديرية أمن كربلاء في 20/10/68 للحضور أمام محكمة أمن الدولة الأولى، عن قضية المتهم ساجد حمادة (بداية التحقيق عن هذه التهمة مرت في موضوعة "ماذا بعد"). حين علم المعلمون فغر بعضهم أفواههم، وتأوه أحدهم واسمه طاهر، وقال: اسمح لي أبا كفاح أن أقول ولو انك مثل أبوي، وأنت لازم تنصحنه، أقول عيب وميناسب مثلك أن يحمل مثل هذه الأفكار؟ قلت له: اسمح لي أنت أيضا أولا أن أقول، إن المثقف الذي لا يحمل فكرة ليس إنسانا، وأنا لن أرضى لنفسي أن لا اكونا إنساناً! ثم أقول لك، ولا يدفعني لهذا خوف أو حياء، أقول لا انتماء لي إلى أي حزب أو منظمة سياسية. فما حيلتي وشرطتنا في كربلاء لا تريد أن تعترف إنها تعرف من هو المتهم الحقيقي؟
هذا المعلم طاهر يكثر علي طرح أسئلة كثيرة، عن الفوارق بين السنة والشيعة. يصوغها بصيغة نقد وكأنه غريب لا يعرف أن الشيعة من سكان العراق. ومن سكناهم أهم مدينة تجاور لواء الرمادي، هي كربلاء. أحيانا يعبر عنا بقوله أهالي الجنوب، وقد وجه إليّ مرة أسخف وأقبح سؤال. قال: هل صحيح إن أهل الجنوب يقولون (إذا طال عليك السفر جاز لك نكح الذكر). قلت، أني استنكر أن يكون مثلك وأنت تربي جيلا أن تتقبل مثل هذا عن أناس يشاركونك كمسلم في أن محمد نبيهم والقرآن كتابهم!. وأسئلة كثيرة عن -التربة- التي يسجد عليها الشيعة عند السجود في الصلاة. وعن المآتم الحسينية وما يقوم به الشيعة -الجماهير طبعاً- أيام شهر محرم، من كدم الصدور، وضرب الرؤوس بالسيوف. قلت تماما، ولكني شهدت ما يشبه هذا هنا مما يسمى -الدرابشه- وتجولهم في الشوارع بما يشبه رقص المجانين، والمُدى في أسفل بطونهم من جهة أعلى الفخذين؟ يا أخي أن العوام الجهال يعملون كثيراً مما يتنافى مع الدين الحنيف، ومرد هذا إن رجال الدين يغضون الطرف عن هذه البدع. وهذه البدع انتقلت إليهم من تركيا عن الفئة المسماة -النقشبندية- وطورها رواد المنافع والمطامح والمظاهر. وأستطيع أن أقدم لك رسائل لبعض علماء الشيعة وشجبهم لها. رسالة التنزيه للسيد محسن الأمين العاملي، والسيد مهدي البصري، وفتاوى من العلماء أولهم السيد أبو الحسن الموسوي. ولكن فاعليها لا يخشون إلا القوة.
ليس هذا الطاهر وحده يفتح معي مثل هذه الأحاديث الخرقاء، وعن بعض المفاهيم في قضية الصلاة والوضوء وإلى مفاهيم مغلوطة لا أساس لها. مثلاً: إن الشيعة يجيزون إتيان الزوجة من -الدبر- لاعتبار وتوجيه مضمون الآية (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم) كنت أرد هذه الاتهامات والمفاهيم المغلوطة، مع إنا نعيش في عصر الذرة، وسفن الفضاء الخارجي. وانفعلت مرة، فقلت: يا أخوان أمري بينكم غريب. فانا مفصول من الوظيفة بتهمة شيوعي، وحين أعادوني إلى الوظيفة أصروا على تعييني هنا كأبعاد لي عن البلد الذي ولدت ونشأت فيه. بينما انتم اعتبرتموني، وكأني مرسل إليكم من لدن الزعيم الديني السيد محسن الحكيم!؟
أليس من اكبر العيوب أن أبناء وطن واحد -هو العراق- لا يفهم بعضهم بعضاً وفي هذا العصر بالذات، والذي تحدى أبناؤه خصوصاً -الشباب- كثير من الأمور الأساسية في الدين الإسلامي، وقد حرمها وبالغ في أمر استنكارها، الخمر، القمار، مطاردة النساء!؟ أنا يا صاحبي لست متديناً من ناحية التعبديات، ولكني أشجب ما شجبه الدين، واستنكر الفحشاء، والشحناء باسم الخلافات المذهبية، التي اعتبرها سببا هاماً في تأخر المسلمين والعرب خاصة.
والأغرب من صاحبي طاهر فتى يدعى "إسماعيل الشيخ سعيد القيسي" يحتل مركزاً حزبياً مرموقاً، وبوظيفة رئيس ملاحظي المحافظة. أما أبوه فرجل دين وإمام جامع. ورغم انه عاش كما قال -مع والده في الحلة- بين مجتمع شيعي. ولابد انه شهد ما يقيمون من مآتم أيام محرم وصفر. فقد ناقشني عن مجيء الحسين إلى العراق مع عدد يسير من أصحابه وأخوته وأبنائه، متحديا سلطان خليفة المسلمين في زمانه يزيد بن معاوية، ثم عقب -ألا ترى ذلك- زعططة!؟ أصابتني -بهتة- واستمر، انه لجهل أن يقاوم الجيوش الضخمة بمؤيديه المعدودين؟
قلت، وأنا منفعل: أرجو أن تصغي إليّ وبدون انزعاج. أنت فعلا مناضل تحت راية حزب البعث العربي الاشتراكي. أرجو أن تتصور جديا انك في عهد عبد الكريم قاسم. رجاء أغمض عينيك وتصور نفسك بين يدي جلاديه، وبأيديهم عصي الخيزران، ووسائل التعذيب متنوعة، وخيروك بين البراءة من حزبك، وكشف هويتك وهويات من تعمل معهم، أو يجلدونك جلداً، رجاءً تصور هذا بجدية وأنت مغمض العينين، ثم قل رأيك.
فعل هذا. بعد دقيقتين، قال: لا، لا. ضحكت ضحكة طويلة، وقلت: والله ما تصورت الواقع. ومع ذلك أقول لك. إذا كنت تدعي هذه الصلابة وهذا الصمود، فما بالك لا تتصور موقف الحسين، الذي وعى أيام جده وقد قاوم قريشاً وسائر العرب وفي مقدمتهم أبو سفيان و أبو جهل وقد حاولوا أن يغروه بالمال فما قدروا وحاربوه بشتى الأساليب، وبكل قسوة فما هادن وما لان، ولا خامره خوف. ثم أدرك أباه علي بن أبي طالب على رأس المسلمين وهم عدد محدود يرمي نفسه في المهالك من اجل دعوة ابن عمه النبي محمد بينما يقف أبو سفيان في مقدمة زعماء الجاهلية على رأس عدد تجمع من عدة قبائل ليقتلوه في فراشه لكنهم وجدوا علياً، قد نام بفراشه لينجو هو مهاجراً مع صاحبه أبي بكر. علي على مثل هذه التضحية وهو يخرج بكل شجاعة لم يختش كل أولئك، فيصل المدينة يواصل الدعوة لكل العرب. أضف إلى هذا الذي وعى الحسين كثيراً منه، أن الحسين نشأ كأي عربي، على مثل عربية أصيلة وإسلامية تلقاها من جده وأبيه، كيف تكون أنت إذن أكثر صلابة منه واثبت منه على العقيدة؟
إن المثل الذي ضربه الحسين بثباته وتضحيته مازال خالداً، وصيحته بجيوش يزيد (هيهات لا أعطي بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد) كم هي عظيمة هذه الكلمة، إنها مثل رائع في الثبات والصمود. ومات يزيد واندثر، وظل الحسين حياً، وسيبقى حيا مدى التأريخ.
صمت صاحبي، ثم عرض علي انه يود أن يأتي إلى كربلاء ليشاهد -موكب عزاء العباسية-. فهمت ما يهدف إليه. إن هذا الموكب تجمع شبابي، سياسي أكثر منه ديني. وأبديت ترحيبا به وبمن سيصحبه، وتوجهت إلى كربلاء. فجاؤا بعد يوم ليلة العاشر من محرم، قمت بضيافتهم وجاء معهم موظف من الرمادي يقيم في كربلاء.
قال احد جماعته ويدعى أبو سفيان: رجاء لا تناديني أبا سفيان، فيقتلني الكربلائيون. قالها بجد. فأجبته: سأريك أن في كربلاء -الشيعة- من اسمه عثمان وعمر ومروان وفي غير كربلاء، الناصرية، البصرة وسوق الشيوخ مثل هذا أيضاً
المعلمون في هذه المدرسة طيبون متعاونون تعاطف اغلبهم معي، وساعدوني. أتذكر منهم نعمان ثابت وشهامته، ووسمي وأريحيته، وحسين علي المطلق، وعطا الله، شهاب كلهم مرح وأريحية. أما المدير الجديد مهدي حماد وقد جاملني أول الأمر مجاملة تشف عن حقيقته، حدثني حديثاً لا أساس له. فهمت منه انه يعتقد إنّا أعاجم. فأفهمته الصواب بهدوء كما تحدث بهدوء ليفهمني انه مترسل. سبق أن تبادل المعلمون شرح حياته وما وصموه به من سمعة -غلامية- شهر بها فعوقب. ثم صار يتشدد ضدي إن رمت مراجعة الطبيب. ويوم حال المطر المدرار، فصار الشارع الموصل إلى المدرسة كأنه نهر يزخر بالماء فتأخرت ساعة، وسارع يكتب عن تأخري، فناصرني الزملاء. دعاني سلوكه هذا أن لا اترك مناسبة تمر، صلاة الظهر مثلا إذ ينصرف الجميع للصلاة حتى حين الدرس، فيكون إماماً لهم، فأعلق تعليقات -مداعبا- لو أممتم وراء وسمي لوجدتم متعة بقده الأهيف، وعجيزته المكورة؟ ويشارك الزملاء بالشرح والتفصيل بالنكتة!
أهالي الرمادي على العموم طيبون مع الغريب. لقيت منهم احتراما وانسجاما ومساعدة حتى من غير المعلمين. شيء واحد وجدت فيهم. إنهم يجهلون الشيعة جهلا فظيعاً، ويعتقدون أن خدم العتبات المقدسة إيرانيين للعمائم الخضر التي يلبسونها. فقال لي واحد من المعلمين لماذا لا تعيدونهم إلى قطرهم. قلت: وما قطرهم؟ أجاب: أليسوا إيرانيين. قلت: إنهم عرب وحكيت له عن نسبهم وان اللون الأخضر عرف منذ أيام العباسيين. أما سلوكهم وتقاليدهم ومثلهم فهي اقرب إلى البداوة والعشائرية، حتى الذين في وظائف عالية. فحين اشتد فيضان الفرات مهددا مركز المحافظة بالغرق بالفيضان. وقررت لجنة لاتخاذ إجراء لإنقاذها هو فتح -كسرة- هدد احد أعضاء اللجنة وانسحب وحرض عشيرته أن تقف شاهرة السلاح. كان هذا عسكريا، وفعلا كان رجال عشيرته قد تأهبوا بسلاحهم. وأطلقوا الرصاص فكادت واحدة أن تصيب مدير الشرطة -احد الأعضاء- مع العلم إن الحكومة ستعوضهم عن تلف الحاصل. إن الغالبية فقراء واعتمادهم في الغذاء على البقول، وسعر اللحم هم مثلما هو في سائر العراق لكن القصاب يرفض أن يبيع اقل من نصف كيلو؟ أما النظافة في الشوارع والأسواق فمعدومة.
تعرفت على عدد كثير من شبابهم، ومن موظفي الدوائر، لكني لم أجرأ على زيارة المدن، وأنا أهوى التجوال والتعرف على مدن بلادي، ولكن من يثبت حسن نيتي لدى شرطة الأمن، وأنا في قاموسها من المشبوهين!؟ على أن من كسبت ودهم مدير شرطة الآليات، ومفوض الأمن عبد الجليل -شطري-. في بداية الأمر أقمت في فندق، وتعرفت على شابين، اسم احدهما ناهض السامرائي، والثاني من الأعظمية. وحين انتقلا إلى شقة من ممتلكات الإدارة المحلية دعوني للإقامة معهم، طبعا هذا يخفف من بدل إيجارها عليهم وعليّ. انسجمنا فترة من الزمن متعاونين في كل الشؤون، إعداد الطعام والنظافة. وقد ارتاحوا كثيرا حين تذوقوا أنواع الادام على الطريقة النجفية، وتعددها كالسبزي والقيمة و المسمى، وكانوا لا يحسنون غير تشريب على دجاج، أو الرز مطبقاً؟ لكن زميلهم -ولتر- وهو مسيحي من البصرة وموظف حسابات في مصلحة نقل الركاب وللسمعة التي تلاحقني، أدركه جبن، فراح يحرضهم على ضرورة مصارحتي بعدم رغبته بإقامتي معهم ذلك لأن عقد الإيجار باسمه! وقد رفضوا رأيه. لكني حين علمت سارعت باستيجار شقة مستقلة، وسرعان ما شاركني فيها طبيب بيطري مسيحي، وموظف في قلم الشرطة، وموظف صحي. وانتظمنا في حياة ناعمة، ندبر أمر الغذاء والنظافة بتعاون خال من الجبن والأنانية، والتفاهة.
وأخيرا سئمت مدرسة الرشيد الابتدائية. بسبب من عجرفة ولؤم مديرها مهدي حماد، وحصلت صدفة لم تكن على بال. معلم من أهالي الرمادي يدعى عبد المجيد حميد مكي في مدرسة المحقق في الحلة، وتم بيننا تبادل. وغادرت الرمادي. كانت علاقتي مع بعض المعلمين طيبة للغاية. كانوا مثلاً رائعا في رقة عواطفهم، وطيبتهم.
حين راجعت مديرية تربية بابل، اصطدمت بعجرفة مدير التربية جابر الدوري، الذي هيأ تعييني في قرية، قبل وصولي!؟ كان جافاً متعجرفاً. حين واجهته، بان العادة جرت إذا تبادل اثنان بما اصطلح عليه المعلمون -بجايش- أن يحل كل واحد محل الأخر. ولقد باشرت مضطرا إزاء عجرفته. صاح ذات مرة بوجهي: أنا أعين مثلك في المدينة واترك في القرية من ساند الثورة مجازفا بحياته!؟. لم أجد الوقت مناسبا لمناقشته. لكنني نبهته: إني معلم خدم التعليم ستة وعشرين عاماً، وخدمت في القرى أربع سنين! هكذا ذهبت أقاسي أمر المباشرة في مدرسة قروية بين كربلاء والهندية، تدعى -الدجينية- في مسافة ليست هينة بين النخيل. وقيل لي: إن حل موسم المطر، تعذر وصول السيارات إليها. كانت صفوف الدراسة، والإدارة من -الصرائف- جذوع النخيل والبواري. كان معلموها شبابا طيبين للغاية. وأبناء القرية هم دائما أكثر أدبا وطاعة وإقبال على التعليم، غير أن المعتقدات الباطلة تعشعش في رؤوسهم. حين حاولت التعرف على أسمائهم، وسألت أحدهم عن اسمه واسم أبيه، تنافس عدد منهم ليوضحوا لي: هو ابن السيد واوي جده حين عاش ابن آوى في مزرعة الخضار العائدة له صار الواوي -يخْرَه جير!-. فعلقت وأنا أضحكك فليتاجر السيد ببيع الجير، وتشتريه الدولة لتبليط الشوارع؟ ومهما يكن من أمر فان الدراسة بشكل عام ليست على ما يرام، خصوصاً في موسم المطر الذي يعاني فيه المعلم الويل، ويتعرض للأمراض -روماتزم، نزلات صدرية- وغير ذلك.
كان المعلمون يشربون الماء من -الحباب- التي يملؤها الفراش من النهر! هذا النهر ينقطع عنه الماء عادة أسبوعا، أسبوع يأتي الماء للنهر وأسبوع ينقطع ويسمون هذه الحالة –رشن-. فيكون ملء الحباب من حفر في النهر، أي إننا نشارك أو تشاركنا على الأصح الأبقار، والكلاب، مضافاً إلى أن القرويات أيضاً يغسلن بتلك الحفر الملابس بما فيها من أقذار صغارهن. فرفضت حتى شرب الشاي الذي اعتاد إعداده الفراش للمعلمين، واتفقنا أخيراً أن يجلب المعلمون الذين هم من سكان قضاء الهندية ترمساً فيه ماء نقي للشرب.
زار الطبيب عبد المطلب الهاشمي المدرسة. دخل الصف الذي أنا فيه، وطلب أن الفت نظر الطلبة لمحاضرة صحية يلقيها عليهم، كانت فيما يخص الماء. وان النساء يغسلن فيه الملابس بقذارتهن. عارضت الطبيب، وشرحت له ماذا يجب. قلت: هذا النهر ينتهي قريباً من حدود أراضي كربلاء. هناك أصحاب الجاموس، والجاموس بما عليه من جراثيم يسبح في هذا النهر، الكلاب أيضاً تشرب وتتبول. إشارتكم أنكم ترمون مادة لقتل الجراثيم غير مجدية، إذا علمتم ما ذكر، مضافاً إلى أن النهر يمتلئ ويجف مناوبةً. والحل الصحيح يا سيدي أن يتم تعاون من عدة دوائر هي الصحة، والري، والزراعة، والجمعيات الفلاحية، لإرشاد الفلاحين عن الصحة العامة ووجوب ربط الكلاب نهاراً، ومنع الحيوانات من النهر، وتأسيس خزان ماء كبير يتوسط عدة قرى متقاربة ومدها بأنابيب الماء للشرب ... أما ما ترمونه من معقمات وسموم ضد الجراثيم فهو عمل بلا جدوى. عدل الطبيب من محاضرته، وأجاب: هذا عين الصواب. وخرج شاكراً!؟
في المدرسة فتيات مع الطلاب، هن أكثر من إخوانهن اجتهاداً، والتزاماً. وهم بالنسبة لأبناء المدن أكثر التزاماً بالأدب والطاعة، واشد اهتماماً بالواجب. بينهم سذج من أغرب ما رأيت في حياتي، قد لا يصدق أحداً، أني سألت فتى يبدو عليه السكون والإصغاء في درس الدين: ما معنى الرحمن؟ أجاب على الفور: سمكة ..!؟ نقلت جوابه هذا وأنا اضحك، أيمكن أن يكون من في مثل سنه وهو في الصف الخامس ولا يفهم هذا؟ استدعاه أحد زملائي، وقال له: ولك ليش قتلت الحسين؟ والشرطة ألان يسألون عنك! أخذ المسكين يبكي ويتوسل: لا والله استاد موش آني، ثم فرّ هارباً من المدرسة! وجاؤا به، فوضع احد المعلمين بجيبه ديناراً. فصار يرتعد ويبكي ويتوسل بالمعلم أن يسحبه من جيبه! ومعظم التلاميذ إذا اقسم، فقسمه بـ -الله، وعلي، والسيد؟- لا اعتقد أن قرية تخلو من -سيد- أي نسبة إلى الإمام علي وأبنائه. وربما تجد قرى متجاورة فيها أبناء لأب علوي توزعوا على تلك القرى فهم يقسمون بحياته وجده، ويعيش بينهم مكرماً.
والمرأة هنا؟ في الثلاثينات عشت معلماً في قرى كثيرة، منها ما أقمت فيها سنتين، ومنها شهور معدودة. وأنا اندمج مع الكثيرين منهم. ولم يفتني أن ألاحظ وضع المرأة الريفية، ومكانتها في مجتمعها، فنساء رئيس القرية وأسرتهم مكرمة، لكن الفلاحين والفقراء يقولون عنهن حين تذكر -تكرم-. فمكانتها تختلف باختلاف مكانة رجالها والطبقة التي ينتمون إليها، الشيوخ، السراكيل، الفلاحين وهؤلاء أيضا تختلف مكانتهم إن كانوا فلاحين لهم أرضهم باعتبارهم من نفس العشيرة التي يساكنوها، أما إذا كانوا ممن يتنقل مؤجرا قواه، فهو مسحوق مستغل مُهان أحيانا.
هنا لا ادري إذا كانت المرأة كالأمس ترزح تحت قيود ظالمة، أم أن ثورة تموز14 و 17 قد حطمت بعض قيودها؟ على إنها منذ القدم غير ملتزمة بحجاب الوجه، ذلك لأنها عضد الرجل في كل الأعمال في البيت والأرض وسائر أمور الفلاحة، وكثيرا ما تقصد أسواق المدينة لبيع بعض المنتجات وشراء ما يلزم للعائلة، وبعد أن وصلت وسائل النقل الحديثة -السيارة- بدلت كثيرا من أخلاق القرويات، وعندما لا توجد في القرية غير مدرسة للذكور فان بعض القرويين ادخل ابنته فيها جنباً إلى جنب مع الطلبة. وقد وجدتهن احرص على الدرس والتحصيل من زميلهن الطالب.
وزار المعلمون السيد بمناسبة إقامة مجلس مأتم الحسين. واعتلى المنبر شيخ فكان حديثه كله عن السيد والكرامات التي ظهرت له. منها إن احد القرويين، نذر ابنة له منذ الطفولة فلما شبت أنكر ذلك ورفضه. فابتليت البنت بالخرس والجنون. فلم ير أبوها بدا من الاعتراف بخطأه. فقدم عذره وتزوجها ابنه الواوي!؟ ويحرص هؤلاء أن يدفن في القرية التي يعيش فيها. فيبني أولاده -قبة- ويتوارث هذا الالتزام الأحفاد ، فيقصده القرويون، ويطلبون منه -المراد- ويقدمون الشموع، ويطلون القبر بالحناء، ويشيعون عنه كرامات ومعاجز أكثر مما كان يشاع عنه وهو حي. ومن إيمانهم التي نسمعها -وحك السيد ....- ويتهيبون حين ينشب بينهم خلاف ونزاع على حق أن يقصد القبر، فيؤدي اليمين كاذباً.
هذه الوثنية ستنقرض، وان غضت الجهات المسؤولة النظر عنها. والأجدر بها أن تمنع على الأقل تشييد القباب على قبور من يموت منهم في أيامنا هذه.

ألناشر
محمد علي الشبيبي