الجبال و وهم الاوتاد

نهى سيلين الزبرقان
2011 / 9 / 2

كلما تكلمت مع مسلم عن الاعجاز يخرج لك حكاية الجبال والاوتاد ، ويقولون أن هناك آيات تكلمت عن الجبال و فيها أعجاز علمي أثبته العلم في عصرنا الحالي. لكن اليوم سأبين لكم المغالطات التي يستعملها زغلول وأمثاله، وسأخذكم معي في رحلة على أسس علمية:

أولا : يقول القرآن {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}... (النبأ:6-7) ، من هذه الاية يستخرج الاعجازيون مثل زغلول-حسب قوله- " أن للجبال جذوراً مغروسة في الأعماق ولم تكتشف هذه الحقيقة إلا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر عندما تقدم السيد جورج ايري بنظريته ..."
يعني السيد جورج ايري تعب وعمل حسابات وافتراضات والاعجازيون بمجرد أن فتحوا القرآن وجدو هذه "النظرية" ، وهكذا بسهولة أصبح ماقيل في القرآن مطابق لماقاله السيد ايري، و سأتكلم عن هذه "النظرية" لاحقا والتي ليس لها أي علاقة بماقاله القرآن..

ثانيا : يقول القرآن {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ... } (الأنبياء:31). يقولون أن دور الجبال هو تثبيت الارض لكي لاتميد بنا، اي الجبال توقف حركة الأرض، ويدعمون هذا بحديث محمد "فقد روى أنس بن مالك عن النبي أنه قال (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ، فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَعَادَ بِهَا عَلَيْهَا.."
ويقول زغلول "أنّ للجبال دوراً كبيراً في إيقاف الحركة الأفقية الفجائية لصفائح طبقة الأرض الصخرية. هذا وقد بدأ فهم هذا الدور في إطار تكتونية الصفائح منذ أواخر الستينيات"
أحب أن أنوه أن كل هذا الكلام تدليس ولا فيه أي شيئ من الصحة ، وأن القرآن لايحتوي على أي فرضية أو نظرية من هذا النوع، لكن سانطلق من كلام زغلول واوضح بشكل علمي المغالطات الذي يستعملها زغلول وهو يعرف جيدا أنه يكذب خاصةً ان علم الجيولوجيا هو تخصصه.
أولا كلام زغلول عام وليس علمي، للتكلم على العلم لابد من منهجية وساتبعها في تحليلي لكلامه.

- المغالطة الأولى: هو يقول نظرية ايري، وانا ارد عليه وأقول هي فرضية وليست نظرية، لماذا لان هناك فرق بين النظرية والفرضية، الفرضية هي توضيح مفترض لظاهرة ما، أما النظرية هي أساسيات ظاهرة ما مع وجود حقائق علمية داعمة لها. اذن زغلول يخلط بين النظرية والفرضية !

- المغالطة الثانية: هو يقول "للجبال جذوراً " وهو يعرف جيدا بمأنه عالم جيولجيا أن في علم الجيولوجيا ليس هناك استعمال كلمة "جذور " وليس هناك عالم جيولوجيا يقول أن للجبال جذور أو حتى مايشبهها. أتى هذا الخلط من كتاب "الأرض" لفرنك براس1 ، استعمل هذا الكاتب كلمة "جذور الجبال" -وحتى في الكتاب وضعها بين قوسين كما وضعتها الأن- عندما كان يتكلم عن فرضية السيد جورج ايري. فخطفها هارون يحيا منه وقال أن الجبال لها جذور، وراح يقول أن القرآن فيه هذه المعلومة الاعجازية وكل من جاء بعده اصبح يردد هذا الكلام كالببغاء حتى زغلول الذي تخصصه جيولوجيا.
لكن ماهي فرضية السيد جورج ايري ؟ هي فرضية ليست جيولوجية وانما جيوديزيائية- قديمة جدا ظهرت في1855-، أيضا فهي ليست الفرضية الوحيدة في الجيودزياء، بل هناك عدة فرضيات و هذا معناه ان الأمر لم يكن محسوم لأي من الفرضيات في ذلك الوقت، و أن الجيوديزائيين كانوا يستعملون كل الفرضيات في حسباتهم ، لكن منذ ظهور الجيودزياء الفضائية بما في ذلك أساليب جديدة لتحديد الجيود "شكل الارض" مباشرة، سرعان ماتخلوا عن استعمال كل هذه الفرضيات بما فيهم "فرضية ايري" . أما في الجيولوجيا لم تُقبل فرضية ايري من طرف الجيولوجيين وكانوا يعتبرونها متناقضة مع الحقائق الجيولوجية، وتعزز هذا الرفض عندما ظهرت بوادر نظرية الصفائح التكتونية (في أوائل1960 ) والتي تُفسر الغلاف الصخري من اعتبارات ليست ساكنة، فنظرية الصفائح هي دينامكية أما مفهوم التوازن فهو ثابت (سكوني) -والذي هو اساس فرضية ايري الجيودزيائية- ؛ الكلام والشرح يطول فأنا اعطيت فقط نقاط . هنا أتوقف و أطرح سؤال كيف باله يختار الا فرضية واحدة ويتكلم عليها في القرآن ؟ رغم أن الفرضيات الأخرى كانت صحيحة وتستعمل في الحسابات الجيودزيائية؟ ولماذا لم يتكلم عن نظرية الصفائح والتي هي أكثر أهمية في الجيولوجيا ؟

- المغالطة الثالثة: وهي الأهم يقول زغلول " أن للجبال جذوراً مغروسة في الأعماق" و القرآن يقول "أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا" فالآية معناها صريح الا وهو أن "الجبال تشبه الأوتاد " أي الجبل مثل المسمار في الأرض (وهو تشبيه) ولم تقل الآية أن للجبال جذورمغروسة، اذا انا أتساءل لماذا يحاول الأعجازيون تحريف كلام القرآن ليوافق هواهم ؟ للتذكير فقط أن الجبل هو جزء من الأرض. فالقول بأن جزءا كبيرا يوجد تحت الأرض ، فهذا لا معنى له! الجبل ليس جبل جليد....
- المغالطة الرابعة: يقول القرآن "وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ.." أي أَنَّا جَعَلْنَا فِي الْأَرْض جِبَالًا رَاسِيَة (ثابتة) لكي لا تضطرب و تتحرك الارض ، سؤالي مامعنى "الأرض" و كيف ستتحرك أو تظطرب "الأرض" اذ نزعنا هذه الجبال؟ وما معنى الثبوت أصلا ؟؟

أن تعريف المفاهيم والمعاني مهم جدا لأن الارض نقصد بها معنيين اما الكوكب أو الرقعة الجغرافية ، وهنا يقع الاعجازيون في أشكاليتين:

* الاشكالية الاولى: لو قالوا أن القرآن يقصد "بالارض" الكوكب ، هنا أتوقف وأقول لهم أن للارض حركتين واحدة حول نفسها والاخرى حول الشمس اذا لماذا هذه الجبال لم تمنع هذين الحركتين؟ وكيف أن الله لايعلم أن للارض حركة و ان هذه الجبال لاتمنعها ؟ اذا يصبح ماقاله الله في القرآن هو غير صحيح.

* الاشكالية الثانية: لوقالوا أن القرآن يقصد "بالأرض" الرقعة الجغرافية وفوقها الجبال، وبفضل الجبال هذه الرقعة لاتظطرب اي لايحدث فيها زلزال أو أي حركة أخرى، وزغلول يقول " أن للجبال دوراً كبيراً في إيقاف الحركة الأفقية الفجائية لصفائح طبقة الأرض الصخرية"
لكن لنرى هل هذا الشرح يتفق مع العقل والمنطق و العلم:

اولا : الجبال تُمثل 25 % من مساحة الارض أي هناك الكثير من المناطق ليس فيها جبال اذن لماذا لم تمد (تتحرك) هذه المناطق ؟

ثانيا : حسب نظرية الصفائح التكتونية ان الغلاف الصخري والذي يحوي القارات والمحيطات والبحار و جزء من وشاح الارض العلوي يكون الصفائح التكتونية (وتسمى هذه الطبقة الليثوسفير) توجد فوق طبقة مادية تتسم بلزوجة العالية (تسمى أسثينوسفير) وتتحرك هذه الصفائح نتيجة ضغط القوة الحرارية الداخلية (تتحرك ببطء شديد ،سرعتها بعض السنتيمترات في السنة). هذه الألواح التكتونية عبارة عن أجزاء صلبة تتحرك بثلاثة أنواع من الحركات: الحركة المتقاربة؛ والحركة المتباعدة؛ والحركة المنزلقة؛. الجدير بالذكر أن الزلازل والبراكين وتَكُّون الجبال وأخاديد المحيطات يحدث نتيجة تحرك الصفائح التكتونية بإحدى الحركات الثلاث السالفة الذكر.
منه نستخلص أن الجبال لاتمنع أي حركة بل هي نفسها تخضع لحركة الصفائح وناتجة عنها.
تخيل قارب (يمثل الصفيحة) وفوقه حزمة من حطب (تمثل جبل) هل هذا الحطب يمنع القارب من الحركة ؟ فحزمة الحطب للقارب هي مثل الجبال للصفائح -للتنبيه فقط هو مثال تبسيطي لكن لايعبر حقيقة عن الواقع الجيولوجي فالاشياء هي اكثر تعقيدا من هذا المثال-

ثالثا : مناطق تكون الجبال (بعضها مناطق التقاء الصفائح التكتونية) وهي مناطق عرضة لزلازل كثيرة (اي حركة) ، يعني رغم وجود هذه الجبال في هذه المناطق لم تمنع بتاتا من حدوث الزلازل

رابعا : ماهي "الحركة الافقية الفجائية لصفائح" التي تكلم عنها زغلول ؟ قلت سابقا أن الصفائح تتحرك وحركتها افقية - مثل حركة قارب فوق الماء-لكن ماهو محرك هذه الصفائح ؟ يعتبر الجيولوجيون "أن حركة الصفائح التكتونية الأفقية هو مظهر من الحركات العمودية في الطبقة تحت الغلاف الصخري، هذه الحركات ناتجة عن إجلاء الطاقة المتواجدة داخل الطبقة الداخلية للأرض"
أي حسب زغلول الجبال توقف حركة الصفائح ؟ و هذا غير صحيح لأن الصفائح تتحرك و في حركة دائمة بدون توقف (تتحرك بسرعة بضعة سنتمترات في السنة وتصل في بعض المناطق الى 20سم/سنة) ، انا أريد أن افهم كيف يازغلول تحرف حتى في الجيولوجيا ؟؟؟؟؟؟
يعني يازغلول لو نتقبل أن الله خلق هذه الجبال لكي الارض لا تميد بنا وهذه الجبال هي اوتاد فانا اقول لك أن عمل هذا الله فاشل جدا...

فكيف لأنسان يحمل شهادة في جيولوجيا ويستعمل كل هذه المغالطات، فهو لايحترم العلم الذي ينتمي اليه ولايحترم عقول البشر. أنّ شرح هذه الآيات لايتطلب اللف والدوران، ولا هذا التفسير الذي ليس له أي علاقة بالعلم.

و أختم بماقاله الشاعر زيد بن عمر بن نفيل والذي توفي قبل ظهور محمد:

وأسلمت وجهي لمن اسلمت ** له الأرض تحمل صخرا أثقالا
دحاها فلما رآها أستوت ....** على الماء أرسى عليها الجبالا

هل هذه الابيات هي أيضا فيها اعجاز علمي؟ وهل هو أيضا أخبره الله أن الجبال هي رواسي ؟


المراجع
see the Book of "UNDERSTANDING EARTH" 1-
- مقالات الإعجاز العلمي للقرآن الكريم للدكتور زغلول النجار
- مجموعة من مواقع الإنترنت والمواقع الجيولوجيّة وكتب (في الأعجاز، جيولوجيا، جيوفزياء..الخ)
http://daralijaz.com/maqalat/jebal/jebal-0.htm

ملاحظة : الجيوديزياء ( أو الجيوديسيا) : Geodesy
هو علم يبحث في كثير من الموضوعات التي تتصل بحجم الأرض وشكلها وأبعادها..