4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 19

محمد علي الشبيبي
2011 / 8 / 22

من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)

في مهب الريح
لدينا من أمثال العرب قولهم (الناس على دين ملوكهم) وحديث عن النبي العربي (ص) (كيفما تكونوا يولَ عليكم). لا أريد أن أناقش المثل والحديث ففي رأيي أنهما غير متناقضين. نحن العرب بدءاً من ساستنا، نناقض ما تستوجبه مصلحتنا الحقيقية، في مجالي الإصلاح الاجتماعي في الداخل وفي المجال السياسي عموماً.
ما من قائد من قادتنا، إلا وتجده بعد أن يحوز حماس الجماهير فيما يعلنه بخطبه الرنانة، التي يحمل بها على الاستعمار ومن ساعده من الحكام السابقين، ملوكا ورؤساء جمهوريات. هو يعتقد إن تصفيق الجماهير وهتافاتهم وحدها كافية، في حين يعرض عن الساسة الآخرين في أحزابهم الخاصة أو التابعين له في حزبه.
الحكومات السابقة كانت لا تسمح للعسكريين الانخراط في الأحزاب السياسية، لأن معظمها كانت ملكية. وتأويل ذلك في حسابها وتعليلها إن دخول الجيش في السياسة، يفتت القوة ويضعفها، فالجيش سياج الوطن. ونسوا إن كثير من حكوماتنا معروفة بولائها للدول الاستعمارية الكبرى. ولكن الجيوش في البلدان العربية، لم تعدم من الشعور الوطني فقد برزت انتفاضات من الجيوش بقيادة أفراد منها عرفوا بوطنيتهم، أو أفكارهم القومية -لا الشعبية- فهذا أندر من الكبريت الأحمر -كما يقول المثل- الجيش في الغالب يميل للفكر القومي، لأن هذه النعرة لا تقاومها الحكومات، بل ولا الاستعمار. إذ أن بعض الرجال في كل الحكومات العربية ينادي بهذا، ولكنه لا يتظاهر بأنه يستند إلى عسكريين. فالرئيس المهيمن، خصوصاً إذا كان من نوع نوري السعيد لا يتغاضى عن وجود من يعمل ضد حكمه في الجيش، ولن ننسى أحداث عام 1941.
هذه المقدمة الطويلة سقتها بمناسبة اجتماع القادة العرب. مصر بزعامة جمال عبد الناصر، وسورية، والأردن. ثم سرعان ما انتهى إليه أمر الدفاع المشترك، الذي عرفت بـ "نكسة حزيران" ولم تخف أسباب هذه النكسة. فأهم دول الاستعمار - أمريكة وبريطانية وفرنسا- متمسكة بالتزامها لإسرائيل، وقد ساندنها فعلاً. والحر تكفيه الإشارة، إذا قلنا أن كل واحد منا يعلم، كيف يعرض في كل قضاياهم عن هيأة الأمم ومجلس الأمن، ويتجهون إلى تلك بصفتها الشخصية. ذلك لأنهم لو توجهوا إلى الأمم المتحدة بصدق لوجدوا من يساندهم من رجال الشعوب المتحررة الشرقية. ولكنهم يحذرون ذلك، كما عبر شاعرنا الجواهري:
فخـوفـــــوهــا بدب ســـوف يأكلهــا في حين سبعون عاما تألف السباعا
حين حدثت نكسة حزيران، ضاق صدري وخرجت للتمشي صباحا، وجدت البلد وكأن ظلاماً هندسا يلفها، فالشوارع خالية إلا من أفراد قلائل يمشون وكأنهم ينتظرون حدثاً مخيفاً. لقيني معمم يدعى الشيخ عبد علي الساعدي يعرفني ولم اعرف اسمه. لكني أعرف عنه تبع الحزب الشيوعي فترة من حياته ثم انظم إلى حزب قومي أيام ثورة 14 تموز. بادرني بلهجة جافة بقوله: أرأيت موقف جماعتك؟ وخيانتهم لمن اعتمد عليهم؟. بدهشة، قلت: من تعني جماعتك؟
- الحمر!
- أمرك عجيب يا أخي. أنا مالي في سياسة بلدي رأي. فكيف عن الآخرين!؟. وبضجر أفلت لساني فذكرت له حكاية شابين عرفا بالفجاجة، أو ما يعبر عنها العامة بقولهم -فطر-. احدهم تزوج بمساعدة الثاني وهو يبدو أنضج من العريس. لم يتمكن العريس من الزوجة، إنها ترفض، كلما دنا منها ركلته برجلها، استغاث بأخيه. الذي كان ينتظره بضجر على باب غرفته. فلم يجد بداً من إخراجه وتقدم هو إليها، وبعنجهية لفها لفاً، ولما انتهى كل شيء، هتف زوجها من خارج الباب، عبالج آني؟ هذا أخويَ حسن!؟ وأنهيت كلمتي، يا أخي إذا لم تكونوا ذوي قدرة فلا تنتظروا "حسن" ذلك خزي وعار.
ومع ذلك فقد بادر الاتحاد السوفيتي وبعض الدول الاشتراكية وبواسطة مجلس الأمن، فوجه إنذارا للدول التي شاركت إسرائيل بوقف القتال والعودة إلى خط الهدنة. وقطع الاتحاد السوفيتي علاقته بإسرائيل؟
واستقال جمال عبد الناصر. وخرجت مصر كلها متظاهرة، رافضة استقالته. الحق إن جمال مع كونه قضى فترة حكمه بالتجارب في تسمية واتجاه مسيرته السياسية، فانه بين حكام وزعماء العرب خيرهم، وان هو أيضا احتكر الحكم. وكانت النكسة له صدمة. فهو وزن متفوق على بقية زعماء الحكومات العربية المتحررة، إذا صح إنها كذلك. فمع العلاقة بالدول الاستعمارية العملاقة وفي مقدمتها أمريكة، لا يمكن أن يتمكن أي زعيم على تحرير بلاده كما يجب. من توخى التحرر التام، فليبعد هؤلاء حتى لو أضطر شعبه أن يعيش عيش الزاهدين.

رجال أحببتهم
ويلذ لي أن لا أنسى وأنا أدون ذكرياتي هذه أن أسجل شذرات عمن الفتهم والفوني في السجن وخارجه.
هاشم الطعان هذا زميلي وصديقي -هنا- هاشم الطعان المثقف، المطالع الدؤوب، والشاعر المبدع، ذو المعشر الرائع، آية في ذكائه، وهو راوية شعر حاضر البديهة، لولا حدة في مزاجه، بحيث يلتزم الجفاء لأي زميل لزلة خفيفة. فلا يعود لممازجته، بل مجالسته. أذكر أنه قد أعد قصيدة بمناسبة ليلقيها باحتفال أقمناه لكنه فاجأنا بعدوله عن ذلك، لأن المسؤول عن إدارة الحفل، وهو فنان كردي، عصبي المزاج وفيه شوفينية حتى أنه أحتج ذات مرة، كيف خصص لتمثيلية عربية يومان، ولتمثيلية كردية يوم واحد!؟ وعبثا حاولوا إقناعه، بأن السجناء العرب هنا أكثر عدداً، مضافاً إليهم من حضر من رؤساء الدوائر ومديرية السجن وشرطتهم.
يحيى ق. (يقول الكلمة وميخاف!) حقاً انه لا يخاف، وانه ليقول بجرأةٍ وشجاعة، بلهجة كأنها جمار متقدة. أعرفه منذ كان مديراً لمدرسة الغري الأهلية في النجف. وكان أخي -حسين- إذ ذاك تلميذا في هذه المدرسة. لم التق به إذ ذاك مطلقاً. لكني كنت اسمع من يتحدث عن سيرته واهتماماته الوطنية. وكانت هذه المدرسة أصلاً نبتة طيبةً، سعى لتأسيسها نخبة من الذين عرفوا بوطنيتهم، أمثال سعد جريو، والسيد حسين كمال الدين، وآخرين لا تحضرني أسماؤهم. كانوا ينتخبون لها معلمين مخلصين ووطنيين وان لم يكونوا من أعلى درجة في المعرفة. مع إني عرفت كثرين منهم، كانوا غير قاصرين في المادة العلمية التي يُسند إليهم تدريسها. أحيانا يجلبون أساتذة مصريين لإدارتها والتدريس. أتذكر منهم أن أحد مدرائها، حين باشرت أنا في القسم الليلي تلميذا، يدعى محمد علي ناصر ويدرس الانكليزية.
يحيى ق كان احد المحجوزين في سجن الحلة عام 1963 التقى به الصديق الأستاذ هاشم الطعان. دنا منه متهيباً، وكأنه يدنو من قديس. عرفه بنفسه. فهش الرجل وبش، وبحسرة وألم، وهو يمسك بيد هاشم، وقال: إننا نأسف يا ولدي إننا لم نحقق لكم كل ما طمحنا إليه من استقلال وحرية في هذا الوطن، ولكنا مع الأسف تركنا لكم وطناً متعباً!؟
كلمة رائعة، وصراحة شجاعة. غيره لم يستح أن يقول كلمات التبجح، فيدعي ما لم يكن. بعضهم يذكر متاعبه وجهاده -وهو مجاهد- لكنه يعزو الفشل إلى ناس هذا الوطن فقط وكأنه يجهل إن سماسرة الاستعمار الذين امسكوا بالزمام هم وراء كل فشل لخدمات المخلصين.
أحب أن أسجل موقفاً له في سجن الحلة ردهة 2. معاون شرطة موصلي كان يأتي إلى هذه الردهة ويصيح: كل موصلي منكم فليقف ويكون حاضراً وسأعود!؟ لكنه لا يعود ويبقى الموصليون واقفين إلا يحيى، فانه يستمر يلعب الشطرنج. تكررت لعبة هذا المعاون أياما. فنهض يحيى وصاح بصوت عالٍ: تعال منعول الوالدين، ما تريد من الموصليين، العن أبوك لا أبو الذي أرسلك، كلب حقير!؟ وجمد المعاون بمكانه وذهب من حيث أتى بصمت ولم يعد مرة أخرى.
هبة الدين الشهرستاني رجل أحببته وكنت أحترمه. وحين أجلس إليه، أو أجده في ديوان أتردد عليه، الزم الصمت متوجها لسماع حديثه بكل جوارحي. دعاه أبي مرة إلى بيته بعد أن زاره. وسألته: هل لما قيل أن السيد جمال الدين الأفغاني أقام في النجف مدة للدراسة، عند احد العلماء الذين عرف عنهم، إنهم متخصصون بعلم المصطلح عنه "العرفاني" أي عن الحقيقة المطلقة، أو -واجب الوجود-؟
فأجاب: هذا سمعناه بعد أن اشتهر اسم الأفغاني لا في حينه. قلت: وما رأيك فيه؟ أجاب: أولاء نفر وضعوا هذه -وأشار إلى عنقه- على هذه –وأشار إلى راحة يده-.
ثم لما انخرطت في سلك التعليم عام 1935 والتحقت بدورة للدراسة حيث عُهد تدريس منهاج خاص لعدد كبير من المعلمين -خريجين وغير خريجين- نخبة من الأساتذة المشهورين أمثال الدكتور فريد زين الدين. عيّن هبة الدين أيضا لتدريس وإلقاء محاضرات عن الدين الإسلامي، وقد استشهد في بعض محاضراته بقصيدة له عن واجب الوجود، ورصد جائزة لمن يحفظها عن ظهر غيب، وحفظتها (ذكرت هذا في "معلم في القرية" تحت موضوعة "الدرس الأول").
لن أتحدث عنه أكثر فالرجل أكبر من أن أكون أنا المتحدث عنه، وهو من عرف بجهاده من ناحية التأليف، والصحافة، وفضله مشهود له.
الشاعر صالح الجعفري إنا من محبيه والمعجبين به، رغم إني لم أتتلمذ عليه، ولكني أحد أفراد الشلة التي لم ينفصل أعضاءها بعضهم عن بعض إلا نادراً. لن انسَ تلك المجالس التي كانت تضمنا والاجتماعات الخاصة في بيتنا أو بيت أحدنا. وكأنّا لم نكن ندري إذ ذاك إنا نمهد الطريق للأجيال الجديدة. صالح الجعفري شاعر -العصفورة- والقصائد الغرر ومن أبيات "العصفورة":
عصفورتي لا تعجبي واحتسي من خمــرة الآلام صهبــاءهـا
حُــرِمت الــدنيــا على كل من لم يحتمل بالصبــر ارزاءهــا
حين أعلن المرحوم الأستاذ جعفر الخليلي انه يهيئ كراساً باسم "حبوب الاستقلال" للدكتور "روس" ويدعو الأدباء للمساهمة. أرسل إليه الجعفري هذين البيتين:
أكذا يقـــــــــال وربمــــــــا كان الثقــــاة مخبـــرينــــــا
شــــلت يـمينـــــــــــــك إن رفعت على المعاهدة اليمينا
وكان حينذاك يتوقع العراقيون تصديق المعاهدة التي جاء بها الملك فيصل عام 1930. ومن شعره الوطني "تحية لغاندي" ومنها هذه الأبيات:
قف في منى واهتـــــف بمجتمع القبائل والوفــود
حجوا فلســتم بالغيــــن بحجكم شــــرف الهنــود
حجــوا إلى اسـتقـلالهم وحججتموا خوف الوعيد
وإطاعة الأحـــــــــرار أفضل من طاعات العبيد
واغرب خاطرة ، كنت على وشك غفوة والساعة ميعاد نوم. وبدا لي وكأني في حفل تأبين أستاذي العزيز -الجعفري- وفعلا نظمت هذه الأبيات:
رزئتُ به وكم أتت الليــــــــالي برزءٍ لا يقـــاوم بالنضـــــــــال
بذي الـرأي المثقف -جعفــريٍ- عَــلا فأنــــار قمة كل عـــــــال
له النظـــر البعيــــد بكل أمــــرٍ يُمحصــه فيمنحــــك اللئــــــالي
مجـــالســـــه رياض مولقــــات أزهـارهـا أحـــاديث غــــــوالي
أبا النطق الفصيح عراك صمت ولا عجب فذا شــــأن الليـــــالي
فقد غنى الذليـــل بصـــوت نُكرٍ يمجـــد في غنــاه أبا رغـــــــالِ
الحديث عنه يطول. كان يرفض الأباطيل التي ساند بعضها رجال دين لهم شهرة ، منها موقفه من مواكب -التطبير والسلاسل- وقد أفتى أبرز شخصيات آل كاشف الغطاء الشيخ محمد حسين فتواه بحليتها. فتقدم الجعفري، وبكل جرأة ترجم فتوى لقريبه -الحُجة- فتوى سبقت هذه بسنين مطبوعة باللغة الفارسية ونشرها في كراسٍ لأحد المعارضين لتلك البدع، الكراس أصدره الشيخ محمد كنجي باسم "التنزيه". كذلك حين أفتى المرجع المعروف بـ "النائي" بحليتها. عمد الجعفري لترجمة كتاب لهذا المرجع باسم "هداية الأمم" كان يدعو فيه للتحرر الفكري وضد الحاكم الدكتاتوري. وكان هذا المرجع قد حرص أن لا يعلم أحد بهذا المؤلف، فقد غير رأيه، بعد أن أصبح مرجعا شهيراً. ولما نشر قسم منه في مجلة العرفان. طالب النائي الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء أن يتوسط الأمر لدى الجعفري فلا يستمر بالنشر ... مع هدية نقدية لا بأس بها. أما الجعفري فقد أخذ الهدية، ونشر قسماً آخر، اعتذر عن هذا حين وصل عدد العرفان، إن هذا كان لدى المجلة مع القسم الذي نشر قبل ذلك.

ألناشر
محمد علي الشبيبي