تعاظم قوّة الصين أمر إيجابي

جلبير الأشقر
2011 / 8 / 22

هل ستتمكن الصين من تخطّي الولايات المتحدة بوصفها القوّة الأبرز في العالم؟ وهل سيؤدي ذلك إلى حرب باردة جديدة؟ أسئلة يجيب عنها الأستاذ في«معهد الدراسات الشرقية والأفريقية» في لندن جلبير الأشقر لـ«معهد توثيق وبحوث السلام»

■ كيف نقوّم صعود الصين كقوّة عظمى: أهو أمر إيجابي أم سلبي؟
يتوقّف ذلك بالطبع على وجهة النظر التي يجري التقويم من خلالها. فالحكم على صعود الصين كقوّة عظمى سيكون مختلفاً، حسب ما إذا صدر من منظور الولايات المتّحدة، أو من منظور أوروبا، أو العالم الثالث. وسوف يختلف أيضاً حسب ما إذا كان المنظور المعتمَد اقتصادياً أو سياسياً ــــ عسكرياً. ويمكننا الجزم من وجهة نظرٍ مناهضة للإمبريالية، بأنّ تعاظم قوّة الصين أمر إيجابي، بقدر ما يسهم في إعادة توازن العالم بعد أن أصبح أحادي القطب، إثر سقوط الاتحاد السوفييتي. أما من الناحية الاقتصادية، فلا يمكن إنكار الدور الإيجابي الذي تؤديه الصين من خلال تعاظم وزنها في الاقتصاد العالمي. وقد أثبتت ذلك مرّة أخرى أثناء الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة. لكن السؤال الأهم هو ما إذا كان من شأن صعود الصين ذاك أن يؤدي إلى تفاقم ديناميكية الحرب الباردة الموجودة أصلاً، التي قد تسوء وتفضي إلى توتّرات حادة سياسية وعسكرية تمثّل خطراً على البشرية.

■ يرى بعض الخبراء أنّ حجم الصين الاقتصادي قد يتخطّى حجم أميركا في 2025. ألا ينذر ذلك بنشوب حرب باردة وحدوث مواجهة؟
تشير بعض التقديرات إلى حصول ذلك قبل ذلك. فقد عاود الاقتصاد الصيني النموّ بوتيرة عالية جداً في 2010، بمعدّل يقارب 10%، ما سبّب مخاوف جديدة من إحماء اقتصادي مفرط. وإذا طال أمد ذلك النموّ السريع، فقد يتخطّى حجم الاقتصاد الصيني حجم الاقتصاد الأميركي في وقت قريب جداً. ونرى بعض القلق لدى الغرب، وهو قلق من أن يغدو بلدٌ يختلف نظامه السياسي عن نظم الديموقراطيات الغربية أكبر قوة اقتصادية عالمية، وذلك لأول مرّة منذ بزوغ الرأسمالية الصناعية... هل يفضي تعاظم قوة الصين تلقائياً إلى خطر نشوب حرب باردة؟ ترى المدرسة المسمّاة بالبنيوية في العلاقات الدولية أنّ صعود قوّة جديدة يخلق بالضرورة توتّراً مع القوة السائدة قبلها، في إطار من موازين القوى تحكمه «لعبة محصلتها صفر»، أي لعبة لا بدّ أن تكون فيها مكاسب أحد الأطراف على حساب طرف آخر. لكنّني لا أرى في الأمر حتمية بنيوية، بل أرى أنّه مرتهن للقرار السياسي. فالأمر الحاسم، في التحليل الأخير، هو الموقف الذي تعتمده القوة المسيطرة حالياً، أي الولايات المتحدة... فالولايات المتحدة تحاول محاصرة صعود الصين. وقد أقامت حولها ما يمثّل في نظر بكين تطويقاً استراتيجياً. وإذا استمرّت الولايات المتحدة على هذا النحو، فستتفاقم حتمياً ديناميكية الحرب الباردة، الموجودة أصلاً. لقد عنونت أحد كتبي الصادر في 1999، مباشرة بعد انتهاء حرب كوسوفو: «الحرب الباردة الجديدة». وقد أشرت بتلك العبارة إلى التوتر المتزايد آنذاك بين موسكو وبكين من جهة، وواشنطن من الجهة الأخرى. ويبدو لي أنّ تطوّر الوضع العالمي قد أكّد ما توقعته بصدد منحى العلاقات السياسية ــــ العسكرية بين هذه القوى. فمع بدء ما سمّي «برهة القطب الواحد»، أدّى تشدّق الولايات المتحدة بالانتصار إلى تبنّيها سياسة هيمنة، لا تجاه أتباع واشنطن التقليديين فحسب، بل كذلك تجاه موسكو وبكين. ولا ينحصر ذلك التوجه في إدارة جورج بوش الابن وحدها، بل بدأ يتبلور منذ سنوات 1990 ــــ 1991. أما تسيير تلك السياسة الإمبراطورية من قبل جورج بوش الابن، فأدى إلى النتائج الكارثية المعروفة، حتى أصبحت صدقية الولايات المتحدّة بوصفها «قوة عظمى» موضع شك. وقد فاقمت الأزمة الاقتصادية خسارة الهيبة تلك، ما فرض على واشنطن إعادة النظر في سياستها في عهد إدارة أوباما التي تميل إلى اعتماد موقف أكثر توفيقاً إزاء موسكو وبكين.
فإما أن تتمكن واشنطن في نهاية المطاف من اعتماد نمط تعايش دولي قائم على المؤسسات الجماعية ومنظمة الأمم المتحدة والقانون الدولي، فيمكن إيقاف ديناميكية الحرب الباردة، وبما يصبّ في مصلحة العالم أجمع، كما في مصلحة الشعب الأميركي، أو تواصل انتهاج سياسة عدوانية في تطويق الصين وروسيا، ولا سيما بعد تغيير في الفريق الحاكم في واشنطن، فتتصاعد حينها بكل تأكيد ديناميكية الحرب الباردة.
أما الواقع حتى الآن، فهو أنّ الصين بعيدة عن التكافؤ مع الولايات المتحدة على الصعيد العسكري. فلا تزال الأخيرة أعظم قوّة عسكرية في العالم، وبكثير، فهي تنفق وحدها في هذا المجال ما يعادل نفقات سائر بلدان العالم مجتمعة. ويبقى الإنفاق العسكري الصيني متواضعاً جداً بالمقارنة مع الإنفاق العسكري الأميركي...
والعامل الحاسم في هذا الصدد إنما هو حجم الناتج المحلّي الإجمالي برمّته، وليس الناتج المحلّي الإجمالي للفرد الذي سيبقى لدى الصين أدنى مما لدى الولايات المتحدة. فالإنفاق العسكري لواشنطن يقارب 5% من ناتجها المحلّي الإجمالي، وهو معدل مرتفع جداً. بيد أنّ تعاظم الناتج المحلّي الإجمالي الصيني إلى حدّ سوف يضاهي الناتج الأميركي ويتخطّاه قريباً، من شأنه أن يمكّن بكين من زيادة نفقاتها العسكرية إلى ما يعادل نفقات واشنطن، لا بل يفوقها...

■ هل ترى أنّ رغبة صينية في هيمنة تتعدّى إعادة التوازن مع الولايات المتحدة أمر قابل للتحقيق؟
السؤال الأول الذي يجب أن يُطرح في هذا الصدد إنما هو إذا كان هناك أصلاً رغبة في الهيمنة لدى الصين. طبعاً فإنّ وجود الرغبة لدى بكين حقيقة لا تحتمل الجدال في نظر صقور الغرب. لكن إذا راقبنا السلوك الصيني بطريقة أكثر حيادية وموضوعية، فلن نجد حقاً ما يدعم تلك الفرضية. إنّ الأمر الأكيد هو أنّ السلوك الصيني يتضمن بالضرورة منطق توسّع اقتصادي، إذ إنّ ديناميكية اقتصادها وحجم صادراتها يزوّدانها باحتياطيّ نقديّ ضخم. وتحتاج الصين إلى تثمير هذا الاحتياطيّ، لكن ليس فقط بشراء سندات خزينة أميركية، كما فعلت في السنوات الأخيرة، الأمر الذي ينبغي عليها أن تقلّل منه. والحال أنّ الصين قد موّلت عجز الخزينة الأميركية في السنين الأخيرة، فأسهمت، بنحو أو بآخر، في تمويل تسلّح الولايات المتحدة وحروبها. ويقارب اليوم احتياطيّ بكين ثلاثة آلاف مليار دولار، وهذا رقم خيالي. فلا بدّ من أن تقوم الصين اليوم بما قامت به الاقتصادات الرأسمالية في نهاية القرن التاسع عشر، عند تحوّلها «الإمبريالي». فبما أنّها تحوز قدراً عظيماً من الأموال تحتاج إلى توظيفها، لم تعد تكتفي بتصدير السلع، بل باتت تصدّر الرساميل بنحو متزايد، أكان ذلك باتجاه البلدان النامية أم باتجاه الاقتصادات الغربية، حتى إنّها اقترحت تعويم دول أوروبية كاليونان والبرتغال. وهي تأمل أن تحصل في المقابل على دخول ميسّر إلى الأسواق، وتطوّر للتبادل، وأولوية في استيراد المواد الأولية، إضافة إلى النفوذ السياسي المرافق لكل ذلك. وقد باتت اليوم القروض التنموية التي تمنحها الصين تزيد على تلك التي يمنحها البنك الدولي.
أما على الصعيد العسكري، فذلك لم يُترجم، أو لم يُترجم بعد، بسلوك على طريقة إمبرياليات نهاية القرن التاسع عشر، أي باعتماد العسكرة وسياسة حربية تهدف إلى توسيع رقعة السيطرة السياسية ــــ العسكرية. ولم نلحظ حتى الآن أمراً مماثلاً في المسلك الصيني. فإنّ أولويات بكين ذات طبيعة دفاعية، ذلك أنّ هاجس الصين اليوم هو الطوق الأميركي المضروب عليها. وتسيطر واشنطن على منابع الطاقة التي تعتمد عليها الصين، ولا سيما في الشرق الأوسط الذي ترتهن الصين بنفطه أكثر بكثير مما ترتهن الولايات المتحدة... كل ذلك يقلق بكين بالتأكيد. والصين محاطة بقواعد عسكرية أميركية، من آسيا الوسطى وأفغانستان حتى اليابان. وهي تخشى أن تحاول الولايات المتحدة التعويض عن خسارتها للهيمنة الاقتصادية من خلال مضايقات اقتصادية أو من طبيعة أخرى، مرتكزة على تفوّقها العسكري. وقد يطال الابتزاز الأميركي منابع الطاقة، والتجارة. كذلك لدى الولايات المتحدة على صعيد القوات البحرية قدرة إرسال هائلة: لديها إحدى عشرة حاملة طائرات، بينما لم يكن لدى الصين حتى واحدة إلى الآن، وسوف تطلق قريباً حاملة طائرات سوفييتية اشترتها من روسيا وجدّدتها، وتخطط لبناء حاملتين أخريين... وقد طوّرت الصين أسطول غواصاتها، وهو السلاح البحري الذي تقترب فيه من التكافؤ مع ما تملكه الولايات المتحدة أكثر ما تقترب، من حيث العدد على الأقل. كذلك يطوّر الصينيون صاروخاً بالستياً أرض ــــ بحر مضاداً لحاملات الطائرات الأميركية. تلك طريقتهم في مقارعة السيطرة البحرية الأميركية.
أعود إلى بداية حديثي: إنّ الكرة في ملعب الولايات المتحدة، وهي لا تزال قادرة على «قولبة العالم»، كما كانت تؤكد وثائقها الاستراتيجية في تسعينيات القرن الفائت. ولا تزال المبادرة بيدها، وهي التي تحدد قواعد اللعبة حتى هذه اللحظة. فإما أن تغيّر سلوكها، مدركةً أنّ «برهة القطب الواحد» لم تكن سوى برهة عابرة حقاً، وأنّ من المناسب بناء إطار من العلاقات الدولية المسالمة على قاعدة المؤسسات الجماعية مع قواعد لعبة يحترمها الجميع، أو تتابع محاولتها الرعناء في منع قيام نظير استراتيجي. في الحالة الثانية، لا يمكن ديناميكية الحرب الباردة إلا أن تتفاقم أو حتى تتدهور إلى حدّ خطير.
جاك لودوفان

(ترجمة تونيا عكر)