4- ثورة 14 تموز 1958 والسنوات العجاف/ 18

محمد علي الشبيبي
2011 / 8 / 15

من (ذكريات معلم) للراحل علي محمد الشبيبي (1913 – 1997)

حتى متى وإلى متى
(لو كان سهما واحداً لاتقيته ولكنه ســــهم وثـانٍ وثالث)
أجل والله، بالنسبة لي، هي أكثر من ثلاث، إنها سهام متواصلة، حياتي غير مريحة، ولكني أوبخ نفسي. إني أحبها، فأخاطبها: إن الصبر طيب، تحقيق المطالب الحياتية بالسعي مع الصبر مفخرة، ويجعل الحياة لذيذة.
توجهت في صباح 5/2/1967 إلى بعقوبة. هذا الصباح كثيف الضباب، ولكن لم يكن أشد كثافة من الضباب الذي أثاره ويثيره مدير أمن ديالى هاشم سليمان. وكأن له عليّ ترةً وثأراً قديماً. في طريقي إلى بغداد كان إلى جانبي رجل شيخ مكشد. كنت ملازما الصمت. لكن الشيخ كان يثرثر بقصة جميلة، أعجبتني، ورغم هذا بقيت ملازما الصمت.
السائق ذو الوجه الأرقش والجسد الضخم، والبطين كان يسوق السيارة بسرعة، وكأن عينيه تخترقان الضباب. لم ينبهه أحد، إلى أن في هذا خطر. وافقت على صدمة عنيفة، وقد تطاير زجاج السيارة الأمامي، فأدمى جباه بعض الركاب. وسكنت السيارة على سكة القطار. مازلت في دوامة أفكاري، وحسابي مع نفسي عما ينتظرني من متاعب. أخذ الركاب كلهم يصيحون: حرك ليش طَفيت، ملعون الوالدين ...!؟ وانتبهت إلى الخطر العظيم. جاء القطار يهدر. كم كان أمري مضحكاً حين رددت عليهم: يا ناس تردون صدمة ثانية، انتظروا العامل ليرفع العارضة. فقال أحدهم: أنت متشوف بيننا وبين القطار ما بقه شي؟! انتبهت للخطر .. وعبر السائق بالسيارة ومرّ القطار يهدر.
صرت أضحك من نفسي. لو أنه صدمنا لاسترحت من كل هذه المتاعب. ورحت أتصور، ماذا سيبقى من أجساد الركاب جميعاً. من المؤكد انه سيعصرنا عصراً بين حديد السيارة وعجلاته، فلا يبقى غير عظام مهشمة ودماء فقط ...
بعد أن مرّ القطار، عبرت السكة بقية السيارات، وسائقنا كان منشغلاً بجمع كسر الزجاج التي تناثرت عليه. نزل جماعة من سيارة خاصة، وانهالوا عليه لوما وتقريعا. كيف تمشي بتلك السرعة، مع صعوبة الرؤية من كثافة الضباب. وهنأونا بالسلامة، وركبوا سياراتهم. حين تحركت سيارتنا وقطعت مسافة وجيزة وجدنا سيارة أولئك الطيبين أنفسهم قد ارتطمت بسيارة كبيرة، وقد تهدلت رؤوس بعضهم كأموات والدماء تغطي وجوههم. الكل يبدو كأنهم أموات. سارعنا إلى الشرطة. ولم يمهلنا سائقا البليد لنتعرف هل هم على قيد الحياة!
لقد أجريت كل الفحوص، وأنجزت عدم المحكومية. وراجعت مجلس الخدمة. وقد اُجبت (ينتظر الرد النهائي من دائرته) وراجعت الإدارة المحلية بالكتاب المرقم عندهم 1506 في 5/2/1967، وقصدت ديالى بعد أن زودت برقم وتأريخ كتاب أمن كربلاء. مدير أمن كربلاء كان شهما ومتفهم لمسؤوليته. كان معاون محافظ ديالى السيد سليم اطرقجي قد أرسل إليّ مع أحد معارفي أن أراجع أمن كربلاء. وكان مدير أمنها "عبد الرضا عوض" كان وقوراً. وعلمت أنه يحمل شهادة حقوق قانون مضافا إلى شهادة كلية الشرطة، شخصية وقورة، يصغي ويستوعب ثم يناقش. وأوصى أن أزود بجواب مدريته برقم كتابها 177 في 16/2/67. هو أيضا علق ولماذا يسميكم الوالد بأسماء متشابهة، هو محمد، وأنت علي، أخوك محمد علي!؟ قلت: حبه لمحمد (ص) وعلي دعاه إلى هذا، فما ذنبنا نحن!؟ لم يبق لهاشم سليمان عذر بعد، ففي 25/2/1967 زودت بكتاب رقم 923 وانتهى الشهر دون جدوى، لكنه أخيرا وافق اللجنة ودفع القرار إلى المتصرف منير فهمي الجراح، فكان الجراح أشد معارضٍ، يقول لهم: أنتم تعرفون من هم آل الشبيبي!؟ هؤلاء كلهم معارضة!
هنا قمت بحركة ومناورة. كتبت بيت الشعر التالي:
وعَدْتَ ووعد الحر دينٌ على الفتى فأنجــز رعـاك الله خيــراً وأنصفِ
أقسم بالله لو قاله فيّ أحد لاعتبرت نفسي أضحوكة. كتبته في وريقة من كراس دعاية للساعاتي ناجي أبو رقيبة، وعلى صفحة منه صورة لنوع من الساعات عنده. قدمته للفراش ورجوته أن يوصله إليه. كان الفراش كلما رآني يبدي أسفه. أما مدير التربية جاسم عبد الحسين -والحق يقال- فقد ناصرني في هذه المرة أمام مدير الأمن، ثم مع المتصرف منير الجراح، حين أصر الأخير على دراسة الملف للمرة الرابعة. قال المدير يخاطبه: سمعتم بحادث السيارة وصاحبها معلم، والكارثة المؤلمة والمخجلة؟ هذا المعلم يستأجره بعضهم في سفرات لنزهة لُبها الفجور، وهو يستوفي منهم أجرة ويشاركهم العهر والفسوق. في عودتهم من الحبانية اصطدمت السيارة وهم في حال سكر شديد، فماتت العاهرة وابنتها الصغيرة وكانت ممرضة، وجميع الآخرين إلا هو. ومن المؤسف أن نعرقل أمر هذا المعلم -يعنيني- وقد استعرضنا ملفته ورقة ورقة فلم نجد غير الشكر من المفتشين. أما أمثال أولئك الذين ماتوا تلك الميتة القبيحة فلا يهمنا أن يعيشوا كموظفين مع ما هم عليه من تبذل وفجور؟
أعود إلى موقف المتصرف. حين قرأ ما كتبت له. استدعاني، قال:
- أنت تعرف تنظم (شُعُر).
- نعم
- طيب منين جبت هذا الكارت؟
- مني أنا
يسألني هكذا وهو يرى أنها ورقة عادية، وأسمي في ذيل ما كتبت، وملفتي كانت موضوعة أمامه وعليها أسمي بالخط العريض. وتفضل فأجاب: ثلاثة أيام وتعال! قلت: لا تنسوا إني مفصول لا أملك دخلا، ما أبذله وبذلته للمراجعات والتنقل بين كربلاء وبعقوبة تحتاجه عائلتي للعيش! وخرجت. وإذا بالفراش يخرج وبلهجة ابتهاج وفرح، قال: عمي وقع، ألحگ؟ يا رب. كشفت الضباب، رحماك أكشف الغيوم أيضاً. وجدت مدير التربية ومعاون المتصرف قد ابتهجوا من أجلي. فقالوا. تعال، لقد وقَّع! حكيتُ قصة بيت الشعر، فزاد ضحكهم، وعلق مدير التربية: ما يدرينا لعل يوما يأتينا فَيُعَين مفوض شرطة متصرفا للواء ورئيسا مسؤولا! وأرسل كاتب الطابعة إلى بغداد، ومعه الموافقة على عودتي. وحين ذهبت أنا إلى الإدارة المحلية في وزارة الداخلية التقيت -من باب الصدف- بمدير الإدارة المحلية سلطان أمين رحب بي لكنه أبدى أسفه: إن التعيينات أوقفت إلى حين إنهاء أمر الميزانية العامة للدولة، وسوف يصدر أمر تعيينك في بداية السنة الدراسية للعام الدراسي القادم!؟ وعدت أدراجي أجر ذيل الخيبة جرّ متعب مثقل بأنواع الهموم، فماذا ينتظرني بعد كل هذا؟
كل ما مر في مراجعاتي غير غريب فالمثل الشعبي يقول -الشبعان ما يدري بالجوعان-، المسؤولون -طبعا- هم أكثر الآخرين لا يدرون. لأنهم في شغل من أمرهم، ليس من أجل سد الجوع، هم والحمد لله بتمام الشبع، بل إلى حد التخمة. شغلهم الشاغل أن لا تفلت السلطة من أيديهم أولا وأخيرا، أن يطمئن كل واحد منهم ومن الأقربين إليهم، ومن كلابهم، وكلاب كلابهم. لا للأيام والشهور والأعوام، بل هم يطمحون إلى الخلود، شباعاً وغير ضماء، وقد ضمنوا الثراء الحلال الذي ترعاه مصارف لندن، خشية أن تهب عاصفة رعناء، فينسف حكمهم آخر، ربما يحدث هذا، وعند ذاك يكون أشد نهماً من سابقه، ولن يكتفي بمصادرة أملاك السابق، فيبدأ غير متعظ، ولا متعقل بمن أندثر عهده، وضاع جهده، ليجمع ويكنز. ومرد كل هذا، هو شعبنا الواعي والشجاع أحياناً والذي ينام أحيانا نوماً عميقاً، ويجبن جبناً لا حد له. تماماً كحكامنا، وقد وصف حالنا هذه شاعران من شعرائنا أصدق وصف، فقال الشاعر علي الشرقي:
هذا الفـــــرات وهذه عــــاداته متفلت من عهــد حمـــــورابي
قد يستحيل على الحديد عبوره جســرا وقد يكفيه نفخُ جُــراب
وقال الشاعر الكبير ألجواهري ما هو أبدع:
هو الفــرات وكم في أمره عجب في حـــالتيه وكـم في آيـه عـبــــر
بينما هو البحر لا تسطاع غضبته إذا اســتشـــــاط فلا يبقي ولا يـذر
إذا به واهـن المجــرى يعــارضه عــودٌ ويمنعه عن ســيرهِ حجــــرُ
حكامنا من شعبنا فطباعهم كطباعنا، ولذا تراهم يستحثونا للهياج ضد الظالم حتى إذا أطاحوا به قلبوا لنا ظهر المجن. فإذا سلموا من الموت وفروا إلى لندن هناك تظاهروا ثانية بالنُسك. فحالي إذن معهم غير عجيبة. هم ليسو عليا بن أبي طالب، ولا عمر بن الخطاب.
وأعود إلى حكايتي. ما أن عدت من بغداد بعد ملاقاة مدير الإدارة المحلية ووعده، حتى استقبلتني دواهي جديدة وبلايا كلفتني متاعب ولهفة كادت أنفاسي تختنق منها.
ابني محمد، مخبر مجهول أتصل بي تلفونياً ينبئني أنه أوقف في مركز شرطة أبي غريب في 4/4/1967، وتم فصله من الجامعة. عرفت السر، كنت قد نهيته وحذرته أن لا يشترك في انتخابات اتحاد الطلبة، فقد خسر من سنوات دراسته الكثير بسبب السجن. صارحته أن هذه محاولة لاكتشاف القوى المعارضة اليسارية. سارعت وكفلته بعد أيام من اعتقاله. وقص علي معاون الشرطة الحكاية وسرها، وكان رجلا طيباً. قال: جاء به عميد الكلية بنفسه متهما إياه بأنه كان يحمل رشاشة قاوم بها الطلبة المتنافسين، ولكنني استغربت انه هو المضروب على عظم ساقه تحت الركبة بعصي غليظة فهي متورمة، بينما لم نجد لديه سلاحاً فعجبنا كيف سلموا من رصاصه كما زعموا!؟ وكيف استطاعوا ضربه!؟ أما هو فأفاد. تصدّوا لي واعتدوا عليّ أكثر من مرة، وشكوتهم للعميد بمذكرتين، ولم يفعل شيئا، كان متواطئا معهم. وبعد الانتخابات وفوزي استمروا بالاعتداء عليّ، حتى اضطررت أن أترك الكلية. وحضر بعض المعارف لحمايتي في اليوم الثاني، وأيضا لم أسلم من محاولة الاعتداء لولا معارفي، وقد طلبوا مني أن اتركهم وابتعد، وأثناء ابتعادي عنهم مسكني حرس الكلية وأخذوني للعمادة وسلمني العميد إلى الشرطة. ومع كفالتي ذهبت مع الشرطة ليطلقوا سراحه من مديرية الأمن العامة. وعبثاً انتظرت فقد لبث عندهم فترة ثم أرسلوه إلى معتقل الفضيلية. ولم يطلق سراحه إلا في 22/6/1967.
وأرسلت إلى عميد الكلية د. حسين العاني رسالة شرحت له فيها ظروفي، وموقفه من محمد وهو مرب كبير يجب عليه أن يجعل نظرته واحدة لجميع الطلبة. وما حدث منهم غير مستغرب ... وأجابني الرجل مرتاحاً لرسالتي، وأعلمني أنه سيبذل جهدا من أجل إعادته للجامعة.
وأعلن في بغداد عن تشكيل وزارة جديدة برئاسة طاهر يحيى، وبدء بالعمل من اجل وحدة عسكرية!؟ بعد تشكيل الوزارة شاع في الأوساط أن ضرائب جديدة شرعت، مثل زيادة سعر النفط من 130 إلى 160 فلس، وعلى مراجع المستشفى أن يدفع طابع ثمنه 25 فلس، وسعر الكوكا من 20 فلس إلى 25. ضريبة قانون الدفاع الوطني بالنسبة للراتب لمدة عام؟
أذيع اليوم 20/7 أن الرئيس اجتمع بمجلس الوزراء وبحث معهم الأمور التي تمت في اجتماعات الرؤساء في القاهرة. وقرر مجلس الوزراء تأليف لجنة لدراسة أمر إطلاق سراح السجناء والمعتقلين. وذكرت الصحافة موافقة الحكومة على عودة الدكتور فيصل السامر والدكتورة نزيهة الدليمي. وسبق أن وافقت على عودة الجواهري، جزى الله طاهر خيراً، إن تم هذا!؟
وفي 2/9 صدرت الجرائد تحمل مقررات المؤتمر الذي انعقد في السودان. أهمها ضخ النفط، وتقديم العون ومساعدة مالية من ثلاث دول هي السعودية وليبيا والكويت للأردن ومصر. وصدرت الجرائد بحملة على هذه المقررات. وتساءلت: من اجل من اعدم المضربون تنفيذا لقرار الدول المشاركة بحرب فلسطين!؟. اعدم بعض في السعودية، وسجن آخرون بليبيا والكويت، لأنهم رفضوا شحن بواخر الأعداء.
في الشهر التاسع -أيلول- عاودت مراجعة سلطان أمين كرماشة مدير الإدارة المحلية. كان الجواب سخرية بالحكم لا بيّ أنا، وان يكن أيضاً يدل على عدم الاهتمام بي من ناحيته، وكأن قضيتي لا تدخل ضمن شؤون الحاكمين كواحد من الرعية. قال: الدولة لحد الآن لم تدبر أمر تعيين خريجي دار المعلمين والمعاهد، فكيف بالمفصولين؟
أكرر قولي إننا شعبا وحكومات لم تتبدل أساليبنا لحد الآن. الحكام حين يتسلطون لا يفكرون، أو أن أهم ما يشغل بالهم، كيف سيملكون الزمام ويحققون مآربهم. ليس رأيي هذا عن عراقي، وإنما العرب كلهم في كل مواطنهم، جمعيات وأحزاب وحكومات.
الشقيري رئيس منظمة التحرير الفلسطينية عزل وحل محله يحيى حمودة. وقد سبق للشقيري، أن طعن الملك حسين، ثم ذهب إليه وصالحه بمناسبة الاشتباك الذي حدث بحزيران -الميمون-. وسبق للشقيري أن ألقى ببغداد عندنا بمناسبة ليلة القدر، فكان يشبه واعظا دينيا لا زعيما سياسيا.
نحن نهتم كيف نختلف ونبرز خلافاتنا، حتى فيما لا يستوجب الشدة والحماس. فقد أصدر قاضي بغداد أن غداً يعتبر اليوم الأول من شوال فهو عيد، لكن النجف وتوابعها لم تلتزم، فرجال الشرع عندهم لم يثبت. أما كربلاء فقد سمعنا أطلاقات نارية تنبه أن غدا عيد، لكن الأكثرية تبعوا النجف. أليس غريبا أن لا يجد المسؤولون المسلمون طريقة لتوحيد الرأي في إثبات ظهور الهلال؟ لجنة موحدة مثلا، من قبل رجال الدين لليومين المحتمل فيهما ظهور الهلال. هذا خلاف في ابسط أمورنا، كيف يمكن إذن فيما هو معقد وعسير!؟


ألناشر
محمد علي الشبيبي