التوجه الماركسي نحو القارات الثلاث

سمير أمين
2011 / 8 / 11

مسار الرأسمالية التاريخية

التوجه الماركسي نحو القارات الثلاث

ينقسم المسار التاريخي الطويل للرأسمالية إلى ثلاث مراحل متتالية متميزة: 1) مرحلة إعداد طويلة – للتحول من نظام الجزية وهو النظام السائد في المجتمعات الطبقية ما قبل الحديثة – وهي مرحلة القرون الثمانية من العام 1000 إلى 1800، 2) مرحلة نضج قصيرة (القرن التاسع عشر)، تتأكد في خلالها سيادة الغرب، 3) مرحلة "التدهور" الطويلة التي دفعت إليها "صحوة الجنوب"، والتي انتزعت خلالها الشعوب والدول المبادرات الرئيسية في تحول العالم والتي بدأت موجتها الأولى في القرن العشرين. وهذه المعركة ضد النظام الإمبريالي التي لا تنفصم عن التوسع العالمي للإمبريالية، تحمل في طياتها احتمال السير في الطريق الطويل للتحول لما بعد الرأسمالية ونحو الاشتراكية. وتبدأ مع القرن الواحد والعشرين موجة جديدة من المبادرات المستقلة لشعوب ودول الجنوب.

أولاً: أدت التناقضات الداخلية الخاصة بجميع المجتمعات المتقدمة السابقة للحديثة، وليس فقط في أوروبا الإقطاعية، لموجات متتالية من الاختراع التدريجي لمكونات الحداثة الرأسمالية.

و حدثت أقدم هذه الموجات في الصين حيث بدأت هذه التحولات ابتداءً من مرحلة السونج (القرن الحادي عشر)، لتتوسع في مرحلتي المنج والكنج لتمنح الصين تقدماً واضحاً في الاختراعات التكنولوجية، وفي إنتاجية العمل الاجتماعي، وفي الثروة، لم تتمكن أوروبا من تجاوزه إلا في القرن التاسع عشر. وتبعت هذه الموجة "الصينية" موجة "شرق أوسطية" ظهرت في مرحلة الخلفاء العرب والفارسيين، ثم انتقلت بعد الحروب الصليبية إلى المدن الإيطالية.

وبدأت الموجة الأخيرة لهذه المرحلة الانتقالية الطويلة للوصول للعالم الرأسمالي في أوروبا الأطلنطية ابتداءً من غزو الأمريكتين لتتطور في خلال العقود الثلاثة للمرحلة المركانتيلية (1500 – 1800). والرأسمالية التاريخية التي فرضت سيطرتها تدريجياً على المستوى العالمي هي ما أنتجته هذه الموجة الأخيرة.الشكل الأوروبي (أو الغربي) للرأسمالية التاريخية التي بنتها أوروبا المركزية والأطلنطية، وسليلتها في الولايات المتحدة، وبعدها في اليابان، لا ينفصم عن بعض صفاته المميزة وخاصة التراكم المبني على الاستلاب (أولاً للفلاحين في بلادهم، ثم لشعوب التخوم الي أدمجها في نظامه العالمي). فهذا الشكل التاريخي إذن لا ينفصل عن التباين بين المركز والتخوم الذي خلقه ويعيد خلقه ويعمقه بلا انقطاع.

ثانياً: وأخذت الرأسمالية التاريخية شكلها النهائي الناضج في نهاية القرن الثامن عشر مع حدوث الثورة الصناعية الإنجليزية التي اخترعت "الصناعة الآلية" ( ومعها وضعية البرولتاريا الصناعية الحديثة)، وكذلك قيام الثورة الفرنسية التي اخترعت السياسة الحديثة.

وعاشت الرأسمالية الناضجة لوقت قصير يمثل قمة هذا النظام وهو القرن التاسع عشر. وفيه يفرض تراكم رأس المال شكله النهائي ويصير القانون الأساسي الذي يتحكم في التطور الاجتماعي.

ومنذ البداية كان هذا الشكل من التراكم في الوقت ذاته، بناءً (لأنه ساعد على التسريع الكبير والمتواصل لإنتاجية العمل الاجتماعي)، وهداماً كذلك. وقد توصل ماركس لهذه الملاحظة المبكرة التي تقول: "التراكم يدمر الأساسين الذين تقوم عليهما الثروة وهما الكائن الإنساني (الذي يتحول إلى سلعة) والطبيعة".

وفي التحليلات التي اقترحتُها للرأسمالية التاريخية، أبرزتُ القسمة الثالثة لهذا البعد المخرب للتراكم، ألا وهي الاستلاب المادي والثقافي للشعوب المسودة في التخوم، والتي ربما فاتت أهميتها على ماركس، ويرجع ذلك بالتأكيد إلى أنه في خلال المرحلة القصيرة التي استغرقتها دراسات ماركس كانت أوروبا تبدو أنها تركز فقط على أهداف التراكم الداخلي. ولذلك يُرجع ماركس هذا الاستلاب لمرحلة "التراكم البدائي"، والذي أصفه أنا بالتراكم الدائم.

والواقع أن الرأسمالية التاريخية تقوم في خلال المرحلة القصيرة لنضجها بمهمات تاريخية تقدمية لا يمكن إنكارها. فهي تخلق الشروط التي تجعل من الممكن والضروري تجاوزها إلى الاشتراكية/ الشيوعية سواء على المستوى المادي أو على مستوى الوعي السياسي والثقافي الجديد المرتبط بها. والاشتراكية (ومن باب أولى الشيوعية) ليست "أسلوباً للإنتاج" أرقى لأنه يدفع قوى الإنتاج بسرعة أكبر ويربطها بنظام "عادل" لاقتسام الدخل، بل هي بالأحرى مرحلة أرقى لتطور الحضارة الإنسانية. بناءً عليه لم يكن من قبيل الصدفة أن الحركة العمالية والاشتراكية عمقت جذورها بين الطبقات الشعبية، وبدأت النضال من أجل الاشتراكية منذ القرن التاسع عشر في أوروبا (بصدور البيان الشيوعي في عام 1848). وليس من قبيل الصدفة كذلك أن أول تشكيك في الرأسمالية اتخذ شكل أول ثورة اشتراكية في التاريخ وهي كوميونة باريس في عام 1871.

ثالثاً" ودخلت الرأسمالية التاريخية ابتداءً من نهاية القرن الثامن عشر في المرحلة – الطويلة – لأفولها، وأعني بذلك أن الأبعاد المدمرة للتراكم تتغلب منذئذ على بعدها التاريخي البناء والتقدمي.

ويتجسد هذا التحول الكيفي للرأسمالية مع قيام الاحتكارات الجديدة للإنتاج (وليس مجرد السيطرة على التبادلات والغزو الاستعماري كما حدث في المرحلة المركانتيلية) في نهاية القرن التاسع عشر (لنين وهوبسون وهِلفردِنج). وكان ذلك هو الرد على الأزمة البنيوية الطويلة الأولى التي بدأت في سبعينيات القرن التاسع عشر، بعد هزيمة كوميونة باريس بقليل. وظهور رأسمالية الاحتكارات يكشف أن الرأسمالية قد أنهت دورها وأنها صارت نظاماً "بطُل استعماله"، وأن ساعة نزع مِلكية منتزعي مِلكية الآخرين حلت وصارت ممكنة وضرورية. وعبرت عن هذا الأفول الموجة الأولى من الحروب والثورات التي ميزت تاريخ القرن العشرين.

لم يخطئ لنين إذن عندما وصف رأسمالية الاحتكارات بأنها "المرحلة العليا للرأسمالية"، ولكن لنين في تفاؤله، تصور أن هذه الأزمة الطويلة الأولى ستكون الأخيرة لأنها وضعت الثورة الاشتراكية على قمة جدول الأعمال. ولكن التاريخ اللاحق أثبت أن الرأسمالية استطاعت التغلب على هذه الأزمة، ولكن بثمن الدخول في حربين عالميتين، ثم التأقلم مع التراجعات التي فرضتها الثورتان الروسية والصينية، والتحرر الوطني في آسيا وأفريقيا. ولكن الفترة القصيرة التي ازدهرت فيها رأسمالية الاحتكارات (1945 -1975) تبعتها أزمة بنيوية طويلة جديدة للنظام بدأت من سبعينيات القرن العشرين. ورد رأس المال على هذا التحدي المتجدد بتحول كيفي جديد اتخذ الشكل الذي سميته "رأسمالية الاحتكارات المعممة".

وتنتج عن هذا الفهم "للتدهور الطويل" للرأسمالية مجموعة من الأسئلة الأساسية حول طبيعة "الثورة" القائمة على رأس جدول الأعمال، وهل ينطبق "التدهور الطويل" للرأسمالية على "مرحلة الانتقال الطويلة" للاشتراكية/الشيوعية؟ وبأية شروط؟

رابعاً: ابتداءً من عام 1500 (بداية الشكل المركانتيلي الأطلنطي التاريخي للانتقال للرأسمالية الناضجة) وحتى عام 1900 (بداية التشكيك في المنطق الأحادي للتراكم)، كان الغربيون (الأوروبيون ثم الأمريكيون الشماليون وبعد ذلك اليابانيون) هم سادة اللعبة، وهم وحدهم الذين يشكلون هياكل العالم الجديد للرأسمالية التاريخية. وكانت الشعوب وأمم التخوم المغزوة والمسودة تقاوم بالتأكيد بطريقتها ولكنها كانت في النهاية تهزم وتضطر للتأقلم مع أوضاع القهر.

وتزامنت سيادة العالم الأوروبي الأطلنطي مع انفجاره السكاني، فالأوروبين الذين كانوا يكونون 18% من سكان العالم في عام 1500، صارت نسبتهم إلى سكان العالم 36% في عام 1900، بمن في ذلك ذريتهم في أمريكا الشمالية واستراليا. وبدون هذه الهجرة الواسعة لم يكن من الممكن تحقيق شكل التراكم المبني على التفكيك المتسارع لمجتمع الفلاحين. وهذا هو السبب في استحالة تكرار هذا النموذج في بلدان التخوم التي لا تجد أمريكا لتغزوها. ولما كان "اللحاق" أمراً مستحيلاً فلا بد من إيجاد طريق بديل للتنمية.

خامساً: وقد بدأ في القرن العشرين انقلاب للأدوار فقد انتقلت المبادرة للشعوب ولأمم التخوم.

كانت كوميونة باريس (1871) أول ثورة اشتراكية، وآخر ثورة تقوم في أحد بلدان المركز الرأسمالي.

ويعلن القرن العشرون – مع صحوة شعوب التخوم – بداية فصل جديد من التاريخ حيث قامت الثورة الإيرانية في عام 1907، ثم ثورة المكسيك في 1910/20، ثم ثورة الصين في 1911، ثم ثورة روسيا في 1905 التي تتبعها ثورة 1917. وتلي ذلك النهضة العربية الإسلامية، وقيام حركة شباب تركيا الفتاة، والثورة المصرية في 1919، وتكوين حزب المؤتمر الهندي، وهذه جميعها تمثل أول مظاهر الفصل الجديد.

وكرد فعل على الأزمة الطويلة الأولى للرأسمالية التاريخية (1875/1950)، بدأت شعوب التخوم التحرك لتحررها ابتداءً من 1914/17، وذلك تحت راية الاشتراكية (في روسيا والصين وفيتنام وكوبا)، أو تحت راية التحرر الوطني المرتبط بدرجات مختلفة بالإصلاحات الاجتماعية التقدمية. كما بدأت على طريق التصنيع الذي كان محرماً عليها في ظل سيطرة الإمبريالية الكلاسيكية القديمة، والتي اضطرت لذلك الى "التأقلم" مع تلك المبادرات المستقلة للشعوب والأمم والدول في التخوم. ومنذ عام 1917، وحتى فقدان الزخم "لمشروع باندونج" (1955 -1980)، وكذلك انهيار الاتحاد السوفييتي (1990)، كانت هذه المبادرات هي التي تحتل واجهة المسرح السياسي. ولا أنظر للأزمتين الطويلتين للرأسمالية الشائخة للاحتكارات في إطار نظرية الدورات الطويلة التي يقترحها كوندراتييف، وإنما كمرحلتين من تدهور الرأسمالية التاريخية المعولمة وكذلك للتحول الممكن نحو الاشتراكية. كذلك لا أعتبر الفترة من 1914 إلى 1945 كمجرد "حرب الثلاثين عاماً لتجاوز الهيمنة البريطانية" وإنما كذلك كمرحلة الحرب الطويلة للمراكز الرأسمالية ضد الصحوة الأولى للتخوم (الشرق والجنوب).

وفقدت هذه الموجة الأولى من صحوة الشعوب زخمها لأسباب متعددة ومتداخلة منها تناقضاتها الداخلية وحدودها، فضلاً عن نجاح الإمبريالية في اختراع أشكال جديدة للسيطرة على النظام العالمي (بتقوية سيطرتها على الاختراعات التكنولوجية، وعلى استحواذها على الموارد الطبيعية للكوكب، وسيطرتها على النظام المالي المعولم، وعلى الاتصالات والمعلومات، وعلى احتكارها لأسلحة الدمار الشامل).

ورغماً عن ذلك فقد بدأت أزمة طويلة للرأسمالية من سبعينيات القرن العشرين، اي بعد الأولي بقرن كامل. وإجابات الرأسمالية على هذه الأزمة مناظرة لإجاباتها على الأزمة الأولى، ألا وهي التركيز المضاعف (الذي ترتب عليه ظهور رأسمالية الاحتكارات المعممة)، والعولمة ("اللبرالية")، والأمولة. ولكن مرحلة انتصار الإمبريالية الجماعية للثالوث (والتي تعتبر "الزمن الحميل" [1990/2008] المقابل لنظيره الأول [1890/1914]) قصيرة، فقد انفتح الباب أمام مرحلة من الفوضى والحروب والثورات. وفي هذا الإطار ستمنع المرحلة الثانية من صحوة أمم التخوم القائمة بالفعل، الإمبريالية الجماعية للثالوث من تصور استمرار مواقعها المسيطرة إلا عن طريق السيطرة العسكرية على الكوكب. ودوائر الحكم في واشنطن بإعطائها الأولوية لهذا "الهدف الاستراتيجي" تدل على وعيها الواضح بأهداف الصراع الحاسم في زماننا. وهذا يتباين مع النظرة الساذجة للتيارات الغالبة في الغرب التي تدعي البحث عن "عالم بديل".



هل رأسمالية الاحتكارات المعممة هي المرحلة النهائية للرأسمالية؟



وصف لنين إمبريالية الاحتكارات بأنها "المرحلة العليا للرأسمالية"، أما أنا فأصف الإمبريالية بأنها "مرحلة دائمة" للرأسمالية، بمعنى أن الرأسمالية التاريخية المعولمة كانت على الدوام تعيد إنتاج وتعمق الاستقطاب بين المراكز والتخوم. وقد كانت الموجة الأولى لتكوين الاحتكارات في نهاية القرن التاسع عشر بالتأكيد تمثل تغيراً كيفياً في الهياكل الأساسية للإنتاج الرأسمالي. واستنتج لنين من ذلك أن الثورة الاشتراكية باتت على جدول الأعمال، وعبرت روزا لوكسمبورج عن نفس الفكرة بالقول بأن الاختيار يقوم بين "الاشتراكية أو البربرية". ولا شك أن لنين عبر عن تفاؤل سابق لأوانه بعض الشيئ حيث لم يقدر الأثر المدمر للريع الإمبريالي وما أدى إليه من نقل الثورة من الغرب (المراكز) إلى الشرق (التخوم).

والموجة الثانية من تركيز رأس المال والتي حدثت في الثلث الأخير من القرن الماضي كانت تحولاً كيفياً ثانياً للنظام وهو ما أسميه "الاحتكارات المعممة". ومنذ هذا التحول لم تعد الاحتكارات تمثل القوى العليا المسيطرة على الاقتصاد الحديث فحسب، بل صارت تفرض سيطرتها المباشرة على النظام الإنتاجي بكامله. وقد انتزعت في الواقع مِلكية المشروعات المتوسطة والصغيرة (وحتى الكبيرة خارج الاحتكارات) مثل المزارعين وتحولت إلي نوع من المقاولين من الباطن تتعرض للتحكم الشديد من جانب الاحتكارات قبل وبعد الإنتاج.

وعلى هذا المستوى العالي من التركيز انكسرت العلاقة بين رأس المال وبين حامله العضوي الحي وهو البرجوازية، فهذا التحول بلغ من الخطورة أن البرجوازية التاريخية المكونة من العائلات المعروفة على المستوى المحلي حلت بدلها أوليجاركية من المديرين المسيطرين غير المعروفة تتحكم في الاحتكارات على الرغم من توزع مِلكية رأس مال هذه الاحتكارات. وتشهد المجموعة الجديدة من العمليات المالية التي اخترعت في العقود الأخيرة على هذا الشكل العالي من التغريب: فالمضارب يستطيع اليوم بيع ما لا يملكه بما يهبط بالملكية لمستويات غير معهودة، كما تختفي وظيفة العمل الاجتماعي المنتج. وقد أسبغ هذا التغريب على المال قدرة إنتاجية (بالقول إن المال يلد أبناءاً). كما أسبغ التغريب على المال صفة الزمن بالقول: "الوقت من ذهب"، وهو ينتج الربح بقدرته الذاتية. والطبقة البرجوازية الجديدة التي تقوم بإعادة إنتاج هذا النظام عبارة عن مجموعة من "الموظفين مدفوعي الأجر" مع أنهم بوصفهم من الفئات العليا من الطبقة المتوسطة ممن يتمتعون بأجور في غاية الارتفاع نظير "عملهم".

ألا يجب في ظل هذه الظروف القول بأن الرأسمالية قد تخطت وقتها؟ وليس هناك سوى رد واحد على التحدي، وهذا الرد هو: يجب تأميم الاحتكارات. وإخضاعها الضروري للدولة بهذه الطريقة هو الخطوة الأولى على طريق تحويل إدارتها نحو الاشتراكية على يد العمال والمواطنين، وهو فقط ما يسمح بالسير على الطريق الطويل نحو الاشتراكية. وفي الوقت نفسه، فهذا هو الشرط الضروري لخلق اقتصاد كلي يسمح للمشروعات الخاصة المتوسطة والصغيرة بالحياة. وفي غياب هذه الخطوة، يسود منطق رأس المال المجرد الذي لن يؤدي إلا لفقدان الديمقراطية بل المدنية، وهو ما يعني الأبارتهيد على المستوى العالمي.



التوجه العالمثالثي للماركسية



تدعو قراءة مسار الرأسمالية التاريخية، وإبراز ما يحدث من استقطاب في هذه العملية (التباين بين المركز والتخوم) الناتج عن الشكل التاريخي لتراكم رأس المال، لإعادة النظر في الثورة "الاشتراكية" (وبشكل أعم في مرحلة الانتقال للاشتراكية) التي أنتجتها الماركسيات التاريخية. فالثورة (أو مرحلة الانتقال) التي على رأس جدول الأعمال ليست بالضرورة هي التي وُضعت على أساسها تلك الرؤى (وبالتالي استراتيجيات الصراع لتجاوز الرأسمالية).

يجب علينا أن نعترف بأن ما حاولت الصراعات الرئيسية للقرن العشرين الطعن فيه لم يكن الرأسمالية في حد ذاتها وإنما كان البعد الإمبريالي للرأسمالية القائمة بالفعل. والسؤال الآن هو معرفة ما إذا كان هذا التحول في مركز ثقل النضال يحمل في طياته بالضرورة (وليس بصورة آلية بالطبع) أو على الأقل إمكانية الطعن في الرأسمالية ذاتها.

أولاً: يربط فكر ماركس بين الوضوح والجلاء (العلمي) في تحليل الواقع وبين التحرك الاجتماعي والسياسي (صراع الطبقات في أوسع صوره) الذي يعمل على "تغيير العالم".

والفكر الأساسي لماركس – أي فيما يتعلق باكتشاف المصدر الحقيقي لفائض القيمة الناتج من استغلال رأس المال للعمل – لا يمكن تخطيه، فالتخلي عن هذه المساهمة الجلية والأساسية لماركس يؤدي بالتأكيد لخطأ مزدوج:

فهذا التخلي يجعل تحليل الواقع ينصب على الصورة الظاهرية التي يراها الفكر المحدود بخضوعه للتغريب السلعي الذي يخلقه النظام. وبهذا تنعدم فاعلية الاستراتيجية المتصورة لتغيير العالم والموضوعة في إطار هذا التغريب، حيث تصير الافتراضات "العلمية" المستنتجة بلا أساس حقيقي.

ومع ذلك فالاكتفاء بالتحليل الجلي الذي وضعه ماركس لا يكفي وحده، لا فقط لأن "الواقع" ذاته في حالة تغير دائم، وأن هناك دائماً الجديد الذي يجب أخذه في الاعتبار عند تطوير الفكر الانتقادي للواقع – ابتداءً من ماركس. ولكن هناك سبب أعمق وهو أن الانتقاد الذي تركه لنا ماركس في كتاب رأس المال بقي ناقصاً كما هو معلوم. فقد انتوى ماركس أن يعالج في الجزء السادس من هذا الكتاب – الذي لم يظهر – موضوع عولمة رأس المال، وعلينا أن نقوم بذلك التحليل بدلاً منه. وقد تجرأت بالقيام بهذا العمل باقتراح "قانون القيمة المعولمة" الذي يعطي الأهمية الواجبة للتنمية غير المتساوية (أي الاستقطاب بين المركز والتخوم) التي لا تنفصم عن التوسع العالمي للرأسمالية التاريخية. وفي هذه الصياغة يندمج "الريع الإمبريالي" في صلب عملية إنتاج وتدوير رأس المال، وتوزيع فائض القيمة. وهذا الريع هو أساس التحدي، فهو يفسر من ناحية غياب النضال من أجل الاشتراكية في المراكز الإمبريالية، ومن ناحية أخرى إبراز البعد المعادي للإمبريالية في صراعات التخوم ضد نظام العولمة الرأسمالية الإمبريالية.

ولن أحاول هنا تأويل ما كتبه ماركس بشأن هذا الموضوع، فماركس الذي كان عملاقاً واضح الفكر وذا قدرة ذهنية صافية، قد أحس بالتأكيد أنه يواجه هنا مشكلة خطيرة. ويشهد على ذلك تعليقه على الآثار الكارثية لتقبل الطبقة العاملة الإنجليزية للشوفينية المرتبطة بالاستغلال الاستعماري لإيرلندا. ولذلك لم يستغرب ماركس أن تقوم أول ثورة اشتراكية في فرنسا الأقل تقدماً من إنجلترا من الناحية الاقتصادية، ولكنها أكثر منها تقدماً في الوعي السياسي. وكذلك كان يأمل بالاشتراك مع إنجلز، بأن يؤدي "تأخر" ألمانيا إلى شكل غير مألوف من التقدم حيث تقوم الثورتان البرجوازية والاشتراكية في وقت واحد.

وقد سار لنين أبعد من ذلك فقد أبرز التحول الكيفي الذي أحدثه الانتقال إلى رأسمالية الاحتكارات واستنتج من ذلك أن الرأسمالية قد فقدت طبيعتها كمرحلة تقدمية من التاريخ وأنها وصلت لمرحلة "التعفن" (وهي عبارة لنين بالنص)، أي أنها صارت نظاماً "بطل استعماله" أو "شائخ" (كما عبرت أنا)، وبذلك وُضعت على رأس جدول الأعمال ضرورة الانتقال للاشتراكية التي صارت ممكنة وضرورية. وهكذا قاد بالفعل ثورة من التخوم (روسيا أو الحلقة الضعيفة). وعندما خابت آماله في قيام الثورات الأوروبية لتستكمل المسيرة، نقل توقعاته إلى الشرق بعد أن رأى أنه من الممكن هنا الربط بين أهداف النضال ضد الإمبريالية والنضال ضد الرأسمالية.

وكان ماو هو الذي قام بعد ذلك بوصف الطبيعة المعقدة والمتناقضة للانتقال إلى الاشتراكية في هذه الظروف.

ثانياً: والماركسية (وبالأحرى الماركسيات التاريخية) وجدت نفسها تواجه تحدياً جديداً لم يخطر ببال أكثر الأفكار السياسية جلاءً في القرن التاسع عشر، ولكنه ترتب على انتقال المبادرة لتغيير العالم إلى شعوب وأمم ودول التخوم.

والريع الإمبريالي لا يستفيد منه "فقط" احتكارات المركز المسيطر (على شكل أرباح مضاعفة)، بل إنه يكون الأساس لإعادة إنتاج المجتمع في مجموعه على الرغم من انقسامه الواضح إلى طبقات، وتعرض عماله للاستغلال. وقد حلل بيري آندرسون هذا الوضع بجلاء عندما وصف "الماركسية الغربية" بأنها "ناتج الهزيمة" (بتخليها عن التطلع للاشتراكية). وهنا اضطرت هذه الماركسية بتخليها عن "تغيير العالم" أن تغرق في تهويمات أكاديمية دون مردود سياسي. وكانت النتيجة هي التخبط اللبرالي للاشتراكية الديمقراطية وانضمامها إلى أيديولوجية "التوافق" للولايات المتحدة وكذلك للأطلنطية في خدمة السيطرة الإمبريالية على العالم.

و"عالم آخر" (وهو تعبير غامض لوصف عالم ينطلق على الطريق الطويل نحو الاشتراكية) شيئ لا يمكن تصوره إلا إذا وضعنا تصورنا لحلول المشاكل التي تواجه شعوب التخوم (80% فقط من سكان العالم!)، فتغيير العالم يعني أولاً تغيير ظروف الحياة لهذه الأغلبية. والماركسية التي تحلل واقع العالم لتعطي القوى التي تعمل على تغييره فاعليتها الكاملة يجب أن يكون لها توجه للقارات الثلاث (آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية) أكيد بل مسيطر. فكيف إذن ستحلل هذه الماركسية ذات التوجه للقارات الثلاث الواقع وكيف ستضع الاستراتيجيات الفعالة؟

ثالثاً: للإجابة على هذا السؤال علينا أولاً أن نبدأ من تحليل الواقع.

ويرتكز التفكير الذي أقترحه بهذا الشأن على إبراز ما يبدو لي من تحول رأسمالية الاحتكارات الإمبريالية ("الشائخة") إلى رأسمالية الاحتكارات المعممة (الأكثر شيخوخة بسبب هذا التحول)، وهو تحول كيفي حدث كرد على الأزمة الطويلة الثانية التي بدأت في سبعينيات الفرن الماضي، والتي لم تجد حلاً للآن. وقد خرجت من هذا التحليل بنتيجتين رئيسيتين: 1) تحول النظام الإمبريالي إلى الإمبريالية الجماعية للثالوث (الولايات المتحدة وأوروبا واليابان) كرد على تصنيع التخوم الذي فرضه انتصار الموجة الأولى"لصحوتها". وفي الوقت نفسه فرضت هذه الإمبريالية الجديدة أساليب جديدة للتحكم في النظام العالمي مبنية على السيطرة العسكرية على العالم وعلى موارده، ومضاعفة الحماية لملكيتها الحصرية للتكنولوجيا، والسيطرة على النظام المالي المعولم. 2) وتحول الهيكل الطبقي للرأسمالية المعاصرة المرتبط بذلك بظهور أوليجاركية احتكارية مسيطرة،

وتتجاهل "الماركسية الغربية" التحول الحاسم الذي يمثله ظهور رأسمالية الاحتكارات المعممة، فالمثقفون من اليسار الراديكالي الغربي الجديد يرفضون أن يأخذوا في الاعتبار التأثير الحاسم لتركيز الاحتكارات التي تسيطر تماماً على نظام الإنتاج كما تسيطر على مجمل الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والأيديولوجية. وحيث يسنبعدون تعبير "الاشتراكية" (ومن باب أولى الشيوعية) من حديثهم، فهم لم يعودوا يتصورون ضرورة مصادرة مِلكية المصادِرين، بل يتحدثون فقط عن "رأسمالية أخرى" ذات وجه إنساني كما يدعون. وتخبط الحديث "عما بعد" ( ما بعد الحداثة أو ما بعد الماركسية أو غيرها) هو النتيجة الحتمية لذلك. ونيجري على سبيل المثال لا يذكر كلمة واحدة عن التحول الحاسم الذي أضعه في قلب القضايا المعاصرة.

واللغة الجديدة التي تعبر عنها هذه الهلوسات يجب أخذها بالمعنى الحرفي على أنها خيالية وإيهامية وبعيدة تماماً عن الواقع. فتعبير "الشعب" بالفرنسية (ومن باب أولى "الطبقات الشعبية")، وكذلك بالإسبانية، لا يعني "جميع الناس" بل يشير إلى الطبقات المسودة والمستغَلة ويؤكد بذلك تنوعها (أي تنوع علاقاتها برأس المال) ويسمح لذلك بوضع استراتيجيات ملموسة وفعالة تجعل منهم عناصر نشطة في عملية التغيير. وفي المقابل فإن تعبير "الشعب" بالإنجليزية مرادف لتعبير "الناس" (أي الجميع)، واللغة الجديدة بذلك تتجاهل المفاهيم الماركسية المعبر عنها باللغة الفرنسية (والإسبانية) وتستخدم بدلها التعبيرات الغائمة مثل تعبير "الجمع" الذي يستخدمه نيجري. وإعطاء هذا التعبير، الذي لا يضيف شيئاً ولكته يُنقص الكثير، قوة مزعومة في التحليل، مستنداً لاستخدام سبينوزا له في عصر يختلف تماماً عن عصرنا الحالي، يعتبر من قبيل "الهلوسة الفلسفية".

ويتجاهل الفكر السياسي لليسار الغربي الرادبكالي الجديد كذلك الطبيعة الإمبريالية للاحتكارات المعممة ليضع بدله التعبير الخالي من المضمون "الإمبراطورية" (نيجري). وهذه المركزية الغربية المبالغ فيها جداً تستبعد الأخذ في الاعتبار الريع الإمبريالي والذي بدونه لا يمكن فهم آليات إعادة الإنتاج الاجتماعي، ولا التحديات التي يمثلها هذا الريع.

رابعاً: وفي المقابل طور ماو فكراً ثورياً بعمق وواقعياً في الوقت نفسه (أي أنه علمي وواضح جلي) مستخدماً التعبيرات التي يمكن بها تحليل التحدي بما يسمح باستنتاج الاستراتيجيات الفعالة التي تحقق تقدماً متتابعاً على الطريق الطويل نحو الاشتراكية. وهو هنا يميز ويربط بين القوى الثلاث الموجودة في الواقع، ألا وهي: الشعوب والأمم والدول.

الشعب (أي الطبقات الشعبية) "يريد الثورة" بمعنى أنه من الممكن تكوين طبقة مهيمنة تجمع الطبقات المسودة والمستغَلة كبديل عن تلك التي تسمح بإعادة إنتاج نظام السيطرة الرأسمالية الإمبريالية التي تقوم على أساس الكتلة الكومبرادورية المهيمنة والدولة التابعة التي تخدمها.

أما عن الأمم (وسمها ما شئت) فهو يشير إلى أن السيطرة الإمبريالية تلغي كرامتها التي حققتها خلال تاريخ التخوم، فهي تدمر المكونات التي تمنحها الأصالة لتحولها إلى نموذج "غربي" لا أصالة له. وهنا يعني تحرير الشعوب تحرير الأمم التي تتكون منها، ولهذا السبب استبدلت الماوية بالشعار القديم: "يا برولتاريي العالم اتحدوا" شعاراً أكثر غنى وهو: "يا برولتاريي العالم ويا الشعوب المقهورة اتحدوا". وتعني العبارة "الأمم تريد التحرر"، هنا التحرر بمعنى يتكامل مع نضال الشعوب وليس في تصادم معه، فهذا التحرر إذن لا يعني العودة للماضي – أي للأوهام الثقافوية الماضوية – وإنما اختراع المستقبل على أساس التحول الراديكالي للإرث التاريخي بدلاً من استيراد "حداثة" كاذبة مزعومة. والإرث الثقافي المتحول يعني هنا الثقافة السياسية مع تجنب تعيبر الثقافة (مثل الأديان وغيرها من الثقافات) لأننا هنا لا نتحدث عن ثوابت تاريخية.

أما الإشارة إلى الدولة فتقوم على الاعتراف باستقلالية نسبية للسلطة تكسبها شرعيتها بالنسبة للكتلة المهيمنة حتى وإن كانت هذه الكتلة وطنية وشعبية، ولا يمكن تجاهل هذا القدر من الاستقلالية طالما بقيت الدولة، أي على الأقل طوال مرحلة الانتقال الطويل إلى الشيوعية، ولا يمكن تصور "مجتمع بلا دولة" إلا بعد انتهاء هذه المرحلة، وليس قبلها. وضرورة بقاء الدولة لا تعود فقط لحماية المكتسبات الشعبية والوطنية من عدوان الإمبريالية المسيطرة على المستوى العالمي، وإنما بالدرجة الأولى بسبب أن "التقدم على الطريق الطويل" يقتضي بدوره "تنمية القوى المنتجة"، أي تحقيق ما تمنع الإمبريالية على بلدان التخوم تحقيقه وهو سد الفجوة الموروثة عن الاستقطاب العالمي الذي لا ينفصم عن التوسع العالمي للرأسمالية التاريخية. وبرنامج سد الفجوة هذا لا يعني "اللحاق" بمعنى تقليد النموذج الرأسمالي المركزي، وهو لحاق مستحيل على أية حال بل غير مرغوب فيه. إنه يفترض تصوراً مختلفاً لعملية "التحديث/التصنيع" مبني على أساس المشاركة الفعالة للطبقات الشعبية في تحقيقه وفي الاستفادة المباشرة من كل خطوة من خطوات التقدم. ومن الضروري إذن رفض الفكر السائد الذي يطلب الانتظار إلى ما لا نهاية حتي تصل قوى الإنتاج إلى خلق الظروف "الضرورية" للانتقال للاشتراكية، ولا بد من البداية العمل على تطوير هذه القوى بهدف بناء الاشتراكية. ومن الواضح أن سلطة الدولة تقف في صميم التضارب بين المتطلبات المتناقضة لكل من التنمية والاشتراكية.

وعندما نقول: "الدول تريد الاستقلال" فهذا يحمل معنى مزدوجاً، الاستقلال (وليس مجرد الاستقلال النسبي) بالنسبة للطبقات الشعبية، والاستفلال بالنسبة لضغوط النظام الرأسمالي العالمي. والبرجوازية (وبشكل أعم السلطة المسيطرة على الدولة والتي تتجه دوماً نحو التطور البرجوازي) هي وطنية وكومبرادورية في الوقت نفسه. فإذا ما سمحت لها الظروف بالتوسع في هامش استقلاليتها عن الإمبريالية المسيطرة فإنها تختار طريق "الدفاع عن المصالح الوطنية"، أما إذا لم تسمح لها بذلك فإنها تخضع لدور الكومبرادور في خدمة الإمبريالية. و"الطبقة الحاكمة الجديدة" (أو المجموعة الحاكمة) تبقى في حالة ملتبسة حتى إن كانت تستند إلى كتلة شعبية وذلك لما لها من "توجه" برجوازي حتى إن كان توجهاً جزئياً.

والربط الصحيح بين هذه المكونات للواقع هو الضمانة لنجاح التقدم على طريق الانتقال الطويل. فالمطلوب هو تدعيم طبيعة التكامل بين مكتسبات الشعب، وتحرير الأمة، وتقوية سلطة الدولة. أما إذا سُمح للتناقض بين متطلبات الشعب وسلطة الدولة بأن يتفاقم فقد يؤدي ذلك إلى إهدار المكتسبات الشعبية.

وتقوية أحد هذه المكونات دون مراعاة المكونات الأخرى يقود إلى مأزق، فالقول بأن "الشعب" هو وحده المهم – نظرية "الحركة" التي تستطيع تغيير العالم دون محاولة الاستيلاء على السلطة – مثال ساذج على ذلك. أما مطلب تحرير الأمة "بأي ثمن" أي بغض النظر عن التكوين الاجتماعي للكتلة المهيمنة فيقود إلى الأوهام الثقافوية الماضوية (مثل الإسلام أو الهندوسية أو البوذية السياسية) العاجزة في الواقع. أما فكرة السلطة القادرة على تحقيق أهداف الشعب بدون اشتراكه فتؤدي للتخبطات الأوتوقراطية وخلق برجوازية جديدة. وانهيار النظام السوفييتي القائم على "رأسمالية بدون رأسماليين" (أي رأسمالية الدولة) والذي أدي إلى قيام رأسمالية يمتلكها رأسماليون بالفعل فهو المثال الأكثر مأساوية.

ونظراً لأنه لا الشعوب ولا الأمم ولا الدول في التخوم في حالة مُرضية في ظل النظام الإمبريالي فإن الجنوب هو "منطقة العواصف" أي منطقة الهبات والفورات الدائمة، ومنذ عام 1917 سجل التاريخ بصفة أساسية هذه الفورات والمبادرات الاستقلالية (بمعنى المستقلة عن التوجهات السائدة في نطاق النظام الرأسمالي الإمبريالي القائم) للشعوب والأمم والدول في التخوم. وهذه المبادرات هي التي صاغت (رغم محدوديتها وتناقضاتها) التحولات الأكثر حسماً في التاريخ المعاصر، وذلك بما يفوق كثيراً تطور قوى الإنتاج في مراكز النظام وما ترتب عليها من تنازلات اجتماعية محدودة في تلك البلدان.

وقد بدأت بالفعل الموجة الثانية من المبادرات الاستقلالية لبلدان الجنوب، فهناك بلدان "بازغة"، وأخرى تناضل مع شعوبها لمقاومة الوسائل التي تحاول الإمبريالية الجماعية للثالوث أن تؤبد بها سيطرتها. وتتعرض التدخلات العسكرية لواشنطن وأتباعها في حلف الأطلنطي للفشل. وينهار النظام المالي المعولم وتبدأ أنظمة إقليمية مسنقلة في الحلول محله، وتكثر الثغرات في سيطرة الاحتكارات على التكنولوجيا، كما تحاول بلدان العالم الثالث استعادة تحكمها في مواردها الطبيعية. وتعود بلدان أمريكا اللاتينية التي تعرضت للاستعمار الداخلي الذي تلا الاستعمار الخارجي بقوة للحلبة الدولية حيث نجحت بعضها في التخلص من البرامج اللبرالية، وتسير المنظمات الشعبية وأحزاب اليسار في بلدان كثيرة منها في طريقها للتخلص من هذه البرامج. وجميع هذه المبادرات، وهي أساساً معادية للإمبريالية تحمل في طياتها إمكانية السير في الطريق الطويل للتحول الاشتراكي.

وهكذا فالتدهور الطويل للرأسمالية الإمبريالية المنتهية صلاحيتها، والطريق الطويل نحو الاشتراكية هما قطبا التحدي المتعارضان. وتدهور الرأسمالية في حد ذاته لا يؤدي للتقدم على طريق الاشتراكية بل بالعكس فمنطق الرد الرأسمالي على هذا التحدي يقود إلى منزلق الهبوط نحو الفوضى البربرية (أي الأبارتهيد على المستوى العالمي كما سميته). ومع ذلك فتدهور الرأسمالية يخلق في الوقت نفسه ظروفاً تسمح بالسير على الطريق الطويل نحو الاشتراكية.

كيف يتداخل هذان المستقبلان الممكنان؟ فالعالم الآخر الآخذ في التشكل بطبيعته ملتبس، فهو يحمل في طياته الأسوأ والأفضل وكلاهما ممكنان (وكما قلت من قبل لا توجد قوانين تحدد مسار التاريخ قبل حدوثه بالفعل). وقد بدأت الموجة الأولى لمبادرات الشعوب والأمم والدول في التخوم في القرن العشرين وحتى الثمانينيات، وتحليل هذه الموجة لا يكتسب مغزاه إلا في ضوء التكامل أو الصراعات بين القوى الثلاث المشاركة وفي ارتباطاتها. وقد بدأت بالفعل موجة ثانية من المبادرات، فهل ستكون أكثر فاعلية؟ وهل ستسير إلى أبعد من الموجة الأولى؟



الخروج من أزمة الرأسمالية؟



تعمل الأوليجاركيات المسيطرة على نظام الرأسمالية المعاصرة على إعادة الأوضاع لما كانت عليه قبل الأزمة المالية في عام 2008، وهي تحتاج في هذا السبيل لإقناع الشعوب "بالتوافق" حول هذا الشأن بما لا يتعارض مع سلطتها العليا، وليس لديها مانع من إبداء بعض التنازلات اللفظية فيما يتعلق بالتحديات البيئية (وخاصة شئون المناخ) وذلك بتلوين سيطرتها باللون الأخضر، وحتى التلويح بالاستعداد لإجراء بعض الإصلاحات الاجتماعية (محاربة الفقر)، والسياسية (بالتوسع في أشكال الحكم الجيد).

والدخول في هذه اللعبة ومحاولة الوصول إلى توافق (حتى بافتراض شروط أفضل كثيراً) يؤكد الفشل، بل أكثر من ذلك يقود إلى أوهام قاتلة. ذلك أن الرد على التحدي يقتضي أولاً تغيير علاقات القوى لمصلحة العاملين، وكذلك تغيير العلاقات الدولية لصالح شعوب التخوم. وهناك سلسلة طويلة من المؤتمرات العالمية التي نظمتها الأمم المتحدة وغيرها والتي لم ينتج عنها أي شيئ كما هو المتوقع.

والتاريخ يؤكد هذه الحتمية، فالرد على الأزمة الطويلة الأولى للرأسمالية الشائخة حدث في الفترة 1914/50 وذلك خاصة عبر الصراع بين شعوب التخوم وسيطرة القوى الإمبريالية، وبدرجات متفاوتة عبر الصراعات الاجتماعية الداخلية لمصلحة الطبقات الشعبية. وهكذا ظهرت الأنظمة الثلاثة لما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي الاشتراكية كما هي بالفعل في تلك المرحلة، والأنظمة الوطنية والشعبية لبلدان باندونج، والحل الوسط للاشتراكية الديمقراطية في بلدان الشمال، وهذا صار ضرورياً لمواجهة المبادرات المستقلة لشعوب التخوم.

وقد دخلت الأزمة الطويلة الثانية للرأسمالية منذ عام 2008 مرحلة جديدة في تطورها، فهل ستؤدي الصراعات الدولية العنيفة البادئة بالفعل ضد الإمبريالية إلى الطعن في سيطرة الاحتكارات المعممة؟ وكيف سترتبط مع الصراعات الاجتماعية التي يخوضها ضحايا سياسات التقشف التي تتبعها الطبقات المسيطرة (في بلدان المركز) رداً على الأزمة؟ وبعبارة أخرى هل ستفرض الشعوب استراتيجية "الخروج من الرأسمالية المتأزمة" بدلاً من استراتيجية "الخروج من الأزمة" التي تتبناها السلطات؟

ويغرق المنظرون الذين يعملون في خدمة السلطات في تهويمات بلا مخرج حول "العالم بعد الأزمة" ووكالة المخابرات المركزية (؟) لا تتصور إلا إعادة الأوضاع السابقة مع إعطاء "الأسواق البازغة" دوراً أكبر في العولمة اللبرالية على حساب أوروبا وليس الولايات المتحدة. وهي لا تتصور أبداً أن الأزمة التي ستتفاقم وتتعمق لا يمكن "التغلب" عليها إلا عبر صراعات دولية واجتماعية يمكن أن تقود إلى الأفضل (مكاسب على طريق الاشتراكية)، أو الأسوأ (الأبارتهيد العالمي).

والشرط الضروري للتغلب على حالات تفتت الصراعات الاجتماعية والطبيعة الدفاعية لها (أي الاكتفاء بالمحافظة على المكاسب الحالية)، هو تجذرها السياسي، فهذا وحده الذي يسمح بتحديد الأهداف التي تقود للسير على الطريق الطويل نحو الاشتراكية. وهو وحده الذي يسمح بإعطاء "الحركات" سلطة حقيقية أي بتمكينها.

وتمكين الحركات يقتضي خلق الظروف الكلية الافتصادية والسياسية التي تسمح بنجاح مشروعاتها الملموسة، فكيف يمكن المساهمة في خلق هذه الظروف؟ وهنا نقع على القضية المركزية لسلطة الدولة. ولكن هل يمكن لسلطة الدولة الديمقراطية والشعبية بحق أن تضع في ظل العولمة العالمية الحالية أية سياسات فعالة؟ والجواب الذي قد يتبادر للذهن بالنفي والذي يقتضي الوصول إلى حد أدنى من التوافق غير صحيح، فإحداث تقدمات على المستوى الوطني مصحوب بإقامة هياكل إقليمية فاعلة شرط لا بد منه. وهذه التقدمات يحب أن يكون من أهدافها تفكيك النظام الحالي (أي فك الارتباط) تمهيداً لإقامة نظام آخر يقوم فيما بعد على أسس أخرى ترتبط بتجاوز الرأسمالية. وتنطبق هذه المبادئ على بلدان الجنوت التي قامت بالفعل بتقدمات في هذا الاتجاه في آسيا وأمريكا اللاتينية كما تنطبق على بلدان الشمال. ولكن في هذه الحالة الأخيرة فإن الشرط الضروري وهو تفكيك الهياكل الأوروبية ومنطقة اليورو أولاً، بعيد للأسف عن دوائر التفكير العامة حتى بين دوائر اليسار الرادبكالي.









ضرورة تبني العاملين والشعوب للروح الأمميىة



تفاقمت حدود التقدمات التي حققتها صحوة شعوب الجنوب في القرن العشرين، وزادت التناقضات التي نتجت عنها فأدت لانقطاع زخم هذه الموجة الأولى من التحرر، بسبب ما تعرضت له من العدوانية المستمرة من جانب دول المركز الإمبريالي. ويجب أن نعترف بأن هذا العداء الذي وصل إلى حد الحرب المفتوحة قد حظي في نهاية المطاف بتأييد - أو على الأقل بقبول – "شعوب الشمال". ولا شك أن مكاسب الريع الإمبريالي لم تكن بعيدة عن تخلي هذه الشعوب عن الأممية بهذا الشكل. أما الأقليات الشيوعية التي تبنت مواقف مخالفة بعضها مهم، فلم تستطع أن تجمع حولها كتلاً بديلة فاعلة. وساهم الانضمام الواسع للأحزاب الاشتراكية إلى المعسكر "المعادي للشيوعية" إلى نجاح السلطات الرأسمالية في المعسكر الإمبريالي، ومع ذلك لم تنل تلك الأحزاب المكافأة على موقفها فبمجرد انهيار الموجة الأولى للصراعات في القرن العشرين تخلص رأس المال الاحتكاري من التحالف معها. ولم تأخذ تلك الأحزاب الاشتراكية درساً من تلك الهزيمة بتجذير مواقفها بل بالعكس تمادت في الانزلاق نحو المواقف الاجتماعية "اللبرالية" المعروفة، وهذا تأكيد آخر على الدور الذي يلعبه الريع الإمبريالي في إعادة إنتاج مجتمعات الشمال، لدرجة أن هذا الاستسلام الثاني لم يعد يحمل طابع المأساة بل الملهاة أو المهزلة.

ويتحمل فقدان الأممية مسئولية في حدوث التخبط الأوتوقراطي للتجارب الاشتراكية في القرن الماضي. فقد انفجرت مبادرات ديمقراطية خلاقة عند قيام الثورتين الروسية والصينية مما يكذب الادعاء بأن مجتمعي هذين البلدين لم يكونا "ناضجين" لتقبل الديمقراطية. فعداء البلدان الإمبريالية الذي سهله انضواء شعوبها تحت رايته قد زاد من صعوبة تحقيق التقدم الاشتراكي الديمقراطي في ظل الظروف الصعبة أصلاً الناتجة عن ميراث رأسمالية التخوم.

وهكذا فالموجة الثانية لصحوة شعوب وأمم ودول التخوم في هذا القرن الواحد والعشرون ليست في ظروف أفضل بل لعلها أكثر صعوبة من سابقتها. فأيديولوجية الولايات المتحدة عن "التوافق" (بمعنى الخضوع لمتطلبات سلطة رأسمالية الاحتكارات المعممة)، وتبني نظم سياسية رئاسية تلغي فاعلية الديمقراطية في مقاومة الطغيان، والامتداح المبالغ فيه للفردية المقرونة بانعدام المساواة، وخضوع البلدان التابعة في حلف الأطلنطي لإملاءات السلطة في واشنطن، جميعها تتفاقم بسرعة في بلدان الاتحاد الأوروبي الذي يثبت بهذا الشكل أنه عنصر مؤسس للعولمة الإمبريالية.

وفي ظل هذه الظروف تصير هزيمة هذا المشروع الحربي الأولوية الأولى، والشرط المسبق لنجاح الموجة الثانية للتحرر التي تخوضها شعوب وأمم ودول القارات الثلاث، وإذا لم يتم ذلك تبقى أية مكتسبات حالية أو مستقبلية هشة وغير مضمونة. وعلى ذلك "فتكرار" ما حدث في القرن العشرين أمر لا يمكن استبعاده رغم الاختلاف بين ظروف عصرنا عن أوضاع القرن الماضي.

ولكن هذا السناريو المأساوي ليس الوحيد الممكن، فرأس المال يهاجم اليوم بشكل صريح العاملين في قلب النظام ذاته، وهو ما يؤكد أن النظام، مستقوياً بانتصاراته على شعوب التخوم، بدأ هجوماً مباشراً على الطبقات العاملة في مراكز النظام، وفي هذه الظروف لا يمكن استبعاد تجذر المواقف. ويمكن تصور أن إرث الثقافة السياسية الأوروبية، المختلفة بوضوح عن مثيلتها في الولايات المتحدة، والذي لم يختفِ تماماً، سيعيد إحياء الوعي الأممي المتناسب مع متطلبات عولمتها. ومع ذلك فأي تطور في هذا الاتجاه تواجهه عقبة الريع الإمبريالي، فهذا الريع ليس فقط مصدراً للأرباح الاستثنائية للاحتكارات ولكنه يحدد كذلك ظروف إعادة إنتاج المجتمع بكامله، خاصة مع تمسك تلك الشعوب بنموذج الديمقراطية الانتخابية، الذي يعطي وزناً أكبر للطبقات المتوسطة يمكنها من معادلة تجذر نضال الطبقات الشعبية. وفي ظل هذه الظروف يكون من المتوقع أن يحتل نضال شعوب الجنوب في القارات الثلاث واجهة المسرح السياسي كما كان الحال في القرن الماضي. ولكن بمجرد أن تحقق مكاسب هذا النضال أثرها في خفض الريع الرأسمالي بدرجة محسوسة، ستشعر شعوب الشمال وخاصة الأوروبية بفشل سياسة الخضوع لمتطلبات الاحتكارات الإمبريالية المعممة. وعلى القوى الأيديولوجية والسياسية لليسار الأوروبي الراديكالي أن تحتل مكانها في هذه الحركة الكبيرة لتحرير الشعوب والعمال في تضامن معاً.

وستكون المعركة الأيديولوجية والثقافية من أجل هذا الإحياء – والتي اختصرها في تحقيق الهدف الاستراتيجي ببناء الأممية الخامسة للعمال والشعوب – حاسمة في هذا الشأن.



ملاحظة:

في هذا المقال الجامع لم أذكر جميع الحجج التي يستطيع القارئ الرجوع إليها في أعمالي السابقة:

حول الأزمة: الخروج من أزمة الرأسمالية أو الخروج من الرأسمالية المتأزمة؟

مترجم للإنجليزية والإسبانية))Le Temps des Cerises, 2009.

ويرجى مراجعة العرض الخاص بالأزمتين الطويلتين لرأسمالية الاحتكارات، وإمبريالية الثالوث، والمكونات الثلاثة لنظام ما بعد الحرب، التراكم بالاستلاب.

صحوة الجنوب وعصر باندونج (تحليل مسار التجارب الوطنية الشعبية لتلك المرحلة)

Le Temps des Cerises, 2008

من الرأسمالية إلى المدنية (رأسمالية الاحتكارات المعممة، المشروع الأوروبي، الحركات الاحتماعية)

Syllepse, 2008.

نحو عالم متعدد الأقطاب (الصين، الجنوب، أوروبا)

Syllepse, 2008

الفيروس اللبرالي، مركز البحوث العربية والأفريقية، القاهرة. (أيديولوجية التوافق)

قانون القيمة المعولمة، يصدر بالعربية في عام 2011.