التقنية، نبي التغيير الذي حطم فراعنة الاستبداد

لطيفة الحياة
2011 / 8 / 4

يعد الحراك الاجتماعي والسياسي للدول العربية اليوم نتيجة طبيعية للأنظمة الحاكمة التي اختارت النموذج الفرعوني في إدارة شعوبها. ويقوم هذا النموذج على العلو في الأرض بغير الحق، حيث لا ترى الشعوب إلا ما يريها حكامها، الذين علو على القوانين والدساتير، فَعَلَى معهم كل من يواليهم بدءا من عائلاتهم حتى آخر عنصر من أجهزتهم التنظيمية. وهكذا، عم الفساد المجتمعات العربية بخلق طبقة من المستبدين الصغار، مكونة من عائلة المستبد الكبير ومواليه والمقربين منه، الذين يعيشون على حساب استضعاف الفئة العريضة من الشعب. الأمر الذي نتج عنه التباعد الفج بين طبقات المجتمع لدرجة غياب الطبقة الوسطى، الحافظة للتوازن. فصرنا نعيش يوميا على إيقاع مظاهر التناقض الناتج عن اللاعدالة في توزيع ثروات الشعب، إذ تنعم فئة قليلة بالثراء الفاحش، بينما تختنق الأغلبية الساحقة بالفقر المدقع.

أنهك الفقر والبطالة والفساد الإداري والسياسي الشعوب، فتأججت المعارضة. مما دفع النظام المستبد إلى التعامل بقاعدة (يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ) . فبينما اغتال وسجن وطرد المعارضين (أبناءهم) ذكورا وإناثا، شيوخا وشبابا، استحيا أتباعه (النساء) بالرفع من شأنهم بوضعهم في مراكز القرار والتخطيط. وهكذا، تسابقت مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب وهيئات وجمعيات ومثقفين على القرب، كما سعى له سحرة فرعون (وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) فتحولت من الدور الوظيفي للأبناء (المعارضة والإصلاح) إلى الدور الوظيفي للنساء (التطبيل والاسترزاق). وبهذا، بغت على شعوبها كما بغى قارون على قومه (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ) فكدست الأرصدة في البنوك، وهيمنت على الاستثمارات، فحولت الاقتصاد لصالح المستبد.

أما المؤسسات الدينية بمفتييها وفقهائها ومشايخها ومساجدها وخطباءها وأئمتها فحدت حدو هامان، الذي هيمن على الشأن الديني، موجها إياه إلى حراسة ثقافة الاستبداد خدمة للمستبد (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى) .
وبينما يسوم المستبد وجنوده الشعوب العربية سوء العذاب، ولد النبي التقنية (موسى) بين أحضان أهل العلم والعقل (الغرب). فاضطرهم قطار الحضارة التقاط التقنية، التي حملها إليهم يم الحداثة (فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) . التقطوها فترعرعت ونمت بين شعوبهم كما ترعرع النبي موسى في القصر الفرعوني، فصاحبت الشباب في غرف الدردشة، والشات، واللعب، والبحث، والتسويق.

وبعد سنوات من التعايش، صار للنبي التقنية حزبا شبابيا عريضا، بايعوه في خفاء لما رأوه فيه من نصرة المستضعفين. وبقوته ووفاءه نزع من قلوبهم الرعب والخوف، ثم قادهم نحو الثورة (رحلة الخروج)، التي فاجأت المستبد وأتباعه وهم من جفف دماء الحياة في عروق الشعب.
استهان خونة الإصلاح بالثوار وبمطالبهم، واتهموهم بالتمرد والطائفية والإرهاب وإتباع مخططات أمريكية (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ). اشتدت الثورة وبلغت أوجها، فشحذ المستبد سحرته من كل حدب وصوب، إلا أنهم تخلوا عنه مخافة أن تصيبهم عصا إحياء الأموات، التي هي بيمين النبي التقنية.

بلغ النبي التقنية خبر البوعزيزي فسدد الضربة الأولى لعصا الإحياء نحو المستبدة الجميلة، التي حكمت شعبا من خلال قضيب مدة 23 سنة. وما أن سقطت حتى سارع بقية المستبدين إلى محاصرة النبي التقنية، فلما فشلوا، سعوا إلى شراء ولاءه بأموال قارون، فلما رفض مساومتهم كفروه بلسان هامان.
واصل النبي التقنية ضرباته فأسقط الريس بعد حكم 30 سنة، ثم دخل ارض مسخت مدة 40 سنة، وما عرفت إلا بمجنون العظمة. دخل اليمن والبحرين، فهبت دول مجلس التعاون الخليجي تدعوا المغرب والأردن للانضمام إليهم، لتحصين ديارهم ضده. وهو الآن في وسوريا وعلى موعد مع دول أخرى.

وفطن رجل في المغرب الأقصى، إلى أن النبي التقنية حتما سيحل بأرضه، وان هدفه ليس الإطاحة بالحكام والرؤساء والملوك وإنما الدفاع عن إنسانية الشعوب. فمتى تصالح الحاكم مع شعبه بالإصلاحات الجذرية، فلا خوف عليه ولا هم يحزنون. حينها لم يأمن تغرير ملأه، فرفع سقف الإصلاحات في بلده بأن نادى بالإصلاح الدستوري، الذي سيراجع مصداقيته النبي التقنية وكل أتباعه.

انه ابن الحداثة، المناضل الأول على حقوق الإنسان. نزع الخوف من قلوب الشعوب، فأغرق المستبد وأوتاده وهم ينظرون (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) . ولأنها أشربت في قلوبها ثقافة الاستبداد (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) فلابد من سنوات التيه (الفوضى الخلاقة) التي ستطهر القلوب من فسق الجهل، والتعصب الديني، والعنف، والطائفية ...

ووفقا لسنن التغيير ستضطر الدخول في الفوضى العارمة لسنوات طويلة، حتى تنسلخ عن ثقافة الاستبداد، التي لا تتوافق مع قيم الديمقراطية. لذلك، هي على موعد مع الصراعات الداخلية، التي ستسقط مزيدا من ضحايا حرية التعبير والحوار والتسامح والتعايش واحترام التعددية الدينية. إنها على موعد مع العلمانية بوجه مشرق.
إنها عملية العبور من ثقافة التكاثر (سمة الجراد) إلى النمو (سمة الإنسان)، المرتبط بثورة الأفكار، التي يقف وراءها الفلاسفة والمفكرون والأقلام. ولنا في الطبيعة تعليم الثعابين، التي كلما ضاق عليها كساءها تفسخه غالبا من الرأس. ومع كل انسلاخ ينمو الثعبان فيحيا، لأنه إن لم يفسخه يختنق فيموت. وهو الكساء الذي فسخه النبي إبراهيم، حينما تحرر من الآبائية. وهو نفسه، ما عناه السيد المسيح بجوابه على سؤال كيف يقام الأموات (يَا غَبِيُّ! الَّذِي تَزْرَعُهُ لاَ يُحْيَا إِنْ لَمْ يَمُتْ) .

ولأننا لم نتحرر من الآبائية، وخلعنا الكساء من الذيل فمطالبين اليوم بأن نكون عبرانيين. إن الفسخ من الرأس حتمية يتوقف عليها نجاح الثورة بالعبور نحو النمو (العلو بالحق)، الذي يعيد الشعوب العربية إلى الإسهام في الحضارة الإنسانية. والعبور لن يتم بواسطة من أغرقوا المستبد وجنوده، لأنهم صنيع سلطته وإنتاج يده. ولذلك، الكرة الآن في ملعب قادة الأفكار، وخصوصا المشتغلين منهم على الدين كمكون أساسي للشخصية العربية، التي هي في حاجة إلى قراءة جديدة لمفاهيم النص القرآني بعيدا عن الترادف اللغوي ، الذي حال دون عالمية القرآن وكونية مفاهيمه.