العولمة أعلى مراحل الإمبريالية

أشرف حسن منصور
2011 / 7 / 31

منذ أوائل التسعينيات والمؤسسات الرأسمالية – الاقتصادية منها والأيديولوجية – تقصف عقولنا بالبروباجاندا المسماة بالعولمة. وهي تصور هذه العولمة على أنها هي القدر المحتوم لكل شعوب العالم، وعلى أنها أيضاً تعمل بحتمية تماثل حتمية قوانين الطبيعة. وللأسف فإن الكثيرين من مفكرينا ومؤسساتنا البحثية والإعلامية قد وقعوا في فخ البروباجاندا هذا وأخذوا كلمة العولمة كمقولة تفسيرية تُرَد إليها كل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية لعالمنا المعاصر. بل إن البعض قد انجر ووقع في الفخ بإرادته وأخذ يعدد مزايا العولمة ويشرح لنا كيف ستؤدي إلى الرخاء والعدالة والمساواة والرفاهية لكل شعوب العالم.
والحقيقة أن كل هذا الضجيج الإعلامي حول العولمة ما هو إلا خدعة كبيرة، أيديولوجيا تنشرها الرأسمالية العالمية بهدف تقديم نفسها لشعوب العالم في صورة جذابة، وتحت اسم جديد لم يكن مستخدماً لغرض وصف التوسع العالمي للرأسمالية، بدلاً من الاسم الحقيقي لها وهو الإمبريالية. ذلك لأن مصطلح "العولمة" يتصف بالحياد المعياري والأخلاقي، وهو تصور واسع فضفاض، والدليل على ذلك أنه يمكن أن ينطبق على فترات تاريخية عديدة سابقة. فهناك عولمة الحضارة الهللينية التي حمل لواؤها في الشرق الإسكندر الأكبر بمشروعه التوسعي، وعولمة حضارة الرومان التي كانت صاحبة مشروع إمبراطوري عسكري لم يقف أمامه سوى الصحراء في الجنوب وغابات أوروبا الباردة في الشمال والمحيط الأطلنطي في الغرب ودولة الفرس في الشرق. وكانت هناك أيضاً عولمة إسلامية، وهي صاحبة رسالة دينية - حضارية – ثقافية، ازدهرت لألف سنة أو يزيد، وهناك كذلك عولمة الكنيسة الكاثوليكية في غرب أوروبا، إذ كانت هذه الكنيسة كياناً عابراً للقوميات ومتجاوزاً للدول والإمارات ومتعددة الأعراق، وكانت هي النموذج الأولي للشركات متعددة الجنسيات.
ونرى من ذلك أن مصطلح "العولمة" الذي يراد له أن يكون اسماً للمرحلة الحالية من التوسع الرأسمالي العالمي لا يصيب الهدف، وذلك لأنه ليس قصرياً ولا حصرياً، أي أنه لا يفصل الحقيقة العولمية الحالية عن أشباهها التاريخية السابقة (حصرياً)،وليس خاصاً قاصراً على هذه الحقبة كي يكون محدداً لأهم خصائصها.
ونستطيع بناء على ذلك القول بأن هذه التسمية أيديولوجية في الأساس، لأنها تهدف نيل القبول، ولأنها في حد ذاتها محايدة قيمياً ومعيارياً وأخلاقياً، وحيادها هذا هو سبب أيديولوجيتها، لأنه يخفي متضمناتها القيمية والأخلاقية التي هي سلبية تماماً. وهذا ما انتبه إليه الكثير من الكتاب وزادوا عليه مصطلحاً آخر يحدد طبيعتها الحقيقية وهو "العولمة الرأسمالية" Capitalist Globalization، وأحياناً يستخدم البعض "العولمة الإمبريالية"Imperialist Globalization أو مجرد "الإمبريالية الجديدة"New Imperialism ، خاصة بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق.
ترسم الخطابة الرأسمالية السائدة صورة عن الاقتصاد العالمي باعتباره يشهد اعتماداً متبادلاً بين كل مناطق العالم. وهي توهمنا بأن هذا الاعتماد المتبادل حتمي وعقلاني وغير قابل للتغيير. والحقيقة أن هذه الصورة بها شئ من الصدق، وهو يخص جانلها الأول وهو الاعتماد المتبادل، لا جانبها الثاني وهو الحتمية والعقلانية وعدم القابلية للتغيير، لأن هذه العناصر الثلاثة هي سبب أيديولوجية خطاب العولمة السائد. إن الاقتصاد العالمي يشهد بالفعل اعتماداً متبادلاً بين أجزائه المكونة له. لكنه الاعتماد المتبادل الخاضع لسيطرة مركزية من قبل الدول الرأسمالية الأساسية وشركاتها متعددة الجنسيات. إنه اعتماد متبادل بالفعل لكنه ليس قائماً على العدالة والمساواة بين الأطراف التي ينشأ بينها. إنه بالأحرى تبعية متبادلة، بمعنى أنه تبعية اقتصاد الدول الفقيرة والأخرى الهامشية داخلياً وعضوياً على الحراكة الرأسمالية المسيطرة.
كما تصور هذه الخطابة الفاعلين الاقتصاديين على أنهم يعملون في مجال متحرر من العقبات والقيود التي كانت في السابق تقيد حركتهم من قبل الدول القومية والنقابات العمالية والبرلمانات الديمقراطية (المنتخبة شعبياً). وفي هذا المجال تسود حرية المنافسة كما يقولون، ويختفي التناقض القديم – أو بالأحرى المصور زيفاً على أنه قديم – بين الدول الرأسمالية والمستعمرات، أو بين العالم الأول والعالمين الثاني والثالث، أو بين المركز والأطراف في النظام الرأسمالي العالمي. ولا تلتفت هذه الخطابة إلى أن ما جعل الفاعلين الاقتصاديين – وهم في نظر هذه الخطابة الشركات متعددة الجنسيات – أحراراً أكثر مما قبل في العمل في كل أنحاء الكوكب هو السياسات الإمبريالية التي اتبعتها الدول الرأسمالية طوال القرن العشرين والتي عملت على شن الحروب، الباردة والساخنة، الصغيرة والكبيرة، على العالم الثالث، إذ هدفت من هذه الحروب إلى إضعاف نظام الدولة القومية في العالم الثالث وإرهاق الاقتصاديات الوطنية للدول حديثة التحرر من الاستعمار الغربي؛ مثلما حدث مع مصر في حروب 1956 و1967 و1973، والعدوان الأمريكي على فييتنام والحرب الهند وباكستان في السبعينيات والعراق وإيران بالتبادل في الثمانينيات، والكوريتان حتى الآن، والانقلابات العسكرية التي دبرتها المخابرات الأمريكية في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا والموجهة ضد حكومات منتخبة شعبياً وديموقراطياً.
إن المجال المزعوم أنه حر هو نتاج السياسات الاستعمارية والإمبريالية للدول الرأسمالي والتي أدت إلى إضعاف الدولة القومية في الأطراف وتقويتها في المراكز الرأسمالية والقضاء على سلطة وقوة الاتحادات والنقابات العمالية والمهنية من جراء تطبيق سياسات الليبرالية الجديدة منذ السبعينيات وحتى الآن. العولمة هي أعلى مراحل الإمبريالية الرأسمالية. لقد وصف بوخارين وهلفردنج وروزا لوكسمبرج ولينين في أوائل القرن العشرين الإمبريالية على أنها أعلى مراحل الرأسمالية، لكن العولمة الحادثة الآن تجاوزت الإمبريالية التقليدية التي وصفها هؤلاء وهي تمثل الآن المرحلة الأعلى التي وصلت إليها الإمبريالية في عصرنا. ولأنها المرحلة الأعلى فهي من أجل هذا بالضبط الأكثر خداعاً وتضليلاً والأكثر إيهاماً وغرقاً في الأيديولوجيا.
يذهب الداعون للعولمة إلى أن الاقتصاديات القومية قد اضمحلت في مقابل، ومن جراء، قوى العولمة، وأن المؤسسات الكبيرة قد سحبت من كل اقتصاد طابعه القومي الذي كان متصفاً به في السابق؛ وصارت كل اقتصاديات العالم مفتوحة على بعضها البعض؛ وأن كل تلك الشركات قد أصبحت عابرة للقوميات ومعولمة. وكل ما تتطلبه هذه الشركات مكاناً عالمياًُ متحرراً من العقبات والقيود القومية التي تعيق حركتها. أما الواقع الحقيقي فهو العكس التام لهذه الصورة الزائفة. ذلك لأن الداعين للعولمة لا يميزون بين مسرح عمليات الشركات متعددة الجنسيات من جهة، والمجال الجغرافي الذي تتجسد فيه ملكياتها وسيطرتها من جهة أخرى. ذلك لأن أوسع وأكبر تلك الشركات والتي تمتد عملياتها إلى العالم كله، لا تزال ملكياتها وسيطرتها تستند على قاعدة وطنية. فالشركات عبارة عن كيانات قانونية مندمجة في دولة معينة. فلديها غرفة عمليات في مدينة معينة، وتعمل داخل هيكل قانوني وطني يحميها من خطر التأميم أو نزع ملكيتها في وطنها، مستخدمة الدولة الأم كغطاء سياسي لها إذا ما حاولت دولة أخرى وضع القيود عليها أو تأميم ممتلكاتها فيها. والدول الرأسمالية المركزية وعلى رأسها الولايات المتحدة هي التي تقوم بهذا الدور الآن. إن الشركات متعددة الجنسيات لا تزال تحوز على قوتها من دعم الدول الرأسمالية لها، دعماً سياسياً وعسكرياً وإمبريالياً. فلم تكن شركات البترول والغاز الأمريكية لتتمكن من العمل في الخليج والعراق لولا الدعم العسكري الأمريكي لها هناك. كما تدفع هذه الشركات ضرائبها على دخولها وأرباحها لتلك الدول الرأسمالية الداعمة لها والتي توجد بها قاعدة عملياتها.
إذا كان لينين قد ذهب إلى أن الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية، متبعاً في ذلك بوخارين وهلفردنج، فإن عصرنا الحالي يمثل المرحلة الأعلى من الإمبريالية وهي العولمة الإمبريالية العسكرية، التي أعادت كل أشكال الهيمنة العالمية السابقة للرأسمالية، من احتلال عسكري مباشر، وسرقة صريحة لثروات الشعوب الفقيرة، بل ولمدخرات الطبقات الوسطى في المراكز الرأسمالية ذاتها بدافع إنقاذ الاقتصاد، أو بمعنى أكثر صراحة، سرقة الفقراء كي يحافظ الأغنياء على أموالهم.
د. أشرف حسن منصور