أميركا تلهث وراء قطار الثورات

جلبير الأشقر
2011 / 6 / 22

(مروان طحطح)
ديما شريف
لا يتردد البروفيسور في «معهد الدراسات الشرقية والأفريقية» في لندن جلبير الأشقر في تسمية الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها الدول العربية منذ بداية العام الجاري بالثورة. هي، برأيه، سيرورة ثورية تفتح المنطقة على احتمالات لا يمكن أحداً أن يعرف نتيجتها. فالقوى الفاعلة على الأرض تغيّرت، وانضمّ إلى التيارات الدينية ليبراليّون ويساريّون وعمّال ومهمّشون ما عادوا يستطيعون السكوت عن الفساد والاستبداد. هكذا يصبح المستقبل غير واضح المعالم، لكنّه بالتأكيد سيكون مختلفاً، خصوصاً مع القلق والإرباك اللذين طاولا الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة، وحليفتها الأبرز إسرائيل، حيال الربيع العربي

■ يختلف المراقبون على تسمية ما تشهده البلدان العربية منذ بداية العام الجاري: ثورة، انتفاضة، انقلاب شعبي على الحكام، احتجاجات... ما هو برأيك التوصيف الأفضل؟
ــــــ شهدنا نقاشات عدّة حول تسمية ما يحصل في المنطقة العربية. يختلف الأمر إن كنّا نتحدّث عمّا يجري على المستوى الإقليمي العام، أو في البلدين اللذين شهدا نجاحات، أي تونس ومصر. وفي الحقيقة، حتى في هذين البلدين، هناك من يعترض على استعمال كلمة ثورة، بمعنى أنّ تلك الكلمة قد توحي بأنّه تم إسقاط النظام كما أراد الشعب، بينما النظام لم يسقط في الواقع، بل سقط رأسه ورموز الاستبداد والفساد، أمّا النظام بعموده الفقري، فلا يزال مستمرّاً. تقديري أنّ أفضل تسمية لما يحصل اليوم هي السيرورة الثوريّة. وهذا التعبير يسمح بتوصيف ما حصل في مصر وتونس. نحن فعلاً أمام ثورة بمعنى الزخم الجماهيري، وإحراز نجاحات لا يمكن التقليل من شأنها، وإن كانت لا تمثّل تغييراً جذريّاً للنظام، فهي انتصارات مهمة، والسيرورة مستمرة سواء في تونس أو مصر. أعتقد أنّ المصريين كانوا محقّين بتسمية ثورتهم بيوم بدايتها «ثورة 25 يناير»، وهو كان يوم تجمّع حاشد، لا أكثر، ولم يحقق أيّ شيء. لكنّه يوم البداية لعملية لا تزال مستمرّة. ثمّة صراع على مصير تلك الثورة، وبالتالي، هي سيرورة ثورية. فلم نشهد انقلاباً في بنى الدولة، إضافة إلى التغيير الاجتماعي، علماً أنّ الثورات يمكن أن يكون لها تصنيفان: سياسيّ لتغيير النظام السياسي والتحوّل إلى الديموقراطية، واجتماعي لتغيير البنى الاجتماعية.

■ من يقوم برأيك بهذه الثورات: المهمّشون، البورجوازيّة الوطنيّة، العمّال...؟
ــــــ يختلف الوضع من بلد إلى آخر. إذا نظرنا إلى حالتي مصر وتونس، ثم إلى الدول الاخرى، نرى جبهة اجتماعية عريضة، تتصدّى لعنصرين أساسيين: الاستبداد والفساد. وهذان العنصران هما القاسم المشترك الأدنى بين الجميع. ونلاحظ أنّه حيث لا يوجد استبداد كبير بل فساد، تنتشر تحركات لكن ليس لها زخم التحركات الأخرى التي تجتمع على موضوعي الفساد والاستبداد، مثل مصر وتونس. ينطبق ذلك على المغرب مثلاً، فهناك لا يسود شعور بالاستبداد، لأنّ الملك أجرى بعض التغييرات الديموقراطية، وأطلق بعض الحريات، ولو محدودة، وأعلن منذ بداية التحرك بعض الخطوات الإصلاحية. لذلك يطالب التحرّك بتغيير سياسي وملكية دستورية، لكنّه بدون زخم يقارن بمصر أو تونس. بناءً على ذلك، هناك جبهة عريضة من كلّ المتضررين من الاستبداد وكل المتضررين من الفساد. والجبهة التي تشكو من الفساد، وهي غير مسيسة (إلى حدّ ما)، تعاني الغبن والفقر، وقامت بالتحركات إلى جانب طبقة ميسورة لا يزعجها الفساد بقدر ما تريد إنهاء الاستبداد. وهذه طبقة ليبرالية بالمعنى السياسي، وقد تكون مع تحقيق إصلاح اجتماعي، وليست مع النيوليبرالية الاقتصادية. يطمح أفرادها إلى ديموقراطية وحريات بمستوى ما يعتقدون أنّه حاجات العصر. هؤلاء طلاب حداثة. وهناك جمهور عريض جداً من المهمّشين والفقراء والعاطلين من العمل، الناقمين على الفساد والوضع الاجتماعي، ويفهمون أنّ هناك تلازماً بين الاستبداد والفساد. ينضوي في هذه الجبهة اليسار والحركة العمالية، كما شهدنا في تونس ومصر. وفي مصر تحديداً، سرّع دخول الحركة العمّالية سقوط مبارك.
لكن حالما يسقط رمز النظام، ورموز الاستبداد والفساد، نرى بداية اصطفافات مختلفة، وهذا ما حصل في جميع الثورات. فقد مرّت الثورات بمراحل من التجذر. في البداية، تجمّع تحالف كبير من القوى، وكلما أُنجز قسم من المهمات واصبحت السيرورة تواجه مستوى آخر منها، حدثت انشطارات في التحالف. كلما يتحقّق هدف يحظى بالإجماع، تتقلص أو تضيق رقعة التحالف، وهذا واضح في مصر وتونس.
فإسقاط مبارك جمع جبهة عريضة من القوى، من اقصى اليسار إلى اقصى اليمين، ثم دخلنا في اصطفاف جديد بين القوى السياسية. فوقف الإخوان المسلمون والسلفيون (التيارات الدينية) إلى جانب المجلس العسكري، وبان التناقض مع القوى الأخرى، اليسار والليبراليين، بشأن معظم الأمور المتعلقة بشكل الدولة الجديدة.

■ ماذا تريد أميركا من الثورات: هل هي وراء القطار، داخله، أم أمامه؟
ــــــ طبعاً، ليست أميركا امام القطار. أصيبت واشنطن وحليفتها الدولة الصهيونية بإرباك وقلق شديدين إزاء التحوّلات العربية، ولا تزال. ونعلم من خلال اكثر من تقرير صدر في الصحافة الصهيونية أنّ هناك قلقاً حتى على النظام السوري، لأنّه على الأقلّ يضمن استقراراً واطمئناناً لحدود آمنة. لم تفاجأ الولايات المتحدة الأميركية كلياً إزاء ما جرى، وكان ذلك واضحاً من برقيات «ويكيليكس». فهُم يعرفون ما يجري، خصوصاً في موضوع فساد الأنظمة، ويعرفون أنّهم يتعاملون مع أنظمة استبدادية، لكنّها تابعة لهم. لا أوهام عن أنظمة ثابتة إلى أبد الآبدين. وهم يعرفون أنّ هناك تململاً من الشعوب. أرادت أميركا في عهد بوش أن تغطّي على اسباب احتلال العراق، بعد انكشاف أكذوبة الدمار الشامل، فأوحت بأنّها مهتمّة بالتحوّل الديموقراطي للمنطقة. وفي 2005، كانت ذروة ضغوط أميركا على حلفائها، لتقديم بعض التحوّلات الديموقراطية الشكلية، كي تستطيع ادارة بوش الادّعاء بأنّها جدية في المشروع. وقد حصلوا آنذاك على وعد من حلفائهم السعوديين بإعادة تنظيم انتخابات بلديّة للمرّة الأولى منذ 30 عاماً. وضغطوا على مبارك لتنظيم انتخابات فيها القليل من الصدقية، ما جعل الاخوان ينجحون بنسبة كبيرة. وكانت الرسالة التي وجهها مبارك هي المعتادة: اذا اردتم ديموقراطية فعلية، فستحصلون على قوى اسلاميّة معارضة لسياستكم. عزّز ذلك الموقف السائد سابقاً في أميركا، وهو أنّ الخطاب الديموقراطي يصلح سلاحاً ايديولوجياً تتبنّاه اميركا وحلفاؤها، لكن ليس في الشرق الأوسط. فهناك يوجد عداء شديد لأميركا، ناجم عن علاقتها باسرائيل، ولدى أميركا مصالح استراتيجية لا يمكن أن تجازف بخسارتها...

اثار توجه مبارك نحو التوريث، وظهور نيات بالارتداد على هامش الديموقراطية المحدود، امتعاضاً في واشنطن. كذلك جاءت انتخابات 2010 التي كان تقييمها سيئاً بالتأكيد لدى واشنطن. أدّى ذلك إلى حالة من التوتر بين مصر والإدارة الأميركية، وأدركت هذه الاخيرة أنّ صلاحية مبارك قد انتهت، لأنّ استمراره يشكّل خطراً على المصالح الأميركية في المنطقة. لذلك، حين بدأت الحركة الاحتجاجية، وبعد استيعاب درس تونس، لم تكن واشنطن مفاجأة بالكامل، لكنّها طلبت ابقاء الجيش المصري على شيء من الحياد بالنسبة إلى ما يجري، لأنّه الطرف الأساسي المرتبط عضوياً بها، فهي تساهم في تمويله. فكانت الإدارة الأميركية تمجد موضوع سلمية التظاهرات، وكان ذلك خطاباً موجهاً للجيش المصري كي لا يزج في القمع، وينقسم، فتفقده، وكذلك كي يستطيع الاستمرار في ضبط الوضع بعد مبارك. سيناريو «الانتقال المنظم للسلطة»، وهي عبارة تكررت كثيراً، تعني «نحن نريد انتقالاً ديموقراطياً للسلطة مع بقاء سيطرة حليفنا الاساسي». هذا ما سمّيته السيناريو التركي، اي انتقالاً سلمياً للسلطة تحت اشراف الجيش للوصول الى دولة مدنية. ويبقى الجيش في موقع المشرف، ويمكنه التدخل إن كان هناك خطر على المصالح الأميركية.
اميركا اليوم وراء القطار، لكنّها تحاول إدارة الأمور. المثال الأبرز على ذلك هو ليبيا، والتدخل فيها. حصلت ثورة شعبية في ليبيا، بعد انكسار حاجز الخوف في تونس ومصر. لكنّ ليبيا دولة نفطية، وهذا موضوع خطير للامبريالية، اي اميركا وحلفائها، وبالتالي، يأتي التدخل في ليبيا لتعزيز صورة الدول الغربية بصفتها مرافقة للتحوّل ومؤيدة له في المنطقة العربية، في محاولة منها لمصادرة العملية واحتوائها. ارتاح الغرب حين لم تظهر في تونس او مصر شعارات حول المسألة القومية او الوطنية او مسألة فلسطين، وفسّر ذلك بأنّ هناك امكانية احتواء، وكان ذلك خطأً. فإذا لم تظهر تلك الشعارات، فليس لأنّها غير موجودة، بل لأنّه في تلك اللحظة كانت هناك رغبة بالتخلص من الاستبداد أولاً. كما أنّ الناس اعتادوا، منذ عقود، تصدّي انظمتهم للاحتجاجات الشعبية باسم المتاجرة بالقضية الوطنية. التدخل في ليبيا خدم أولاً الناحية الايديولوجية، وثانياً كانت عملية مصادرة مباشرة. فليس في ليبيا مؤسسة كالجيش المصري يمكن استخدامها من اجل انتقال سلمي للسلطة، ومن هنا، اتت الرغبة في التدخل العسكري.
كانت الحركة الليبية في أوّل أسابيعها ترفع شعار «لا للتدخّل الأجنبي»، وحتّى اليوم بعد الاستنجاد بالخارج، هناك رفض للتدخل على الأرض. انتهزت الدول الغربية الفرصة لتتدخّل، وتذهب أبعد بكثير من الحماية، فصادرت الصراع ضد نظام القذافي. لكنّ القوى الغربية لا تريد إسقاط النظام قبل معرفة من سيحلّ مكانه. أدرك الجميع أنّ التدخل في ليبيا سببه الأساسي النفط الليبي، وأنّ التدخل هو مصادرة للثروة الليبية. قسم من الليبيين يعرفون ذلك، فالغرب لا يريد تسليحهم، ويفرض عليهم حدوداً في تحركهم العسكري، ويملي عليهم شروطاً. حين يسقط النظام، أو ما بقي منه، لن يسيطر الغرب على دينامية الحركة، بدون وجود غربي على الارض. وسقوط النظام، بخلاف ما رأيناه في مصر أو تونس، سيعني تفكك جهاز الدولة الذي كان قائماً. الفرق الاساسي بين تونس ومصر من جهة، وليبيا وسوريا من جهة أخرى، أنّه في هاتين الاخيريتين، اعاد النظام تنظيم القوى المسلحة بحيث اصبحت القوى الرئيسية فيها مرتبطة عضوياً بالعائلة الحاكمة. لذلك لا يمكن حصول السيناريو التونسي او المصري. فالمؤسسة هناك تستمر من دون العائلة، بل تتنصل منها. لكن في ليبيا او سوريا، اذا سقط النظام، فسيخلق ذلك فراغاً مؤسساتياً عسكرياً كبيراً جداً.

■ هل ترى مستقبل المنطقة بعد سقوط الأنظمة إسلاميّاً؟ وهل النموذج التركي في الحكم صالح للدول العربية؟
ــــــ أولاً الحديث عن تركيا يحتم الإشارة الى نموذج لا نملك لغاية الآن أيّاً من عناصره: العنصر الأول هو تراث علماني يمثله الجيش ودستور ديموقراطي (إلى حدّ ما)، وحزب من أصول حركة اسلامية اصولية مرت بتحوّلات. العدالة والتنمية التركي حزب يريد أن يجمع بين التراث الاسلامي والحداثة. حزب يشكل نموذجاً اشبه ما يكون بالتيارات المسيحية الديموقراطية في اوروبا. على ايّ اساس سنحصل على نموذج تركي؟ لنأخذ مصر مثالاً: الجيش ليس مؤسسة تحمل لواء العلمانية، والاخوان هو حزب أصولي بكل معنى الكلمة، يرفع شعار «الاسلام هو الحل». الوصول إلى النموذج التركي يتطلب حزباً اسلامياً حداثياً ينشق ربما عن الإخوان المسلمين، وتلك التطلعات موجودة لدى بعض من شباب الإخوان. الجيش المصري ميّال لاستخدام الدين عذراً ايديولوجياً للتغطية على تقاعسه في مجالات عديدة، وذلك منذ أيام عبد الناصر. قد نكون أقرب إلى النموذج الباكستاني من النموذج التركي، أي تحالف عسكري ـــــ أصولي.
لا يمكن تكهّن ما ستصل اليه الأمور، لأنّنا في سيرورة لا تزال في بدايتها، وقد تستغرق سنوات من الصعود والهبوط، حتى تصل الأمور الى خواتيمها. الوصول إلى الاستقرار ونوعه، يعتمد على موازين القوى المتحركة. ما هو واضح في الحالة المصرية هو أنّ النظام مستمر مع استمرار امساك المؤسسة العسكرية بزمام الامور، وفي استمرار النظام الاقتصادي ـــــ الاجتماعي، وفي استمرار ارباب هذا النظام، ما عدا بعض الرموز التي تحاكَم. هؤلاء هم الجزء الظاهر من جبل الجليد. اقتنعت واشنطن أنّه مع دخول الديموقراطية على الخط في المنطقة العربية، وبغياب قوى مرتبطة بها وتتمتع بجماهيرية، يجب كسب قوى قائمة. الأقرب ايديولوجياً لإمكان الائتلاف معها هي حركة الإخوان المسلمين. وهناك وساطتان تقوم بهما قطر وتركيا في هذا المجال.
بدأنا نرى نتائج التحالف بين واشنطن والاخوان. إذ اصبح خطاب الإخوان معتدلاً اكثر تجاه واشنطن واسرائيل، مما كان عليه في الماضي. رأينا التعاون القائم بين الجيش والإخوان مع ضمانات من الحركة للجيش بأنّها لا تريد السيطرة على السلطة، بل فقط المشاركة فيها. هكذا تفتح صفحة جديدة مع واشنطن. ورأينا تبدّلاً واضحاً أيضاً في الخطاب الرسمي الأميركي ازاء الإخوان. التعاون في مصر ينعكس مباشرة في المصالحة الفلسطينية، فمحمود عباس لا يمكن أن يقوم بتلك الخطوة رغم أنف واشنطن. هناك حراك سياسي قائم في المنطقة في هذا الاتجاه مع اعطاء دور للاخوان المسلمين. في النهاية، يجب ألا ننسى أنّ تعاون الحركة في الخمسينيات والستينيات، كان وثيقاً مع الولايات المتحدة واستخباراتها. هناك محاولة إعادة تركيب للمنطقة بنحو اكثر ديموقراطية من قبل. وتريد واشنطن أن تبقي الوضع ضمن حدود السيطرة، وكسب ضمانة سياسية عبر التعاون مع الإخوان المسلمين.
لقد دشّنت الانتفاضات مرحلة جديدة في التاريخ السياسي للمنطقة. بعد النكبة، ولعقدين من الزمن، كانت الحركة القومية بكافة اشكالها هي المسيطرة على الحراك الشعبي. بعد هزيمة الـ67، ضُربت قدرة التيار القومي على السيطرة على الحراك الجماهيري، وشهدت السبعينيات صعود اليسار الجذري الذي فشل في ان يبني نفسه قوة مهيمنة على الحراك الشعبي. التيار الأصولي كان يشهد صعوداً في تلك الفترة الانتقالية ايضاً، واستخدمته الرجعية العربية للتصدي لليسار.
السعودية موّلت الحركات الإسلامية، حتى جاءت الثورة الايرانية التي اظهرت انّ التيار الديني يستطيع التطوّر في اتجاه مضادّ للغرب، ويمثّل خطراً على مصالحه. دخلنا حينها في مرحلة سيطرت فيها القوى الدينية على الحراك الشعبي. هذا التحوّل كان دورة سياسية في المنطقة. بعد الثورة الايرانية، كانت اميركا تحاول التفرقة بين الاسلام السني والشيعي، وبرز ذلك في التعاون مع الأصولية السنية في افغانستان. اثر اجتياج الكويت، ادى موقف الحركات السنّية الدينية الى طلاق مع السعودية واميركا. هكذا سيطر التيار الديني لثلاثة عقود منذ الثورة الإيرانية حتى اليوم. شخصياً، أرى أنّه منذ 2009 هناك بوادر نهاية هذه المرحلة، وبداية مرحلة جديدة. فقد شهدنا تأزّم النموذج الايراني مع التحركات الشعبية في 2009، وكذلك صعود الصراع الطبقي والحركة العمالية في مصر خاصة، وتأجج الصراعات الاجتماعية، في اكثر من بلد مثل تونس والمغرب. لا وجود للتيار الديني في هذا النوع من النضال، فهو مختلف عن طبيعته وبرنامجه. تلك مؤشرات مهمة. دخلنا اليوم في طور سياسي جديد، لكنّنا في مرحلة انتقالية، فيها صراعات على الحراك الشعبي بين ثلاث قوى: التيار الديني، وهو مستفيد من التغيّرات الحاصلة، لكنّه يخضع للتحجيم بعدما كان القوة المعارضة الوحيدة على الساحة، إذ برزت اليوم مجموعة كبيرة من التيارات المعارضة المنافسة. القوة الثانية هي تيار ليبرالي من نوع جديد، يتألف من شرائح وسطى وليس من رأسمال كبير، ومن مهنيين، ومثقفين، واصلاحيين بالمعنى الاجتماعي. تتميّز هذه القوى بأنّها غير منظّمة في حزب واحد، لكنّها شبكة تتمتّع بنوع من التجانس. مشكلتها ستكون مع أوّل استحقاق انتخابي، لغياب رموز بارزين داخلها. القوّة الثالثة هي الحركة العمّالية، وما يرافقها من حالات يسارية. يختلف وضع اليسار من دولة إلى أخرى. فدوره في تونس كبير، لكنّه أخفّ في مصر مثلاً. الاهم هو الحركة العمالية التي ينشط فيها اليسار. اليسار والليبرالية هما قوّتان ستظهران بنحو متزايد في المرحلة المقبلة. الحالتان اللتان نجحتا، اي مصر وتونس، شهدتا مشاركة من الحركة العمالية. حتى التغيير الديموقراطي لن يستقر دون وجود حركة عمالية منظمة. هذه هي القوة الفاعلة في المرحلة الانتقالية، وهناك تحالف على موضوع التحوّل الديموقراطي بين الحركة العمالية والليبراليين. نحن في سيرورة ثورية لا يمكن ان نتكهّن مستقبلها. وفي حين أنّ الناس كانوا يتخيّلون قبل سنوات ان ايّ انفجار في المنطقة ستنفّذه التيارات الدينية، اتضح الآن ظهور قوى أخرى تزاحم التيار الديني على الحراك الشعبي.

■ هل يحتمل وجود إسرائيل في المنطقة كلّ هذا الحراك الشعبي والثورات؟
ــــــ إثر صعود التيار القومي وتجذّره في ستينيات القرن الماضي، طلبت السعودية من حليفتها واشنطن اخلاء قاعدة الظهران فيها تحت ضغط هذا التيار. بدأت حينها اميركا البحث عن البديل، ووجدت في الدولة الصهيونية تعويضاً عن خروجها من السعودية. بعد 1967، تعزّزت صورة الدولة الصهيونية بما هي حليف أساسي لواشنطن، وجاءت الثورة الإيرانيّة لتعزّز أهميّة إسرائيل. وحتى اجتياح الكويت، بقي الأمر على ما هو عليه. اعطى الاجتياح فرصة ذهبية للولايات المتحدة كي تعود عسكرياً الى المنطقة. هبطت بالتالي أسهم اسرائيل. بعد عودتها الكبيرة الى المنطقة آنذاك، وجدت واشنطن أنّ من الضروري اغلاق الملف الفلسطيني، وهو مصدر تحريض عليها. فكانت أكبر مرحلة ضغط وتوتّر بين واشنطن وتل أبيب. عقد مؤتمر مدريد. ثم تمّ التوقيع على اتفاقية اوسلو. لكنّ اوسلو استنفدت حدودها بسرعة، وانتهت نهائياً في 2000 مع الانتفاضة الثانية. بعد 2001 واعتداءات ايلول، عادت أهمية الحليف الصهيوني. ثم ساهم الاخفاق في العراق بإطلاق يد الحليف الصهيوني كلياً في المنطقة. الثورات التي نحن أمامها مصدر قلق بالنسبة إلى إسرائيل، خصوصاً مع احتمالات الفوضى. لكنّ الدولة الصهيونية تراها تعزيزاً لمكانتها، فهي صخرة صلبة من وجهة نظر المصالح الأميركية، فيما تضعضعت كلّ الانظمة العربية المحيطة بها.

■ أيّ اتّجاه سينتصر اليوم في تونس؟
ــــــ بقايا النظام تحاول إعادة تنظيم صفوفها، وهناك طبعاً النخبة الاقتصادية والسياسية الحاكمة نفسها، مع أنّ رموز حكم بن علي في الفساد والاستبداد تمّت إطاحتهم. اليسار فاعل جداً في تونس والحركة العمالية جيدة، وكان الاتحاد العمالي يواكب دوماً الحركة الجماهيرية قبل الثورة. الزخم اليساري المنظّم في تونس عبر النقابات لا يزال يؤدي دوراً هامّاً في البلاد. لكن هناك احتمال تحالف بين النخبة الحاكمة وحزب النهضة الإسلامي، والانتخابات مفتوحة على كلّ الاحتمالات. وكلّما يتصاعد زخم اليسار، تكون الورقة في يد التيار الديني. اذا جرى تدجين الاتحاد التونسي للشغل، فستكون هناك محاولة لفرض بورقيبيّة جديدة، اكثر ديموقراطيّة.

■ ما الحلّ الواقعي الذي يمكن أن تنتهي إليه الأزمة في سوريا؟
ــــــ بصراحة، تضاءلت احتمالات انتقال منظّم للسلطة مع الزمن، بسبب وحشيّة القمع في سوريا. خلق ذلك طلاقاً وعداوة شديدين بين قسم واسع من الشعب والسلطة القائمة. كذلك توريط الجهاز العسكري بقمع شرس، خلق لدى أرباب هذا الجهاز مصلحة عضوية بالتمسّك بالنظام، لأنّ اي سقوط للنظام يعني محاكمتهم. لا أرى خطّ رجعة للنظام، فقد رأيناه يصعّد في القمع، ومن شأن ذلك تجذير الحالة. رأينا أنّ كل ساحة بدأت بمطالب اصلاحية وتعرضت لقمع، تحوّلت الى المطالبة بإسقاط النظام. وحيث تعامل النظام مع الحراك الجماهيري بذكاء مثل المغرب والاردن، بقيت المطالب ضمن اطار الاصلاح. اليوم في سوريا، اقل ما يمكن ان تقبل به الحركة الاحتجاجية هو تغيير الدستور وانتخابات حرة، لكن لا ارى النظام السوري بتركيبته الحالية يقوم بذلك. لو استمر الاسد في اصلاحاته التي بدأها بعد وصوله الى السلطة، لتجنّب الوضع الحالي. لا ارى سوى احتمالين في سوريا: إما أن يستمر النظام بصورة دموية اكثر واشرس، وباستبداد مضاعف، او سنكون امام حرب اهلية. سقوط الحكم يمكن ان يكون عبر انفجار الجهاز المسلح. واذا حصل ذلك، فسندخل في حرب أهلية.
السيرورة الثورية مستمرة، ولا احد يعرف كيف سيكون العالم العربي بعد ستة اشهر. كل الاحتمالات مفتوحة، بعضها مخيف، لكن كنّا في ليل طويل، وها قد بدأ الحراك.