الاقتصاد السياسي للاحتجاجات في سوريا

نايف سلوم
2011 / 5 / 13

يشكل "البازار" (1) السوري خليطا متنوعا من الفئات الاجتماعية يجمعها التجارة بالجملة والمفرق بكل احتياجات العائلة السورية من جهة والثقافة الإسلامية ذات الشكل السني من الجهة الأخرى. ولقد وجد هذا البازار نفسه في حالة تهميش متعاظم مع تنامي الاحتكار في الاقتصاد السوري اعتباراً من 2001 . إضافة إلى حماية هذا الاحتكار عبر أجهزة الأمن وعبر تنفذ المحافظين في معظم المدن السورية . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى حصل إفقار نسبي متنامي للمزارعين المستقلين عبر القوانين التي ذهبت إلى حد تهديد ازدهارهم التي حصل عبر تسعينات القرن الماضي . فارتفاع أسعار المازوت والسماد بشكل كبير، هدّد المساحات المروية بقوة محركات الديزل . وهناك قانون إصلاح العلاقات الزراعية الذي ظهر ليدمج بعض الأثرياء المغتربين أو المحليين بنظام الاحتكار للثروة، وهناك القانون الذي يسمح بتملك المستثمر الأجنبي لمساحات من الأرض تتجاوز السقف الذي حدده قانون الإصلاح الزراعي. إن الاحتكار والاستثمار الذي تجاوز السقف المحدد في قانون الإصلاح الزراعي كان علامة خطرة على شكل الاحتجاج اللاحق وأماكن حدوثه .
أيضاً نلاحظ التهميش الذي ضرب الفئات الوسطى في سوريا خاصة المحامين والأطباء وغيرهم وهي الفئات الأكثر حساسية لظاهرة الاحتكار في الثروة والسلطة ، وسوف تشكل هذه الفئات التعبير السياسي "العلماني" وغير العلماني لحركة الاحتجاج.
يضاف إلى ذلك العاطلون عن العمل من قطاع الشباب . وهؤلاء فئة واسعة من المتعلمين الذين استفادوا من سياسات الانفتاح في التعليم ، ومن انتشار ظاهرة التعليم الموازي والخاص . وقد وجدوا أنفسهم عاطلين بالآلاف . أضف إليهم هواة الإنترنت ومحترفوه الذين تأهلوا بشكل كبير من دون الحصول على فرصة عمل مجزية. وقد لعب هؤلاء دور المنظم عبر الفيس بوك . أضف إلى ذلك البطالة الخطرة التي انتشرت في الأوساط غير المتعلمة أو ذات التعليم الضعيف وهو ما يفسر الاحتجاجات في أماكن بعينها من المدن السورية حيث الإهمال الخدمي والتهميش الجهوي والبطالة الواسعة في قطاع الشباب غير المتعلم. وجدير بالذكر الاقتباس من ميشيل تشوسودوفسكي في مقالة مطولة بعنوان: "سوريا: من يقف وراء حركة الاحتجاج" (2) قوله: "توجد العديد من المسببات التي شكلت هذا الحدث السوري، ومن أبرزها: أ- تزايد مستوى البطالة في الفترة الأخيرة. ب- تدهور الظروف والأوضاع الاجتماعية. .. إن حدوث هذين السببين يعود بشكل رئيسي إلى قيام دمشق بإتباع وصفة صندوق النقد الدولي الخاصة بسوريا في عام 2006 م، وهي الوصفة التي فرضت على سوريا القيام بانتهاج سياسات اقتصادية تركز على الآتي: 1- تطبيق الإجراءات التقشفية الصارمة القائمة على مبدأ تخفيض النفقات والحد من الواردات، وإلغاء الدعم وتقليل الإنفاق على الخدمات.. وهلمّ جراً. 2- تجميد مستوى الأجور والمرتبات، وذلك بما يتضمن عدم زيادة الأجور، وعدم فتح الوظائف الجديدة لتعيين الموظفين والعمال والمهنيين. 3- إعادة تنظيم النظام المالي والنقدي، بما يتضمن إعادة هيكلة المؤسسات المالية والنقدية إضافة إلى إعادة هيكلة السياسات المالية والنقدية بما يتماشى مع توجهات نظام السوق الحر الذي يعتمده صندوق النقد الدولي وبقية المؤسسات المالية والنقدية والتجارية الدولية. 4- القيام باعتماد الإصلاحات الجديدة في النظام التجاري، بما يعطي للأسواق قدراً أكبر من حرية التجارة، ويطلق يد التجار، وعلى وجه الخصوص عدم قيام الدولة بوضع القيود التي تحدد وتضبط أسعار بيع وشراء السلع في الأسواق السورية.
5- القيام باعتماد نظام الخصخصة، وذلك بما يتضمن تصفية مؤسسات القطاع العام ببيعها للقطاع الخاص أو تصفيتها إذا تعذر ذلك، بما سوف يؤدي بالضرورة إلى تسريح الأعداد الكبيرة من الموظفين والعمال." انتهى الاقتباس
السلوك المتعجرف والفاسد لبعض المسؤولين في بعض المحافظات كان يأخذ دور الصاعق نظراً لطابعه الاستفزازي . وقد مثل محافظ حمص المُقال ، وبعض القيادات الأمنية في درعا نماذج لذلك.
الدور الذي يلعبه المشروع الأميركي للشرق الأوسط ، وتشجيعه لأية ثقافة دينية تعمل في السياسة، وتعاظم الفضائيات الدينية أو غير الدينية الملحقة بهذا المشروع خاصة الجزيرة والحرة والعربية. وهي قنوات تتوزع الأدوار في خدمة المشروع الأميركي على المستوى الاستراتيجي. أقول المشروع الأميركي للشرق الأوسط والعالم وتقاطعاته مع التغيرات السياسية في المنطقة العربية والشرق الأوسط. يقول تشوسودوفسكي: "توجد دلائل وبراهين واضحة تؤكد وجود عملية تضليل إعلامي كبيرة الضخامة، إضافة إلى الخدع والأكاذيب التي ظلت الوسائط الإعلامية العالمية تتداولها وتروج لها منذ لحظة بدء الأحداث في يوم 17 آذار (مارس) 2011 م الماضي."
الإهمال الأيديولوجي والتنظيمي لمعظم كوادر "البعث" ومنتسبيه ، وفساد الآخرين. ما أدى إلى نكوص معظم هذه الكوادر نحو ثقافتها الدينية السالفة. فلإهمال الأيديولوجي والسياسي أدى إلى انسحاب كل فرد من أفراد البعث نحو ثقافته الدينية. وهي الظاهرة التي آلت إلى موات "البعث" وتبعثره وانحطاطه السياسي والتنظيمي . وهو ما ظهر جلياً في الاحتجاجات حيث كان "البعث" غائباً تقريباً في المواجهة.
كان القطاع الأنشط في المعارضة السورية البورجوازية الديمقراطية هم المصابون بالعدوى الليبرالية والمتأثرون بالدعوى الأميركية الليبرالية الجديدة ومشروع ديمقراطية المكونات . إلا أن ذلك لم يمنع من ظهور نشاط متعاظم في الأوساط البورجوازية الديمقراطية الوطنية العلمانية منها والدينية . كما نلاحظ نشاط قطاع من اليسار القومي الديمقراطي الوطني والماركسي بشكل لافت . وقد ذكرنا أن مثقفي الإنترنت من الشباب شكلوا منظماً مهماً لتحريك الاحتجاجات . لقد طالبت المعارضة السورية دوماً واعتباراً من 2001 بالإصلاح السياسي والاقتصادي لكسر دائرة الاحتكار الجهنمية والخروج نحو مستقبل سوري أفضل عبر مشروع للتغيير الديمقراطي السلمي التدريجي يحمي سوريا من أي انزلاق نحو مواجهات اجتماعية خطرة ، خاصة وأن عولمة الاقتصاد السياسي الدولي ، وسيطرة القوى الإمبريالية على القانون الدولي تفسيراً وتطبيقاً وعلى المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة وغيرها ، يجعل من أية حرب اجتماعية أهلية داخلية تتحول وبسرعة البرق إلى حرب عالمية تشن الدول الإمبريالية الرئيسية خاصة الولايات المتحدة من خلالها حملة تأديبية بهدف إخضاع النظم أو تغييرها لحسابها الخاص. وليبيا والعراق وأفغانستان ويوغسلافيا أمثلة حاضرة في الذهن. لقد ظهر الإعلام الفضائي على أنه منظِّم ومحرِّض . وقد ظهر أيضاً أن الإعلام قد غير من مفهوم المثقف السياسي . لم يظهر السياسي العريق سوى صورة من صور النشاط الإعلامي الهائل.
لم يكن رفع أسعار المازوت وأسعار السماد ، وقوانين إصلاح العلاقات الزراعية وتملك عقارات كبيرة من قبل أجانب مستثمرين ، والبطالة الواسعة في قطاع الشباب والفساد الواسع إلا علامات على تغول الاحتكار في السياسة والاقتصاد ووصوله إلى درجة الانفجار . وهو ما يفسر أمكان الانفجار وطبيعة تحركات الحشود وأماكنها وشكل مطالبها .
وأظهرت الاحتجاجات سهولة التدخلات الأميركية في الحركة عبر قنوات البث الفضائي الهائلة وعبر الأموال الأميركية وبعض المعارضين في الخارج الذين لعبوا دور أدوات الإعلام ومادته في التحريض ودفع الوضع السوري إلى مواجهة لا تخدم مطالب المحتجين ولا مستقبل سوريا. النظام السوري هو النظام العربي الوحيد الذي بقي في خط المعرقل للمشروع الأميركي في الشرق الأوسط ودعم المقاومة اللبنانية والفلسطينية في حربها ضد إسرائيل. لكن هذا الأمر لم يستطع حجب القضية الأساسية وهي: أن الاحتكار بات يشكل خطراً حقيقياً يهدد بتدمير كل شيء، لا بل ويهدد بتحويل المهمة الوطنية التي يتبناها النظام على طريقته ، إلى مهمة في غير سياقها المجتمعي الطبيعي ، ويهدد الوحدة الوطنية أرضاً وشعباً.
ما من شك في أن الإصلاح السياسي والاقتصادي الذي يعني إجراء تغييرات عميقة على مستوى المشاركة السياسية وعلى مستوى توزيع الدخل الوطني هو الحل الحاسم والأكيد من أجل مستقبل سوريا .
لا يفوتنا أن نذكر أن الغضب الناجم عن السياسات السابقة والمواجهات العنيفة أواخر السبعينات من القرن الماضي بين جماعات مسلحة للأخوان المسلمين ونظام البعث يمحوه دفء الإصلاح والتغيير الديمقراطي السلمي الحقيقي . ويعيد التوازن إلى المجتمع السوري ومعها المصالحة التاريخية المنتجة والواعدة.
1 - كلمة فارسية تشير إلى طبقة تجارية تقليدية في إيران همشتها التحديثات التي قام بها الشاه ، وقد لعبت دوراً نشطاً وقيادياً في الثورة الإيرانية 1979 عبر ممثليها من رجال الدين الشيعة (آيات الله) . ونحن نستعير التعبير لنشير إلى طبقة غير متجانسة من التجار والحرفيين والباعة التقليديين في المدن السورية همشها تنامي احتكار القلة بعد 2001 ، وتجد في الثقافة الدينية ورجال الدين السنة تعبيرها السياسي .. لكنها تستأنس أحياناً بتعبيرات سياسية ديمقراطية وطنية علمانية وأحياناً يسارية .
2 - المصدر: موقع “الجمل” http://www.aljaml.com/node/70460