طبيعة النظام الذي سقط

أشرف حسن منصور
2011 / 4 / 17


لقد سقط مبارك الذي حكم مصر لثلاثين عاماً في 18 يوم فقط. ويعد هذا السقوط السريع - الذي يمثل طلقة مسدس في تاريخ الشعوب وضربة قاضية أودت بحياة النظام في لحظة - إنجازاً تاريخياً هائلاً وغير مسبوق، لم يكن يقدر عليه إلا الشعب المصري الباسل. وعلينا الآن أن نبحث في طبيعة هذا النظام وأصله وجذوره التاريخية.
واستباقاً لما سيتم تفصيله فيما يلي أقول إن النظام الذي سقط لم يكن نظام مبارك وحسب، بل هو ما سوف أسميه نظام السادات – مبارك.
ليس مبارك وحده الذي سقط بل السادات أيضاً، لأن السادات هو الذي وضع أسس النظام القمعي الذي حكم به مبارك. ولم يكن مبارك سوى وريث لهذا النظام، ولم يعمل إلا على تشغيله وإدارته بمنتهى الكفاءة. فمبارك الطيار لم يخترع الطائرة التي كان يحلق بها، ومبارك الرئيس لم يخترع كذلك نظام الحكم الذي حكم به مصر، بل كان هذا النظام من اختراع السادات. وقد تدرب مبارك على هذا النظام لست سنوات في عهد السادات عندما كان نائبا له من 1975 إلى 1981. ولذلك أداره بكفاءة فور توليه الرئاسة. وكان الكثير من المفكرين والمحللين السياسيين والصحفيين على وعي بالاستمرارية بين عهدي السادات ومبارك، إذ أطلقوا على العهدين اسماً واحداً هو الساداتية.
وبالتالي فإن النظام الذي سقط هو ما كانت تحكم به مصر، لا من 1981 بل من 1975، وهو تاريخ بداية القمع البوليسي للشعب المصري، وهو أيضاً تاريخ الانقلاب الساداتي على المشروع الوطني الناصري بالبدء في الخضوع لمطالب الرأسمالية العالمية بجناحيها السياسي (الولايات المتحدة) والمالي (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) وتطبيق سياسات الانفتاح الاقتصادي والخصخصة والتحول إلى السوق الرأسمالي المسمى حراً.
إن السادات هو الذي أنشأ النظام البوليسي الفاشستي الذي حكمت به مصر من 1977 حتى 2011 على النمط النازي؛ إذ كان السادات معجباً بهتلر وبالنازية أثناء الحرب العالمية الثانية وكان متعاوناً معها ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر عندما كان ضابطاً في سلاح الإشارة. وعندما أصبح رئيساً قام بتغيير الزي الرسمي لضباط الجيش المصري إلى الزي الألماني، وقام بحمل عصا المارشالية الألمانية التي اشتهر بها المارشالات الألمان. فكان من الطبيعي والمنطقي بالنسبة للسادات أن يحذو حذو ألمانيا النازية في تأسيس مباحث أمن الدولة على نمط الجستابو الألماني، وقوات الأمن المركزي على نمط فرق العاصفة أو الـ SS الألمانية ذات الطبيعة القمعية الإرهابية الإجرامية. فقد اخترع السادات الأمن المركزي بعد ثورة الخبز في 18 و19 يناير 1977، وهو الذي أسس الحزب الوطني الديمقراطي الذي أراد منه أن يكون حزب الدولة والحزب الحاكم المسيطر على كل شئون البلاد والمحتكر للحياة السياسية على نمط الحزب النازي تماماً.
لكن ما هي الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية التي نشأ هذا النظام في ظلها؟ وما هي عوامل استمراره طيلة هذه السنين التي تبلغ 34 سنة؟
لنبدأ الحكاية من أولها.
وأولها يبدأ بنهاية الحرب العالمية الثانية.
كانت مصر تحت الاحتلال البريطاني منذ 1882، ولم تفلح معاهدة 1936 إلا في حصول مصر على استقلال إسمي وصوري في ظل استمرار تواجد الجيش البريطاني على القناة. وتزايدت حدة التظاهرات الشعبية المطالبة بالاستقلال بعد الحرب مباشرة، وجسدت تحالفاً نادراً بين الطلبة والعمال، أي الطبقة الوسطى المتعلمة تعليماً جامعياً والطبقة العاملة التي تحتل المراتب الدنيا في المجتمع. ومثَّل هذا تحالفاً طبقياً أثمر توجهات اشتراكية واضحة – وذلك قبل تطبيق ثوار يوليو للاشتراكية في أواخر الخمسينات - طالبت بتمصير المشروعات الأجنبية للحصول على الاستقلال الاقتصادي عن رأس المال الأجنبي، وبالتأميم للقضاء على قوة الطبقات الأرستقراطية والبورجوازية التي تتحالف من أجل مصالحها مع الاستعمار. ففي هذه الأثناء أدرك الشعب المصري أن الاستقلال السياسي مرتبط بالاستقلال الاقتصادي، ولا يمكن نيل الواحد منهما دون الآخر. وهذا ما تمت بلورته في مجموعة المبادئ التي تبنتها حركة 23 يوليو 1952، وأهمها الثلاثة الأولى التي تجسد طموح الاستقلال السياسي والاقتصادي: القضاء على الاستعمار وأعوانه، والقضاء على الإقطاع، والقضاء على سيطرة رأس المال على الحكم.
ولأن حركة يوليو كانت واضحة صريحة في مواجهة الاستعمار الأجنبي والمتعاونين معه من الداخل (الإقطاعيون) والرأسمالية الخارجية والداخلية معاً وتحكمها في مصائر البلاد، فقد كان من الطبيعي والمنطقي أن تتحالف كل تلك القوى السابقة ضد مصر، وهذا ما ظهر في العدوان الثلاثي 1956 وفي 1967 وفي وقوف أمريكا السافر بجانب العدوان الإسرائيلي طوال تاريخه.
حاول النظام المصري الناشئ بعد 1952 أن يحقق المطالب الوطنية والاقتصادية للشعب المصري، فتم تمصير الشركات الأجنبية وتأميم العديد من المصانع والمشروعات، وتولت الدولة عملية التخطيط والتنمية، وكانت التجربة الاقتصادية المصرية في الخمسينيات والستينيات معجزة اقتصادية لا تضاهيها إلا المعجزات اليابانية من قبلها ثم الكورية من بعدها.
ونظرا ً لوقوف الغرب كله مع إسرائيل في العدوان الثلاثي، ونظراً لأن البنك الدولي قد مارس ألاعيبه المعروفة على مصر آنذاك وهو الذراع المالي للرأسمالية العالمية، إذ قد رفض المشاركة في مشروعات التنمية المصرية التي كانت تنحو منحى غير رأسمالي وتبغي الفكاك من قبضة رأس المال الدولي، فقد تزايد اقتراب مصر من المعسكر الشرقي وعلى رأسه الاتحاد السوفييتي، خاصة وأن مصر كانت في حاجة إلى سلاح ولم تجد إلا المعسكر الاشتراكي مصدراً له. وقد عمل هذا الاقتراب من السوفييت على المزيد من التوتر الحاد مع الغرب. وهذا ما أدى إلى الهجوم الإسرائيلي سنة 1967.
لم يكن العدوان الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن سنة 1967 بهدف توسع إسرائيل فقط (التي هي وكيلة الإمبريالية العالمية في الشرق الأوسط)، بل كذلك بهدف القضاء على قوة مصر ودورها، مصر التي كانت القوة الدافعة لتحرر القارة الأفريقية من الاستعمار القديم، والتي ساعدت ثورات الجزائر واليمن والكونغو وغيرها، والتي كانت تقدم نموذجاً ناجحاً لطريق غير رأسمالي نحو الإقلاع الاقتصادي. ولأن العالم آنذاك كان يعيش في أوج الحرب الباردة، فإن أمريكا، ممثلة رأس المال العالمي وحاميته عسكرياً والداعمة له سياسياً، هي وحلفاءها الغربيين، لم يريدوا لهذا النموذج اللارأسمالي أن ينجح، لأن أي نجاح لاقتصاد غير رأسمالي يعني فشلاً للرأسمالية ذاتها. لقد كان عدوان يونيو 1967 بهدف هزيمة المشروع التحرري، السياسي والاقتصادي، الذي كانت تتولاه مصر.
وبعد الاحتلال الإسرائيلي لسيناء والجولان والضفة وغزة في يونيو، عملت الولايات المتحدة على عزل مصر عن بقية دول المواجهة وذلك بتقديم مبادرة سلام أثناء حرب الاستنزاف، تنص على انسحاب إسرائيلي جزئي من سيناء، وهي المعروفة بمبادرة روجرز، وقد قبلها عبد الناصر على مضض، أولاً لعلمه أن إسرائيل لن تقبلها وبالتالي يضعها في موقع الرافض للسلام المحتفظ بأراض محتلة، وثانياً لأنه كان في حاجة إلى فسحة من الوقت لتجهيز الجيش المصري للعبور والانتهاء من بناء حائط الصورايخ على القناة.
واستمرت محاولات الولايات المتحدة عزل مصر عن دول المواجهة بعد حرب أكتوبر، وتزايدت الضغوط على مصر لإقامة صلح منفرد مع إسرائيل. وقد استخدمت أمريكا طرقاً عديدة لإجبار مصر على هذا الصلح المنفرد، أهمها الضغط الاقتصادي. وكان لهذا الضغط الاقتصادي طبيعة خاصة سوف أسردها فيما يلي.
خرجت مصر منهكة ومفلسة ومأزومة اقتصادياً بعد ثلاثة حروب جرت في ست سنوات فقط: 1967 وحرب الاستنزاف و1973؛ ولم يكن الحليف السوفييتي قادراً على المساعدات الاقتصادية نظراً لمروره هو نفسه بأزمات اقتصادية. واستغلت أمريكا هذه الفرصة بأن تلوح بالمساعدات الاقتصادية لمصر، مساعدات منها ومن صندوق النقد الدولي وتسهيلات من البنك الدولي، ناهيك عن دخول الاستثمارات الأجنبية لمصر. كانت أمريكا في حاجة إلى تصدير رؤوس الأموال للعالم الثالث في هذه الفترة نظراً لتكدس رؤوس الأموال بها وعدم وجود فرص جديدة للربح في الدول الرأسمالية. فكان من اللازم لهذه الرؤوس من الأموال الخروج من المراكز الرأسمالية الكبرى للبحث عن الربح في العالم الثالث. لكن المشكلة التي واجهت انتقال رؤوس الأموال الغربية إلى العالم الثالث أن بعضه كان آنذاك يدور في الفلك السياسي للاتحاد السوفييتي وبعضه الآخر ملتزماً بتوجهات حركة عدم الانحياز التي تضع قيوداً عديدة على التعامل مع الغرب، مطبقاً نظام اشتراكية الدولة والاقتصاد المخطط مركزياً. فكان يجب على أمريكا أن تكسر ذلك النظام السياسي الاقتصادي الذي كان يمنع في السابق الحركة الحرة لرأس المال العالمي. ولم تجد أمريكا خيراً من مصر لممارسة ضغوط عليها بهدف التخلي عن الاقتصاد المخطط وبرامج الاشتراكية، لإفساح المجال لدخول رأس المال الأجنبي.
وهكذا ساعد نظام السادات في تطبيقه لسياسة الانفتاح الاقتصادي على تفكيك نظام اشتراكية الدولة السابق وتطبيق سياسات التحرير الاقتصادي وإدخال السوق الرأسمالي (المسمى حراً بغير وجه حق). وتم البدء في عصر السادات في بيع القطاع العام وعمليات الخصخصة وانسحاب الدولة من مهامها الاجتماعية والاقتصادية السابقة، واكتسابها بالتدريج للطابع الليبرالي الجديد للدولة المحدودة حامية رأس المال والساهرة على مصالحه والمسهلة لعمل السوق الحر المناسب له. وعلى الجانب الآخر نجح التحالف الأمريكي الإسرائيلي في جذب السادات إلى صلح منفرد مع إسرائيل لم يكن في صالح مصر أبداً، نظراً لاشتراط المعاهدة للتطبيع الكامل المسبق قبل تحقق السلام العادل والشامل، ونظراً كذلك للسيادة المنقوصة لمصر على سيناء، فالجيش المصري ليس من حقه التواجد في سيناء خارج المساحة التي حررها في حرب أكتوبر 1973. وبذلك انهار المشروع السابق في التحرر الوطني والاستقلال الاقتصادي. فالسيادة على أرض الوطن أصبحت منقوصة، والاقتصاد صار تابعاً للرأسمالية العالمية ومؤسساتها المالية (الصندوق والبنك) والتجارية (منظمة التجارة العالمية).
ولم يكن السادات وحده ليستطيع القيام بكل هذه التغييرات الانقلابية والردة عن المشروع الوطني التحرري، الاقتصادي والسياسي، الذي كانت تسير عليه مصر، دون مساعدة من الداخل من قبل بعض الفئات المستفيدة من التحالف مع رأس المال العالمي والأمريكي منه على وجه الخصوص. تمثلت مصالح هذه الفئات في أعمال السمسرة والوكالة للشركات الأجنبية والوساطة التجارية بينها وبين السوق المحلي، والمضاربة والاتجار بالعملة، وهي كلها أنشطة اقتصادية طفيلية أنتجت طبقات طفيلية رجعية تستفيد من التبعية لأمريكا ولرأس المال العالمي بوجه عام. كما كان من بين هذه الفئات تلك التي تضخمت ثرواتها في الخليج مع الثروة البترولية وتريد إدخالها مصر لاستثمارها. ولم تأت هذه الثروات الخليجية وحدها، بل جاءت بتوجهاتها الإسلامية الوهابية المتطرفة والمتزمتة. وكانت هذه التوجهات بطبيعتها معادية لأي مشروع وطني مستقل، نظراً لاعتقادها في علو الدين على القومية، ولأي مشروع اقتصادي يحقق العدالة الاجتماعية نظراً لعدائها الأيديولوجي للاشتراكية. كل هذه القوى شكلت ثورة مضادة عملت على إجهاض المشروع التحرري السياسي والاقتصادي السابق والارتماء في أحضان الهيمنة الأمريكية والتبعية للرأسمالية العالمية.
كان هذا هو النظام الذي ورثه مبارك، وهو نفسه النظام الذي استمر يحكم به مبارك ويكيف مصر كلها لتسيير عمله. فالخصخصة وبيع القطاع العام وإعادة هيكلة الاقتصاد استمرت وتقدمت كثيراً في عهده. وكانت هذه الأوضاع أفضل بيئة لنمو وترعرع الفساد. فالفساد الذي استشرى في عهد مبارك ليس أخلاقياً بل هو مؤسسي ونابع من بنية النظام نفسه لكونه نظاماً تابعاً فتح البلد لرأس المال الأجنبي والخليجي والإسرائيلي، وتخلى عن السيادة الوطنية ورضي بدور التابع للسياسة الأمريكية، وجعل من الدولة عميلة سياسية أمريكية.
ومن سخرية الأقدار أن هذا النظام غير الوطني بالمرة وغير الديمقراطي إطلاقاً كان يتحكم فيه حزب واحد منفرد بالسلطة يسمى الحزب الوطني الديمقراطي. وكانت كل الشعارات التي رفعها النظام مثل شعار الاستقرار الشهير يهدف في حقيقته إلى استقرار تبعية مصر لأمريكا ورضوخها لإسرائيل واستسلامها للمؤسسات المالية والتجارية للرأسمالية العالمية.
وكي يتم ضمان استمرار هذا النظام وأدائه لوظائفه، وهو النظام غير الشعبي وغير الديمقراطي بالمرة، استخدم أجهزة وآليات قمعية للسيطرة على شعب لا يريده ويكرهه من العمق. فتم إدخال الأمن المركزي منذ 1977، وتحولت مباحث أمن الدولة إلى شرطة سرية وجستابو ومارست الجاسوسية على الشعب المصري نفسه لصالح النظام ورموزه، وصار الحزب الوطني حزباً نازياً فاشستياً في فساده وألاعيبه وأكاذيبه وخداعه للمصريين. فعندما يسيطر نظام رجعي على الدولة يلجأ دائماً إلى القمع والتعذيب لإسكات خصومه ومعارضيه.
إن النظام الذي سقط هو النظام السياسي الذي كان يدير دولة تابعة سياسياً لأمريكا واقتصادياً للرأسمالية العالمية ومتحالفاً مع إسرائيل. صحيح أن البنية الاقتصادية العميقة لهذا النظام لم تسقط بعد، وصحيح أن الهيكل الاقتصادي للدولة لا يزال مقاماً لخدمة التبعية الاقتصادية، وصحيح أن الفئات الطفيلية المستفيدة من النظام السابق لا تزال موجودة وتشكل الأساس الاجتماعي للثورة المضادة، إلا أنني أضع آمالاً كبيرة في الثورة المصرية، فقد حققت الأصعب والذي كان مستحيلاً في السابق وهو إسقاط النظام السياسي، وحاكمت رؤوسه ورموزه والقائمين عليه؛ ويمكنها إذا استمرت واعية بذاتها أن تغير من البنية الاقتصادية السابقة بالكامل. لقد كان شعار الثورة المصرية منذ الساعات الأولى من يوم 25 يناير هو: كرامة، حرية، عدالة اجتماعية. وكلمة "العدالة الاجتماعية" هي المعبرة عن الهدف الاقتصادي الواضح للثورة المصرية. ولا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية دون التخلص من التبعية الاقتصادية لرأس المال الأجنبي ومن سيطرة الفئات الطفيلية المستفيدة منه في الداخل، ومقاومة سياسات الليبرالية الجديدة التي أدت إلى خراب اقتصاديات دول كثيرة منها دول العالم المتقدم نفسه وأدت إلى اشتعال الأزمة الاقتصادية بها.
يجب أن تنتقل الثورة المصرية إلى البناء الاقتصادي التحتي بعد أن أسقطت سطحه السياسي؛ يجب أن تعيد بناء الاقتصاد المصري كي يكون في صالح أفقر الطبقات الشعبية. وعند نجاحها في ذلك سوف تكون ثورة اجتماعية كونية بمقاييس تاريخية.
تحيا الثورة المصرية
أشرف حسن منصور