اليسار و«التدخل الإنساني» في ليبيا - مهمّات المعادين للإمبريالية

جلبير الأشقر
2011 / 4 / 6

منذ فرض مجلس الأمن حظراً جوياً على ليبيا، وبدء قصف حلف شمال الأطلسي لقوات القذافي، تتعالى الأصوات، اليسارية خصوصاً، الرافضة رفضاً قاطعاً لأيّ تدخل أجنبي في البلاد. ويقول هؤلاء إنّه لا وجود لتدخل إنساني، كما يبرّر الغرب، فالدول الاستعمارية مدفوعة بمصالحها من أجل التدخل في ليبيا، وإلّا لكانت تدخلت في أماكن أخرى في الشرق الأوسط، حيث يحتاج الشعب المنتفض إلى مساعدتها فعلياً، لكن برزت أصوات، من اليسار الأميركي والأوروبي، تبرّر التدخل الإنساني، وأخرى تدعو إلى تسليح الثوار من جانب الغرب. يحاجج هؤلاء بأنّه لولا التدخل الغربي لأبيد الشعب الليبي بأكمله، على يد قوات القذافي، لكنّهم يبقون حذرين من المطامع الإمبريالية الغربية





الخطاب الذي ألقاه باراك أوباما في 28 آذار الماضي، سلّط الضّوء على التدخّل الغربي الجاري في ليبيا والنقاش داخل الحركة المناهضة للحرب حول هذا الموضوع. ما يلي هو تشريح للأجزاء الرئيسية لهذا الخطاب ـــــ دون أن نتطرّق الى التّضخيم المعتاد، والبلاغة الفارغة على طريقة العقيدة الأميركية الخاصة بالحتمية التوسعية ـــــ بالإضافة الى تعليق يتناول كلّ القضايا، وينتهي بإجراء تقويم، وذلك بعد اثني عشر يوم من اعتماد مجلس الأمن للقرار 1973 بالإضافة الى مهمات مناهضي الإمبريالية.

« مع الأخذ في الحساب كلّ المخاطر والتكاليف للعمليّات العسكريّة، نحن مترددون بطبيعة الحال في استخدام القوة لمواجهة تحديات العالم الكثيرة. لكن عندما تكون مصالحنا وقيمنا معرّضة للخطر، نواجه مسؤوليّة في التصرف، وهذا ما حدث في ليبيا خلال هذه الأسابيع الستة الماضية...».

«يتساءل البعض لماذا على أميركا أن تتدخل أصلاً ـــــ ولو حتى بوسائل محدودة ـــــ في هذه الأرض البعيدة. يحاججون بأنّ هناك العديد من الأماكن في العالم حيث يواجه المدنيين الأبرياء العنف الوحشي على يد حكومتهم، ولا ينبغي توقع أن تؤدي أميركا دور الشّرطة في العالم، وخصوصاً أن لدينا الكثير من الاهتمامات الملحّة هنا في أرض الوطن».

«صحيح أنّه لا يمكن أميركا استخدام القوة أينما يحدث قمع. ونظراً لمخاطر التدخّل وتكاليفه، علينا دائماً تحديد مصالحنا وفق الحاجة للتصرّف. لكن ذلك لا يمكن أن يكون حجّة لعدم التحرك نيابة عما هو صحيح. بالنسبة إلى هذا البلد بالأخصّ ـــــ ليبيا، في هذه اللحظة بالذات، كنا نواجه احتمال حدوث أعمال عنف على نطاق مروع».

بصراحة لقد وُضعت المصالح قبل القيم، في المقاطع أعلاه. والحقيقة هي أنّ مصالح الإمبريالية الأميركية هي التي تحفز تدخّل الولايات المتحدة أولاً، وقبل كل شيء. أما القيم فليست إلّا ثانويّة، بل مجرّد واجهة زائفة، كما يظهره تماماً تاريخ كلّ التدخلات العسكريّة الأميركيّة. في بعض الأحيان، يمكن أن تتطابق المصالح الأميركيّة مع القيم التي تعلنها، كما كانت الحال في مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية. لكن معظم التدخّلات الأميركية حصلت في انتهاك تلك القيم، فيما امتنعت الولايات المتحدة عن دعم قيمها المعلنة في حالات لا تحصى، عندما لا تتطابق مع مصالحها الإمبرياليّة. «لأكثر من أربعة عقود، حكم الشعب الليبي الطاغية معمّر القذّافي. وقد تجاهل حرّيّة شعبه واستغّل ثروته، وقتل المعارضين في الدّاخل وفي الخارج، وروّع الأبرياء في كلّ أنحاء العالم، بما في ذلك أميركيّون قتلوا على أيدي عملاء ليبيّين».

هذا صحيح تماماً، وحتّى الآن، كانت الولايات المتّحدة تتملّق الطاغية بوقاحة، وذلك منذ 2003، ولا يقتصر ذلك على إدارة بوش وحدها. في 21 نيسان 2009 استقبلت وزيرة الخارجيّة هيلاري كلينتون، في واشنطن، أحد أبناء القذافي السبعة، الدكتور المعتصم بالله القذافي، وهو مستشار الأمن القومي الليبي الذي ساهم في «الحرب على الإرهاب» من خلال تنفيذه مشاريع قذرة لحساب الإدارة الأميركيّة. «يسرّني جداً أن أرحّب بالوزير القذافي هنا في وزارة الخارجية. ونحن نقدر بعمق العلاقة بين الولايات المتحدة وليبيا. لدينا العديد من الفرص لتعميق وتوسيع تعاوننا. وأنا أتطلع بشغف إلى بناء هذه العلاقة» (عن وزارة الخارجية الأميركية). وبطبيعة الحال، تقرّب من القذافي العديد من حلفاء واشنطن الأوروبيين، أكثر من الولايات المتّحدة نفسها، ومن أبرز هؤلاء المهرّج العنصري الذي يحكم إيطاليا.

«قبل عشرة أيام، بعد محاولة لإنهاء العنف من دون استخدام القوة، قدّم المجتمع الدّولي للقذافي فرصة أخيرة لوقف حملة القتل الخاصة به، أو مواجهة العواقب، وبدلاً من التنحّي، واصلت قوّاته التقدّم الى مدينة بنغازي حيث يقطن نحو 700000 رجل وامرأة وطفل يسعون إلى حريّتهم بسبب الخوف».

«في هذه اللحظة واجهت الولايات المتّحدة وواجه العالم خياراً. وقد أعلن القذافي أنّه لن يظهر أيّ رحمة حيال قومه. لقد نعتهم بالجرذان وهدّد بملاحقتهم حتّى أبواب منازلهم، لإيقاع العقاب. لقد شاهدناه في الماضي يشنق المدنيين في الشوارع، ويقتل الآلاف في يوم واحد. الآن، نشاهد قوّات النظام على مشارف المدينة. حينها، فهمنا أنّه إذا انتظرنا يوماً واحداً، فإنّ بنغازي ـــــ تلك المدينة التي تقارب حجم مدينة شارلوت ـــــ سوف تعاني مجزرة ستتردد أصداؤها في أنحاء المنطقة، وسوف يلطّخ ذلك ضمير العالم أجمع.لم يكن في مصلحتنا الوطنيّة أن يحدث ذلك....لدى أميركا مصلحة استراتيجية مهمّة في منع القذافي من اجتياح أولئك الذين يعارضونه. لكانت مذبحة مماثلة دفعت الآلاف من اللاجئين الإضافيين عبر الحدود اللّيبية...».

هذا صحيح تماماً. ففي تعليق مرسل من بنغازي لصحيفة «ذا نيويوركر» بعنوان « من هم الثّوار؟»، أكدّ جون لي اندرسون أخيراً كلّ ما وصفه المراقبون على الأرض، مؤيداً المخاوف التي عبرت عنها الانتفاضة في بنغازي والإلحاح على ارتفاع طلب الغطاء الجوي. كتب: «عندما بلغت المجموعات الأولى لجنود القذافي حافة المدينة، هرب نحو الشّرق آلاف عدّة من البنغازييّن ـــــ بمن في ذلك بعض أعضاء مجلس المدينة. وقد قتل ثلاثون من الذين بقوا، فيما أنقذت جهودهم فقط عند وصول الطائرات الحربية الفرنسيّة». وكما قال أحد الليبيين، وهو سائق شاحنة من أجدابيا، لمراسل صحيفة «فاينانشال تايمز» «نحن نعلم أنّ أسلحة الثوار لا تقارن بأسلحة القذافي، ولولا الطائرات، لكان لاحقنا من زنقة لزنقة» ـــــ أي من زقاق لزقاق ـــــ في اشارة الى خطاب القذافي الشهير الذي هدّد خلاله بسحق التمرّد، مستخدماً عبارات مخيفة.

في مقاله الافتتاحي من العدد الثامن والعشرين في صحيفة القدس العربي، ومقرّها لندن، أوضح عبد الباري عطوان، الذي يعرف ليبيا جيداً، السبب في تفوق القذافي العسكري على الانتفاضة: «إنّ تسليح المتمردين، لا سيما أولئك الذين يتركزون في المنطقة الشرقية، ضعيف للغاية مقارنة مع القوات الموالية للزعيم الليبي العقيد معمر القذافي... لقد حلّ العقيد القذافي الجيش الليبي منذ نحو عشرين سنة، بعد انتفاضة عمر المحيشي، وقد استعاض عن الجيش بمجموعات ميليشياويّة مسلّحة، بقيادة أبنائه أو أفراد قبيلته، من أجل ضمان ولائهم الكامل».

وكانت مسألة أيام قليلة فقط، قبل أن يستعيد القذافي السيطرة على مدينة بنغازي ويرتكب مجزرة كبيرة «ستتردد أصداؤها في أنحاء المنطقة وسوف يلطّخ ذلك ضمير العالم أجمع»، ما سيضع الحكومات الغربية في وضع سياسي صعب، بسبب عدم استجابتها لطلبات النجدة من سكان في خطر، ولكانت قد نتجت من ذلك عمليات قتل جماعية.

النقطة الأساسية هنا لم تكن « القيم» ولا «الضمير»، لا بل «الضمير الملطّخ» للقوى الغربية الذي كان سيقودهم لفرض حظر اقتصادي على ليبيا فيما كانت سوق النفط منهكة جداً. وكان ذلك سيقود أسعار النفط الى مستوى أعلى مما كان عليه قبل الأزمة الليبية، لو لم تتحرك القوى الغربية، مع عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي. لهذا السبب قال باراك أوباما «لم يكن من مصلحتنا الوطنية أن نترك هذا الأمر ليحدث».

«لقد أذنت بتنفيذ عمليات عسكرية من أجل إيقاف القتل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1973. ضربنا قوات النظام التي تقترب من بنغازي من أجل إنقاذ المدينة والناس في داخلها. ضربنا قوات القذافي في أجدابيا المجاورة، ما سمح للمعارضة بطردهم خارج المدن. ونحن ضربنا الدفاعات الجوية، التي مهدت الطريق لحظر الطيران في المنطقة. استهدفنا الدبابات والمعدات العسكرية التي كانت قد خنقت المدن والبلدات، وقد قطعنا معظم مصادر الإمدادات لقوات النظام، والليلة يمكنني أن أبلغكم بأنّنا أنهينا تقدم القذافي المدمّر».

هذا هو بالإجمال الوصف الدقيق لما حدث، إلى جانب حتمية قتل المدنيين من خلال التفجيرات لقوات التحالف، الذي، كي نكون منصفين، لا يزال محدوداً نسبياً حتى الآن في ليبيا، مقارنة مع حرب العراق وأفغانستان. بطبيعة الحال، مشاهد قصف القوات الغربية بالصواريخ لمواقع القذافي في ليبيا، أثارت عواطف مشروعة، واستحضرت مشاهد الاعتداءات الامبريالية البحتة، كما في غزو العراق في 2003.

لكن لم يكن هناك أيّ طريقة لمنع القذافي من ارتكاب مجزرة هدد بها، دون فرض منطقة حظر طيران، ووقف تحرك مركباته المدرعة نحو المناطق المأهولة بالسكان التي سيطرت عليها الانتفاضة. لم نتمكن من دعم الضربات الغربية نظراً لعدم ثقتنا تماماً بالنهج الأخرق لوزارة الدفاع الأميركية وحلفائها، واليقين من تجاربنا الماضية أنّهم سيتجاوزون تفويض الأمم المتحدة الخاص بحماية المدنيين. لكن في الوقت نفسه، لم نتمكن من الاعتراض على منطقة حظر الطيران والقصف الأولي لمدرعات القذافي، الأمر الذي طلبته الانتفاضة لنجدتها من انتقام القذافي.

«لو حصلت مجزرة، لكانت وضعت ضغوطات هائلة على المرحلة الانتقالية ـــــ التي لا تزال هشّة ـــــ في تونس ومصر. كان النبض الديموقراطي، الذي تفجّر في كل أنحاء المنطقة، سيختفي بسبب أحد أظلم الديكتاتوريين، إذ سيستنتج القادة القمعيون أنّ العنف هو الحلّ الأفضل للتمسّك بالسلطة».

للمرّة الأولى، يكون أوباما على حقّ بمجرّد أخذ موقف ضدّ بعض الكتّاب اليساريين الذين ادّعو أنّ التدخل الغربي في ليبيا خُطّط له من أجل إيقاف ـــــ وسوف يتمكن من إيقاف ـــــ موجة الانتفاضة الديموقراطية التي تجتاح شمال افريقيا والشرق الأوسط. بالمقابل، لو تمكن القذافي من سحق الانتفاضة الجماهرية بحمام من الدم، لكان ذلك أثر كثيراً على الوضع، وعزّز بالتالي الثورة المضادة الإقليمية، وردع حركة الاحتجاج عن التقدّم في معظمالبلدان. بمجرّد تجنّب المجزرة واستئناف الانتفاضة هجومها في ليبيا، تشجعت العمليّة الثورية الإقليمية. منذ ذلك الحين، لم تكتف الحركة الثورية تلك بزيادة الزخم حيث بدأت، أي في المغرب أو اليمن مثلاً، بل انتقلت وتضخمت في سوريا، البلد الرئيسي الوحيد في المنطقة الذي لم يشهد إلا بعض الحركات الضعيفة الاحتجاجية، حتى الآن.

«الأكثر من ذلك، لقد أتممنا هذه الأهداف بما يتماشى مع التعهد الذي وعدت به الشعب الأميركي مع بداية العمليات العسكرية. قلت إنّ دور أميركا سيكون محدوداً، وإننا لن ننشر قوّاتنا البريّة في ليبيا، وسوف نركّز قدراتنا الفريدة على المواجهة الأمامية للعمليّات وننقل المسؤولية الى حلفائنا وشركائنا. الليلة نحن نفي بهذاالتعهّد».

«تسلّم تحالفنا الذي نعدّه الأكثر فاعلية، وهو منظمة الحلف الشمالي الأطلسي، قيادة تنفيذ حظر توريد السلاح وحظر الطيران. الليلة الماضية، اتخذ الحلف قراراً بزيادة مسؤولياته عبر حماية المدنيين الليبيين... لا شكّ في أنّ ليبيا ـــــ والعالم ـــــ سيكونان أفضل إذا خرج القذافي من الحكم. أنا، جنباً الى جنب مع الكثير من زعماء العالم الآخرين، تبنّينا هذا الهدف، وسوف نتابع ذلك بنشاط وبوسائل غير عسكرية أيضاً. لكن توسيع مهماتنا العسكرية أكثر من ذلك ليتضمن تغيير النظام، سيكون خطأ».

«إنّ المهمة التي كلّفت بها قوّاتنا ـــــ من أجل حماية الشعب الليبي من خطر فوري ومن أجل إقامة منطقة حظر الطيران ـــــ تحمل معها تفويضاً من الأمم المتحدة ودعماً دولياً. وهذا ما طلبته منا المعارضة الليبية. لو حاولنا إطاحة القذافي بالقوة، لكان انشقّ تحالفنا، ولكان من المحتمل أن ننزل قوّاتنا على الأرض أو لكنّا خاطرنا بقتل الكثير من المدنيين بسبب القصف الجوّي...

«لقد تدخلنا لوقف المذبحة، وسنعمل مع حلفائنا وشركائنا بما أنّهم في الصدارة للحفاظ على سلامة المدنيين. سوف نحرم النظام من الأسلحة، وسنقطع إمداداته بالسيولة النقدية، سنساعد المعارضة، وسنعمل مع دول أخرى ليأتي اليوم الذي يغادر فيه القذافي السلطة».

هنا نصل إلى النقطة الأساسية في ما يتعلّق بقرار مجلس الأمن 1973 الذي استند الى ضرورة تحمّل مسؤولية الحماية. بناءً على طلب صريح من الانتفاضة، استبعدت وجود «قوّة احتلال أجنبيّة من أي نوع على أي جزء من الأراضي الليبية»، وهذه الضمانة ضد أي سيطرة امبريالية على ليبيا، أمر حاسم بالفعل.

لا يزال على أولئك الذين يعتقدون أنّ الولايات المتحدة يمكن أن تفرض «قرضاي» ما، على ليبيا، عن طريق القوة الجوية وحدها أن يظهروا لنا كيف يمكن أن يحدث ذلك. كلّ من هو مطّلع على الأوضاع في أفغانستان، يعلم تماماً أنّه لو لم تكن قوات الولايات المتحدة تسيطر على كابول، لم يكن حميد قرضاي ـــــ شخص ليس له تأثير على الإطلاق في بلاده ــــ ليتمكّن من أداء دور «السيد الرئيس»هناك.

وفيما لم يكن للأفغان، حلفاء الولايات المتحدّة في تحالف الشمال، أي قاعدة جماهيرية خارج مناطقهم العرقية، نجد سيطرة واضحة من حيث الشعبية للمعارضة الليبية، وذلك في مناطق رئيسية من البلاد، مما يجعل من الصعب على الغرباء فرض سيطرة سياسية دون وجود عسكريّ على الأرض.

تلك الهواجس، في المحيط الغربي الحاكم، السياسي والعسكري منه، بالإضافة إلى تقارير في وسائل الإعلام الغربية في ما يخصّ الانتفاضة الليبية، هي جدّ معبّرة في هذا الموضوع (على سبيل المثال، انظر الى التقرير الأخير في صحيفة «ذا اندبندنت»).

إنّ الإشارة إلى عدد قليل من الأفراد من هويات سياسية مختلفة ومتناقضة، يؤدون أو يحاولون تأدية دور ما في الانتفاضة الليبية، لا توضح تأثيرهم الحقيقيّ. كذلك لا يمكن أن يكونوا مقنعين في ما يخصّ شكل ليبيا في فترة ما بعد القذافي، إذا لم يضع المجلس الوطني الانتقالي برنامجاً واضحاً للتغيير الديموقراطي ويدع إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. حملة التشهير بالانتفاضة الليبية تشبه جهود أولئك الذين حاولوا تشويه الانتفاضة المصرية، إمّا عن طريق الإشارة إلى دور الإخوان المسلمين أو من خلال وصف محمّد البرادعي بأنّه أداة في أيادي الإمبريالية وبوصف «حركة 6 أفريل» الشبابية بأنّها مدربة أميركياً.

ومهما كانت التصريحات التي قد يعطيها هذا أو ذاك من أعضاء المجلس للإعلام الغربي، من أجل إرضاء الحكومات التي تساعد الانتفاضة، فهي ثانويّة مقارنة بحقيقة أنّ سقوط القذافي سيجعل من الممكن لليسار الظهور لأوّل مرّة منذ أكثر من أربعة عقود، وسوف يسمح كذلك للحركات التقدمية الدولية بممارسة الضغوط الفعّالة على دولة ليبيا، لإلغاء الاتفاق المخجل الذي أبرمه القذافي مع صديقه الايطالي سيلفيو برلسكوني في 2008، من أجل تسهيل عمليّة الصدّ الغير المشروعة لسفن الركاب الأفريقية.

الأهم الآن هو ما سيحصل لاحقاً. لقد تمّ تجنّب مجزرة، وشلّت حركة قوات القذافي الجوّية وهي غير قابلة للإصلاح. فتلك القوات ضعفت كثيراً على الرغم من أنّها لا تزال متفوّقة بوضوح على المتمرّدين.

وقد نُفّذ تفويض الأمم المتحدة في ما يتعلق بكلّ الوسائل والأهداف، باعتراف أوباما نفسه، والآن، تسلّم حلف شمالي الأطلسي العمليّات في ليبيا، طبقاً لخطّة تمتد لثلاثة أشهر.

أي قصف إضافي سيتجاوز، لا محالة، تفويض الأمم المتحدة، من خلال تحويل منظمة حلف شمالي الاطلسي الى شريك كامل في حرب أهليّة قائمة في ليبيا ولو كانت مشاركته تقتصر على الجوّ والبحر. الحجّة هي أنّ كلّ هذه التدابير ليست إلا جزءاً من «جميع التدابير الضرورية»، من أجل «حماية المدنيين» التي أذن بها القرار الغامض والغير المقبول لمجلس الامن، وهو متّصل بالتفوّق العسكري لأنصار القذافي خلال الانتفاضة.

لكن الوسيلة الوحيدة لإنهاء هذا التفوّق وتمكين الانتفاضة من الفوز، بما يتناسب مع حقّ الشعي الليبي في تقرير مصيره، هي بالنسبة إلى الحكومات الغربية المنافقة ـــــ الذين باعوا الكثير من السلاح للقذافي منذ رفع الحظر على ادخال الأسلحة المفروض على ليبيا في 2004، وتحوّل القذافي الى مثال أعلى ـــــ هو تسليم الاسلحة الى المتمرّدين. (لقد منح الاتحاد الأوروبي تراخيص لتصدير الأسلحة للقذافي بقيمة 834.5 مليون دولار في نهاية 2009 دون احتساب المبيعات في 2010. وقد وافقت الحكومة الأميركية في ظلّ إدارة الرئيس بوش على بيع أسلحة لليبيا بقيمة 46 مليون دولار في 2008. أما إدارة أوباما فقد خفضت هذا الرقم الى 17 مليون دولار في 2009 الا أنّ الادارة نفسها بحثت في كيفيّة تنفيذ صفقة سيّارات مصفّحة. وقد قال محمود شمام، وهو متحدث باسم المعارضة الليبية، للصحافيين خلال اجتماع دولي حول ليبيا، عقد في لندن في 28 آذار، إنّه إذا جُهّز المتمردّون بنحو صحيح «فسينهون القذافي خلال أيام قليلة».

أدلى أعضاء آخرون من المعارضة الليبية بتصريحات مماثلة. لكن حتى الآن، بحجة أنّ قرار مجلس الأمن 1973 أكّد فرض حظر على الأسلحة على الأراضي الليبية، تمتنع الحكومات الغربية عن تسليم الأسلحة للانتفاضة.. فيما الإدارة الأميركية مترددة، لدرجة أنّ أوباما تجنّب بعناية التكلّم عن هذه المسألة في خطابه. وقد تحدّث فقط عن الامتناع عن تسليم الأسلحة للسلطاتالليبية.

وعندما ووجه في وقت لاحق بأسئلة الإعلام حول هذا الموضوع، أجاب: « أنا لم أتخذ قراراً واضحاً بعد في هذا الموضوع». بالتأكيد يجب التنديد بذلك.

باختصار، كان من الخطأ معارضة أي قوّة يسارية فكرة إنشاء منطقة حظر للطيران وقصف أولي لمدرعات القذافي، في ظلّ غياب أي بديل لتجنّب مجزرة على نطاق واسع في ليبيا. وكان رفض منطقة حظر للطيران مع عدم تقديم البدائل المعقولة، غير مقنع، كما فعلت مجموعات كثيرة من اليسار الحقيقي، وبنوايا صادقة.

وقد وضع ذلك الأمر اليسار في موقف ضعيف حيال الرأي العام. فمعارضة منطقة لحظر تجوّل الطائرات، وعدم إظهار أي قلق ازاء المدنيين في الوقت عينه، كما فعلت بعض الجماعات الهامشية، كان غير أخلاقيّ ـــــ فضلاً عن مواقف هؤلاء الستالينيين، المتسامحين والغير المتسامحين منهم مع نهج الانتفاضة، الذين تمسّكوا بالقذافي على أساس أنّه تقدمي مناهض للإمبريالية، رافضين الانتفاضة بوصفها مؤامرة أميركية أو تآمراً تقوده القاعدة. (فيما لجأوا الى نمط التقارير الستالينيّة الشتّامة في مناقشة لموقف اليساريين الذين تعاطفوا مع طلب انتفاضة ليبيا للمساعدة).

ما كان يجب الاعتراض على منطقة حظر الطيران الذي طلبه الثوار. بدلاً من ذلك، كان ينبغي لنا طرح تحفّظات شديدة حول قرار مجلس الأمن 1973، وكان علينا التحذير من أي محاولة لعدّه ذريعة لتنفيذ المزيد من الخطط الامبريالية. وكما سبق أن قلت في اليوم الذي تلى اعتماد القرار 1973، «علينا أن نتخذ الحذر الكامل وأن وخصوصاً في مراقبة تصرّفات تلك الدول التي تنفذ قرار الحظر، للتأكد من أنّها لا تتعدّى مسألة حماية المدنيين، وفق قرار مجلس الأمن، لكن دون رفض منطقة حظر الطيران». ألغيت أفكارنا المسبقة المعتادة المناهضة للتدخلات العسكرية للدول الامبريالية، نظراً لإمكانية حدوث مذابح. لكن هذه الظروف الطارئة لم تعد موجودة في الوقت الحاضر، ويمكن الآن حماية الانتفاضة أفضل، عن طريق إمدادها بالسلاح.

والآن، بعد فرض منطقة حظر للطيران على طريقة الناتو النموذجيّة، وبعد إضعاف قدرة قوّات القذافي على تنفيذ مجازر، على نطاق واسع، وبما أنّه لم يعد قادراً على تهديد التجمعات المدنية، ينبغي لنا تركيز حملتنا حول مطلبين لا يتجزّآن، وتوجيههما الى قوّات التحالف وهما:

توقّفوا عن القصف، وأعطوا الأسلحة للثوار!

مزاوجة هذين المطلبين هي طريقتنا في إظهار أنّنا نهتمّ لانتفاضة الشعب الليبي ضدّ الطاغية، أكثر بكثير من هؤلاء الذين يبخلون على الثوار بالأسلحة فيما يريدون، في الحقيقة، فرض وصايتهم علىالحركة.

* جلبير الاشقر : أستاذ في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن،

عن «زيد ماغازين»

ترجمة طونيا عكر – جريدة الاخبار –