التطورات في ليبيا

جلبير الأشقر
2011 / 3 / 22

مقابلة مع جلبير الأشقر

ما حقيقة المعارضة الليبية؟ وقد سجل البعض وجود علم الملكية القديم في صفوف المتمردين؟

لا ُيستعمل هذا العلم رمزا للملكية، بل علما للدولة الليبية، ذاك الذي تبناه البلد بعد الظفر باستقلاله إزاء ايطاليا. ويستعمله المنتفضون رفضا للعلم الأخضر الذي فرضه القذافي مع كتابه الأخضر لما كان يقلد ماو تسي تونغ وكتيبه الأحمر. لا يدل العلم الليبي القديم بأي وجه على حنين إلى الملكية. و التأويل الأكثر ذيوعا هو أن ألوانه الثلاثة ترمز إلى مناطق ليبيا التاريخية الثلاثة، فيما الهلال و النجمة هما ما نرى في أعلام الجمهوريات الجزائرية و التونسية و التركية و ليست رموزا للملكية.

و الحالة هذه، مما تتشكل المعارضة الليبية؟ إن تركيب المعارضة،كما في باقي الانتفاضات التي تهز المنطقة، تركيب متنافر جدا. ما يوحد كل القوى المتباينة هو رفض الديكتاتورية وتوق إلى الديمقراطية وحقوق الإنسانية. و ثمة، خارج هذا القاسم المشترك، تيارات بالغة التباين. و تضم المعارضة، في ليبيا بوجه خاص، طيفا عريضا جدا من مناضلي الحقوق الإنسانية، و مدافعين عن الديمقراطية، و مثقفين، وعناصر قبلية و قوى إسلامية. و أبرز تيار في الانتفاضة الليبية هو " شباب ثورة 17 فبراير"، التي تزود ببرنامج ديمقراطي و يطالب بسيادة القانون، و حريات سياسية و انتخابات حرة. كما تضم حركة المعارضة الليبية عنصرا لم يكن قائما في تونس أو في مصر، إنه أقسام من الحكومة ومن القوات المسلحة قطعت مع النظام و انضمت إلى المعارضة.

هكذا، تمثل المعارضة الليبية مزيجا من القوى، وليس ثمة في الواقع ما يدعو إلى اتخاذ موقف منها مغاير لموقفنا من الانتفاضات الجماهيرية الأخرى بالمنطقة.

هل القذافي شخصية تقدمية؟ وهل سبق أن كان كذلك؟

عندما وصل القذافي إلى السلطة في العام 1969، كان تجليا متأخرا لموجة القومية العربية التي تلت الحرب العالمية الثانية و نكبة العام 1948. و حاول تقليد القائد المصري جمال عبد الناصر، معتبرا إياه مثاله و ملهمه. فاستبدل الملكية بجمهورية، وتبنى الوحدة العربية، و أجبر القاعدة الجوية الأمريكية هويلس على مغادرة التراب الليبي، و وضع برنامج تغييرات اجتماعية.

و لاحقا، اتبع النظام طريقه الخاص في التجذر، مستلهما نوعا من الماوية الإسلامية. كانت ثمة عمليات تأميم هامة في متم سنوات 1979- تم تأميم كل شيء تقريبا. و ادعى القذافي إرساء ديمقراطية مباشرة، و غير اسم البلد إلى "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى" [في 1977]، ويعني بالجماهيرية دولة الجماهير. و زعم انه غير البلد بتحقيق اليوتوبيا الاشتراكية مع ديمقراطية مباشرة، لكن ذلك لم يخدع كثيرين. وكانت " اللجان الثورية" تتصرف في الواقع كجهاز قيادة كان، إلى جانب مصالح الأمن، يتحكم بالبلد. و في الآن ذاته اضطلع القذافي بدور رجعي على نحو خاص بتوطيد القبلية كأداة لسلطته الخاصة. و غدت سياسته الخارجية أكثر فأكثر تهورا، وبدأ غالبية العرب يعتبرونه مجنونا.

ومع أزمة الاتحاد السوفيتي، ابتعد القذافي عن مزاعمه الاشتراكية و فتح من جديد اقتصاده للمقاولات الغربية. و ادعى أن إضفاء الليبرالية الاقتصادية سيترافق مع ليبرالية سياسية، مقلدا في ذلك بريسترويكا غورباتشيف، بعد أن قلد "الثورة الثقافيةّ" لماو تسي تونغ. لكن تلك الليبرالية السياسية ظلت حبرا على ورق. و عندما اجتاحت الولايات المتحدة الأمريكية العراق في العام 2003 بمبرر "البحث عن أسلحة دمار شامل"، اعتقد القذافي أنه قد يكون ثاني مستهدف باجتياح. فقام بانعطاف مباغت و مفاجئ في سياسته الخارجية على نحو نقل ليبيا من فئة "الدول المارقة" إلى فئة أقرب المتعاونين مع الدول الغربية. و بوجه خاص، أصبح القذافي متعاونا مع الولايات المتحدة الأمريكية – مساعدا إياها في حربها المزعومة ضد " الإرهاب" - و مع ايطاليا التي قام لحسابها بالقذر من عمل إرجاع المهاجرين الذين كانوا يسعون إلى مغادرة أفريقيا نحو أوربا.

و عبر هذه التحولات، ظل دوما نظام القذافي ديكتاتورية. و أيا كانت إجراءاته التقدمية، لم يبق شيء تقدمي و لا معاد للامبريالية في الطور الأخير لنظامه. و يتجلى طابعه الديكتاتوري في طريقة سحقه للمظاهرات. فقد قرر فورا خنقها بالقوة. وحذر المحتجين في خطاب مأساوي مضحك بات شهيرا حيث قال:" سنطهر ليبيا .. شبرا شبرا .. بيت بيت .. دار دار .. زنقة زنقة. ...." . ليس هذا الخطاب مفاجئا إذا اعتبرنا أن القذافي كان القائد العربي الوحيد الذي شهر علانية بالشعب التونسي بسبب إطاحته بدكتاتوره بنعلي معتبرا هذا الأخير أفضل حاكم ممكن لتونس.

لجأ القذافي إلى التهديد والقمع، مدعيا أن تنظيم القاعدة قام بتخدير المحتجين بتجريعهم مهلوسات في القهوة. و ليس تحميل مسؤولية الانتفاضة لتنظيم القاعدة غير سعي للحصول على دعم من الغرب. و لا شك انه كان سيتقبل بابتهاج كل مساعدة ممكنة من واشنطن أو روما. وقد عبر عن خيبته من موقف صديقه سيلفيو برلسكوني، وزير ايطاليا الأول، واشتكى من خيانة "أصدقائه" الأوربيين الآخرين. فقد صار القذافي في السنوات الأخيرة صديق العديد من القادة الأوربيين وغيرهم من الشخصيات المرموقة التي قبلت تسفيه نفسها مقابل حفنة دولارات بتبادل العناق مع القذافي. حتى انتوني غيدنس، منظر الطريق الثالث لتوني بلير اقتفى اثر تلميذه بزيارته للقذافي في العام 2007 وكتب في صحيفة الغارديان أن ليبيا كانت على طريق الإصلاح و سائرة إلى أن تصبح نرويج الشرق الأوسط. ما تقييمكم للقرار 1973 الذي صادق عليه مجلس أمن الأمم المتحدة يوم 17 مارس 2011؟

القرار ذاته صيغ على نحو يراعي- ويبدو مستجيبا- لطلب المنتفضين لمنطقة حظر جوي. صحيح أن المعارضة دعت صراحة إلى منطقة حظر جوي، بشرط ألا ُتنشر أي قوات أجنبية على تراب ليبيا. يمسك القذافي بالقسم الأعظم من صفوة القوات المسلحة مع طائرات ودبابات، و فعلا من شأن منطقة حظر جوي أن تبطل عنصر تفوقه العسكري الرئيسي. و ينعكس طلب المنتفضين هذا في نص القرار الذي يبيح للدول الأعضاء بالأمم المتحدة " اتخاذ كل الإجراءات الضرورية، ... ، لحماية المدنيين والمناطق الآهلة بالسكان المدنيين الواقعة تحت تهديد الهجوم في الجماهيرية العربية الليبية، بما في ذلك بنغازي، مع استبعاد قوة الاحتلال الأجنبي بأي شكل على أي جزء من الأرض الليبية" و نص القرار على " إنشاء حظر على كل طلعات الطيران في أجواء الجماهيرية العربية الليبية من أجل المساعدة على حماية المدنيين. "

بعد قول هذا، صيغة هذا القرار لا تعطي ضمانات كافية لتفادي استعماله لإغراض امبريالية. رغم أن هدف هذه الأفعال المفترض هو حماية السكان المدنيين و ليس " تغيير نظام"، يبقى البت في مدى استجابة كل تدخل لهذا الهدف بيد القوى المتدخلة و ليس بيد المنتفضين، و لا حتى مجلس الأمن. إن القرار مبهم على نحو مدهش. لكن بالنظر إلى الطابع الملح لاتقاء المذبحة التي كانت حتما ستنجم عن هجوم قوات القذافي على بنغازي، وغياب أي وسيلة بديل لحماية السكان، لا يسع أحدا أن يعترض بصواب على القرار. يمكن تفهم موقف الممتنعين عن التصويت، فبعض من الدول الخمس التي امتنعت عن التصويت بمجلس الأمن أرادت التعبير عن حذرها و/أو عدم رضاها مع نقص رقابة وافية بالمرام، لكنها لم تريد تحمل وزر مذبحة محدقة.

جلي أن الرد الغربي ليس غريبا عن النفط. فالغرب يخشى نزاعا مستديما. لو وقعت مذبحة كبيرة، لاضطرت البلدان الغربية إلى فرض حصار على نفط ليبيا، ما سيبقي أسعار النفط في مستوى مرتفع مع عواقب وخيمة هامة بالنظر إلى حالة الاقتصاد العالمي الراهنة. تدخلت بعض البلدان، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، على مضض. وحدها فرنسا أبدت تأييدا قويا لعمل قوي. وربما لهذا علاقة بكون فرنسا – بخلاف ألمانيا (التي امتنعت عن التصويت بمجلس الأمن)، وبريطانيا وايطاليا- ليس لها رهان كبير على نفط ليبيا، و لا ريب أنها تأمل الحصول على حصة أكبر بعد سقوط القذافي.

نعرف كل الذرائع و الكيل بمكيالين لدى القوى الغربية. مثلا، تخوفها المزعوم من تضرر السكان المدنيين في حالة قصف جوي لم يستيقظ في غزة في 2008-2009 عندما قتلت طائرات حربية إسرائيلية مدافعة عن احتلال لاشرعي مئات من غير المقاتلين. أو سماح الولايات المتحدة الأمريكية لزبونها نظام البحرين ،حيث لها قاعدة بحرية هامة، بممارسة قمع عنيف لانتفاضة محلية بمساعدة خدام إقليميين آخرين لواشنطن.

مع ذلك، يبقى انه لو أتيح للقذافي مواصلة هجومه العسكري و الاستيلاء على بنغازي، لوقعت مجزرة كبيرة. يوجد السكان في هذه الحالة تحت خطر فعلي، وما من بديل ذي مصداقية لحمايتهم. كان هجوم للقذافي مرتقبا قبيل ساعات قليلة أو بضعة أيام على أبعد تقدير. ولا يمكن، باسم مبادئ مناوئة للامبريالية، معارضة عمل سيقي السكان المدنيين من مذبحة. و ضمن منطق الأفكار ذاته، مع أننا نعلم جيدا طبيعة الشرطة في الدولة البرجوازية وكيلها بمكيالين، لا يمكن، باسم مبادئ مناهضة للرأسمالية، مؤاخذة من يستنجد بتلك الشرطة في حالة خطر اغتصاب محدق مع انعدام طريقة أخرى لتوقيف المغتصبين.

بعد قول هذا، ودون أن نعترض على قرار منطقة الحظر الجوي، يلزمنا الحذر و الدعوة إلى مراقبة يقظة لأفعال الدول التي تطبقه للتأكد من عدم تجاوزها مهمة حماية السكان المدنيين التي فوضها لها مجلس الأمن. عندما كنت أتابع بالتلفزيون حشودا في بنغازي تهلل للمصادقة على القرار، لاحظت وسط المتظاهرين لافتة كبيرة كتب عليها باللغة العربية " لا للجيوش الأجنبية". يقيم الناس هناك تمييزا بين " التدخل الأجنبي" الذي يعني عندهم الجيوش على الأرض من جانب، و منطقة حظر طيران حامية من جانب آخر. إنهم يعارضون جيوشا أجنبية. إنهم واعون للأخطار و لا يثقون، عن حق، في القوى الغربية.

ملخص القول، اعتقد انه لا يمكن، و لا يجب، الاعتراض من منظور معاد للامبريالية على منطقة حظر جوي، بالنظر إلى غياب بديل معقول لحماية السكان المهددين. راج أن المصريين يمدون المعارضة الليبية بالسلاح – وهذا جيد- لكنه غير كاف لتغيير الوضع على نحو ينقذ بنغازي في اللحظة المناسبة. لكن، أقولها مرة أخرى، يجب الحفاظ على موقف نقدي جدا إزاء ما قد تقدم عليه القوى الغربية.

ماذا سيجري الآن؟

يصعب معرفة ما سيجري الآن. لم يدع قرار مجلس أمن الأمم المتحدة إلى تغيير للنظام، و لا يتعلق سوى بحماية السكان المدنيين.ومستقبل نظام القذافي غامض. و السؤال الرئيسي هو حول استئناف الانتفاضة في غرب ليبيا، ومنها طرابلس، و إفضائها إلى تفكك قوات النظام المسلحة. في هذه الحالة قد يُطاح بالقذافي بسرعة. لكن إذا أفلح النظام في الحفاظ على تحكم شديد بغرب البلد، سيشهد البلد تقسيما فعليا، حتى مع تأكيد القرار 1973 على وحدة أراضي ليبيا ووحدتها الوطنية. ربما هذا ما اختاره النظام، فقد أعلن قبول قرار الأمم المتحدة و وقف إطلاق النار. قد يؤدي هذا إلى مأزق مستديم، بتحكم القذافي بغرب البلد و المنتفضين بشرقه.

جلي انه يلزم وقت قبل تمكن المعارضة من دمج السلاح الذي وصلها من مصر و اكتساب القدرة على إنزال هزيمة عسكرية بقوات القذافي. و بفعل طبيعة الأرض الليبية، لن تكون الحرب غير حرب تقليدية لاحربا شعبية، حرب حركة عبر أراض شاسعة. هذا ما يجعل التنبؤ بالنتيجة صعبا للغاية. الحقيقة انه يجب علينا دعم انتصار الانتفاضة الديمقراطية الليبية. فهزم القذافي لها سيمثل تراجعا ينال من الموجة الثورية التي تهز الشرق الأوسط و شمال أفريقيا حاليا.

تعريب المناضل-ة

عن موقع A l’Encontre