خارج دائرة السحر. سوريا بحاجة إلى إصلاح اجتماعي/ سياسي عاجل

نايف سلوم
2011 / 3 / 21

سقط السحر ؛ سحر الأيديولوجيات ، لكن الأيديولوجيات لم تسقط ولن تسقط . الأيديولوجية جزء من طبيعة حياة الإنسان الاجتماعية والسياسية. لقد بانت حدود الأيديولوجيات القوموية والدينية السلفية.
فقد تميزت التغيرات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية في الأقطار العربية وتحديداً بعد منتصف الخمسينات برفع شعارات قومية ، وشعارات اشتراكية عقائدية رفعتها البورجوازية المتوسطة والصغيرة كتعبير عن رغبتها في توزيع الثروة أو إعادة التوزيع لصالحها . وشكلت المسألة الزراعية وإصلاح العلاقات الاجتماعية في الريف الرافعة الأساسية لسلطة الطبقات الجديدة الصاعدة من البورجوازية القومية المتوسطة والصغيرة. لقد وجه الشعار القومي وتحرير فلسطين السياسة الخارجية وشكل الإصلاح الزراعي الرافعة الاجتماعية للطبقات الجديدة الصاعدة إلى السلطة . وقد شكل الجيش عبر ضباط عقائديين الأداة اللازمة لانقلاب عسكري بتأييد شعبي فلاحي وعمالي . كانت الأمور تسير في هذه الفترة في ظل علاقات دولية طابعها الأساسي الصراع بين المعسكرين الغربي الإمبريالي من جهة والاشتراكي السوفييتي من الجهة الأخرى وهو ما عرف بالحرب الباردة. لقد همش انقلاب 1963 المدن السورية اقتصادياً وسياسياً . وهو ما يفسر أماكن انطلاق التظاهرات الشعبية الراهنة.
شكل انتصار الثورة الشعبية في إيران 1979 ذات الشكل الديني وبداية علامات أزمة النظام السوفيتي وبداية ظهور ما يسمى بالسياسات الليبرالية الجديدة في الولايات المتحدة وبريطانيا ، والتزايد المتسارع للاتصالات الفضائية والربط الألكتروني بداية تعاظم ظاهرة السلفية الدينية الجهادية وغير الجهادية . بتعبير آخر بداية تعاظم دور الأيديولوجية الدينية خاصة السلفية كبديل عن الأيديولوجية القوموية التي بدأت بالتراجع والانكفاء اعتباراً من معاهدة كامب ديفد 1978 وتفكك الحلف العربي ضد إسرائيل. وكانت الأيديولوجية القوموية قد تعرضت لهزة عنيفة ضعضعت كيانها مع هزيمة 1967 .
مع مطلع التسعينات ومع تفكك النظام السوفيتي ، ومع تعاظم السياسات الليبرالية الجديدة وبداية تفشي الأنانية الاقتصادية والحس النفعي الضيق الذي راح الغرب الإمبريالي بتشييعه وتعميمه كثقافة جديدة وافدة بدأت تظهر لدى الجمهور ميول متعاظمة لتشرب بعض الثقافات كالمجتمع المدني والدولة الحديثة والديمقراطية والمواطنة ومبدأ المشاركة والمسؤولية المشتركة وغيرها وكلها مفاهيم وتعابير استخدمها الغرب الإمبريالي قبل احتلال العراق ؛ استخدمها كلمة حق أراد بها باطلاً . كانت هذه المفاهيم تستخدم من قبل الغرب الإمبريالي بشكل منافق وبراغماتي لتحقيق أغراض إمبريالية استعمارية تحكمية . لكن الغزو واحتلال العراق دمر مصداقية الدول الإمبريالية في جديتها بالتعاطي مع هذه الشعارات والمفاهيم في نظر المواطن العربي العادي . لكن الجماهير العربية خاصة الفئات الوسطى والطلاب وقطاع الشباب والمهمشين والعاطلين عن العمل فقد تشربت الكثير من هذه القيم وأخذتها على محمل الجد خاصة وأنها ترافقت مع تخاذل للنظم العربية في قضايا وطنية /قومية وفي تآمر على قضايا العرب . لقد عزز هذه التخاذل نقمة طبقات الشعب وقطاعاته على النظم العربية المستبدة سياسياً والمحتكرة للثروة الوطنية بشكل فاحش.
النظام العربي الوحيد الذي بقي في موقع المعرقل للسياسات الأميركية والصهيونية في الشرق الأوسط هو النظام في سوريا . فقد قاوم مشروع الهيمنة الأميركية على طريقته الخاصة وشكل الطريق الوحيد تقريباً لتسليح المقاومة في فلسطين وشكل العمق الاستراتيجي للمقاومة في لبنان خاصة مقاومة حزب الله .
لكن المفارقة أن الثورات الشعبية السياسية في الأقطار العربية خاصة مصر وتونس كانت مهمتها الأساسية الواضحة هي إسقاط النظام السياسي كنظام مستبد وفاسد ومحتكر للثروة الوطنية وللعمل السياسي في المجتمع إضافة إلى كونه ملحقاً بالنظام الإمبريالي ومتعاوناً مع إسرائيل في حالة مصر . المهمة الأساسية لهذه الثورات هي المهمة الاجتماعية الديمقراطية ،. وهي في حالة تناغم بالنسبة للثوار مع المهمة الوطنية . فإسقاط نظام مبارك المتحالف مع النظام الصهيوني ومع النظام الإمبريالي الأميركي مهمة وطنية بامتياز وبشكل تلقائي . أما الوضع السوري فليست المسألة بدهية . إن ما يقلق في الوضع السوري هو الاختلاف والفرق وليس التشابه مع واقع الحال في مصر وتونس . التحالف الاستراتيجي مع المقاومة في فلسطين ولبنان ومع إيران كنظام معارض للسياسات الأميركية في الشرق الأوسط سوف يعقد أي تحرك جماهيري في سوريا . أضف على ذلك أن تحركات كهذه سوف تلاقي وعلى الفور دعماً غربياً سياسياً وإعلامياً وربما عسكريا في حالة انقسام الوضع .
إن التظاهر السلمي حق للمواطن السوري يكفله الدستور ، وإنني إذ أدين إطلاق الرصاص الحي على جمهور المتظاهرين وأعتبره رداً أخرق غير مسؤول ، فإنني أرى أن المخرج الحق والصحيح لوضع كالوضع السوري هو البدء الفوري والعاجل بإصلاحات سياسية واجتماعية اقتصادية يتم التمهيد لها بإفراج فوري عن جميع سجناء الرأي وجميع المعتقلين السياسيين ودعوة المنفيين إلى العودة للوطن والدعوة للقاء وطني شامل للحوار يوضح الأسس المطلوبة للإصلاح ويضع سوريا على طريق تكون فيه المواطنة الحقيقية والمشاركة السياسية وتوزيع الثروة العادل هي الأسس التي سوف تضاف إلى المهمة الوطنية /القومية في مناهضة الإمبريالية والصهيونية . وسوف تأخذ هذه المناهضة في حال أنجزت المهمات الاجتماعية الديمقراطية دفعاً قوياً وتاريخياً ستكون آثاره واضحة وهائلة على المدى البعيد .
لم تسقط الشعارات الكبرى عند العرب لأنها تعبر عن قضايا كبرى، لكن الذي سقط هو سحر الأيديولوجيات وبيان حدود كل أيديولوجية . وأن الشعب الذي غرر به بالنفعية وثقافة المصالح القريبة الضيقة راح يطالب بمصالحه بالثروة والسلطة وتبين أن هذه المصالح للشعب هي مصلحة الوطن الحقة ومصلحة المسألة القومية العربية الحقة. وهي المناهضة الحقة للإمبريالية الأميركية وللمشروع الصهيوني الاستيطاني في المنطقة العربية.