سأبقى معارض

نبيل تومي
2011 / 3 / 13

لم أكن مع أية سلطة على مـا اذكر منذُ يوم وعيتُ ، لا بل حتماً قبل ان أولد حيث كان مشروع والدي في الحياة هو المعارضة من الدرجة الأولى لـما نالهُ من قهر وأضطهاد وفقر وابعاد وفصل وتعذيب ٍ ، أيام الملكية البائدة وأيام البعث المقبور في مرحلتيه الأولى عندما اسموا أنفسهم بقطعان الحرس القومي الذين أفلتتهم الدوائر الأستعمارية وأذنابهم من حكام العرب الرجعيين لوأد ثورة الشعب الخالدة في الرابع عشر من تموز ، والثانية عـندمـا أزاحوا سلطة عارف الثانية وخدعوا الشعب العراقي بتجميلهم لوجوهـهم الكالحة وتغيرهم لأساليبهم السابقة ، ولكنهُ ( آي والـدّي ) أصـّرعلى البقاء في الصف المعارض لآخر يوم من حياته القصيرة جداً ، التي أنتـهت بحادث السير مصطنع أودى بحياته ( أصـّر أن البعث حزب فاشي لا يمكن أن يتغير ) .
فلهذا نشـأتُ على نفس المنوال ، أو ربما حصلت على هذه الصفه بالوراثة ، فلم أختر في حياتي سوى الطرف الأكثر ضعفـاً من طبقات المجتمع وبتالي رأيت نفسي في صفوف المعارضة على الدوام مذ ذاك الحين . وكان علـّي بعد تقدم السن أن أعرف سبب هذا الموقف والبحث عن الدوافع الحقيقية والجادة في موقفي الصارم ضد السلطات المتعاقبة على حكم العراق ، الكثير من الاسئلة كانت تدور في هذا المحور والمعادلة الغريبة بعض الشيئ حيث تـُـوقظ الأحساس لديّ بأن الضعفاء هم الأكثر وهم المستغلون من قبل الأقلية الحاكمة والمتنفذة ولهذا كان أختياري من الاصحاب والأصدقاء يـأتي على نفس المنوال ، كنت أتقرب إلى أكثر الطلبة ضعفـاً وفقراً ... وتعلمت بأن الكثرة الضعيفة تصبح هي الأقوى عند توحدهـا وكنت أتعجب من السبب في أختياري للناس والأصدقاء ، هل كان بمحض الصدفة أم كانوا لهم من المسوغات والمشتركات التي تتلائم مع وجودي القائم على حب العدالة والمساواة .
في بعض الأحيان استغرب من نفسي ومن الأخرين أمثالي هل أننـا مجانين بوقوفـنا معارضين بوجه السلطات التي تملك كل الحقوق وبيدهـا القوانين كل القوانين لا بل هي التي تسنهـا لتلبي مصالحهـا وحاجاتـها ، وهي التي تقوم بدور الآمر والناهـي وتمسك بيدهـا مفاتيح الجنة في السماء والأرض ، كان من الممكن أن نختار ذاك الطرف ونحظى بالحياة الكريمة وهدايـا السلطة ... وهي التي مـكنت الكثيرون من التطاول على الآخرين واشعرتـهم بالسطوة والقوة .... مـا الذي جعلـنا نـحن نرفض كل تلك المغريات والمزايا والثمار المقدمة لـنا على أطباق من ذهب رغم بؤسنـا وشقـائنا وفقرنـا ومحاربتنـا في حياتنـا التعبـة و الصعبة .
تتغير السلطة وتتغير معهـا أمزجتـنا ونتوسم خيراً بهـا علهُ تصلح مـا أفسدته الزمرة التي سبقتـها إلى مزبلة التأريخ .... ونبدأ بنـسيانهـا و نهرول خلف هذا الجديـد وندفعة إلى الأفضل ونساند خطاه ونعبـد الطريق من حوله كل ذلك من أجل التخلص من ان نبقى في الصف الذي تعودنـا الوقوف معه ونقنع أنفسنـا بأنهُ هذه المرة سنغادر فصيل المعارضة إلى فصيل العمل والتقدم والمستقبل الافضل ، آملين أن نرى بعضا من أحلامنـا أو أحلام آبائنـا تتحقق ، ثم نسعى ونسعى ندفع وندافع وإذا بالسلطة الجديدة قـد تقـّوت عظامـها تعلمت من أين تؤكـل الكـتف ، وأول صيد تجربه هو فـيـنـا ، ونبدأ بالتـقهـقر والعودة ثانية إلى حيث كـنا في صفوف المعارضة ... سلطات لا تستحي فهي بمجرد ان تؤكـد وجودها وثبتت اساس بقائها تكشف عن أنيـابـها ومخالبـها وتبدأ بنهـش أجساد المعارضين من أبناء الشعب .
أمـا نحن فنقف خلف الأسوار وبعيـداً في حدائق الأغتراب ملوحين ومنشدين وصراخـنا يصدح بـيسـقط يـسـقط هـذا ويسقـط ذاك يسـقط فلان و يسقط عِـّلان . إلى مـتى ؟