إرهاب الدولة والحاكم المنتظر*

ناظم الديراوي
2011 / 3 / 8

دفع اختلال موازين القوى الدولية،أوائل تسعينات القرن الماضي،لصالح أمريكا وحلفائها،خصوم الاتحاد السوفييتي وروسيا المعاصرة؛ المتأهبين وبضراوة للانقضاض المباغت على فرائس قاصرة،غير قادرة على حماية نفسها ولا حتى الاختفاء أو الفرار إلى مكان أمن.وطفقوا يتسللون،وبعنف غير مألوف،إلى تلك الدول ومنها العربية الداخلة في خصام مع محور غربي شرير يحرض على العدوان ويناهض العدل ويتجاهل الحق في علاقاته مع الدول(غير الحضارية!).الأمر الذي ألحق أضراراً جسيمة بمصالح روسيا الثملة،المنكفئة بل المتقهقرة والمهادنة،وعلاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية والروحية،مع(شركائها)وبينهم دول عربية محاطة بشلة(رُغالية)سفيهة،ومعتمدة،بثقة لا حد لها،على وهم تضامن الأمم،الذي لم يجن العرب والمسلمون من ثماره قسطاً لا في فلسطين ولا في العراق وأفغانستان ولا حتى في الصومال وسواها من بقاعهم التي آلمها ظلم وجور العدالة الدولية !.ومَنْ يدري مَنْ ذا الذي في الغد؟! ما عرضها لغزوات وهجمات عسكرية انتقامية قاسية من طرف أمريكا وإسرائيل وحلفائهما الأوروبيين ووكلائهما المحليين،و ما راعوا فيها لا كرامة الإنسان ولا هيبة الأديان ولا حرمة الرحمن!
ولعل المرء على حق حين تنتابه الحيرة ويتملكه الذهول العميق من شدة وقسوة بطشهم وولعهم بقتل النفس بغير حق ! وتمتعهم بلذة إيذاء وتلويع بني أدم وتنغيص عيشتهم!.أَوَ لغرض ارتكابهم هذه الفظائع والجرائم الشنيعة تراهم يضيقون الحصار القاسي ويقبضون الخناق المؤلم على عيش شعوب عربية وإسلامية أبَتْ مرجعيتها السياسية والدينية والفكرية الانصياع لإملاء حكام شريعة الغاب الأمريكية،وأصرت على العيش وفق شرائعها السماوية ودساتيرها الوضعية ورؤيتها الإنسانية،والسعي لامتلاك مواردها والتطيب بمسك جنانها والتمتع بثرواتها وإرثها الحضاري العريق ؟.
وكعادة المتجهمين لم يألوا الرحمة قدراً،ولم يأنفوا من ركوب مسالك خسيسة لبث الغوغاء والبغضاء وابتداع الفتن والبلاء وتمويل التزمت العرقي والتطرف الديني والانعزال الطائفي وتفكيك الهوية الوطنية والانتماء القومي وتصدير صنوف العنف والإرهاب والاجتياح العسكري المباشر للإطاحة بحكومات شرعية عربية وإسلامية وإسناد ورعاية الحركات الانفصالية.وكان من مخلفات هذا العدوان الشمولي البغيض،الذي يعبر جهراً عن نهج إرهابي حكومي أمريكي-إسرائيلي-غربي،أن عمَّ الخراب والدمار اقتصاديات وعمران دول عربية وإسلامية،كانت تنعم بالأمس بالأمن والاستقرار والحياة الكريمة مقارنة بطغيان الإرهاب الرسمي اليوم والعبث بأرواح وأملاك المواطنين وتهجير العقول،وانهارت بنيتها الاجتماعية والمعرفية ونهبت ثرواتها وتلوثت بيئتها ومواردها الحيوية،وغاصت في غياهب النَّزعات العرقية والدينية المتطرفة والتعصب الطائفي المقيت،وطال الدمار والخراب كيانها ونسيجها الوطني وإرثها الحضاري العريق.
ولعلنا نؤمن تماماً أن عدوان الحكومات الأمريكية-الغربية على الدول العربية ومقوماتها الوطنية ما هو إلا إرهاب دولة،مع سبق الإصرار،على الكيان العربي؛ القومي والديني والحضري،ونظامه القيَّمي والأخلاقي ومستقبله وما يكنزه من موروث الأجيال ويملكه من ثروات مغمورة ومتداولة.فإن شئنا ومعنا العقلاء والمنصفين من الناشطين في منظمات المجتمع المدني إعادة الاعتبار لكرامتنا المهدورة وهيبة القانون الدولي المستباحة وإرغام الدول المستكبرة على الالتزام بتطبيق بنوده وعدم مواصلة خرقها في علاقاتها مع الدول الأخرى،فلا بد من وضع تصور وآلية واضحة ومحكمة لمقاضاة الحكومات المعتدية والمستهترة بحقوق الدول الضعيفة،ومن يسندها من مؤسسات ودوائر محلية ودولية تمول الإرهاب الرسمي،في المحاكم المحلية والإقليمية ومحكمة العدل الدولية.،ولإعادة الحق إلى أصحابه لابد من رفع دعاوي جنائية ضد كل من ارتكب جرائم ضد المدنيين وفي الطليعة منهم؛بوش وحكومته وبلير وحكومته وحكام إسرائيل وحكوماتهم ومن ساندهم في حروبهم العدوانية،التي جلبت الخراب والبلاء الشامل وقتلت وجرحت مئات الآلاف من الأبرياء وأثارت الرعب والخوف في نفوس العزل وشردت ملايين المواطنين من ديارهم وحولتهم إلى لاجئين لا يتمتعون بالحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة،إضافة إلى ملايين المصابين بأمراض خطيرة مصدرها تلوث المياه والتربة والمزارع جراء استخدام أسلحة محرمة دولياً في دول عربية وإسلامية كان الاستقرار والأمان يسودان أراضيها.وما هذه الاعتداءات الوحشية إلا جرائم حرب وإبادة جماعية وقتل متعمد لجماعات بشرية يعاقب عليها القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية.،وَيا ليتنا نحسن استثمار هذا الحق المشروع للحد من سياسة الظلم والجور والإرهاب التي تمارسها وبعمد الحكومات الأمريكية والإسرائيلية المتعاقبة وإصرارها المشين على إلحاق الضرر بمصالح وثروات ومصير الأمة العربية والإسلامية.
وحتى يعلو شأن المواطن العربي والمسلم ويثق بحاضر أمته ويطمئن على مستقبلها وقدرتها على تجاوز المحن والبلايا العصيبة التي تواجهها فلابد له من أن يلمس،وإن من بعض الحكومات العربية الأقل تورطاً في تضعضع العلاقات العربية-العربية وهبوط هيبة ومكانة النظام السياسي العربي محلياً ودولياً وعجزه عن ممارسة دوره باقتدار في تمثيل أمته والدفاع عن أمنها ومصالحها،حراكاً يؤكد إرادتها الحرة وعزمها على محاكمة من اعتدوا بغير حق على أخوانهم العرب والمسلمين،وأنها مستعدة للمساهمة في دعم وتمويل إجراءات رفع الدعاوي القضائية ضد مجرمي الحرب والعمليات الإرهابية في المحاكم المحلية والدولية.وإني لعلى ثقة لو تمكنت أية جهة عربية من محاكمة إِيٍّ من مجرمي الحرب والاعتداءات على فلسطين أو العراق أو لبنان وغيرها من دولنا التي لا يمر عام إلا وبليت بعدوان جديد،وملاحقة مشعلي الحروب ومنفذي العمليات الإرهابية والاغتيال السياسي والدول والجهات الممولة،لكان لها أثر عظيم في تعزيز ثقة المواطن العربي بوطنيته وحكومته وهيبة بلاده،وإدخال الرعب إلى نفوس القتلة والإرهابيين والمعتدين وإشعارهم بأن يد العدالة الدولية ستطولهم،أيَّاً كانوا وأينما حلوا،وأن أرواح الأبرياء والمظلومين التي زهقت ستلاحقهم ولن تذهب هدراً،وأنَّ للأملاك التي نهبت ودمرت من يطالب بإرجاعها وتعويضها.،ولا شك أن هذه الإجراءات القانونية،إن بدأ العمل فيها بتخطيط مدروس وعمل منتظم ومتواصل وبإشراف ذوي الاختصاص،لغدت رادعاً قوياً للدول المعتدية وللحكام الجائرين الذين تسول لهم أنفسهم خرق لوائح الشرعية الدولية التي تعاقب الدول والمنظمات والأفراد على جرائم؛إرهاب الشعوب وإذلالها وازدراء أديانها وتدمير ميراثها وقيمها ونهب ثرواتها.
ورغم قناعتي وإيماني بأن(في هذه الأُمة مليون سعد وقعقاع)كما قال أحدهم،إلا أنّي بحاجة إلى ترقب،وعسى أن لا يطول أمده،ظهور(الحاكم المنتظر!)من بين حكام ومحكومي أٌمة الملايين مَنْ(لا تأخذه في الحق لومة لائم).عندها يمكن انتشال الأمة الكاظمة الغيظ من حالها الظَّني وبؤسها المزري ووعيها المتدني بهويتها ومصيرها ومستقبلها ودورها الديني والعلماني وعلاقاتها السميحة بالجوار والأقوام والطوائف والمذاهب والأديان.
*أشير إلى أن هذا المقال كُتب في أيلول العام الماضي ،ولم أُجر عليه أي تغيير بعد الثورات والانتفاضات العارمة التي تجتاح الدول العربية.وكم كنت أنشدها بعواطفي قبل عقلي !