حدود الثورة السياسية ؛ الثورة مستمرة..

نايف سلوم
2011 / 2 / 13

انفض الميدان ؛ ميدان التحرير، وانفض معه مبارك وعائلته. لكن النظام ؛ نظام مبارك ما يزال جاثماً على الصدور بنفس الجبروت .. حيث يتم التعامل مع الثورة المصرية من قبل ديناصورات النظام كما لو كانت لعبة أتاري افتراضية.
المجلس العسكري الأعلى والذي يمثل جيش النظام السابق بكل موبقاته ، يثبّت الحكومة التي اقترحها مبارك قبل سقوطه. والجيش يدعو المعتصمين إلى العودة إلى منازلهم ، فقد انتهت اللعبة. والجيش يهدد مثيري الشغب والفوضى بالعقاب . والجيش يعلن في بيانه الرابع أنه يحافظ على المعاهدات الدولية التي التزم بها النظام السابق ، ويؤكد ذلك أيضاً ، الناطق الإعلامي باسم الأخوان المسلمين !. والجيش يمنع اجتماعات للعمال في سعيهم لتنظيم تحركهم النقابي المستقل .
هذا هو الجيش المصري "الوطني" يظهر أنيابه ومخالبه الأميركية الصنع تجاه "ثوار" الفيس بوك ؛ انتفاضة الطبقة الوسطى المصرية ومعها جيش العاطلين عن العمل والمهمشين.
ليس غريباً أن يتزامن تنحي حسني مبارك في لحظة بدأت تتوارد فيها أخبار عن إضرابات عمالية في المصانع والمؤسسات وحتى الصناعات الحربية . هنا الحد الفاصل بين اللعب والجد . وهو ما تزامن باندفاع ثورة الشباب لاقتحام مقار سيادية كالقصر الرئاسي ومجلس الشعب ومقر الحكومة ، الخ.. ولو حصل اقتحام كهذا ، لكان معناه أن الثورة قد وصلت إلى حدود الاصطدام مع الجيش المصري "الوطني" ؛ جيش النظام السابق ذي القيادة المتأمركة ، وهذا ما لا يرضى عنه أو يتمناه أركان النظام الأميركي .
إذن الاعتصامات انفضت ، والتجمعات تبعثرت بين مكتف بسقوط مبارك وأسرته وبين آخرين يطمحون لتعميق الثورة واستمرارها باتجاه تحقيق الوعود التي قدمها المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
لكن الملفت أنه لم يتحقق أي شيء فعلي من مطالب الثائرين: فلم يتم إطلاق سراح المعتقلين السياسيين على خلفية الثورة ، ولجمت حرية تشكيل النقابات ، ويجري الحديث عن تعديلات دستورية مشوش عليها بدعوى طرح دستور جديد. كل هذا التشويش والضبابية في مواقف المجلس العسكري الأعلى يجد تكملته في معارضة مصرية ليبرالية دينية ودنيوية انتهازية ، تنتظر فرصتها لأخذ عظمة من وليمة السلطة التي تركها مبارك كاملة مع غيابه الشخصي وعائلته المترفة!
الثورة مستمرة؟ نعم الثورة سوف تستمر ، لكن مع تشتت في القوى ، ومع قمع من قبل الجيش . هذا الوضع سوف يتطور إلى أشكال مسلحة وعنيفة ضد الجيش . وهو ما سوف يدخل مصر في ما يشبه حرب عصابات ضد الجيش ذو القيادة المتأمركة .
لقد شكل الجيش ضمانة للأميركيين في تونس ؛ ضمانة لحماية الاستثمارات الإمبريالية ، وحماية القوانين التي تسهل عمل الشركات الدولية الاحتكارية والتي هي سر تهميش وإفقار الشعب التونسي وكذلك المصري . الجيوش في مصر وتونس شكلت ضمانة النظام الأميركي في استمرار سيطرته على هذه البلدان . لقد ثبت خلال تجربتين أن انتفاضة المهمشين والعاطلين عن العمل ومعهم الطبقات الوسطى ذات الحركة الأسهل في الاعتصام والتظاهر غير كافية للتأسيس لعصر تحرر حقيقي ، وأن الإبقاء على الجيوش المتأمركة هو الضمانة لاستمرار العصر الأمريكي الإمبريالي وفاعليته الداخلية في هذه البلدان .
إن قيمة الانتفاض على التهميش والبطالة والظلم والإفقار ، وعلى الاستبداد السياسي واحتكار الثروة الوطنية وعلى نشر الفساد وانحطاط قيم التعليم وهدر كرامة الشعب والتعاطي الودي مع العدو الصهيوني كلها قضايا تستحق التقدير العميق . لكن تنحي مبارك لا يعني حلاً بدهياً وتلقائيا لجميع هذه القضايا ولا شفاءاً سحرياً .
على الثورة أن تتواصل لكسب الرهان بحل هذه القضايا العادلة والمحقة . ولن يتم ذلك إلا بتحصيل ضمانة أكيدة من الحكام العسكريين الحاليين بحرية التظاهر والإضراب وتنظيم النقابات العمالية والمهنية وبحق تشكيل الجمعيات السياسية وبحق العمل والعيش الكريم . وبمحاسبة الفاسدين والمتلاعبين بقوت الشعب المصري ، وبدستور جديد وجمعية تأسيسية . ومن دون ذلك تكون الثورة المصرية قد ضاعت في مناورات ودهاليز رجال السلطة وأحزاب المعارضة وزواريبهم المشبوهة .
تحية إلى انتفاضة الشعب المصري العظيم !
وإلى ثورة مستمرة، حتى تحقيق الأهداف والقضايا العادلة التي قامت من أجلها!