احذروا خدعة الحوار مع نظام مبارك

أشرف حسن منصور
2011 / 2 / 7


إن ما يسمى بالحوار بين الحكومة والمعارضة هو خدعة كبيرة من جانب نظام مبارك، الهدف منه كسب الوقت، وإتاحة الفرصة للعودة إلى أوضاع ما قبل 25 يناير بإعادة الحياة إلى الشارع المصري وفتح البنوك ومحاولة معاودة الدراسة في الجامعات ثم المدارس، بهدف جعل الناس تعتقد أن كل شئ يسير كما كان من قبل، وكأن شيئاً لم يكن.
هذه الاستعادة الزائفة للوضع الذي كان قائماً Status quo ante، هي بهدف استعادة قبول الناس لنظام مبارك والتسليم بأنه لن يرحل. ولأن النظام فقد شرعيته بالفعل، وفقد مهابته التي كان يستمدها أساساً من إرهاب المواطنين بمباحث أمن الدولة والشرطة والأمن المركزي، مثله في ذلك مثل كل الأنظمة الدكتاتورية الفاشية، فإن الطريقة الوحيدة أمامه كي يستمر في البقاء هي الخداع والكذب الواضح.
وأهم وسيلة يلجأ إليها هذا النظام الآن هي الإيحاء بأن هناك معارضة يتحاور معها. وهذا باطل، لأن المعارضة التي يحاورها النظام هي من صنعه هو، وهي الأحزاب الورقية القائمة منذ أواخر السبعينات والتي تمثل ديكوراً للحزب الوطني الفاشستي الفاسد. والهدف الأساسي من هذا الحوار المزعوم هو جعل المعارضة تقبل الجلوس على مائدة النظام، تظل صامتة تستمع إلى عمر سليمان وهو يتحدث وحده، وكأنه يبلغها أوامر، وفي خلفيته صورة ضخمة لمبارك.
والواضح أن هذه كلها صور بهدف الاستهلاك الإعلامي، لأن التليفزيون المصري أصبح الآن الأداة الوحيدة للنظام بعد أن فقد أدواته القمعية الأخرى في الثورة الشعبية، وبعد أن فقد أداة قهره السياسية وهي الحزب الوطني المتهاوي. وتحضرني في هذا السياق العبارة التي ظهرت في المظاهرات والكاشفة عن وعي الناس بحقيقة إعلام النظام المضلل: "الكذب حصري على التليفزيون المصري". كما ظهرت لوحة أخرى عليها عبارة "قفلت الجزيرة ليه... فضحتك ولا إيه؟".
والحقيقة أن هناك أسباباً كثيرة تجعل مبارك يتمسك بالسلطة غير الأسباب المعروفة والمتداولة دائماً من أنه صاحب كبرياء ولا يرضى بأن يرحل مطروداً قبل أن ينهي فترته الرئاسية. ومن هذه الأسباب:
1. سهل مبارك على إسرائيل الكثير وقدم لها خدمات كثيرة وكان "كنزاً استراتيجياً" لها طوال حكمه كما صرح شيمون بيريز. ويعلم مبارك جيداً أن دعاوى قانونية وشعبية سوف تلاحقه فور خروجه من السلطة، ولذلك فإن كرسي الرئاسة هو الذي يحميه شخصياً، وإذا تخلى عنه فكأنه يحكم على نفسه بالإعدام.
2. أن مبارك يخشى على ثروته التي سرقها من شعب مصر طيلة الثلاثين سنة الماضية. ورحيله يجعل هذه الثروة عرضة للتجميد في بنوك أوروبا مثلما حدث مع ثروة زين الهاربين بن علي.
3. إن مبارك باعتباره دكتاتوراً لم يتسلم السلطة من الشعب بل من السادات الذي عينه نائب رئيس ثم ورث الرئاسة منه بعد اغتياله. واستمر مبارك في السلطة طوال 30 سنة بالتزوير الواضح الصريح للانتخابات، أي لإرادة الشعب، ولم يكن يعير للشعب أدنى اهتمام، وأدوات حكمه كلها ليست أدوات أو هيئات أو مؤسسات شعبية بل هي كلها مؤسسات سلطوية وحكومية: الحزب الوطني والشرطة والأمن المركزي وأمن الدولة وإعلام الدولة الذي يستخدم نفس أساليب جوبلز وزير الدعاية النازية. ولذلك فمن الطبيعي والمنطقي بالنسبة لمبارك أن لا يتنازل عن الرئاسة تحت ضغط الثورةالشعبية، لأن الشعب ليس في حساباته أصلاً وليس من عناصر حكمه ولا يحتل أدنى مساحة من تفكيره.
ومن جهة أخرى فإن النظام يستفيد من هذا الحوار المزعوم، للأسباب التالية:
1. أن جلوس المعارضة مع النظام على مائدة واحدة يوحي باعتراف ضمني من المعارضة بنظام مبارك، وهذا هو أصل الخدعة. وهذا الأسلوب طالما استخدمته إسرائيل مع مصر في محادثات السلام قبل المعاهدة، ومع الفلسطينيين منذ التسعينات وحتى الآن. في حين أن المطلب الشعبي هو رحيل النظام كله.
2. أن الحوار يعمل على تهدئة المشاعر الجماهيرية الملتهبة بعد سقوط شرعية مبارك لدى معظم المصريين واهتزازها لدى البعض، لكن دون حل حقيقي، على نفس الطريقة الإسرائيلية المعروفة. وربما تعلَّم نظام مبارك هذا الأسلوب التفاوضي المخادع من كثرة تعامله مع المفاوض الإسرائيلي.
3. أن قبول الإخوان كطرف في الحوار لم يكن صادراً عن سماحة وأفق متسع وصدر رحيب للنظام، بل كان نزولاً عن مطالبة أمريكية خفية وغير مباشرة للنظام كي يتحاور معهم، بعد أن اكتشفت المخابرات الأمريكية حجم التواجد والتأثير الإخواني في الأحداث، لأنهم الأكثر خطورة من وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية نظراً لتنظيمهم الدقيق وانضباطهم الشديد. ولم يكن الطلب الأمريكي غير المباشر للنظام كي يتحاور مع الإخوان إلا محاولة أمريكية أخرى لاستيعاب الإخوان سياسياً وإظهارهم بمظهر القابل بنظام مبارك، لكن الذي حدث بعد الاجتماع مباشرة أن الإخوان أعلنوا فضل الحوار.
لقد اضطر نظام مبارك لدخول مثل هذا الحوار تحت ضغط دولي، وأمريكي بصفة خاصة، بدأ أولا بمطالبته بالرحيل تحت ضغط الثورة الشعبية في مصر والمظاهرات المؤيدة لها في معظم العواصم الغربية، ثم هدأ واتخذ شكل الدعوة إلى انتقال سلمي ومنظم للسلطة، ثم هدأ أكثر واتخذ شكل الدعوة إلى "الإنصات" لمطالب المتظاهرين، ثم هدأ أكثر بالدعوة إلى الحوار مع المعارضة. وقد استجاب نظام مبارك للحوار شكلياً وخداعياً وتضليلياً لأنه فقد كل أدواته القمعية السابقة من مباحث أمن الدولة والشرطة والأمن المركزي والحزب الوطني ببلطجيته.
أما شعب مصر فإنه ثابت على مطالبته بإسقاط النظام، وكل من يتفاوض مع هذا النظام الفاقد للشرعية فإنه يقبل بقاء مبارك ويخون شعب مصر. إننا لا نريد رحيل مبارك وحسب، بل نريد محاكمته، سياسياً على ما فعله في حكمه طوال ثلاثين سنة، واقتصادياً على ثروته التي جمعها طوال سنين حكمه، وجنائياً على ما ارتكبه من قتل متعمد مخطط له مسبقاً للشعب المصري، ومن تعذيب منهجي مقصود على يد أجهزته الأمنية، للمصريين ولكل المناضلين ضد الاحتلال الإسرائيلي من العرب. الشعب يريد إسقاط النظام.

أشرف منصور