سقوط الفراعنة!

نايف سلوم
2011 / 2 / 6

لم يكد عرش الفرعون يهتز في مصر حتى سارعت النسور الإمبريالية تحوم في سماء المنطقة ، كعلامة على وجود جيف كثيرة.
كانت تونس قد سبقت مصر في المبادرة إلى الثورة ، لكن وزن مصر الدولي و والإقليمي والعربي جعل اهتزاز عرش فرعونها يصل بعيداً ومنذ اليوم الأول لانطلاقة الثورة. لقد شاهدنا من اللحظة الأولى تشكيل ما يسمى غرفة طوارئ أو خلية أزمة تضم النظام الأميركي والمصري ومعهم الإسرائيليين . خلية أزمة لمتابعة تطور الأحداث وشكل الانهيار في النظام وأثر ذلك على "المعاهدات الدولية" والإقليمية التي كان نظام الفرعون المصري قد التزم بها ، وحبس بها قوة مصر ودور مصر إقليمياً وعربياً.
بدأت الاحتجاجات التونسية بشعار يندد بالبطالة والفقر والتهميش الجهوي ومن ثم تطور شعار الانتفاضة التونسية ليغدو : إسقاط نظام بن علي و حزبه الحاكم. أما انتفاضة مصر فقد بدأت بالشعار الأعلى : إسقاط نظام حسني مبارك ، الذي يشكل السبب الرئيسي في الفقر والبطالة والتهميش وإهانة كرامة الشعب المصري وإذلاله ، وحبس مصر عن القيام بدورها العربي. شعار الحد الأعلى ومن اليوم الأول هو ما أرعب النظام الأميركي ومعه إسرائيل. لهذا السبب نرى أن الأحداث قد بدأت بإحراق مقرات الحزب الوطني الحاكم، ومقار شرطة مكافحة الشغب التي تشكل الذراع الضاربة للنظام. لقد تحول مركز الثقل من الجيش النظامي المصري المعد لمحاربة إسرائيل إلى شرطة النظام المتوحشة لمكافحة الشعب ، شرطة مرتزقة وحاقدة تحمي عرش الفرعون والملأ من حوله.
الملفت في انتفاضة 25 كالنون الثاني/يناير أنها أربكت المعارضة المصرية بكل أشكالها الرسمية وغير الرسمية . دائماً كنا نرى مسافة بين الشعب المنتفض في ميدان التحرير وقيادات المعارضة المصرية. كان التذبذب يظهر هنا وهناك نتيجة ضعف الثقة بقوة الشعب من قبل أحزاب ليبرالية دينية (الأخوان) وغير دينية عتيقة كالوفد ، وتردداً وذعراً من قبل أحزاب يسارية بائدة كحزب التجمع، الخ..
لقد تفكك الحزب الوطني الحاكم (حزب المافيا والزعران من رجال الأعمال) في الأسبوع الثاني للانتفاضة الشعبية ، لكن النظام قائم بقوة الجيش وقوة غرفة الطوارئ الأميركية /الإسرائيلية .
إن ما أظهرته ثورة مصر هو غياب القيادة بالمعنى التاريخي ، والدور الانتهازي للجيش المصري الذي عمل بنصيحة النظام الأميركي : عدم الاصطدام بالشعب الثائر كي يبقى حامي النظام القديم ، وموضع ثقة النظام الأميركي وضامن فاعليتهما في الأحداث اللاحقة.
لا يمكن لثورة شعبية أن تحقق أهدافها الأساسية من دون أن تحطم آلة الإكراه القديمة وبناء جيش وطني يعمل بأوامر الشعب لا بإرادة الفراعنة وحماتهم من الإمبرياليين الطغاة.
ما يلفت انتباه المراقب المدقق في ثورة مصر هو افتقادها لتنوع التكتيكات في المواجهات مع النظام. فقد اكتفت الانتفاضة بأسلوب التظاهر والاعتصام في الميادين الرئيسية . ويعود هذا الفقر التكتيكي للانتفاضة إلى انتهازية أحزاب المعارضة وسوء ضمائرهم . فالانتفاضة في براءتها وقلة خبرتها ظهرت أحادية التكتيك . والذي أسعفها هو ضخامة الحشود ووضوح هدفها وتماسكها حول الهدف الرئيسي والمحرك وهو إسقاط نظام الفرعون "تحسني الأول".
لقد كان ملفتاً الخطاب الذي وجهه الإمام على الخامنئي في طهران خلال خطبة الجمعة حيث أشار في أحد عباراته إلى أن ثورة مصر "ثورة إسلامية" ، والملفت أيضاً أن الرد جاء من جماعة الأخوان المسلمين في مصر بأن ثورة مصر ليست إسلامية . وهذا صحيح فثورة مصر ثورة اجتماعية سياسية بامتياز ، فهي انتفاضة ضد الفقر والجوع والبطالة والإهمال والتهميش للشعب المصري وقواه ، وهي انتفاضة لاستعادة الشعب المصري لكرامته ودوره العربي الصحيح في النضال ضد المشروع الصهيوني وضد مشاريع السيطرة الأميركية وضد الإمبريالية الغربية عموماً.. وكانت العلامة على ذلك تفجير خط الغاز الذي ينقل ثروة الشعب المصري إلى الصهاينة المغتصبين لأرض فلسطين.
إن مصر بحاجة إلى جمعية تأسيسية وإلى دستور جديد وإلى تطهير الجيش من أعوان الفراعنة في مصر وفي النظام الإمبريالي خاصة الأميركي . بهذا الشكل تكون ثورة مصر قد استحقت اسمها العظيم.
"وجاء السحرة فرعون قالوا إنا لنا الأجر إن كنا نحن الغالبين..[ الأعراف: 113 ] وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري..[ القصص: 38 ].. ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب.. [غافر: 46 ]