إصلاح -ميجي- سوري!؟

نايف سلوم
2011 / 1 / 26

عندما راحت التجارة الأوربية الغربية البورجوازية تلامس أرض اليابان ، وتضغط على بنيتها الإقطاعية ، قرر إمبراطورها الشاب ميجي في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر إجراء إصلاحات تاريخية حولت البلاد من نظام الإقطاع البليد والراكد إلى النظام البورجوازي الحديث ، حيث تكفلت الدولة بأعباء التغيير التاريخي والبدء ببناء الصناعة الجديدة والمجتمع الجديد.
كان التاريخ يجري في جهة والساموراي ؛ محاربي العهد البائد يعيشون غسقهم الأخير في مشهد قيامي يذكر بانهيار قطيع الكلاب المتوحشة الحمراء عند الجرف الصخري أمام سونامي النحل البري الهائج بفعل الحر والجوع!
إذن ، تحت ضغط أحداث تاريخية جلل يمكن التفكير بإصلاح سياسي واجتماعي -اقتصادي كان متعذراً في ظروف أخرى ، وأيام أخرى.
من هنا تأتي ضرورة الإصلاح السوري في مستوييه السياسي والاجتماعي -الاقتصادي . حيث يتوجب أولاً طرح مسودة قانون للأحزاب للنقاش العام ، متزامن مع إصلاح قانون الانتخاب.
أما على المستوى الآخر ، فإنه يتطلب رفعاً للأجور والمعاشات وتحسين للخدمات العامة ، وضبطا من قبل الحكومة لأسعار المواد الأساسية ، وتخفيضا لأسعار الوقود والسماد بما يعنيه من دعم للزراعة السورية ، وتدعيم للأمن الغذائي السوري.
كل هذه التحسينات لا تحصل من دون إجراء تغيير حكومي يقلب اتجاه الحركة من حكومة منصاعة لنصائح (أوامر) صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمؤسسات الإمبريالية عموماً إلى حكومة تصغي لأوامر الشعب وتتحسس معاناته ومتطلباته . حكومة وطنية بامتياز ، وليست حكومة مضاربة بقوت الشعب وثروته وعرقه لصالح رأس المال الاحتكاري المضارب..
لقد أظهرت " ثورة الياسمين" في تونس والاحتجاجات المتصاعدة في مصر والجزائر أن التحولات الهيكلية في الاقتصاديات الوطنية كان هدفها تعليب ثروة البلد وإرسالها للطغاة الإمبرياليين ، ولتذهب الشعوب إلى الجحيم.. ولكن تبين أن للشعوب كلمة ، لم تخرج إلا بعد أن تماهى البوعزيزي مع أصحاب الأخدود . وما أدراك ما أصحاب الأخدود. نار ووقود!
تصاعد الاحتجاجات في تونس باتجاه إنضاج وعي الثورة بذاتها وتجذرها وحذرها من الجيش، ومن أسياد الجيش الفعليين فيلتمان ونظامه ، يعني أن أمام الثورة التونسية امتحان آخر، وهو تطهير الجيش وفهم قادة الثورة للدور الإمبريالي الأميركي في أزمة تونس . فالتحولات الهيكلية تحولات فرضتها مؤسسات نقدية إمبريالية: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، وهي مؤسسات تنفذ إرادة النظام الإمبريالي الأميركي على وجه الخصوص ، وتشكل ذراعه المالية الضاربة.
إن الدعوات المشبوهة للحفاظ على الاستثمارات الأجنبية في تونس على أساس أنها ثروة الشعب أمر ينبئ بطبيعة الجولة القادمة . لأنه لو كانت هذه الثروة للشعب التونسي ، فلماذا ينتفض شعب منعم بالثروة على وضع مترف!؟ إنها ثروة الشركات الاحتكارية المجرمة عدوة الشعوب، ومن خلفها نظام الفراعنة المتجبّر؛ النظام الإمبريالي الأميركي.
على ثورة تونس وقواها السياسية الحية والمخلصة أن تفتح صفحة الصراع الثانية ، وهي صفحة رأس المال الاحتكاري الذي يستثمر تونس أرضاً وشعباً.
أما في سوريا، فسوريا بحاجة إلى إصلاح حقيقي وتاريخي. وهي قادرة عليه الآن . ويبقى أمر آخر مترافق وهو إصلاح الوضع اللبناني. فبعد أن فازت المعارضة بتسمية رئاسة الوزراء عليها أن تثبت للبنانيين ، خاصة الجهات المحرومة والمهمشة، أنها قادرة على إصلاح وتصحيح التفاوت الجهوي والمناطقي بالتنمية والخدمات ، وبتنظيف الإدارات من الفساد والمحسوبيات الطائفية الرديئة .
إن حكومة ملتفتة لشؤون المحرومين والمهمشين في لبنان وحدها القادرة على تغطية ظهر المقاومة اللبنانية الباسلة، تغطية حقة وفاعلة في وجه المشروع الأمريكي/ الصهيوني للشرق الأوسط. ووحدها القادرة على حماية خاصرة سوريا اللبنانية.
إن إصلاحاً سياسياً في سوريا يعني سد منافذ التخريب المحتملة من قبل حلفاء أمريكا وإسرائيل في لبنان ، وإن إصلاحاً تنموياً وجهوياً في لبنان يعزز عروبة لبان وتلاحمه وصموده في وجه إسرائيل.
فإذا كان غياب العداء للغرب الإمبريالي وللنظام الأميركي ولمؤسساته المالية هو كعب أخيل الثورة التونسية ، فإن كعب أخيل السوري هو غياب أي إستراتيجية للإصلاح السياسي ومعه إصلاح اجتماعي /اقتصادي. من هنا يتوجب وعي ضرورة العداء للمؤسسات المالية الدولية في تونس ، ووعي ضرورة وضع خارطة للإصلاح السياسي والاجتماعي الاقتصادي في سوريا . والتأسيس لنظام سياسي تعددي يلحظ جميع القوى الاجتماعية السورية بما فيها الجماعات المهمشة والمحرومة . نظام يسعى لإنهاء ظاهرة احتكار الثروة الوطنية ، وإعادة توجيه الاقتصاد السوري توجيهاً يخدم مصالح الشعب السوري وكادحيه ومهمشيه ، ويخدم القطاعات المنتجة في الزراعة والصناعة بما يعزز قوة سوريا ومنعتها أمام الاندفاعات المتكررة للمشروع الإمبريالي الأميركي/ الصهيوني ، وبما يحافظ على مكتسبات الشعب الكادح و المناضل.