تونس، الجزائر ومصر: تصاعد النضالات الطبقية

نايف سلوم
2011 / 1 / 19

إذا الشعب يوماً أراد الحياة ...
أقدم شاب خريج جامعي يعمل لظروف البطالة وطلب الرزق، بائعا للخضار والفاكهة، يدعى محمد البوعزيزي يوم 17 ديسمبر 2010 ، على إضرام النار في جسمه أمام مقر محافظة سيدي بوزيد التونسية، احتجاجا على قيام السلطات المحلية بمنعه من مزاولة بيع الخضار والفاكهة، وجرح كبريائه من قبل إحدى الموظفات الحكوميات التي بعثرت بضاعته وصفعته أمام زملائه، ، وهو ما شكل الفتيل الذي أشعل المدينة ووقع عليها وقع الصاعقة.
ففي يوم 17 كانون الأول 2010 انطلقت مظاهرات في مدينة “سيدي بوزيد”، وقد انتشرت المظاهرات والاحتجاجات بسرعة إلى باقي مناطق البلاد، بمشاركة فئات اجتماعية متوسطة أو مرتفعة الدخل كالمحامين والصحافيين… وفي يوم 27/12/2010، تظاهر المواطنون في أكثر من 23 مدينة وبلدة، رافعين شعارات تطالب بالعمل(كحق وليس كمِنّة)، وتندد بالثراء السريع لبعض المقربين من السلطة.
وقد سقط على إثر الاضطرابات والصدامات بين الجماهير والقوات الأمنية، والمتواصلة منذ شهر عشرات القتلى والجرحى، ومئات المعتقلين الذين تعرضوا لتعذيب شديد.
توسعت المظاهرات والاحتجاجات ومعها المطالب التي تحولت من مطالبة اقتصادية -نقابية (النضال ضد البطالة والتهميش والإفقار) إلى مطالبة سياسية تدعو إلى إسقاط نظام الحكم واستبداله بنظام ديمقراطي تعددي شعبي يحقق مبدأ تداول السلطة و توزيع الثروة اجتماعياً وجهوياً بطريقة عادلة.
لم تعد الدولة في بلد متخلف كتونس ، التي انفتحت على الاستثمارات الأجنبية خاصة استثمارات الاتحاد الأوربي ، مع الفساد المستشري واحتكار السلطة والثروة من قبل حفنة من الكومبرادور المتحلق حول عائلة بن علي ومع وجود تعددية سياسية شكلية، أن يصدّ تأثير الأزمات الاقتصادية العالمية والتي تجتاح الاتحاد الأوربي خاصة دوله الطرفية بالمعنى الاقتصادي (أسبانيا ، البرتغال، اليونان ، الخ..) ، بل بات جزءاً منها مخلفاً البطالة والفقر والتهميش والتفاوت الطبقي والجهوي معاً.
لقد أخفقت الحكومة التونسية في الاستجابة لمطلب التشغيل، ثم تواترت محاولات الانتحار للتعبير عن ثقافة اليأس، والقنوط، ونفض اليد من كل الوعود التي كانت الحكومة تعد بها، وهو أمر يناقض ما كانت الحكومة التونسية تدعيه من تحقيق أرقام قياسية على المستوى الاقتصادي كانت تتباهى بها. الأحداث أخذت منعطفاً خطيراً عندما انضم إلى قافلة المحتجين مئات بل آلاف العاطلين عن العمل الذين شكلوا لجان منظمة ، مع مساندة أهالي المنطقة والمدن المجاورة". وقد تعاملت وسائل الإعلام الرسمية مع الأحداث كأنها غير موجودة وكأن ما يحدث لا علاقة له بتونس .
أدت سياسات النظام والتي أولهما، هو التجاوب على طول الخط مع إرادة رأس المال العالمي ، لاسيما سياسات صندوق النقد الدولي والرأسمال الإمبريالي الأمريكي والأوربي ، في ما يسمى إعادة هيكلة الاقتصاد التونسي وتكييفه مع متطلبات السياسات الليبرالية الجديدة، وعبر إهمال متطلبات بناء اقتصاد وطني منتج وفق حاجات الشعب التونسي وثروات بلاده ، إضافة إلى توجيه التوظيفات إلى قطاع الخدمات أساسا ( السياحة والمال والعقارات .. الخ)، وتركيز الاستثمار الصناعي والزراعي في المجالات التي تحتاجها البلدان الإمبريالية ومجتمعاتها، وليس تلك التي تشتد حاجة المجتمع التونسي إليها لتأمين فرص العمل الضرورية لأبنائه، وتأمين السلع الأساسية للطبقات الشعبية الكادحة. وإذا أضفنا إلى هذا شروط ( تحرير الأسعار ) ورفع الدعم عن السلع الأساسية التي تشكل ضمانة ضد الجوع وتأمين الحد الأدنى اللازم لاستمرار الحياة . نقول إذا أضفنا هذا إلى ذاك، تكتمل لوحة الأسباب الأساسية العميقة للأزمة بكلام آخر: تكوين الاقتصاد التونسي كاقتصاد تابع لمصالح رأس المال العالمي، وبناؤه وفق مصالح ذلك الرأسمال، وليس وفق مصالح وحاجات الشعب التونسي.
وثانيهما هو الطبيعة الاستبدادية للنظام، وإنكاره لحقوق الشعب وطموحاته المشروعة في الحياة الحرة الكريمة، وفي سيادته على ثروات بلاده، وفي قول كلمته في كيفية إدارتها وفي من يوليه السلطة عليها، وفي مراقبة ومحاسبة هؤلاء، واستبدالهم بمن يريد وفق آليات الانتخاب الديمقراطي الحقيقية، واستبدال كل ذلك بالقمع العنيد والمستمر لكل حزب أو حركة أو صوت يعبر عن هموم الناس وآمالهم وطموحاتهم، بل حتى عن شكواهم أو استيائهم مما يعانونه.
منذ تحركات الحوض المنجمي قبل عامين، أطلقت تونس المهمشة والمنسية صرخة تحذير للجميع، سلطة ومعارضة، هناك مركز"مزدهر" وهناك محيط، مهمش ومنسي ومفقر ، هناك من هو خارج مشاريع الدولة والقطاع الخاص، يحتضر على أرصفة الهجرة والبطالة دون أن يكلف أحد نفسه مشقة النظر لما يحدث. الاتحاد التونسي للشغل الذي غاب تقريبا عن أحداث الحوض المنجمي يحاول أن لا يبتعد عن الحركة الاجتماعية اليوم، الإعلام التونسي الرسمي سلّم شهادة وفاته منذ سنوات، والثورة التقنية عنكبوتية وفضائية هي المحطم الوحيد لجدران الصمت الأمنية الرهيبة. تونس بعد سيدي بوزيد لن تعود تونس التي كانت قبلها، أما المآلات، فالشبيبة المنتفضة وحدها تملك تحديد سقفها". احتجاجات سيدي بوزيد أعادت للمعارضة الطبقية معناها الحقيقي، أهم الدروس المستخلصة من احتجاجات منطقة سيدي بوزيد الاجتماعية في تونس، تتمثل في أن قطاعا كبيرا من الحركة السياسية العربية قد أهمل سريعا البرنامج الاقتصادي الاجتماعي، وهرول إما وراء شعار ديمقراطي "خالص " وفارغ أو وراء مقاربة ليبرالية للتغيير، مدعوماً من النظام الإمبريالي الأمريكي. هذا هو فحوى كلام أحد المدافعين عن حقوق الإنسان في العالم العربي.
لم يفعل رفع شعار الديمقراطية"الخالص" سوى توحيد الليبراليين الرجعيين في المنطقة العربية مع أسيادهم الأميركيين من الليبراليين الجدد وغيرهم في النظام الإمبريالي الرأسمالي.
"لقد رفعت الانتفاضة الاجتماعية في تونس شعاراتها المحقة بالقول: التشغيل استحقاق يا عصابة السراق، لا لا.. للاستبداد يا حكومة الفساد، تونس تونس حرة الطرابلسية برة....".ورددت مع أبي القاسم الشابي نشيد الانتفاضة؛ نشيد الحياة : إذا الشعب يوماً أراد الحياة .. فلا بد أن يستجيب القدر
بما يخص رد فعل وسائل الإعلام الغربية، لاسيما الأوروبية، بالنظر إلى جملة الاتفاقات السياسية والاقتصادية التي تربط تونس بالاتحاد الأوروبي، ومن اعتمادها بشكل كبير على السياح القادمين من أوروبا. اكتفت وسائل الإعلام الفرنسية بتقارير عامة عن أحداث سيدي بوزيد، كذلك اكتفت منظمات حقوقية تتخذ من فرنسا مقراً لها، مثل الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، ببيان يطالب الحكومة التونسية بـ"الإفراج عن المعتقلين ... وتشكيل لجنة محايدة لتقصي الحقائق المتعلقة بهذه الأحداث". وفي الأيام الأخيرة ، وبعد تعقد الأوضاع واتساع الاحتجاجات، والخطاب الأخير لابن علي الذي قال فيه باستعداده لمطلب الحرية والديمقراطية والتشغيل للعاطلين ، قالت الخارجية الفرنسية بوجود استخدام غير متكافئ للعنف..وأخيراً تكلم الناطق باسم الخارجية الأمريكية بان من حق الشعب التونسي اختيار قادته..
تطورت الأحداث باتجاه الإطاحة بالنظام ، خاصة بعد هرب الرئيس وتسلم الوزير الأول محمد الغنوشي مقاليد السلطة بطريقة غير دستورية، أي من دون تكليف الرئيس له قبل هربه . من ثم أطيح بالغنوشي ، ومن ثم برئيس البرلمان السابق ، وقد أتى دور الحزب الحاكم وهو التجمع الدستوري وفي حالة تم إسقاطه يبقى الحائط الأخير للنظام السابق وهو الجيش وهو الأخير الذي يتوجب تنظيفه وإعادة صياغته. لأن اللجوء إلى الجيش الذي درب أمريكيا وفرنسيا كورقة نجاة لبقايا النظام السابق أمر وارد . فالنظام عمل على حياد الجيش والتضحية بالرئيس وعائلته وأقربائه لامتصاص الغضب الشعبي . ومن ثم ضحى بأمن الرئاسة جزئياً ، وها هو يضحي بالوزير الأول ورئيس البرلمان ويتخلص التجمع الدستوري من بعض المفضوحين ، لكن ما لم تتابع انتفاضة الشعب التونسي تحركها لكنس النظام بالإجمال والتحضير لجمعية تأسيسية تأخذ مطالب الشعب التونسي السياسية والاقتصادية بالحسبان لن تكون قد بلغت غايتها المنشودة. إن الأمر الجديد على الانتفاضة هو انضمام الاتحاد التونسي للشغل لهذه الحركة المتجهة نحو التجذير. وهذا معناه أن الطبقات الشعبية المهمشة شكلت فتيلاً وصاعقاً فجر تحركات الفئات الوسطى من محامين وقضاة وأطباء وغيرهم ، وحركت لاحقاً الطبقة العاملة التونسية التي بدأت تشارك بنشاط أكبر في الانتفاضة. لقد عمل محمد البوعزيزي صاعقاً لتفجر حركة المهمشين والعاطلين عن العمل وها هم المهمشين يعملون صاعقاً لتفجر قوة الطبقة العاملة التونسية ، تفجراً يعطي حركة المنتفضين أبعاداً أكثر حسماً بالمعنى التاريخي.
إن تعمق وانتشار سياسات التحرّر الاقتصادي والمالي (1990-2010) وإعادة هيكلة الاقتصاد التونسي بما يتماشى مع مصالح الرأسمال المالي العالمي ، وما تركته هذه السياسات الليبرالية الجديدة من آثار سلبية وكوارث اجتماعية في العالم العربي قد بلغ حالة من الخطر لا يمكن الاستهانة بها. لقد أدت إجراءات المؤسسات المالية الدولية و"نصائحها"(أوامريتها) إلى التحول الهيكلي في اقتصاديات البلدان المتخلفة ومنها الاقتصاديات في الأقطار العربية ، وما رافقه وما جره من أعباء اقتصادية اجتماعية . وقد وقع عبء التعديل البنيوي (التحول الهيكلي) على عاتق الفئات الشعبية بشكل حصري، وفي نفس الوقت وُلدت فئة جديدة من رجال الأعمال الكبار المقرّبين من المسؤولين السياسيين والذين راكموا ثروات هائلة من وراء عمليات الخصخصة، وتحرير التجارة الخارجية والأسواق الداخلية، وزيادة الفوائد المصرفية إلى مستويات غير مسبوقة، والتعامل مع الشركات المتعدّدة الجنسيات كوسيط بينها وبين الحكومات المحلية خلال تدفّق الاستثمارات الخارجية وعمليات الخصخصة.
وخلال مدّة قصيرة انقسم العديد من المجتمعات العربية انقساماً حاداً بين قلّة من المستفيدين من الأوضاع الجديدة وطبقات وسطى تدنّى مستوى معيشتها إلى حدّ بعيد، (وهم موظفو القطاع العام وغالبية موظفي القطاع الخاص). وكذلك فئات واسعة من الطبقات الفقيرة التقليدية سواءً في الأرياف أو في المدن، مع زيادة الهجرة من الأرياف إلى المدن والعيش في أحزمة بؤس ودون أي نوع من أنواع السكن اللائق ؛ سكن مفتقر إلى الماء والكهرباء. وكان لهذا الوضع المتفجر أثر سياسي بليغ ظهر في انتشار أنواع مختلفة من الأصوليات الدينية والمذهبية التي لعبت دور استيعاب النقمة الشعبية ونقمة بعض فئات الطبقة الوسطى أمام هذا التردي لمستويات المعيشة. وقد وصل هذا الخيار (خيار النكوص السلفي، أو ما سمي بالمد الديني) إلى حدوده القصوى وبدأ بالانحدار، مما يمهد لظهور الخيار الاجتماعي- الاقتصادي أو النضالات الطبقية. خياراً غير مشوش من قبل الصراعات المذهبية، خياراً حقيقياً وفعالاً أمام الشعوب العربية المنهوبة والمهمشة.