دور البييئة في تكوين الهوية العراقية

سليم مطر
2011 / 1 / 10

ان مفهوم البيئة اوسع واكبر واهم بكثير، فهو بأختصار شديد يعني: كل الوجود الحياتي المادي للبشر، الارض والجو والأنهار والبحار والغابات والصحارى والجبال والمزارع والمدن والقرى والمصانع والمدارس والمعسكرات والطرق ووسائل النقل البرية والبحرية والجوية..الخ..
بصورة اوضح تتكون(البيئة) من جانبين: اولهما الطبيعة(ارض وجو ومياه ونبات وحيوان...الخ..) وثانيهما النتاج المادي البشري(مدن وقرى ومزارع ومصانع وطرق ... الخ..)
ان افضل مثال لتوضيح العلاقة بين (الطبيعة)و(المجتمع)، تلك العلاقة المعروفة بين الفلاح والارض. فالفلاح هو الذي يعتني بالارض ويسمدها ويزرعها ويسقيها ويحميها، والارض هي التي تمنحه الغذاء والسكن والاستقرار. وعندما يسيء الفلاح معاملة الارض ويتعبها ويلوثها ويهملها، تسيء الارض معاملة الفلاح وتجوعه وتتمرد عليه بالقحط والامراض والحشرات.
يتوجب التوضيح بأنه بالاضافة الى هذه الوجود المادي (البيئي) هنالك ايضا (الوجود المعنوي)، الذي يعني كل ما ينتجه البشر من ثقافات واديان وعقائد وقوانين وافكار وآداب ونظم تربية واحزاب وسياسات حكومية. هذا الوجود المعنوي لا يعتبر جزءا من البيئة. أن العبارات الشائعة في جميع اللغات عن (البيئة الثقافية ، والبيئة التربوية، والبيئة الحزبية..الخ..) هي عبارات مجازية لا تبرر اعتبارها جزءا من(مفهوم البيئة). لكن من الواضح ان هذين الوجودين، المادي(البيئ) والمعنوي(الثقافي ـ العقائدي ـ القانوني، المشاعري..) بينهما علاقة تأثير متبادل لأنهما معا يشكلان الوجود البشري. ان ماهية البيئة الموجودة تؤثر على هوية المجتمع وتحدد ميوله وثقافته التاريخية الاساسية:(جبلي أو بحري، او سهلي، او نهري، او صحراوي، او غاباتي، او جزيري.. الخ..). كذلك أن الوجود المعنوي من ثقافات وقوانين وعقائد، تؤثر على البيئة بصورة ايجابية او سلبية لأنها تحدد نوعية سلوك البشر وتعاملهم مع الطبيعة وعموم الوجود البيئي.
الانسان ابن الطبيعة
الانسان مثل النبتة، ابن الطبيعة بكل معاني الكلمة. بها يتغذى ويغتسل يبني مسكنه ويصنع ادواته ويبني حضارته المادية. بل ان الطبيعة بالنسبة للانسان اكثر من الام ، فهي لا تنجبه وتغذيه فقط، بل ترافقه حتى عند موته حيث يرجع اليها. لهذا فقد تعودت البشرية منذ اول وجودها على احترام الطبيعة والتعامل معها كما يتعامل الانسان مع امه، برفقة وانسجام وتبادل منفعة. بل كان الانسان يعبد الطبيعة، إذ ان جميع الاديان الاولى كانت تقدس الطبيعة وتمارس طقوس عبادتها المباشرة(الاديان الشامانية الارضية )، ثم مع الزمن وتطور الحضارة تدرجت الاديان بالانفصال عن الطبيعة لتبلغ اعالي السماوات والفكر المطلق(الاديان السماوية).
ان الاديان والعبادات في جوهرها محاولة من الانسان لتفسير وتنظيم علاقته الروحية مع الطبيعة المسؤوله عن حياته وموته، ومن اجل كسب خيراتها وتجنب غضبها وغدرها.
البيئة العراقية
لو اخذنا نموذج العراق، فان الوجود الطبيعي لنهري دجلة والفرات هو الذي حدد ولا زال يحدد ماهية الوجود المادي الحضاري من سدود وقنوات ونظم ري وزراعة ومجتمع موحد ثقافيا ودينيا ودولة مركزية من اجل السيطرة الكاملة على النهرين وتنظيم ريهما. بل ان الطبيعة هي التي حددت وتحدد ايضا ماهية الوجود المعنوي من عقائد وافكار وكتابة على الطين. فمثلا، ان طبيعة ارض النهرين هي التي الهمت العراقيين ابداع الاله (تموز) كرمز للخصب الذكوري المتمثل بالمياه المتدفقة من النهرين الخالدين، مع الالهة (عشتار) كرمز للخصب الانوثي المتمثل بالارض الام مانحة الخضرة والحياة. بل ان التاريخ العراقي يوضح لنا، بأن جميع الاجتياحات الاجنبية لبلادنا وهجرات الشعوب والقبائل اليها، كانت مدفوعة اساسا برغبة الاستفادة من خيرات الطبيعة أي خصب النهرين!
ان (بيئة العراق) مثل بيئة أي وطن، تتكون من (الجانب الطبيعي) و(الجانب البشري).
الغالبية الساحقة من بلدان المعمورة، وخصوصا البلدان القديمة العريقة، مثل بلادنا العراق، قد رسمت حدودها طبيعة التضاريس الجغرافية التي تتكون منها. فالعراق ليس بالصدفة قد اطلق عليه (بلاد النهرين)، لان وجوده ككيان تشكل منذ الازل حول النهرين الخالدين(دجلة والفرات). وميزة العراق انه وادي خصيب محاط من كل ناحية بهضاب وجبال شبه وعرة: من الشرق جبال زاغاروس وهضبة ايران الممتدة حتى هضاب الهند والصين. . ومن الشمال جبال طوروس المرتبطة بهضاب القفقاس وهضبة الاناضول الممتدة حتى روسيا. ومن الغرب هضبة الشام الممتدة حتى جبال سوريا ولبنان على البحر المتوسط. ومن الجنوب هضبة الجزيرة العربية الممتدة حتى البحر الاحمر واليمن. اذن العراق، مثل الكثير من البلدان، لم يختر حدوده ابدا، بل الطبيعة هي التي اختارتها وحددتها بتضاريس طبيعية فاصلة الى درجة كبيرة، وهي الهضاب والجبال. ومن ينظر الى الخرائط التاريخية للعراق والى حقيقة الحدود الطبيعية ل(وادي النهرين) يجد ان الكثير من اراضيه وبلداته الحدودية الاصلية قد انفصلت عنه وتبعت البلدان المحيطة به، مثل عبادان والحويزة(كانت تابعة لميسان والبصرة) وكذلك حلوان التي يقطنها الفيلية العراقيون (كانت تابعة لواسط)، وكلها قد تبعت ايران في القرون الاخيرة. ومنطقة (الجزيرة: دير الزور والحسكة) قد تبعت سوريا، وجزيرة بوبيان والكويت، بالاضافة الى بعض المناطق الحدودية مع السعودية، مثل (التيماء) التي كانت العاصمة الدينية لآخر ملك بابلي(نبينود). نكرر، بأننا نعني الحدود الطبيعية التاريخية الحضارية لبلاد النهرين. العراق الحالي، وبسبب ضعفه في القرون الاخيرة، قد فقد الكثير من مناطقه الحدودية واصبح اصغر من العراق الطبيعي التاريخي.
ويمكن ايضا ان نشير الى اهمية عامل الطبيعة في تاريخ بلادنا، أن جميع الهجرات السلمية والحربية والاحتلالات الاجنبية، ظلت مدفوعة بالرغبة بالاستحواذ على خصب النهرين. بل حتى في العصر الحديث، قد بدأ الصراع الاستعماري على بلادنا منذ اكتشاف النفط فيها قبل قرن، منذ ذلك الوقت وهي تعاني من الحروب والاحتلالات والانقلابات والمؤامرات من اجل السيطرة على هذه الثروة الطبيعية.
الملاحظ ان بلادنا، ظلت دائما موحدة سياسيا ودينيا ولغويا، حتى في فترات السيطرة الاجنبية. وهذا التوحد، لم يكن نتيجة ارادة ما من قبل الناس، بل هي خصوصا ارادة الطبيعة. لقد ظل العراق موحدا حضاريا رغم كل الهجرات السلمية والحربية للاقوام القادمة من كل انحاء الارض التي استوطنته، لأن طبيعة دجلة والفرات حتمت الانصهار بين الناس وتوحدهم الاقوامي والروحي والثقافي. ثم ان ضرورات التحكم بالري في النهرين من اجل سقي المزروعات وتجنب الفيضانات، حتمت ادارة موحدة، أي وجود دولة واحدة تقوده وتشرف على نظام ريه وادارة نهريه.