وقفة قصيرة عند بعض نصوص سورة البقرة - 3

ياقو بلو
2010 / 8 / 1

اثبتت تجارب الشعوب وعلى مر العصور،ان نهي مناقشة مقدس الدين قطعا بدعاوى ضرورة احترام هذه القدسية كونها وسيلة جيدة لتنظيم العلاقة بين ابناء المجتمع الواحد فيما بينهم،وبينهم وبين الله الذي اتخذ السماء مسكنا له،او بدعوى الاخلال بنظام العقاب والثواب او غير ذلك،يشكل كما اعتقد،عقبة كأداء امام التطور الفكري والثقافي لاتباع الدين والمجتمع برمته،ولهذا السبب بالذات،وجدنا ان الدين في اغلب الاحيان تحول الى منظومة ايدلوجية استحواذية لها دعاتها ورجالها القائمون على تطبيق نصوصه بشكل يعتقدون انه الصواب وكل ما يخالف ما يقولون به هو الخطأ،ولكي نضع حدا لممارسة صلاحياتهم هذه،لا بد لنا من المجازفة بطرح مناقشاتنا لمقدس الدين امام الجماهير بكل جرأة.
1-ان الله لا يستحي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها،فأما الذين امنوا،فيعلمون انه الحق من ربهم،واما الذين كفروا،فيقولون:ماذا اراد الله بهذا مثلا،يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا،وما يضل به سوى الفاسقين/26.
استوقفني هذا النص طويلا جدا للمرة الثانية،فالمرة الاولى كانت يوم قرأت تعليق الشاعر العراقي الخالد الذكر معروف عبد الغني الرصافي عليه في كتابه:الشخصية المحمدية(الصادر عن منشورات دار الجمل في كولون بالمانيا)واستغربت حينها كيف ان الرصافي لم يعلق ايضا على التركيبة اللغوية للنص،انما اقتصر تعليقه على الاعتقاد السائد يومها عند صاحب القرآن بكون البعوضة هي الكائن الاصغر في سلم الاحياء،اما في هذه المرة فقد اضطررت الى العودة الى امهات كتب التفسير للتأكد من رأي المرحوم الرصافي،فتأكد لي صحة رأي الرجل،فهناك حيوانات نبيلة كالاسد على سبيل المثال،وكان يفترض ان يقول:بعوضة فما دونها.ويبدو ان المفسر في العهود التي تلت عهد ابن عباس وغيره،ادرك انه في ورطة حقيقية،ولكي يخرج من هذه الورطة بعد ان تأكد عنده ان هناك كائنات كثيرة اصغر واحقر من البعوضة،لجأ الى تفسيرات لا اظنها تستقيم ومجرى النص،فمثلا قيل:المعني بلفظة " فما فوقها"هو دون البعوضة وفوقها،والبعض الاخر ولكي يقول لنا ان القرآن هنا يشير الى الاعجاز العلمي في تركيبة جسم البعوضة،اورد لنا احصائيات عن عدد عيونها وارجلها وغير ذلك من المعلومات المثيرة للرثاء،اما الزمخشري،ولكي يبرر ضرب الامثال بمثل هكذا كائنات صغيرة او اشياء صغيرة او محقرة كما يسميها،فقال:ولقد ضربت الامثال في الانجبل بالاشياء المحقرة،كالزوان(متى-الاصحاح 13 الاعداد 24-30) والنخالة(لم ترد هذه اللفظة في الانجيل مطلقا) وحبة الخردل(متى الاصحاح 13،العدد 31-32) والحصاة(رؤيا يوحنا-الاصحاح 2،الاعداد 12-17)والارضة(متى-الاصحاح 6 العدد 19-21)والدود(مرقس الاصحاح9 العدد45)والزنابير(سفر التثنية الاصحاح7 العدد20)...انتهى الاقتباس(كل ما بين قوسين هو من عندي وليس من الزمخشري،وعليه انصح القاريء بالرجوع الى هذه النصوص ليتأكد من انها تنسجم بالمطلق والمناسبة التي قيلت فيها،وتبرير الزمخشري هو مجرد ايهام المسلم الذي نهيَ عن قراءة الانجيل بصحة ما قاله).
لقد مررت على الطبري من القرن الرابع الهجري،والزمخشري من القرن السادس،والقرطبي والبيضاوي من القرن السابع،وابن كثير من القرن الثامن،والمحلي والسيوطي من القرن التاسع،واخيرا الشوكاني من القرن الثالث عشر،فلم اجد في كل هذه التفاسير رأيا يقنع القاريء بصحة ما ذهب اليه كل اولئك القوم،فأسباب ورود النص في القرآن متضاربة ومتناقضة على الاغلب الاعم،ولكن الرواية الاشهر التي يتفق عليها اغلب المفسرون تقول:ان هناك من استهجن ان يذكر الله الذباب والعنكبوت والنحل وغيرها من الكائنات الصغيرة في القرآن،فضرب الله لهم هذا المثل:ان الله لا يستحي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها.كما ادعى بعض المفسرون كالرازي وغيره:ان ذكر هكذا الفاظ لا يخل بفصاحة القرآن واعجازه،وهذا يعني:كأن القرأن كتب اصلا من اجل نيل جائزة الفصاحة في مهرجان ادبي وليس كتابا يفترض ان تناسب فصاحته عموم الناس لكي يتيسر عليهم فهم مشيئة الله التي يتوقف عليها مصيرهم الاخروي،اما في اعراب لفظة "بعوضة"،فقد اختلف اهل الحل والربط،فمنهم من نصبها ومنهم من رفعها،وللكل اسبابهم وذرائعهم،الا ان اغرب تلك الاسباب والذرائع هي:ان يقال انها منصوبة اذا جاءت بلغة تميم وبكر ابن وائل،ومرفوعة اذا جاءت بلغة غيرهم.وهذا كما افهم انا،لا ينسجم وكلام صادر عن شخص يبحث عن الحقيقة بصدق،فمثلا طه حسين رجل مصري ولا يحتمل ان يستخدم اللهجة العراقية او السعودية في كتاباته واحاديثه،كما يتناقض هذا وما وردنا من اخبار عن جمع القرآن وكتابته،فقد اوصى عثمان ابن عفان لجنة كتابة القرآن ان تكتب كل كلمة يختلف عليها اعضاء اللجنة بلغة اهل قريش بدعوى ان القرآن نزل بلغة قريش،وهذا يعني،ان لغة القرآن يستوجب ان تكون واحدة اذا ما كان القرآن الذي بين يدي الناس هو نفس النسخة التي جمعها عثمان ابن عفان(على الرابط ادناه بحث مستفيض حول جمع القرآن وكتابته يغني عن الرجوع الى الكثير من المراجع)
http://www.qadeem.com/vb/showthread.php?t=11212
يقول:فأما الذين امنوا،فيعلمون انه الحق من ربهم.وهذه العبارة ليس لي عليها اية ملاحظة،ولكنه يضيف:واما الذين كفروا،فيقولون:ماذا اراد الله بهذا مثلا،يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا،وما يضل به به سوى الفاسقين.وهذا يعني ان المتكلم هنا هم الكافرون،ولكني لم اجد مفسرا واحدا البتة يقر بهذا رغم صراحة النص ووضوحه وكأنهم جميعا لم يقرأوا عبارة:واما الذين كفروا فيقولون....
كيف نفهم هذا الارتباك في النص ايتها السيدات ايها السادة،فالنص يشير الى مسائلة الله واتهامه بتضليل الناس بصراحة لا لبس فيها،والانكى من كل هذا هو انهم( اي الكفرة) يختمون حديثهم:وما يضل به سوى الفاسقين.هل هناك عاقل واحد على وجه الكرة الارضية يقبل بهذا المنطق؟كفرة يقرون بأن مثل البعوضة يضلهم وهم اصلا ضالين وينعتون انفسهم بالفاسقين؟اضافة الى كل هذا،لا اجدني مغاليا اذا قلت:ان عبارة"ان الله لا يستحي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها"ثقيلة عند قرائتها والنطق بها،فالفصيح، هو ما حلا لفظه وسهل حفظه كما يقول المنطق.
2-هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم/29.
واضح جدا ان المخاطب هنا هو ابن آدم،ولكن السؤال الملح هو:اين كان الله قبل ان يستوي الى السماء التي سواها سبع سماوات؟فحرف العطف "ثم" يدل على الانتقال من مكان الى اخر بشكل صريح،في التوراة نجد ان هناك جوابا لهذا السؤال،فهو يقول في بداية سفر التكوين:في البدء خلق الله السماوات والارض،وكانت الارض خاوية خالية،وعلى وجه الغمر ظلام،وروح الله يرف على وجه المياه.
الله خلق للبشر كل ما في الارض،حسنا،ولكن ما علاقة نهاية العبارة:وهو بكل شيء عليم.بفحوى الجملة يا ترى؟انه الحشو الذي لا معني له،الحشو الذي تعلمناه من اصحاب المعلقات،جزالة في الكلام الذي لا طائل منه.
3-واذ نجيناكم من آل فرعون،يسومونكم سوء العذاب،يذبحون ابناءكم،ويستحيون نساءكم،وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم/49.
تروي لنا التوراة في سفر التكوين الفصول من 37 - 47 قصة يوسف وسبب انتقاله هو وبيت ابيه يعقوب(اسرائيل) الى مصر،بأسلوب ممل فيه الكثير الذي لا ينسجم والمنطق العقلاني،وفي سفر الخروج الفصول 1-14،يسرد لنا قصة استعباد المصريون لبني اسرائيل وقرار ذبح كل مولود ذكر فيهم بعد ان كان عددهم قد كبر الى حد الخشية منهم،كما يصف لنا قصة ميلاد موسى النبي ونجاته من الذبح،القصة التي تكاد تتطابق وقصة ميلاد سرجون الاكدي ونجاته من الموت كما تروي القصة النهرينية،كما تسهب في شرح طريقة انقاذ الله اللاخلاقية لبني اسرائيل من نير العبودية المصرية وارجاعهم الى الارض التي كان قد وعد بها الله اجدادهم ابراهيم واسحق ويعقوب،على حساب الشعب المصري(يكاد الحال نفسه يوم فرض الحصار على الشعب العراقي نتيجة تصرفات صدام حسين مع بعض الفروقات البسيطة جدا والتي لا تؤثر على جوهر الموضوع)اي ما يطلق عليه ارض الميعاد.
النص القرآني صريح ويؤيد رواية التوراة،وهذا ليس عليه خلاف،انما الخلاف هو على تعبير"آل فرعون"،وعبارة:"وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم".
ان لفظة "فرعون"ليست اسما علما كما يريد ان يوهمنا صاحب القرآن،انما هي نعتا لصاحب السلطة كقولنا:ملك الملوك،او الشاهنشاه،او القيصر،وغيره من الصفات،وفرعون كلمة قبطية قديمة تعني الجبار،ويبدو ان الاعتراض على ما نعترض عليه اليوم كان قديما،لذا نجد ان مفسري القرآن حاولوا ان يخرجوا من عنق الزجاجة بطريقة بهلوانية يضحكون بها على ذقون البسطاء،فقد اتفق المفسرون،على ان المعني بآل فرعون هم قومه واهل دينه،واتوا بأمثلة متناقضة جدا لكي يثبتوا ما ذهبوا اليه،اما اغرب ما ورد عند البعض منهم فهو اسم الفرعون،فها هو الرازي في تفسيره يقول: انهم اختلفوا في اسمه(اي اسم الفرعون)فحكى ابن جريج عن قوم انهم قالوا:مصعب بن ريان،وقال ابن اسحق:هو الوليد بن مصعب.وهذا مؤكد يجعلني لا الوم او اعاتب من يكني الشاعر الانكليزي شكسبير بشيخ زبير،وغدا ربما يأتينا من يقول:ان اسم فرجيل هو شرحبيل،لانه اذا كان حال اولئك الذين يفترض انهم اعلم علماء المسلمين واصدقهم يخترعون الاكاذيب،فكيف بالناس البسطاء؟ويضيف الرازي:ذكر وهب بن منبه(هو من القلة النادرة من اليهود الذين اسلموا):ان فرعون موسى هو نفسه فرعون يوسف،وان اهل الكتابين(يعني بهم اليهود والنصارى)قالوا:ان اسم فرعون كان قابوس وكان من القبط.
اذن هكذا ببساطة شديدة يخترع وهب بن منبه كذبة ويلصقها بأهل الكتابين لان اولئك المساكين كانوا يومها عاجزين عن الرد عليه لان السيف الاسلامي كان مسلطا على رقابهم،فالمعروف ان التوراة وبقية اسفار العهد القديم من الكتاب المقدس الذي بين ايدي الناس اليوم هو نفسه او جله من النسخة المسماة بالسبعينية التي اتفق عليها سبعين من علماء الاهوت والشريعة والتاريخ اليهود عام 250 قبل الميلاد،ولو تصفحنا هذا السفر سطرا تلو سطر،سوف نجده يخلو تماما من ذكر اسم اي فرعون حكم مصر،كما سوف لن نجد اي اسم يقترب من الاسماء العربية سوى في العهود المتأخرة جدا،اي بحدود القرن الخامس قبل الميلاد بعد عودة يهود السبي البابلي الى فلسطين،وحتى في سفر ايوب،لا تقترب الاسماء من العربية مطلقا،والحال هو نفسه فيما يخص الانجيل بالتأكيد،وهذا يعني:انه كان على محمد ان يعرف دوافع اسلام وهب بن منبه وغيره قبل ان يتورط ويأخذ منهم ما يجهله.
ان تعبير آل فرعون هذا يذكرني بقصة ابراهيم ونمرود،فنمرود هذا شخصية حقيقية، يرد ذكرها في سفر التكوين الفصل10،العدد 8-12،وبينه وبين ابراهيم قرون زمنية طويلة،لكن صاحب القرآن يصر على انهما التقيا وكان بينهم ما يرويه القرآن،ولكي يتخلص صاحب النص من هذه الورطة،اضطر الى جعل لفظة نمرود صفة ملك متجبر فأضاف ال التعريف الى الاسم،الا اننا من خلال متابعتنا لسيرة ابراهيم في التوراة لا نجد مثل هكذا رواية مطلقا،والملك الجبار الوحيد الذي التقاه ابراهيم كان فرعون مصر،وفي هذا اللقاء انكر ابراهيم ان تكون سارة زوجته انما اخته(كانت سارة اخت ابراهيم من ناحية الام،فقد كانت الشريعة يومذاك تبيح مثل هكذا زواج)ولو كانت هكذا حادثة قد وقعت فعلا لابراهيم،فليس من المعقول ان ينكرها عليه موسى ولم يدرجها في توراته(راجع البقرة258).
لو تدبرنا العبارة:وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم.مؤكد تأخذنا حيرة ما بعدها حيرة من تصرف الله غير المقبول هذا،فالحديث يدور حول اليهود الذين قدموا الى مصر نتيجة الجوع الذي ضرب الارض يومذاك،وهؤلاء ورغم فسوة ظروفهم ظلوا اوفياء لالههم ومتمسكين بالارث الذي خلفه لهم جدهم ابراهيم،ولم نعرف انهم اتوا منكرا خلال فترة مكوثهم في مصر التي تجاوزت الاربعة قرون لكي يستحقوا هذا البلاء الالهي،ان النص يتحدث بصراحة عن فترة ما قبل الخروج،وهذا يذكرني بما قاله بعض شيوخ الاسلام ومنهم العلامة وصاحب نظريات الاعجاز العلمي في القرآن،المدعو زغلول النجار،حيث عزى كارثة الاعصار تسونامي التي ضربت جنوب شرقي اسيا الى القصاص الالهي لتلك الشعوب،علما ان هؤلاء تحل عليهم الصدقة لبؤس حالهم،فتخيلوا يرحمكم الله اي اله دموي يعبد هؤلاء الشيوخ.
لقد حاول المفسر ان يوظف كل التاريخ اليهودي في ارض الميعاد لكي يبرر غضب الله،كما حاول ان يسقط هذا النص على نصوص اخرى في محاولة غير بريئة ليجد سببا لغضب الله غير المبرر البتة،ولكي يحافظ على دعوى الفصاحة والاعجاز في القرآن،الا ان الحقيقة هي غير ذلك تماما كما اسلفت.
4-واذ وعدنا موسى اربعين ليلة،ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون/51،ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون/52،واذ اتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون/53،واذ قال موسى لقومه:يا قوم انكم ظلمتم انفسكم بأتخاذكم العجل،فتوبوا الى باريكم فأقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند باريكم فتاب عليكم،انه هو التواب الرحيم/54.
قبل ان اتناول النصوص اعلاه،دعوني اختصر لكم رواية العجل الذهبي في التوراة الواردة في سفر الخروج الفصلين 31 و 32 تحديدا:صعد موسى الى جبل سيناء لكي يلتقي الله ليعلمه الناموس والوصايا،ولما شعر البعض ان غيبة موسى طالت،شكوا لئلا ان يكون موسى ضل طريقه واختفى الى الابد،فضغطوا على هارون ان يصنع لهم الهة تسير امامهم،فجمع هذا مخشلاتهم الذهبية ورماها الى النار فخرج منها العجل الذهبي،فغضب الله جدا،الا ان موسى ينصح الله ان يهدأ من روعه ويستعيد حلمه خشية ان يسخر منه المصريون،وحينما يصل موسى المحلة يطلب ممن هم لله(اي سبط اللاويون الذين اختارهم الله ليكونوا طبقة الكهنة)ان ينزلوا العقاب بالشعب فقتلوا منهم 3 الاف نفس،فيهدأ غضب الله ويعفوا عن الباقين.
يقول الله مخاطبا بني اسرائيل بعد خروجهم من مصر:
واذ وعدنا موسى اربعين ليلة،ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون.ما معناه:انه بعد ان غاب موسى عنكم اربعين ليلة اتخذتم العجل الها وبذلك ظلمتم انفسكم،ويضيف:ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون،واذ اتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون.الى هنا الكلام حسن ومفهوم ولا يحتاج الى شرح وايضاح،ثم يواصل:
واذ قال موسى لقومه:يا قوم،انكم ظلمتم انفسكم بأتخاذكم العجل،فتوبوا الى باريكم،فأقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند باريكم،فتاب عليكم،انه هو التواب الرحيم.
قبل ان ادخل في تفاصيل المفسرين،اود هنا ان اطرح سؤالا بسيطا على كل متذوق للغة العربية:هل حقا هذه جملة تتوفر فيها ابسط مقومات الكتابة الرصينة؟فتوبوا الى باريكم،فأقتلوا انفسكم،فتاب عليكم،هل يقبل اي مدرس لغة عربية ثلاثة عبارات مثل هذه في جملة واحدة في انشاء تلميذ في الثانوية؟هذا من ناحية،اما الناحية الاخرى وهي الاهم،ما هي الحكمة من ورود هذه العبارة بهذا الشكل المكرر،فقد سبق ان خاطب الله بني اسرائيل وقال لهم ما قاله موسى بالضبط؟لقد كان الله قد عاقبهم بما يجب ومن ثم تاب عليهم وانتهت القضية،هل هي شروط الاعجاز الذي لا يكون سوى على هذا الشكل؟
يتفق جل المفسرون على ان المعني بعبارة:فأقتلوا انفسكم.هو ان بني اسرائيل قتل بعضهم البعض وكانت نتيجة هذه الملحمة الالهية سبعين الف قتيل،اما البعض منهم فأنه يصف ساحة المعركة وكأنه شاهد حي،انه فعلا غريب امر هؤلاء السادة،فهم يستندون الى النص التوراتي،ولكنهم يصرون على الاساءة الى هذا النص بتقويله ما لم يقله،ثم اختراعهم لقصص اشك ان يعرف الله والشيطان مصدرها ومنشأها.فها موسى الذي اعطاه الله الكتاب والفرقان وواضع التوراة يقول انهم فقط ثلاثة الاف،فمن اين يا ترى اتى المفسر المسلم بالسبعين الف؟ترى اهي الروايات التي نقلها لهم وهب بن منبه وعبد الله ابن سلام وكعب الاحبار،ام انه ديدن الكذب والمبالغة الذي درجوا عليه على نغمة الحرب خدعة؟
بقى ان نشير الى ان لفظة "باريكم او بارئكم"سريانية ويوجد مثلها في القرآن ومن لغات اخرى اعجمية المئات كما يقر السيوطي في كتابه:الاتقان في علوم القرآن.الجزء1 ص141-171،واقر بذلك من قبله ابن عباس والحسن البصري وغيرهم،الا ان اي من المفسرين الذين مررت عليهم لم يذكر ذلك لئلا تتخدش دعوى فصاحة لغة القرآن العربية المذكورة في مواضع كثيرة من القرآن على الاغلب كما اظن(يوسف/2،الشعراء/195،ابراهيم/4،النحل103)وهذا يفسر لنا سبب طلب محمد من زيد ابن ثابت احد كتبة القرآن ورئيس لجنة جمع القرآن وكتابته زمن عثمان ان يتعلم السريانية كما يروي لنا احمد والبخاري وغيرهم(لو تتبع الباحث سيرة زيد هذا لانتابته الحيرة فيما كتب عنه،فالبعض يصر على ان زيدا كان مقربا جدا من محمد وابي بكر وعمر وعثمان ويدعو الى سب علي علانية،والبعض ينسب اليه اعمالا خارقة لا تتناسب وصغر سنه،ففي خلافة عمر كان زيد ما زال في الواحدة والعشرين ومع ذلك ولاه عمر القضاء،الا ان المثير للدهشة،هو ان البعض يصر على يهودية زيد ابن ثابت،كعبد الله ابن العباس وابي ابن كعب وعبد الله ابن عمر وغيرهم كثير،كما يذمه جل الرواة الشيعة).
5-واذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد،فأدع لنا ربك،يخرج لنا من الارض،من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها،قال:اتستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير؟اهبطوا مصرا،فأن لكم ما سألتم.وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤا بغضب من الله،ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق،ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون/61.
وهذه ايضا رواية توراتية اخرى يوظفها صاحب القرآن بشكل يخالف الهدف الذي وردت من اجله في التوراة،فغاية صاحب القرآن كما يبدو هي اصراره على ابراز اليهود كونهم قوم سوء وليس مهما الطريقة التي يتبعها في تشويه سمعتهم،فالرواية التوراتية بسيطة جدا واقرب الى منطق العقل،فهؤلاء كان الههم قد من عليهم في البرية بالمن وطير السلوى مأكلا،ويقول صاحب التوراة:واكل بنو اسرائيل المن اربعين سنة الى ان وصلوا ارض آهلة بالسكان على حدود ارض كنعان(اي سنوات تيههم في الصحراء)/الخروج الفصل16،العدد 35.
لا اريد هنا ان ادخل في المتاهات التي يدعيها صاحب القرآن،ولا في التفسيرات والتأويلات العجيبة والغريبة التى اتاها المفسرون ونقلة الحديث،كونها تخالف النص القرآني نفسه،خاصة بعد اطلاعهم على التوراة رغم ان محمدا كان قد نهى عن ذلك في حياته بالمطلق خشية ان ينكشف امر قرآنه،ولعل حادثة غضب محمد على عمر ابن الخطاب يوم اتاه ببعض نصوص التوراة وقال له:لقد مررت بأخ لي من الرضاعة فوجدته يقرأ هذه النصوص التي تشبه ما عندنا. ويوم تأكد لاولئك من انه حتى لو صحت شبهة التحريف على التوراة،فمن المستحيل ان تكون قد وقعت في مثل هكذا امور لا تتعلق بدعوة الاسلام مطلقا،وهذا اوقعهم كما يقال في حيص بيص،فأضطروا الى خلط الحابل بالنابل،فأخترعوا قصصا خيالية ليس لها اي سند تاريخي،خاصة وانه لم يكن هناك يومها من يعترض على مصداقيتها،اجل لا اريد ان اناقش ما يصعب على اي مطلع احترامه،انما سوف اقتصر على مناقشة النص بشكل عقلاني ومن خلال سريان النص نفسه،وسوف اقتصر على مناقشة هذه العبارة:ويقتلون النيين بغير الحق.حصرا.
المتكلم هنا هو الله،والمعني بالخطاب هم بنو اسرائيل يوم كانوا في صحراء سيناء،ولو قبلنا ادعاء القرآن بأن ابراهيم واسحق ويعقوب واسماعيل ويوسف وموسى وهارون وكل الاسباط اليهودية انبياء جدلا،الا اننا لم نقرأ ان احدهم كان قد قتل بالحق او الباطل،فمن هم اولئك الانبياء الذين قتلهم اليهود يومذاك بغير الحق يا ترى؟ويأتينا الجواب على لسان المفسرين ورواة القرآن:انهم انبياء بعد العودة الى ارض الميعاد بعهود طويلة كزكريا مثلا.وبطبيعة الحال ليس هناك اي سبب يجعلنا نصدق دعواهم غير المنطقية هذه،لان النص يتحدث عن بني اسرائيل في صحراء سيناء مباشرة،اي قبل دخولهم ارض الميعاد،وتعلل المفسر والراوي بهذه القصص وكما قولنا،ليس سوى محاولة لانقاذ ما تورط به صاحب القرآن من الخلط العشوائي بين الاحداث،وهذا يوضح لنا مدى تأثير بعض اليهود الذين اسلموا على صاحب القرآن،فهذا هو كعب الاحبار ينقل اسطورة غياب الشمس في عين ماء حمئة لصاحب القرآن(الكهف83) على سبيل المثال لا الحصر.
حسنا،لنعطي عقولنا بعض الراحة ونصدق ما اورده المفسرون ونقلة الروايات القرآنية من ان اليهود المخاطبين كانوا يهود مكة والمدينة،ترى هل اراد الله ان يأخذهم بجريرة ما اقترفه اجدادهم من ذنوب قبل عشرات القرون لانهم رفضوا قبول ما دعا اليه محمد؟هل يليق ان نقول عن هذا اله،انه كلي الرحمة والمغفرة؟اين حرية اختيار المصير الذي يفترض ان الله كفلها للبشر؟الا يشبه هذا الموقف،موقف هند ابنة عتبة يوم حضرت اجتماعا لمحمد بالنساء بعد فتح مكة وانفراده بالسلطة كما على طريقة الزعيم الاوحد؟حيث تقول الرواية ان هندا كانت متنكرة،الا ان محمدا عرفها،فقال لها:اهند آكلة الكبود؟فردت عليه:انبي وحقود؟وانا هنا اقول:أإله رحيم غفور وحقود؟