كانط ومبدأ العلة الكافية

أشرف حسن منصور
2010 / 5 / 28

كانط ومبدأ العلة الكافية
مقدمة:
مبدأ العلة الكافية هو مبدأ شهير في تاريخ الفلسفة الحديثة، وسبب شهرته أنه ظهر في أحد أشهر الأنساق الفلسفية وهو نسق لايبنتز (1646-1716) الذي وضعه باعتباره المبدأ الأساسي للمعرفة والوجود على السواء. وبفضل المدرسة الفلسفية التي أسسها كريستيان فولف(1679-1754) تلميذ لايبنتز في القرن الثامن عشر أصبح المبدأ ذائع الصيت وصار جزءاً رئيساً من المقررات الفلسفية، وحافظ على وضعه الأصلي عند لايبنتز باعتباره مبدأً حاكماً للمعرفة والوجود في الوقت نفسه. وكان هذا هو الوضع الفلسفي الذي وجده كانط (1724-1804) عندما بدأ في تأليف أعماله الأساسية. تعامل كانط مع مبدأ العلة الكافية في سياق نقده للميتافيزيقا ولفلسفة لايبنتز على وجه الخصوص؛ إذ أراد تخليص المبدأ من حمولته الميتافيزيقية والأنطولوجية التي ورثها من مدرسة لايبنتز-فولف، والاقتصار على استخدامه في مجال الإبستيمولوجيا فقط. والهدف من هذه الدراسة هو الكشف عن تعامل كانط مع مبدأ العلة الكافية في نقده له عند لايبنتز وفي وضعه في سياق نظريته الجديدة في المعرفة. هذا بالإضافة إلى محاولة البحث عما إذا ظل كانط يحافظ على المعنى الإبستيمولوجي للمبدأ أم أنه قد تسربت إليه بعض الدلالات الأنطولوجية رغما عن نوايا كانط نفسه.

مبدأ العلة الكافية عند لايبنتز:
لنبدأ أولا بمعرفة وضع المبدأ داخل فلسفة لايبنتز. يقول لايبنتز عن هذا المبدأ: "تستند استدلالاتنا على مبدأين كبيرين، مبدأ التناقض Principle of Contradiction، وهو الذي نحكم عن طريقه بالكذب على ما يحتوي على تناقض، وبالصدق على ما يقابل أو يناقض الكذب..؛ ومبدأ العلة الكافية Principle of Sufficient Reason ( )، الذي نذهب عن طريقه إلى أنه لا يمكن أن تكون هناك واقعة حقيقية أو موجودة أو قضية صادقة، ما لم تكن هناك علة كافية لأن تكون هكذا لا شيئا آخر، على الرغم من أن هذه العلل عادة ما تكون غير معروفة لنا" ( ). نلاحظ في هذا النص أن لايبنتز يضع مبدأ العلة الكافية كمبدأ أنطولوجي وإبستيمولوجي في الوقت نفسه؛ إذ يضعه باعتباره مبدأ للاستدلال على القضايا وعلى الوقائع معا. هذا الارتباط بين الأنطولوجي والإبستيمولوجي عند لايبنتز هو ما سوف يعترض عليه كانط فاصلا بين الجانبين وحاصرا مبدأ العلة الكافية في المجال الإبستيمولوجي وحده.
كما نلاحظ في هذا النص أن لايبنتز يجمع على نحو وثيق بين الوجود والمعرفة، وجود الواقعة ومعرفتها، بحيث إن نفس المبدأ يستخدم للاستدلال على وجود الواقعة وعلى صحة معرفتنا بها في الوقت نفسه. فلا فرق عند لايبنتز بين تقديم الدليل الكافي على وجود الشئ والدليل الكافي على صحة معرفتنا بهذا الشئ. فحسب فلسفة لايبنتز التي تتكرر فيها أفكار الميتافيزيقات التقليدية، فإن معرفة الشئ هي معرفة بعلة وجوده. لكن النتيجة الخطيرة المترتبة على هذه الفكرة هي القول بأن العلة الكافية لمعرفة الشئ دليل كاف على صحة وجوده وحقيقته الواقعية، وهذا يعني الاستدلال على الوجود بالمعرفة، والإثبات الأنطولوجي لشئ بمجرد أدلة عقلية؛ وهذا هو السبب الذي يجعل نسق لايبنتز مثاليا.
وقد أطلق لايبنتز على مبدأ العلة الكافية في مؤلفاته المبكرة أسماء أخرى عديدة يتضح منها طابعه الأنطولوجي، إذ أطلق عليه "العلة المعيَّنة" Determining Reason، أي العلة التي تعين وجود الشئ وتجعله على الهيئة التي هو عليها لا غيرها( ). كما أن العلة المعينة هي المحددة لنمط وهيئة الشئ التي يتخذها من بين ممكنات عديدة يمكن أن يكون عليها دون تناقض. ومعنى ذلك في سياق نسق لايبنتز أن العلة الكافية باعتبارها علة معيَّنة هي التي تحدد نمط وجود الجوهر بين أنماط ممكنة يمكن أن يتخذها، بمعنى تحديدها للأعراض والكيفيات والأحوال التي يتخذها الجوهر من بين أخرى ممكنة على أساس علة ما. وأحيانا ما كان لايبنتز يستخدم مصطلح "مبدأ المناسبة" Convenance (Principle of Fitness) باعتباره أحد معاني مبدأ العلة الكافية ( )، قاصدا منه معنى التناسب أو الانسجام Harmony، وكان يقصد بذلك أن العلة الكافية لوجود شئ تتحدد عن طريق علاقة هذا الشئ بغيره من الأشياء بحيث يكون مناسبا معها وعنصرا ضروريا بينها. فنحن نقدم العلة الكافية لشئ عندما نعرف إمكانية وجوده ضمن أشياء أخرى غيره. ولايبنتز بذلك يميز بين الإمكانية النظرية لوجود شئ والتي تنطوي على مبدأ عدم التناقض وهو مبدأ نظري وإبستيمولوجي بحت، والإمكانية الأنطولوجية لوجوده والتي يحددها مبدأ العلة الكافية حسب إمكان وجوده ضمن أشياء أخرى غيره. وهكذا يكون مبدأ العلة الكافية عند لايبنتز خادما لهدف أنطولوجي بصفة أساسية، ذلك لأن مبدأ عدم التناقض لا يستطيع عن طريقه إلا الاستدلال على عدم تناقض الشئ دون إثبات ضرورة وجوده، أي مجرد إمكانه النظري، أما إمكانه الأنطولوجي وضرورته الوجودية فيعرفان عن طريق مبدأ العلة الكافية. هذا علاوة على أن هذا المبدأ باعتباره "مبدأ تناسب" أو انسجام ينجح في أن يستوعب في داخله مبدأ عدم التناقض ويحوله هو الآخر إلى مبدأ أنطولوجي( )، ذلك لأن مبدأ الانسجام هو مزيج من عدم التناقض والعلة الكافية؛ بمعنى أن الشئ يحكمه مبدأ التناسب والانسجام عندما تكون هناك علة كافية لوجوده ضمن أشياء أخرى غيره دون أن يكون في ذلك تناقض.
وإذا كانت العلة الكافية لشئ هي مناسبته مع أشياء أخرى، هي المرجح لوجوده في مقابل عدم وجوده، ولأن العلة الكافية لشئ تتضمن أسبابا تفصيلية كثيرة، ولأن هذه الأسباب ترجع إلى أسباب أخرى أعلى منها، فكي نوقف التسلسل الدائم للأسباب يجب الانتهاء إلى علة أولى يصدر عنها كل شئ. وهكذا يحمل مبدأ العلة الكافية الدلالة الأنطولوجية التقليدية للعلة الأولى كما ظهرت لدى أرسطو. والعلة الكافية لوجود الموجودات كلها وللوجود ذاته هي الإله حسب نسق لايبنتز، ذلك لأن الإله هو العلة الكافية بحق لكل الوجود ( ) . وبذلك يشمل مبدأ العلة الكافية الأنطولوجيا حتى يصل إلى اللاهوت، جامعا بذلك بين المعرفة والوجود والإلهيات في نسق واحد يذكرنا بالحضور القوي للإله في فلسفة ديكارت وبالأنساق الفلسفية الوسيطة الإسلامية والمسيحية.
كان مبدأ العلة الكافية ضروريا بالنسبة للايبنتز، إذ عن طريقه استطاع حل كثير من الإشكاليات الميتافيزيقية. وأولى هذه الإشكاليات تلك المتعلقة بوجود الموجودات. رأى لايبنتز أن مبدأ التناقض وحده لا يكفي لتبرير وجود الموجودات، ذلك لأننا إذا أثبتنا هوية الشئ مع نفسه وعدم تناقضه مع ذاته فسوف يصبح بذلك ممكنا وحسب، فمبدأ التناقض لا يثبت شيئا سوى أن هذا الشئ ممكن الوجود، وكي نلحق به الضرورة يجب أن يكون لدينا مبدأ آخر غير التناقض هو العلة الكافية التي تثبت ضرورة وجود الشئ( ). كما شعر لايبنتز بضرورة تجاوز مجال الموجودات في البحث عن سبب وجودها، ذلك لأن الموجودات كلها مشروطة ولا تملك ضرورة وجودها من ذاتها، وبالتالي افترض لايبنتز أن الضرورة تقع خارج الموجودات، وهذه الضرورة هي السبب الكافي للوجود، وهي العناية أو اللطف الإلهي الذي اختار أفضل العوالم الممكنة( ).
ويرتبط مبدأ العلة الكافية عند لايبنتز بنظريته في الموناد Monad. رسم لايبنتز صورة ميتافيزيقية للوجود باعتباره مكونا من جواهر مفردة بسيطة مكتفية بذاتها سماها المونادات، وقسمها إلى أنواع: مادية وروحية وعاقلة. وكل موناد يمثل كونا أصغر وهو صورة مصغرة للعالم ونسخة منه لما فيه من تناسق وانسجام وقوانين ضرورية تحكمه. لكن المونادات في الوقت نفسه غير منفصلة عن بعضها البعض بل مرتبطة بعلاقات تشكل معا نسق الوجود كله. والموناد باعتباره جوهرا مفردا هو العلة الكافية لوجود كل صفاته وأحواله وتعيناته وللضرورة المتضمنة فيه، لكن الموناد نفسه ليس هو السبب الكافي لوجود ذاته، إذ أنه لا يخلق نفسه بنفسه( )، بل يحتاج إلى نسق المونادات الأخرى ليستمر في الوجود. وهذا النسق الكلي للمونادات ليس هو الآخر مكتفيا بذاته ولا يخلق نفسه بنفسه، بل هو في حاجة إلى الإله كي يأتي إلى الوجود والذي يعد الموناد الأكبر والأساسي عند لايبنتز.
وبذلك فإن فكرة الموناد عند لايبنتز قد وضعها على أساس مبدأ العلة الكافية؛ إذ أن الموناد هو التجسد الأنطولوجي- الميتافيزيقي للعلة الكافية. كما أن هناك نوعين للمونادات عند لايبنتز: الموناد المفرد باعتباره العلة الكافية لصفاته وأحواله، والموناد الروحي الأكبر وهو الإله الذي يعد العلة الكافية لكل المونادات المفردة ولكل العالم. وهكذا نرى أن الموناد ليس سوى فكرة ميتافيزيقة تصور مبدأ العلة الكافية تصويرا متشيئاً.
ويظهر مبدأ العلة الكافية في مهاجمة لايبنتز للنظرية النيوتونية حول لاتمايز أجزاء المكان والزمان. فالأجزاء المكانية في كل العالم لامتمايزة حسب نظرية نيوتن لأنها أجزاء متماثلة لمكان واحد مطلق، وكذلك الحال بالنسبة للزمان وأجزائه. ومعنى ذلك بالنسبة لأتباع نيوتن الذين كانوا يترجمون فيزيائه للغة فلسفية محملة بدلالات ميتافيزيقية أن العالم كان يمكن أن يوجد في أي مكان آخر وزمان آخر غير مكانه وزمانه هذان، إذ لا ضرورة في احتلال العالم لهذا المكان وهذا الزمان بالتحديد. نظر لايبنتز إلى هذه النظرية نظرة لاهوتية، إذ أنها تعني بالنسبة له أنه ليست هناك ضرورة في خلق العالم في مكان وزمان محددين. وحل لايبنتز الإشكالية حلا لاهوتيا أيضا، إذ ذهب إلى أن الإله لا يمكن أن يفعل بدون علة كافية، ولأن الإله خلق العالم في مكان وزمان محددين فهناك علة كافية جعلته يختار ذلك( ). هذه العلة الكافية هي الهدف والغاية من خلق العالم في مكان وزمان محددين، وهما أنهما الأنسب والأفضل للعالم نفسه وللوجود الإنساني فيه. العلة الكافية إذن هي العلة الغائية في هذا الاستخدام اللايبنتزي لها.
يستخدم لايبنتز مبدأ العلة الكافية استخداما ميتافيزيقيا، ذلك لأنه حسب نظريته في العوالم الممكنة يذهب إلى أن هذا العالم القائم ممكن الوجود Possible اتباعا منه لفلاسفة العصور الوسطى وعلى رأسهم القديس توما الأكويني الذي عمل على إثراء هذه الفكرة من قراءته لأعمال ابن سينا المترجمة للاتينية( ). وقد فضل لايبنتز النظرة إلى العالم على أنه ممكن الوجود على مسايرة سبينوزا في مذهبه القائل إن العالم ضروري وينتج عن طبيعة ضرورية للإله. حاول لايبنتز الخروج عن هذه الحتمية السبينوزية التي تضع الإله والعالم معا في إطار حتمية واحدة. فقد ذهب سبينوزا إلى أن جوهر الإله وطبيعته تحتمان وجود عالم واحد فقط يصدر عنه حتميا( ). لم يوافق لايبنتز على إلحاق سبينوزا الإله بنسق حتمي تختفي معه الإرادة الإلهية الحرة. وكي يحافظ لايبنتز على المفهوم التقليدي عن الإله باعتباره العلة الحرة للعالم والذي خلق العالم بإرادة حرة، لا بحتمية كما يقول سبينوزا، ذهب إلى أن الإله يمكنه أن يخلق عددا لامتناهيا من العوالم الممكنة، لكنه اختار هذا العالم القائم لأنه خير العوالم الممكنة the best of all possible worlds( )، بمعنى أن الإرادة الإلهية الحرة التي تعمل بحكمة ومن أجل الخير الأسمى هي العلة الكافية لوجود هذا العالم بالذات وترجيح وجوده على وجود أي عالم آخر ممكن. وبذلك أدخل لايبنتز مبدأ العلة الكافية في سياق نظريته الميتافيزيقية – اللاهوتية. وهكذا ظهر الإله في مذهب لايبنتز على أنه العلة الحرة التي تختار الأفضل. والملاحظ أن مبدأ العلة الكافية لديه يدور في سياق فكرة المرجح ذات الطابع اللاهوتي الواضح. وسوف يُخرج كانط مبدأ العلة الكافية من هذا المجال الميتافيزيقي عند لايبنتز ويفرغه من دلالاته اللاهوتية ويقصر استعماله على المجال الإبستيمولوجي وحده، وينظر إلى استخدامه في المسائل الميتافيزيقية على أنه استخدام غير مشروع، لأنه مجرد مبدأ يخص المعرفة البشرية بالظاهر لا بالأشياء في ذاتها، أي بالمعرفة التجريبية بموضوعات الخبرة. وسوف يقوم كانط بذلك عن طريق إثبات أن مبدأ العلة الكافية هو مجرد شرط قبلي للمعرفة نابع من الاستعدادات المعرفية القبلية للعقل البشري، ولا يمكن حسب كانط استخدام مبادئ المعرفة البشرية في معرفة موضوعات تتخطى مجال الخبرة البشرية. كما سوف تختفي الدلالات الأنطولوجية والميتافيزيقية لمبدأ العلة الكافية عند كانط، ولن يحصل المبدأ لديه إلا على دلالات ابستيمولوجية كما سوف نرى.
نقد كانط لمبدأ العلة الكافية:
تناول كانط مبدأ العلة الكافية في كتابه "نقد العقل الخالص" في سياقين مختلفين. السياق الأول تناول فيه المبدأ نفسه ونقده في صيغته الميتافيزيقية لدى لايبنتز ودافع عن معناه الإبستيمولوجي وحسب( ). والسياق الثاني تناول فيه المبدأ بصورة غير مباشرة في إطار نظريته في السببية Causality ( )، ذلك لأن مبدأ العلة الكافية هو في النهاية مبدأ سببي، لكن السببية فيه وكما ظهرت في مذهب لايبنتز ليست مجرد سببية طبيعية بل سببية غائية أيضا. فعندما قام لايبنتز بصياغة واستخدام هذا المبدأ وقال إن لكل شئ يحدث سببا كافيا لحدوثه كان يقصد بالسبب Ratio/Reason المعنى الأعم والأوسع والذي يشمل الهدف Purpose من حدوثه أو الغاية التي يحدث من أجلها Telos. وليس شرطا في العلة الكافية لحدوث الشئ بالنسبة للايبنتز أن تكون سابقة على حدوث الشئ على شاكلة السبب Cause، بل يمكن أن تكون تالية له باعتبار أن الشئ قد حدث لتحقيق هدف أو غاية.
مفهوم الغاية النهائية إذن Final End كان متضمنا في مفهوم العلة الكافية عند لايبنتز، والواضح بذلك أنه يتضمن أبعادا ميتافيزيقية، بل ولاهوتية أيضا، مثل الهدف والغاية والهدف النهائي، وهي كلها تابعة لحدوث الشئ، إذ حدث الشئ نفسه من أجل تحقيقها بناء على تخطيط وإرادة إلهية. العلة الكافية إذن ليست في استخدام لايبنتز سببية بالمعنى المنطقي والطبيعي الدقيق، لأن السبب هو السابق على الشئ زمانيا وهو الذي يؤدي إليه ضرورة. وبالضد على لايبنتز أراد كانط استبعاد الغائية من مبدأ العلة الكافية والتشديد على الجانب السببي منه وحسب( ). ولأن المبدأ عند لايبنتز كان مختلطا بالمضامين الميتافيزيقية وجامعا بين السببية الطبيعية والغائية الميتافيزيقية ومستخدما في سياق خلافات لاهوتية، فقد أراد كانط أن يعزله عن تلك المضامين والاستخدامات الميتافيزيقية اللاهوتية ويحصر استخدامه في المجال الإبستيمولوجي وحده وداخل إطار السببية الطبيعية وحسب. وبذلك كانت نظرية كانط في السببية سائرة في إطار نقده للميتافيزيقا التقليدية التي يعد لايبنتز أحد ممثليها، والتي هي الهدف الأساسي من "نقد العقل الخالص".
وفي مقابل التوظيف الميتافيزيقي لمبدأ العلة الكافية عند لايبنتز، كانت أمام كانط نظرية أخرى في السببية وهي نظرية ديفيد هيوم، والتي نظرت إليها على أنها مجرد عادة فكرية في الذهن البشري في الربط بين الحدث السابق والحدث اللاحق. وبذلك نزع هيوم من السببية كل ضرورة وحتمية وفسرها تفسيرا سيكولوجيا( ). وهكذا تمثل الوضع الفكري السابق على كانط في نظرية ميتافيزيقية في السببية عند لايبنتز تُحمِّل السببية بأكثر مما تحتمله بإضفاء المفاهيم الغائية واللاهوتية عليها حتى تصير علة كافية للوجود كله، ونظرية تجريبية سيكولوجية عند هيوم تنظر إلى السببية على أنها مجرد آلية ذهنية في الربط بين الانطباعات والأفكار. ووسط هذا التناقض بين الموقفين الميتافيزيقي اللاهوتي والتجريبي السيكولوجي من السببية، أراد كانط من نظريته في السببية أن تتوسط بينهما، أي بين النزعة العقلية للايبنتز والتي تصل إلى حد تحميل السببية بمضامين ميتافيزيقية ولاهوتية، والنزعة التجريبية لهيوم والتي تصل إلى نزعة شكية حول ضرورة السببية كمبدأ للطبيعة.
كان أمام كانط إذن هدفا مزدوجا في نظريته في السببية: نزع الصفة الميتافيزيقية-الأنطولوجية عنها، وحمايتها من الوقوع في النـزعة السيكولوجية التي تنتهي إلى الشكية. ووجد كانط أن الطريق الثالث الذي يتوسط النـزعتين الميتافيزيقية والسيكولوجية، طريق تجنب لايبنتز وهيوم معا، يتمثل في معالجة السببية على أنها مقولة قبلية في ملكة الفهم البشري. وكونها قبلية يعني أنها تتمتع بالعقلانية والضرورة، وكونها مبدأ لتنظيم الخبرة التجريبية يعني أنها ليست مجرد عادة ذهنية سيكولوجية بل هي المبدأ المنظم للمعرفة البشرية نفسها. وبذلك أصبحت السببية عند كانط مبدأ منظما للمعرفة لا مبدأ ميتافيزيقيا يحدد ترتيبا غائيا للموجودات والحوادث( ).
في مقابل الوضع الأنطولوجي لمبدأ العلة الكافية عند لايبنتز، والذي عامله باعتباره يصف الشروط الضرورية لظهور شئ إلى الوجود، فإن كانط لم ينشغل بالبحث في أنطولوجيا الموجودات، أو في العلة الكافية لوجود الموجود، حاكما على هذا النوع من البحث بأنه ميتافيزيقا لا سبيل للفهم البشري السير فيه قدما لأنه يتجاوز شروطه ونطاق خبرته( ). وبدلا من ذلك انشغل كانط في البحث في إمكان المعرفة البشرية، ونحى وجود الموجودات جانبا باعتبار هذا الوجود وما يرتبط به من السؤال عن العلة الكافية ينتميان إلى مجال الميتافيزيقا، مجال الشئ في ذاته الذي لا يمكن تكوين معرفة مشروعة حوله.ذهب كانط إلى أن المعرفة البشرية لا يمكنها أن تدرك العلة الكافية لظهور الموجودات، لأن الموجودات حاضرة بالفعل أمامنا جاهزة وما على المعرفة البشرية سوى أن تفهمها كما تقدم نفسها للخبرة البشرية، لا كما أتت إلى الوجود، لأن هذا ما يتجاوز نطاق الخبرة الممكنة.
لكن معرفة الأشياء عند كانط ليست مجرد تلق سلبي لها من الخارج، ذلك لأن هناك شروطا قبلية ضرورية في العقل البشري هي التي تمكن الفهم الإنساني من معرفة ما هو موجود. وهذا هو كل ما تستطيع المعرفة البشرية القيام به: التعرف على النمط الذي تعطى به الظاهرات للمعرفة البشرية ( ) ، لا على سبب وجودها أو علتها الكافية. لكن في الوقت نفسه يمكن النظر إلى شروط إمكان المعرفة عند كانط على أنها تعد في حد ذاتها العلة الكافية لإمكان المعرفة وظهورها. وبذلك حول كانط مبدأ العلة الكافية من مبدأ أنطولوجي يبحث في العلة الكافية لوجود الموجودات إلى مبدأ إبستيمولوجي يبحث في العلة الكافية لظهور المعرفة البشرية بالموضوعات أو الظاهرات. لقد احتفظ كانط بمبدأ العلة الكافية، لكنه عزله عن مجال الأنطولوجيا والبحث عن العلل الأولى، وألحقه حصريا بمجال الإبستيمولوجيا من حيث إنه بحث في السبب الكافي لإمكان المعرفة البشرية. وكان ما يوجه كانط في ذلك قناعة خاصة من جانبه من أن المهم ليس تفسير وجود الموجودات كما فعل لايبنتز بل تفسير معرفة هذه الموجودات وتبرير إمكان الخبرة البشرية بها. وهذا هو المضمون الحقيقي لتمييز كانط بين عالم الظواهر Phenomena وعالم الأشياء في ذاتها Noumena ( ). عالم الظواهر هو العالم المعطى لنا في الخبرة البشرية، وما يجب القيام به إزاءه هو تقديم السبب الكافي لمعرفة هذا الظاهر، وعدم اعتبار هذه المعرفة مجرد وهم أو النظر إلى قوانين الفكر على أنها مجرد عادة عقلية كما ذهب هيوم. أما الشئ في ذاته فإن البحث فيه هو بحث في العلة الكافية لظهور الشئ ذاته إلى الوجود. كما يميز كانط بين نوعين من الظهور: الظهور الوجودي للشئ أو إيجاده، وهو ما لا يتوافر للفهم الإنساني معرفته، وظهور الشئ للوعي والخبرة البشرية، وهذا النوع من الظهور هو ما تعامل معه كانط وحاول البحث عن علته الكافية.
هذا بالإضافة إلى أن نقد كانط للدليل الأنطولوجي على وجود الإله يعد نقدا غير مباشر لمبدأ العلة الكافية، ذلك لأن الدليل الأنطولوجي يستخلص الوجود من تصور الكمال( )، وهو بذلك يعد تفعيلا لمبدأ العلة الكافية، وكأنه يقول إن العلة الكافية لوجود الإله تستند على تضمن الكمال للوجود، والحقيقة أن لايبنتز قد وضع لنا هذه الفكرة صراحة وربط بين الدليل الأنطولوجي ومبدأ العلة الكافية. لكن الدليل الأنطولوجي باعتباره تجسيدا لمبدأ العلة الكافية هو في حقيقته دليل تحليلي، إذ أنه لا يفعل شيئا سوى استخلاص تصور الوجود من تصور الكمال؛ إنه لا يثبت وجودا حقيقيا بل يحلل تصورا ليرى ما يلزم عنه بالضرورة التحليلية لا بالضرورة التجريبية، والضرورة التحليلية لا تفيد الوجود الحقيقي بل تظل في مجال الممكن( ). يذهب كانط إلى أن إثبات الوجود لا يمكن أن يستند على مبدأ أو حكم تحليلي، إذ يجب أن يتضمن حكما تركيبيا يمثل وحدة من الحدس الحسي والتصور العقلي، لكن هذا ما لا يتوافر للدليل الأنطولوجي، لأنه حكم تحليلي بالدرجة الأولى وليس شيئا أكثر من ذلك، وهو باعتباره كذلك لا يكفي لإثبات الوجود. فتصور الكمال الذي يستخرج منه الدليل الأنطولوجي الوجود تحليليا هو مجرد تصور عقلي أو فكرة ترانسندنتالية بالمعنى الكانطي( )، وكذلك الوجود الذي يلزم تحليليا عن الكمال هو مجرد تصور وليس واقعا تجريبيا.
في حين أن "نقد العقل الخالص" لا يحتوي إلا على إشارتين إلى مبدأ العلة الكافية، واحدة عندما يضعه كانط تحت مفهوم السببية( )، والأخرى عندما يوجه نقده للاستخدام الميتافيزيقي للمبدأ لدى لايبنتز( )، فإن كانط قد تناول المبدأ بنقد موسع في مقالين له ظهرا بعد "نقد العقل الخالص"، الأول هو "حول اكتشاف يجعل أي نقد جديد للعقل الخالص غير ضروري بالنسبة لنقد أقدم منه" سنة ( )1790، والذي رد فيه على هجوم إيبرهارد أحد أنصار فلسفة لايبنتز وفولف على كتابه "نقد العقل الخالص"، والثاني هو "ما التقدم الحقيقي الذي أنجزته الميتافيزيقا في ألمانيا منذ عصر لايبنتز وفولف" سنة 1795، والذي قدم فيه إجابته عن نفس هذا السؤال الذي طرحته أكاديمية العلوم البروسية( ).
ولنبدأ بتناول المقال الأول. بعد أن ظهر كتاب كانط "نقد العقل الخالص" سنة 1781 بدأ أتباع مدرسة لايبنتز-فولف في استشعار الخطر الذي تمثله الفلسفة الكانطية على مذهبهم، إذ هي تهدمه من الأساس، نظرا لاتخاذها فلسفة لايبنتز هدفا واضحا للنقد. ولذلك بدأ أستاذ الفلسفة بجامعة هاله Halle وهو يوهان أوجست إيبرهارد (1739-1809)، وكان يعد من أشد أنصار فلسفة لايبنتز وأبرز المدافعين عنها آنذاك، في الهجوم على فلسفة كانط، محاولا إثبات أن فلسفة لايبنتز تحتوي على نقد لملكات المعرفة يسبق النقد الكانطي ويستطيع الاستغناء عنه. وقد تمسك إيبرهارد بثلاثة مبادئ في فلسفة لايبنتز نقدها كانط وهدم عن طريقها مذهب لايبنتز الميتافيزيقي كله. الأول هو القول بأن أحكام الميتافيزيقا تحليلية، مما يحافظ على إمكانية بناء أنساق ميتافيزيقية من مجرد تحليل أفكار العقل الخالص؛ والثاني وهو القول بأن الفرق بين التمثل الحسي والتمثل العقلي هو مجرد فرق في الدرجة وليس فرقا في النوع، بحيث تكون تمثلات الحس أقل وضوحا ودقة وأكثر اختلاطا من تمثلات العقل، مما يؤدي إلى أن يكون التمثل العقلي وحده هو القادر على بناء المعرفة الميتافيزيقية بمعزل عن كل حس أو خبرة تجريبية؛ والثالث وهو الأهم والأخطر، وهو الخاص بمبدأ العلة الكافية. لقد تمسك إيبرهارد بهذا المبدأ مصرا على أنه مبدأ تحليلي وتركيبي في الوقت نفسه( )، مما يعد حلقة الوصل بين معرفة العلة الكافية في مجال الخبرة البشرية بعالم الظاهر، ومعرفتها في مجال ما فوق الطبيعة. وبذلك أصر إيبرهارد على أن المبدأ يمكن استخدامه لمعرفة عالم الطبيعة وعالم ما فوق الطبيعة في الوقت نفسه.
وقد رد كانط على انتقادات إيبرهارد في مقال بعنوان "حول اكتشاف يجعل أي نقد جديد للعقل الخالص غير ضروري بالنسبة لنقد أقدم منه"، معلنا فيه أن إيبرهارد أساء فهم فلسفته عن قصد، هادفا الدفاع عن فلسفة لايبنتز، وتناول فيه كل مبدأ من المبادئ الثلاثة التي تمسك بها إيبرهارد. وما يهمنا في هذا المقال نقد كانط للمبدأ الثالث الذي تمسك به إيبرهارد وهو مبدأ العلة الكافية. وعندما يأتي كانط على تناول المبدأ يبدأ بعرض سريع لنفس النقد الذي وجهه له في "نقد العقل الخالص" لكن بأسلوب أكثر مباشرة وبشئ من السخرية؛ والملاحظ أن الأسلوب الساخر يظهر أيضا في عنوان مقال كانط نفسه. ولم يكن من المعتاد على كانط أن يلجأ للسخرية في كتابته، إذ تتميز بصرامة علمية ومنهجية وبلغة قانونية مجردة وجافة، لكنه لجأ إلى السخرية تحت دافع الرد على مهاجمه( ).
الحقيقة أن مبدأ العلة الكافية موجود في نسق كانط، لكنه مقتصر على تحديد شروط إمكان المعرفة، وهو من بين أهم شروط الخبرة الممكنة لديه، أما استخدامه لمعرفةشروط إمكان وجود الشئ في ذاته فهو استخدام غير مشروع لدى كانط لأنه يتجاوز نطاق الخبرة البشرية. وفي ذلك يقول كانط: "إن جعل مبادئ الخبرة الممكنة شروطا لإمكانية الأشياء بعامة هو إجراء ترانسندنتالي [يتجاوز نطاق الخبرة البشرية]، وهو مثل إعطاء واقع موضوعي للتصورات الترانسندنتالية، التي لا نعثر لها على موضوعات خارج حدود الخبرة الممكنة" ( ). والحقيقة أن لايبنتز هو المقصود في هذا النص، هو ومدرسته كلها وعلى رأسها كريستيان فولف، لأن لايبنتز هو الذي نقل مبدأ العلة الكافية، الذي هو مبدأ إمكان المعرفة عند كانط، إلى شرط للإمكانية الأنطولوجية للأشياء وللعالم كله. والواضح أن استخدام هذا المبدأ بهذه الطريقة لا يوصلنا إلا إلى فكرة الإله باعتباره العلة الكافية الحقيقية والأولى، أي لا يفيد في تقدم المعرفة حسب كانط، فكيف تزداد معرفتنا أو تتقدم عندما نكتفي بإرجاع كل شئ إلى الإله؟ ويحكم كانط على نقل مبدأ العلة الكافية من مجال الإبستيمولوجيا إلى المجال الميتافيزيقي الأنطولوجي، الذي ينتهي إلى اللاهوت، بأنه نقل غير مشروع، لأنه يضفي واقعا موضوعيا على المبدأ ويعتقد في أنه مبدأ منتج للمعرفة ومنشئ لها Constitutive Principle في حين أنه مجرد مبدأ منظم للمعرفة وحسب Regulative Principle ( ) . وبعبارة أخرى فإن استخدام المبدأ أنطولوجياً هو تعالٍ به إلى ما يتجاوز حدود الخبرة البشرية، وتصعيدا وتشييئا له بجعله مبدأ يحكم صدور الأشياء عن بعضها البعض وصدورها ككل عن العلة الأولى أو الإله عند لايبنتز، في حين أنه مجرد مبدأ يحكم خبرتنا بتوالي الظاهرات وفهمها حسب مبدأ السببية. والسببية في نسق كانط هي السببية باعتبارها مبدأ معرفيا ينظم الخبرة، لا مبدأ أنطولوجياً يحكم وجود الأشياء.
العلة الكافية باعتبارها شرط الإمكان القبلي:
توصلنا حتى الآن إلى أن كانط احتفظ بمبدأ العلة الكافية في بحثه الإبستيمولوجي بعد أن عزله عن سياقه الأنطولوجي عند لايبنتز، بحيث أصبحت العلة الكافية لديه هي الشرط القبلي للمعرفة البشرية لا الشرط القبلي لوجود الموجودات في ذاتها كما عند لايبنتز. ويتضح قرب شروط الإمكان الكانطية من العلة الكافية عند لايبنتز عندما نقارن مفهوم كانط عن شروط الإمكان Conditions of Possibility باعتبارها علة كافية وسببا أول للمعرفة البشرية بمفهوم هيوم عن السببية باعتبارها مجرد عادة ذهنية تتولد عن تتابع اللاحق والسابق دون ضرورة كلية ودون إنتاج الثاني للأول من سببية حقيقية( ). احتفظ كانط بالمعنى الهيومي للسببية باعتبارها علاقة بين اللاحق والسابق، لكنه أضفى عليها الطابع اللايبنتزي عندما احتفظ بالسابق باعتباره القبلي الذي يجعل المعرفة ممكنة، هذا القبلي الذي هو الشرط الضروري لإمكان الخبرة ذاتها؛ وهذا الشرط القبلي الضروري لإمكان المعرفة هو مفهوم السببية ذاته. أما مفهوم هيوم الاتفاقي والعرضي عن السببية فقد حوله كانط إلى سؤال الواقعية Quid Facti الذي يبحث في الملابسات التجريبية، الاتفاقية والعرضية، لظهور المعرفة، واحتفظ بشروط الإمكان القبلي للمعرفة لسؤال الأحقية أو المشروعية Quid Juris ( ) . إن سؤال الأحقية أو المشروعية وبحث كانط فيه بالطريقة الترانسندنتالية هو الموضع (بالمعنى المنطقي لمصطلح Topica) الذي أعاد فيه كانط صياغة مبدأ العلة الكافية إبستيمولوجياً.
عندما نحلل سؤال كانط الأساسي: كيف تكون المعرفة ممكنة؟ سنجد أنه سؤال عن الإمكان Possibility، وسوف نلاحظ أن الإمكان في حد ذاته وباعتباره تصورا كان موجودا في المذاهب الميتافيزيقية السابقة منذ أرسطو، وكان يلازمه دائما تصور آخر هو الضرورة Necessity، وتصور ثالث هو الاستحالة Impossibility. ويجب أن ننتبه إلى أن الإمكان في سؤال كانط لا يعني أن المعرفة الإنسانية ليست ضرورية، بمعنى أنها ممكنة بالمعنى اليوناني والمدرسي للإمكان المضاد للضرورة. إن إمكان المعرفة عند كانط هو ضرورتها، ذلك لأنه يهدف البحث عن الشروط التي تجعل المعرفة ضرورية وفق مبادئ قبلية. إن شروط إمكان المعرفة ضرورية لأنها قبلية. والمعرفة عند كانط ضرورية لأنها قائمة ومتحققة بالفعل في صورة منطق ورياضيات وعلم طبيعي، إلا أن هذه الضرورة في حاجة إلى توضيح شروط إمكانها، وهدف كانط البحث عن الضرورة القبلية التي جعلت المعرفة الإنسانية تنتج هذه الأشكال الثلاثة من المعرفة. ووفق هذا التحليل يمكننا النظر إلى شروط الإمكان القبلية عند كانط على أنها العلة الكافية الضرورية لظهور الأشكال العلمية الثلاثة للمعرفة البشرية( )، والملاحظ أن كانط يحول مفهوم الكفاية Sufficiency ذي الدلالات الميتافيزيقية، لأن الإله هو الكافي والمكتفي بذاته، إلى مفهوم الضرورة Necessity ذي المحتوى الإبستيمولوجي.
لكن من جهة أخرى نستطيع أن نعيد مفهوم كانط عن إمكان المعرفة إلى المعنى الفلسفي القديم- والمعنى المنطقي أيضا- للإمكان، ذلك لأن المعرفة البشرية حسب كانط ليست معرفة بالأشياء في ذاتها بل معرفة بالظاهر، والمعرفة بالظاهر على مستوى الخبرة الإنسانية تدخل في باب الممكن دائما، أما الضرورة المطلقة فليست متوفرة إلا للمعرفة الإلهية. إن المعرفة الضرورية بإطلاق ليست هي المعرفة التي تتعرف على الأشياء كما توجد في الظاهر، بل هي المعرفة التي تنتج موضوعاتها وتخلقها من العدم، هي المعرفة الإلهية ( ) . لا تخلق المعرفة الإنسانية موضوعاتها بل تجدها أمامها جاهزة وبالتالي تتعامل معها كما تظهر للخبرة البشرية، أما المعرفة الخالقة لموضوعاتها فهي المعرفة بالشئ في ذاته. وفي حين يتوصل البشر إلى المعرفة عن طريق وسائط تقربهم من موضوع المعرفة مثل التمثل Vorstellung/Representation ( ) والتصورBegriff/Concept والاستدلال، فإن المعرفة الإلهية معرفة مباشرة دون وسائط، معرفة تخلق موضوعها. ومن هنا يمكن فهم إمكان المعرفة عند كانط؛ إنه إمكان بهذا المعنى الأنطولوجي القديم والوسيط والكامن تحت إبستيمولوجيا كانط دون أن يصرح به ( ) . صحيح أن المعرفة البشرية عند كانط هي معرفة بالظاهر، ومن هنا طابعها الممكن بالمعنى القديم، لكنها ممكنة بهذا المعنى القديم من الخارج ومن حيث الشكل، أي من حيث نمطها الأنطولوجي، أما في داخلها ومن حيث مضمونها فهي ضرورية؛ إنها معرفة الظاهر الضرورية، إنها معرفة الضرورة في الظاهر، أولا لأنها تكشف عن القانون الحاكم للأشياء، وثانيا لأنها تصدر عن الشروط القبلية للمعرفة البشرية، وهذه الشروط ضرورية وكل ما يصدر عنها من معرفة ضروري. وهكذا نلاحظ كيف أن إبستيمولوجيا كانط تحتوي على نحو مضمر وغير مصرح به على التمييز الأنطولوجي القديم بين الممكن والضروري القائم أساسا على التمييز بين المعرفة البشرية والمعرفة الإلهية.
تناول كانط مبدأ العلة الكافية في ذلك الجزء من "التحليلات الترانسندنتالية" Transcendental Analytics من "نقد العقل الخالص" والذي يضع فيه الشروط القبلية للخبرة الممكنة والمسمى "نسق كل مبادئ الفهم الخالص" System of All Principles of Pure Understanding ( ) . ففي هذا الجزء يوضح كانط أن الخبرة ليست ممكنة إلا بفضل ثلاثة أنواع من الأفعال المعرفية القبلية: "مسلمات الحدس" Axioms of Intuition التي تعطي لنا مقولات المكان والامتداد( )، و"استباقات الإدراك" Anticipations of Perception التي تعطي لنا مقولات الزمان والكيف( )، و"أمثولات الخبرة" Analogies of Experience التي تعطي لنا قواعد قبلية للتعرف على الجوهر والسببية والمعية أو الاشتراك( ). وفي شرحه لأساس مقولة السببية يذهب إلى أن مبدأ العلة الكافية هو المحدد لمفهوم السببية، ذلك لأنه يدفعنا نحو البحث عن السبب الكافي لحدوث الشئ، ويجد الفهم الخالص هذا السبب الكافي في العلاقة التي تربط بين اللاحق والسابق، بحيث يكون السابق هو علة حدوث اللاحق. لاحظ أن كانط لا يشتغل هنا على المستوى الأنطولوجي بالبحث في علة وجود الشئ، بل على المستوى الإبستيمولوجي الذي يبحث في شروط معرفتنا بالشئ عن طريق معرفتنا بسببه السابق له في الزمان.
ويضع كانط مبدأ العلة الكافية في سياق إبستيمولوجي بحت بقوله: "إن حدوث شئ هو إدراك ينتمي لخبرة ممكنة. وتصبح هذه الخبرة واقعية عندما أنظر إلى الظاهر على أنه محدد في موضعه من الزمان، وبالتالي باعتباره موضوعا يمكن أن نجده في اتصال مع إدراكات حسية أخرى وفق قاعدة. وهذه القاعدة، التي بها نحدد شيئا وفقا لتوالي الزمان، هي أن الشرط الذي تتبعه حادثة ما ضرورة وعلى نحو ثابت يوجد فيما يسبق هذه الحادثة. إن مبدأ العلة الكافية بالتالي هو أساس الخبرة الممكنة، أي المعرفة الموضوعية بالظاهرات بالنظر إلى علاقتها في نظام الزمان" ( ). إن مبدأ العلة الكافية كما يظهر في هذا النص مستوعب بالكامل في سياق الإبستيمولوجيا الكانطية، ذلك لأنه لم يعد ذلك المبدأ الذي يحدد وجود الشئ بل الذي يحدد معرفتنا بهذا الشئ. إننا نحن البشر الذين نطلب علة كافية في معرفتنا بالشئ، ويعد هذا في حد ذاته جوهر عدم الكمال البشري.
وكي ندرك مدى ارتباط إبستيمولوجيا كانط بمبدأ العلة الكافية نحاول الآن توضيح وضعه من تقسيم كانط الثلاثي للأحكام. قسم كانط الأحكام إلى حكم تحليلي Analytic Judgment ، وحكم تركيبي Synthetic Judgment. الحكم التحليلي هو الذي يحكم على موضوعه بتحليل تصور هذا الموضوع ودون الخروج عن هذا التصور. أما الحكم التركيبي فهو يحكم على موضوعه لا عن طريق تحليل تصوره بل عن طريق العودة إلى مدلول التصور أو ما يشير إليه في الواقع ( ) . والحكم التحليلي عند كانط يتضمن مبدأ عدم التناقض Principle of Contradiction، لأن معياره هو ألا يتناقض الفكر مع نفسه وهو يستخرج الحكم من تصور الموضوع، أما الحكم التركيبي فلأنه يتضمن المقارنة بين شيئين والربط أو التركيب بينهما، تصور الموضوع وما يشير إليه من دلالات في الواقع، فهو يسير حسب قانون الهوية Principle of Identity ( ) ، فكي يكون الحكم التركيبي صحيحا يجب أن تكون هناك هوية بين طرفيه، التصور وموضوع هذا التصور.
ولم يكن هذان الحكمان هما مركز اهتمام كانط، بل كان مهتما بنوع ثالث وهو الحكم التركيبي القبلي Synthetic A priori Judgment. هذا النوع من الحكم هو المستخدم في إنتاج المعرفة في العلوم الطبيعية، ذلك لأنه يضيف جديدا إلى معرفتنا ولا يقتصر على مجرد تحليل التصورات، لكنه في الوقت نفسه قبلي لأنه يتضمن الضرورة، والضرورة ليست موجودة في عالم التجربة حسب كانط المتأثر في هذه النقطة بهيوم؛ إذن ضرورة القانون العلمي ضرورة قبلية ترجع إلى قوانين الفكر ومبادئ الخبرة الإنسانية. لكن ما هو الأساس الذي يستند عليه هذا الحكم؟ لقد رأينا أن قانون التناقض هو أساس الحكم التحليلي، وقانون الهوية هو أساس الحكم التركيبي، فماذا عن الحكم التركيبي القبلي؟ ذهب كانط إلى أن التركيب المقصود في هذا النوع من الحكم هو بين الحدس والتصور، أي بين الإدراكات الحسية التي تستقبلها الحواس وتنتظم في حدسي المكان والزمان القبليين، والتصور الذي هو المبدأ القبلي الذي ينظم الإدراكات حسب مقولات الكم والكيف والعلاقة والجوهر والسببية والتفاعل. ومعنى ذلك أن أساس الحكم التركيبي القبلي هو هذه المقولات القبلية التي تجعله ممكنا. لكن ماذا عن القانون الحاكم للحكم التركيبي القبلي؟ إنه القانون الذي ينظم العلاقة بين التصورات القبلية والإدراكات الحسية، أو الحدوس والتصورات، وينظم عملية مناسبة كل حدس أو إدراك حسي لتصور أو مقولة قبلية، وهذا القانون ليس إلا مبدأ العلة الكافية( ). ونستطيع أن نقدم العلاقة بين كل حكم والقانون الحاكم له كما يلي:
الحكم التحليلي---------قانون التناقض
الحكم التركيبي---------قانون الهوية
الحكم التركيبي القبلي-----شروط الإمكان القبلية-----العلة الكافية
نلاحظ أن قانوني التناقض والهوية ليسا إلا قانونين شكليين صوريين للحكم بالمعنى المنطقي، بمعنى أنهما يحكمان على موضوع الحكم من حيث الشكل ولا يقدمان علة كافية له، أما الشروط القبلية للحكم التركيبي القبلي فهي التي تحكم إنتاجه للمعرفة بتقديم الأساس الذي يتم به التركيب بين الحدوس الحسية والتصورات القبلية، وهذا الأساس هو مبدأ العلة الكافية الذي أعاد كانط صياغته في حديثه عن السببية عندما ذهب إلى اختزال مبدأ العلة الكافية في مقولة السببية.
الوضع الأنطولوجي لسؤال الإمكان القبلي:
إن الطبيعة الحقيقية لمبدأ العلة الكافية هي طبيعة إبستيمولوجية كما ذهب كانط؛ لكن هذا المبدأ تحول لديه إلى السؤال عن الشروط القبلية التي تجعل المعرفة ممكنة. فهل نجح كانط في حصر هذا السؤال في المجال الإبستيمولوجي وحده، أم تسربت إليه دلالات أنطولوجية رغما عن كانط نفسه؟( ) الحقيقة أن كانط قد استطاع بنجاح كبير أن يُخرج مبدأ العلة الكافية من المجال الأنطولوجي ويحصره في المجال الإبستيمولوجي، لكنه عندما تعامل مع شروط الإمكان القبلية للمعرفة وجدنا هذا الإمكان القبلي وقد اكتسب طابعاً أنطولوجياً، لكنه ليس أنطولوجياً بالمعنى القديم للكلمة بل بمعنى جديد سوف نكشف عنه فيما يلي.
الحقيقة أن سؤال كانط عن الإمكان القبلي للمعرفة هو سؤال أنطولوجي بالدرجة الأولى، ذلك لأن البحث الأنطولوجي منذ أرسطو كان دائما ما يسأل عن علة وجود الأشياء؛ إن الأشياء حاضرة أمامنا في واقعية مباشرة، والميتافيزيقا هي تجاوز هذه الواقعية للبحث عن كيفية حضورها إلى الوجود، ولهذا السبب فإن ميتافيزيقا أرسطو كانت بحثا في العلل الأولى للأشياء. والبحث عن العلة الأولى هو في حقيقته بحث عن شروط الوجود. وبالمثل فإن كانط يتبع نفس الطريق الأنطولوجي، إذ أن المعرفة معطاة أمامنا وحاضرة، بل ومكتملة من وجهة نظر كانط في صورة المنطق والرياضيات والعلم الطبيعي النيوتوني ( ) ، والمطلوب القيام به البحث عن الشروط التي جعلت هذه المعارف ممكنة، بل وصحيحة موضوعية. لم يعلن كانط صراحة أن بحثه في شروط الإمكان هو بحث أنطولوجي لكنه أطلق عليه بحثا "ترانسندنتالياً"؛ لكن الترانسندنتالي هو ما يتجاوز المباشر والمعطى نحو شروط إمكانه، ولذلك فالترانسندنتالي هو الميتافيزيقي بالضبط، لكنه ليس الميتافيزيقي الباحث عن شروط الإمكان الوجودية بالنسبة للعالم وأشيائه، بل هو الميتافيزيقي الباحث عن شروط إمكان المعرفة، إنه ميتافيزيقا المعرفة الإنسانية.
لقد حول كانط مبحث العلة الأولى الأرسطي ومبحث العلة الكافية اللايبنتزي إلى مبحث الشروط القبلية لإمكان المعرفة، والحقيقة أنه لم يكن ينقل مستوى البحث من الأنطولوجيا إلى الإبستيمولوجيا كما يبدو للوهلة الأولى، بل كان يمارس نوعا جديدا من ميتافيزيقا المعرفة التي يمكن أن نطلق عليها اسم "أنطولوجيا المعرفة الإنسانية"، وهذا هو ما يتضح من الفقرات الأخيرة من "نقد العقل الخالص". يقول كانط: "إن مصطلح "الميتافيزيقا" يمكن أن يطلق على كل الفلسفة الخالصة، بما فيها النقد (الذي هو مشروع كانط ذاته)، بحيث تشمل كل ما يمكن معرفته قبليا مع شرح ما يؤسس نسقا لأنماط المعرفة الفلسفية الخالصة" ( ) ، ومعنى هذا أن كانط ينظر إلى البحث في الشروط القبلية للمعرفة على أنه ينتمي إلى الميتافيزيقا، لا إلى مجرد نظرية في المعرفة. ويضيف كانط: "تنقسم الميتافيزيقا إلى الاستخدام التأملي والاستخدام العملي للعقل الخالص وهي بالتالي إما ميتافيزيقا للطبيعة أو ميتافيزيقا للأخلاق. والأولى تحتوي على كل مبادئ العقل الخالص المستقاة من مجرد تصورات.. والمستخدمة في المعرفة النظرية لكل الأشياء" ( ) ؛ والملاحظ أن تعريف كانط هذا للميتافيزيقا هو تعريفه لفلسفته هو لا مجرد تعريف لها كما ظهرت في تاريخ الأنساق الفلسفية السابقة؛ إن كانط بذلك يضع تعريفا جديدا للميتافيزيقا يحدد مهمتها بأنها الكشف عن الشروط القبلية، أي النظرية انطلاقا من تصورات، لمعرفة "كل الأشياء".
وبذلك تحول السؤال عن العلة الكافية على يد كانط إلى السؤال عن إمكان الأحكام التركيبية القبلية، وهو سؤال ذو هدف أنطولوجي واضح وليس مجرد سؤال إبستيمولوجي كما يبدو للوهلة الأولى وكما فُهم بالفعل من قبل كثير من الشراح ، وكما يبدو من الهدف الأساسي لكانط وهو عزل الطابع الأنطولوجي عن المبدأ، لكن الدلالات الأنطولوجية تسربت إليه رغما عن نوايا كانط نفسه. ذلك لأن هدف كانط الأساسي في "نقد العقل الخالص" هو الإجابة عن السؤال التالي: كيف تكون الميتافيزيقا ممكنة باعتبارها علما؟ كيف نستطيع إصدار أحكام صحيحة تخص موضوعات الميتافيزيقا؟ ذهب كانط إلى أنه قبل أن نشرع في بناء ميتافيزيقا، أو نصدر أحكاما ميتافيزيقة فيجب علينا أولا فحص أداة المعرفة ذاتها وهي العقل الخالص، ذلك لأن الميتافيزيقا تطمح لأن تكون علما خالصا بالوجود العام، وأداتها المعرفية التي تحصل بها على هذا العلم الخالص هي العقل الخالص، لا الحس أو الفهم، وبالتالي فما يجب القيام به قبل البحث في الميتافيزيقا هو البحث في أداة البحث في الميتافيزيقا وهي العقل الخالص؛ وهذا هو معنى كلمة "نقد" في كتاب كانط "نقد العقل الخالص". ولأن كل علم يستخدم أحكاما تركيبية قبلية بما فيها الميتافيزيقا، أي أحكاما تحتوي على الضرورة القبلية وتضيف جديدا إلى معرفتنا من الخبرة في الوقت نفسه، فإن المهمة القائمة أمام النقد هي تقديم شرح لكيفية صدور هذه الأحكام. وبما أن أحكام الرياضيات والعلم الطبيعي تركيبية قبلية أيضا فإن كانط يشرع في توضيح أساس إصدار هذه الأحكام انطلاقا من الملكات المعرفية للذهن البشري. وقد توصل إلى أن الحكم التركيبي القبلي في مجال الرياضيات والعلم الطبيعي مشروع تماما لأنهما مرتبطان بالخبرة التجريبية( )، في حين أن الحكم التركيبي القبلي في مجال الميتافيزيقا غير مشروع لأن موضوعاتها غير خاضعة للخبرة التجريبية( ). صحيح أن كانط بذلك يتحرك في مجال الإبستيمولوجيا، إلا أن هدفه الأساسي أنطولوجي بالدرجة الأولى، وقد صرح هو نفسه في أكثر من موضع أن بحثه في إمكان الحكم التركيبي القبلي هو أنطولوجيا، من حيث إنها مدخل Propaedeutic للميتافيزيقا.
قدم كانط تعريفا للأنطولوجيا في موضعين أساسيين، يتضح منهما أنه يقصد منها البحث في نطاق وحدود المعرفة الممكنة، مما يجعل فلسفته في المعرفة إبستيمولوجيا وأنطولوجيا في الوقت نفسه. والموضع الأول الذي عرف فيه الأنطولوجيا هو في الصفحات الأخيرة من "نقد العقل الخالص"، حيث يذهب إلى أن الأنطولوجيا كانت تعني قديما البحث فيما يمكن أن يوجد والأنماط التي يمكن أن توجد عليها الموجودات، لكنها يجب أن تكون في العصر الحديث، عصر النقد، البحث فيما يمكن أن يُعرف ويدخل في نطاق القدرات المعرفية للعقل البشري( ). والموضع الثاني هو المقال الذي رد فيه على سؤال الأكاديمية البروسية "ما التقدم الحقيقي الذي حققته الميتافيزيقا في ألمانيا منذ لايبنتز وفولف؟"، حيث يزيد التعريف إيضاحا ويربطه بفلسفته الترانسندنتالية على وجه خاص، إذ يقول: "الأنطولوجيا هي ذلك العلم (باعتباره جزءا من الميتافيزيقا) الذي يتمثل في نسق لكل تصورات الفهم ومبادئه، لكن إلى الحد الذي تشير فيه إلي الموضوعات التي يمكن أن تعطى للحواس، وبالتالي تؤكدها الخبرة. إنها لا تقدم أية إشارة إلى ما فوق الحس، الذي هو على الرغم من ذلك الهدف النهائي للميتافيزيقا (حسب معنى الكلمة ذاتها). وبذلك فإن (الأنطولوجيا) تنتمي إلى (الميتافيزيقا) باعتبارها المدخل والساحة الأمامية التي توصل إليها، ويُطلق عليها الفلسفة الترانسندنتالية، لأنها تحتوي على الشروط والعناصر الأولى لكل معرفتنا القبلية"( ). والملاحظ في هذا التعريف أنه يربط الأنطولوجيا بمهمة البحث عن حدود ونطاق المعرفة في شروطها وعناصرها الأولى، كما يلحق بها مهمة فحص التصورات القبلية التي يمكن أن تبنى عليها كل معرفة ميتافيزيقية؛ إنها بالأحرى أنطولوجيا للمعرفة الإنسانية لا للوجود في ذاته كما كانت قديما؛ وأخيرا يطلق عليها "الفلسفة الترانسندنتالية" مما يعني أن كل فلسفته في "نقد العقل الخالص" والتي أطلق عليها "الفلسفة الترانسندنتالية" هي في حقيقتها أنطولوجيا للمعرفة الإنسانية.
خاتمة:
حاولت هذه الدراسة تتبع تعامل كانط مع أحد أهم المفاهيم الفلسفية السابقة عليه وهو مبدأ العلة الكافية الذي ظهر لدى لايبنتز ومدرسته، وأوضحت أن هذا المبدأ كان نقطة محورية وخلافية بين كانط من جهة وتراث النـزعة العقلية السابقة عليه من جهة أخرى. وتمثل الخلاف في الدور الذي يمكن أن يلعبه مبدأ العة الكافية في الفلسفة: هل من حقنا توسيع استخدامه حتى يتحول إلى مبدأ ميتافيزيقي وأنطولوجي أم يجب علينا تقييده بمجال الخبرة التجريبية؟ اختار كانط أن يقيد من استخدامه ويحصره في المجال الإبستيمولوجي وحده، عازلا إياه عن كل الاستخدامات الميتافيزيقية واللاهوتية له لدى لايبنتز. وفي النهاية تعامل معه كانط على أنه يندرج تحت مفهوم السببية وملحق به، وبذلك نزع عنه استقلاله وأولويته ومركزيته التي كان يتمتع بها في مذهب لايبنتز.
وعلى الرغم من ذلك فإن مبدأ العلة الكافية قد تسلل إلى إبستيمولوجيا كانط رغما عنه لكن ليس بنفس الإسم، ودون أن ينتبه إلى أن شروط الإمكان القبلية للمعرفة هي ذاتها تطبيق للمبدأ، لا على الوجود كما كان الحال عند لايبنتز، بل على المعرفة الإنسانية. إن شروط الإمكان القبلية للمعرفة هي مبدأ العلة الكافية منظورا إليه من الوجهة الإبستيمولوجية.
ونظرا لأن أي حضور لمبدأ العلة الكافية في أي مذهب فلسفي يجعل هذا المذهب حاملا لجانب أنطولوجي واضح، وذلك بسبب الطبيعة الأنطولوجية الأصيلة للمبدأ، فإن تحوله على يد كانط إلى شروط الإمكان القبلية للمعرفة جعل بحث كانط فيها ليس مجرد إبستيمولوجيا بل أنطولوجيا للمعرفة الإنسانية، أي بحثا في الشرط الإنساني الأنطولوجي الذي يجعل المعرفة ممكنة. إن فلسفة كانط في المعرفة ليست مجرد نظرية في المعرفة أو إبستيمولوجيا، بل هي أيضا ميتافيزيقا وأنطولوجيا للمعرفة. صحيح أنه رفض الميتافيزيقا التقليدية الباحثة في أصل الوجود، إلا أنه أعاد توجيه السؤال الميتافيزيقي القديم بجعله سؤالا عن أصل المعرفة، أي إمكانها القبلي. وقد كان في ذلك يصدر عن قناعة من أن الميتافيزيقا الحقيقية ليست إلا ميتافيزيقا الإنسان والوجود الإنساني.
المصادر والمراجع
أولا-المصادر:
1) لايبنـتـز:
• Philosophical Writings, ed. G.H.R Parkinson (London,1973)
• The Monadology and Other Philosophical Writings. Translated by Robert Latta. (Oxford University Press, London 1898)
2) كانط:
• Critique of Pure Reason. Translated by Norman Kemp Smith.(London: Macmillan, 1961)
• "Prolegomena To Any Future Metaphysics That Will Be Able to Come Forward as Science", in Philosophy of Material Nature. Translated by James W. Ellington. (Indianapolis: Hackett, 1985)
• "On a discovery whereby any new Critique of Pure Reason is to be made Superfluous by an older one", in Theoretical Philosophy after 1781. Ed. By Henry Allison and Peter Heath (Cambridge: Cambridge University Press, 2002)
• "What real progress has Metaphysics made in Germany since the time of Leibniz and Wolff?" in Theoretical Philosophy after 1781. Ed. By Henry Allison and Peter Heath (Cambridge: Cambridge University Press, 2002)

ثانيا – المراجع:
• Abela, Paul. Kant’s Empirical Realism. (New York: Oxford University Press, 2002)
• Bayne, Steven M., Kant on Causation. On the Fivefold Routes to the Principle of Causation. (Albany: State University of New York Press, 2004)
• Bennett, Jonathan, Kant’s Analytic (Cambridge: Cambridge University Press, 1966)
• Blumenfeld, David,: “Perfection and Happiness in The Best Possible World”, in Nicholas Jolley (ed.), The Cambridge Companion to Leibniz.(Cambridge: Cambridge University Press, 1995)
• Cicovacki, Predrag,: “Kant’s debt to Leibniz”, in Graham Bird (ed.), A Companion to Kant. (Malden: Blackwell Publishing, 2006)
• Heidegger, Martin. Kant and the Problem of Metaphysics. Translated by Richard Taft (Bloomington: Indiana University Press, 1997)
• Heidegger, Martin. Phenomenological Interpretation of Kant’s Critique of Pure Reason. Translated by Parvis Emad and Kenneth Maly (Bloomington: Indiana University Press, 1997)
• Heidegger, Martin. What is a Thing?. Translated by W. B. Barton and Vera Deutsch (South Bend: Gateway Editions, 1967)
• Heidegger, Martin. The Principle of Reason. Translated by Reginald Lilly (Bloomington and Indianapolis: Indiana University Press, 1991)
• Jolley, Nicholas, Leibniz. (London: Routledge, 2005)
• Kemp Smith, Norman, A Commentary to Kant’s Critique of Pure Reason. (London: Macmillan, 1918)
• Longuenesse, Beatrice. Kant and the Capacity to Judge. Sensibility and Discursivity in the Transcendental Analytic of the Critique of Pure Reason. Translated by Charles T. Wolfe. (New Jersey: Princeton University Press, 2000)
• Mercer, Christia Leibniz’s Metaphysics: Its Origins and Development. (Cambridge: Cambridge University Press, 2004)
• Nadler, Steven Spinoza’s Ethics: An Introduction. (Cambridge: Cambridge University Press, 2006)
• Paton, H. J., Kant’s Metaphysics of Experience. 2 volumes (London: Georg Allen & Unwin, 1936)
• Strawson, P. F., The Bounds of Sense. An Essay on Kant’s Critique of Pure Reason. (London & New York: Methuen, 1966)
• Savile, Anthony, Routledge Philosophy Guidebook to Leibniz and the Monadology. (London: Routledge, 2000)
• Watkins, Eric, Kant and the Metaphysics of Causality. (Cambridge: Cambridge University Press, 2005)


1. ) تقول الصياغة اللاتينية للمبدأ "لا شئ يحدث دون علة" nihil est sine ratione . وقد توسع هايدجر في شرح دلالاته المختلفة وربطها بفلسفته في:
2. Martin Heidegger, The Principle of Reason. Translated by Reginald Lilly (Bloomington and Indianapolis: Indiana University Press, 1991), pp.12 ff. وقد عمل هايدجر على تأويل مبدأ العلة أنطولوجيا وبما يتفق مع فهمه هو للأنطولوجيا. فالسؤال عن العلة يأتي من قبل وجود من نوع خاص، الوجود الإنساني الملقى في العالم والذي يسأل بناء على أن السؤال عن العلة هو سؤال أنطولوجي من قبل وجود أنطولوجي.
3. ) G. W. Leibniz, The Monadology and Other Philosophical Writings. Translated by Robert Latta. (Oxford University Press, London 1898), P. 235.
4. ) G. W. Leibniz: Philosophical Writings, ed. G.H.R Parkinson (London,1973), 172.
5. ) Leibniz, The Monadology. pp. 235-236.
6. ) Anthony Savile, Routledge Philosophy Guidebook to Leibniz and the Monadology. (London: Routledge, 2000), pp.34-35.
7. ) Leibniz, The Monadology, pp. 237-238.
8. ) Ibid, pp. 62-66.
9. ) Ibid, P. 238.
10. ) Ibid, P. 74.
11. ) Nicholas Jolley, Leibniz. (London: Routledge, 2005), p.85.
12. ) Christia Mercer, Leibniz’s Metaphysics: Its Origins and Development. (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), pp.81, 89-90.
13. قسم ابن سينا الممكن والضروري إلى العديد من التقسيمات الفرعية. فالضروري عنده نوعان: الضروري بذاته والضروري بغيره. الضروري بذاته هو الإله (واجب الوجود بذاته)، والضروري بغيره هو العالم (واجب الوجود بغيره). انتقلت هذه الفكرة إلى أوروبا عن طريق القديس توما الأكويني. راجع في ذلك:
14. ابن سينا: الإشارات والتنبيهات. القسم الثالث (الإلهيات). تحقيق د. سليمان دنيا. دار المعارف، الطبعة الثالثة، 1985. ص 44، 66 وما بعدها.
15. Anthony Kenny, Aquinas on Being. (Oxford: The Clarendon Press, 2002), pp. 73, 88-89.
16. ) Steven Nadler, Spinoza’s Ethics: An Introduction. (Cambridge: Cambridge University Press, 2006), pp.32-33, 61-62.
17. ) David Blumenfeld: “Perfection and Happiness in The Best Possible World”, in Nicholas Jolley (ed.), The Cambridge Companion to Leibniz.(Cambridge: Cambridge University Press, 1995), pp.382 ff.
18. ) Immanuel Kant, Critique of Pure Reason. Translated by Norman Kemp Smith.(London: Macmillan, 1961), A783/B811.
19. ) Ibid, A201/B246.
20. ) Eric Watkins, Kant and the Metaphysics of Causality. (Cambridge: Cambridge University Press, 2005), pp.119, 199.
21. ) Steven M. Bayne, Kant on Causation. On the Fivefold Routes to the Principle of Causation. (Albany: State University of New York Press, 2004), pp.26-34.
22. ) لكن هل استطاع كانط بذلك تجاوز لايبنتز وهيوم في نفس الوقت؟ الحقيقة أنه لم يستطع ذلك، لأنه أنكر أن تكون السببية ممتدة إلى الشئ في ذاته وقيد استخدامها بعالم الظاهر، وذهب إلى أنها طريقتنا نحن في فهم الظاهرات وليست طريقة انتظام الأشياء في ذاتها.
23. ) Kant, Critique of Pure Reason, A565/B593.
24. ) Immanuel Kant, Critique of Pure Reason. BXIV-BXVI.
25. ) Immanuel Kant: "Prolegomena To Any Future Metaphysics That Will Be Able to Come Forward as Science", in Philosophy of Material Nature. Translated by James W. Ellington. (Indianapolis: Hackett, 1985), pp. 55-56.
26. ) Kant, Critique of Pure Reason, A592/B620.
27. )Ibid, A597/B625.
28. ) الفكرة الترانسدنتالية عند كانط هي مفهوم عقلي مجرد لا تقابله خبرة تجريبية وغير مرتبط بأي حدس حسي، مثل فكرة النفس باعتبارها الجوهر الشامل لمجموع الأفعال النفسية والذهنية الداخلية، وفكرة العالم باعتباره كلا بالمعنى الكوزمولوجي. ويحكم كانط على الأفكار الترانسندنتالية بأننا لا يمكننا التوصل إلى معرفة مشروعة إزاءها لأنها مجرد توسيع لتصورات الفهم البشري وتطبيقها على عالم الأشياء في ذاتها.
29. ) Ibid., A201/B246.
30. ) Ibid., A783/B811.
31. ) Kant, "On a discovery whereby any new Critique of Pure Reason is to be made Superfluous by an older one", in Theoretical Philosophy after 1781. Ed. By Henry Allison and Peter Heath (Cambridge: Cambridge University Press, 2002)
32. ) Kant, "What real progress has Metaphysics made in Germany since the time of Leibniz and Wolff?" in Theoretical Philosophy after 1781. Ed. By Henry Allison and Peter Heath (Cambridge: Cambridge University Press, 2002
33. ) Predrag Cicovacki: “Kant’s debt to Leibniz”, in Graham Bird (ed.), A Companion to Kant. (Malden: Blackwell Publishing, 2006), pp.79 ff.
34. ) ينقد كانط إيبرهارد لكونه لم يميز بين الاستخدام المنطقي والاستخدام الترانسندنتالي (الميتافيزيقي) لمبدأ العلة الكافية وخلط بينهما. إن استخدامه المنطقي يقيده بمجال الخبرة التجريبية، إذ يعمل فيها باعتباره منظما لها؛ أما استخدامه الترانسندنتالي فهو توظيف له كمبدأ تأسيسي، أي أن دوره لن يقتصر على تنظيم الخبرة في صورة معرفة بل سوف يكون هو ذاته وسيلة للحصول على معرفة بما لا يمكن أن يخضع للحواس أو يدخل في مجال الخبرة التجريبية. راجع في ذلك:
35. Kant, "On a discovery whereby any new Critique of Pure Reason is to be made Superfluous by an older one", Op. Cit, P. 289.

36. ) Kant, Critique of Pure Reason, A782/B810.
37. ) Ibid., A509-510/B537-538.
38. ) Paul Abela, Kant’s Empirical Realism. (New York: Oxford University Press, 2002), pp. 26-28, 32-35, 46-48.
39. ) Ibid., A84-86/B117-119.
40. ) سبق لهايدجر أن أشار إلى هذه النقطة في:
41. Martin Heidegger, Kant and the Problem of Metaphysics. Translated by Richard Taft (Bloomington: Indiana University Press, 1997), pp. 6-9, 26-28.
42. ) Martin Heidegger, Kant and the Problem of Metaphysics, pp.18-20.

43. ) التصور هو المعنى العام المجرد، وهو أيضا فكرة عامة ليست مستقاة من التجربة، مثل تصورات الوحدة والكثرة والجملة..إلخ. ويعني في استخدام كانط له التصور القبلي الذي يعمل كمقولة تنظم الخبرة التجريبية. أما التمثل فهو ما يحتويه الذهن من صور حسية عن الموضوعات. تحتل التمثلات مرنبة وسطى بين الإدراكات الحسية والتصورات في فلسفة كانط؛ فالإدراك الحسي هو هذه الشجرة التي أراها أمامي، والتصور هو الشجرة باعتبارها نوعا، أما إدراكي للنبات الذي أشاهده باعتباره شجرة فيعد تمثلا. والتمثل يقع بين الحس والفهم لأن به الحسي والعقلي في الوقت نفسه. راجع في ذلك:
44. Helmut Holzhey and Vilem Mudroch, Historical Dictionary of Kant and Kantianism. (Lanham & Toronto: The Scarecrow Press, 2005); Concept: pp. 79-80, Representation: P.325.
45. ) Beatrice Longuenesse, Kant and the Capacity to Judge. Sensibility and Discursivity in the Transcendental Analytic of the Critique of Pure Reason. Translated by Charles T. Wolfe. (New Jersey: Princeton University Press, 2000), pp. 22-26.
46. ) Kant, Critique of Pure Reason, A149/B188.
47. ) Ibid, A162/B202
48. ) Ibid, A166/B207
49. ) Ibid, A177/B219
50. ) Ibid. A201/B246.
51. ) Ibid, A7-10/B11-14.
52. ) Ibid., A152/B191, A155/B194.
53. ) استطعنا التوصل إلى هذه النتيجة بفضل التحليلات التي قدمها هايدجر للحكم التركيبي القبلي عند كانط في كتابه:
54. Martin Heidegger, What is a Thing?. Translated by W. B. Barton and Vera Deutsch (South Bend: Gateway Editions, 1967), pp 167-183, especially p.173.
55. ) يرجع الفضل لهايدجر في تمكيننا من الكشف عن هذه النقطة، إذ قد توسع في توضيح الطابع الأنطولوجي لمجمل نظرية كانط في المعرفة في محاضراته التي أوَّل فيها "نقد العقل الخالص" تأويلا يتفق مع الأنطولوجيا الفينومينولوجية التي يتبناها هو:
56. Martin Heidegger, Phenomenological Interpretation of Kant’s Critique of Pure Reason. Translated by Parvis Emad and Kenneth Maly (Bloomington: Indiana University Press, 1997), pp. 27-55, 136-144, 207-220, 273-291.
57. ) Ibid., B15-18.
58. ) Ibid., A841/B869.
59. ) Ibid., A842/B870.
60. ) ينتمي أغلب هؤلاء الشراح إلى العالم الأنجلوساكسوني، إذ عملوا على شرح وتفسير وفهم "نقد العقل الخالص" ابستيمولوجياً، بما يتناسب مع خلفياتهم التحليلية والتجريبية، أو إلى مدرسة الكانطية الجديدة التي نظرت إليه على أنه يقدم نظرية في المعرفة وحسب. والاثنان لم ينتبها إلى أبعاده الأنطولوجية والميتافيزيقية. من أبرز الشراح المتأثرين بالفلسفة التحليلية:
61. P. F. Strawson, The Bounds of Sense. An Essay on Kant’s Critique of Pure Reason. (London & New York: Methuen, 1966)
62. Jonathan Bennett, Kant’s Analytic (Cambridge: Cambridge University Press, 1966)
63. ومن أبرز الشراح الذين تأثروا بالكانطية الجديدة:
64. Norman Kemp Smith, A Commentary to Kant’s Critique of Pure Reason. (London: Macmillan, 1918)
65. H. J. Paton, Kant’s Metaphysics of Experience. 2 volumes (London: Georg Allen & Unwin, 1936)
66. ) Kant: "Prolegomena To Any Future Metaphysics That Will Be Able to Come Forward as Science", pp. 25, 38.
67. ) Ibid., pp. 69-73.
68. ) Kant, Critique of Pure Reason, A843-851/B871-879.
69. ) Kant, "What real progress has Metaphysics made in Germany since the time of Leibniz and Wolff?" in Theoretical Philosophy after 1781. Ed. By Henry Allison and Peter Heath (Cambridge: Cambridge University Press, 2002), P. 354.