الفلسفة وأيديولوجيا الإعلام: إسهام الفكر المعاصر في دراسة وسائل الإعلام

أشرف حسن منصور
2010 / 5 / 27

مقدمة:
إذا كانت الأيديولوجيا هي الوعي الزائف المنخدع بحقيقة الأشياء، وإذا كانت نسقا مترابطا من التبريرات الفكرية لواقع يفتقد الشرعية، فهل قضت وسائل الإعلام الحديثة على الأيديولوجيا؟ هل قدمت لنا الواقع الحقيقي غير المزيف وغير المؤدلج؟ لا. تتناول هذه الدراسة بعضا من أهم أعمال المفكرين المعاصرين التي توضح أن للإعلام أيديولوجيته الخاصة به، إذ يعيد إنتاجها تكنولوجياً، ولا يؤثر على مجرد الوعي والأفكار والتصورات بل يؤثر كذلك على الإدراك والرؤية. ومعنى هذا انتقال آليات التزييف من الاشتغال على ملكة الفهم إلى الاشتغال على ملكة الحس والإدارك الحسي.
وتركز الدراسة على أعمال رولان بارت وجاي ديبور وجان بودريار، وترصد التحول الذي حدث لنقد وسائل الإعلام من فلسفة الوعي والذات إلى فلسفة اللغة والسيميولوجيا، وتغير المصطلحات والجهاز المفاهيمي والإطار التحليلي لنقد الإعلام من نظريات الاغتراب والتشيؤ والوعي الزائف إلى نظريات الدال والدلول والعلامة والرمز والصورة، وهو ما يمثل انتقال الفلسفة المعاصرة من الماركسية الهيجلية إلى ما بعد البنيوية.
أولا – الدور الأيديولوجي للإعلام:
1 )هل انتهت الأيديولوجيا؟
هل شهد عصر تكنولوجيا الإعلام اضمحلالا للأيديولوجيا أم ازدهارا لها؟ الحقيقة أن كثيرا من المفكرين قد ذهبوا إلى أن الأيديولوجيا انتهت ولم يعد لها مكان في عصر التكنولوجيا، ومن هؤلاء عالم الاجتماع الأمريكي دانيال بل صاحب كتاب "نهاية الأيديولوجيا" وكتاب "قدوم عصر ما بعد الصناعة"، وفرانسيس فوكوياما صاحب كتاب "نهاية التاريخ"، وجان فرانسوا ليوتار صاحب كتاب "وضع ما بعد الحداثة". فما يشترك فيه هؤلاء قولهم بنهاية عصر الأيديولوجيات الكبرى التي تعبئ الناس عن طريق أفكار أو مثل ومبادئ وشعارات؛ فيذهب بل إلى أن التطور العلمي والتكنولوجي أدى إلى إلى التحول من مثاليات الأيديولوجيات إلى المنطق العلمي الأداتي للعلم والتكنولوجيا ( ). ويذهب فوكوياما إلى أن التاريخ باعتباره صراعا بين أفكار ومذاهب وأيديولوجيات قد انتهى بانتصار الديمقراطية الليبرالية وانتصار الغرب في الحرب الباردة والتحولات الديمقراطية في بلدان أوروبا الشرقية ( ). ويذهب ليوتار إلى أن الوضع الفكري والمعرفي المعاصر في جميع المجالات يشهد نهاية لما يسميه بالسرديات الكبرى Metanarratives، وهي تسميته الخاصة للأيديولوجيات ( ). ناهيك عن الاعتقاد السائد بانتهاء الأيديولوجيا بقدوم عصر الإعلام الذي يتصف بالشفافية والنقل الحرفي واللحظي للحدث.
وهناك مجموعة أخرى من المفكرين الذين ذهبوا إلى أن العلم والتكنولوجيا أصبحا هما الأيديولوجيا الجديدة، وأبرزهم فلاسفة مدرسة فرانكفورت وهابرماس وعالم الاجتماع والسياسة الفرنسي جاك إيلول وفيلسوف العلم بول فييرابند. يذهب هؤلاء إلى أن العلم والتكنولوجيا أصبحا قومان بالدور التقليدي للأيديولوجيا في تبرير الوضع القائم وإضفاء الشرعية على كافة صور الهيمنة الاقتصادية والسياسية، واستبدال العقلانية الأداتية، وهي عقلانية الوسائل، بعقلانية الأهداف والقيم الموضوعية.
إلا أن هناك بعد آخر للأيديولوجيا وهو الذي سيركز عليه هذا البحث، وهو البعد المعرفي أو الإبستيمولوجي، أي وظيفة الأيديولوجيا في تزييف الوعي وتقديم صورة مشوهة ومحرفة عن الواقع. والحقيقة أن معظم الدراسات عن الأيديولوجيا تنقسم إلى هذين القسمين: الأيديولوجيا باعتبارها خطابا كليانيا Universalist يبرر الوضع القائم ويضفي الشرعية عليه، والأيديولوجيا باعتبارها آلية في تزييف الوعي. ولا شك أن الأيديولوجيا سواء كانت خطابا تبريريا أو آلية مزيفة للوعي تخدم أهدافا واحدة، أي تثبيت الناس على شكل معين من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية وجعلهم يقتنعون بها ويتقبلونها.
نجد في أعمال ماركس معالجة للأيديولوجيا بكلا المعنيين؛ فهو يعالجها باعتبارها خطابا تبريريا في نقده للاقتصاد السياسي الكلاسيكي، ولليبرالية، وللطابع البورجوازي للدولة ومؤسسات المجتمع المدني ( )؛ ويعالجها باعتبارها آلية لتزييف الوعي في نقده لصنمية السلع Fetishism of Commodities وتشيؤ العلاقات الاجتماعية Reification التي تظهر على أنها علاقات بين سلع تحكمها قوانين اقتصادية تعمل مثل القوانين الطبيعية من خلف الإرادة الإنسانية الواعية. كما عالج لوكاتش أيضا الأيديولوجيا باعتبارها تزييفا للوعي في مقاله الشهير "التشيؤ ووعي البروليتاريا" ضمن كتابه "التاريخ والوعي الطبقي". فالبروليتاريا عنده معرضة للانخداع بالقيم والمثل البورجوازية وأنساقها الفكرية والاقتصادية، تماما مثل البورجوازية نفسها، وهذا الانخداع يسميه بالوعي الزائف False Consciousness و الوعي المشيأ Reified Consciousness ( ).
وستتعامل هذه الدراسة مع الأيديولوجيا بمعناها الثاني، أي باعتبارها وعيا زائفا مشيئا. تتمثل الفكرة الأساسية التي نعالجها في الصفحات التالية في أن عصر تكنولوجيا الإعلام لم يشهد اضمحلالا للأيديولوجيا بل ازدهارا لها، واتخاذها معان وصورا جديدة لم تكن معروفة من قبل، وأن الإعلام الحديث الآن هو ما يقوم بالمهام التقليدية المعروفة للأيديولوجيا.
2) عودة إلى كهف أفلاطون:
الحقيقة أن سيطرة وسائل الإعلام على الحياة المعاصرة تشبه أسطورة الكهف عند أفلاطون. فعندما كان أفلاطون في معرض شرح نظريته في عالم المثل، والفرق بينه وبين عالم المحسوسات، ضرب مثلا في صورة قصة عرفت فيما بعد بأسطورة الكهف. فالذين يعيشون في العالم المحسوس يشبهون أناسا يعيشون في كهف، ولدوا وتربوا فيه ولم يخرجوا منه أبدا. وهم مقيدون بسلاسل وأغلال تقيدهم داخل الكهف بحيث أن أنظارهم لا ترى إلا الحائط الداخلي للكهف ولا تستطيع رؤية مخرجه. وخارج هذا الكهف توجد أشياء مثل الأشجار والحيوانات والناس الذين يروحون ويجيئون أما مدخل الكهف. وتعكس الشمس ظلال هذه الأشياء على جدران الكهف؛ لكن لا يعرف أهل الكهف أن ما يرونه مجرد ظلال وأخيلة، بل ينظرون إليها على أنها أشياء حقيقية، وذلك لأنهم لم يخرجوا من كهفهم أبدا ولم يعرفوا حقيقة الظلال. ولا تمكنهم أغلالهم من الالتفات إلى الوراء ومعرفة الأشياء الحقيقية التي تنعكس ظلالها على جدران الكهف ولا معرفة الشمس التي هي مصدر النور الذي يحدث الأخيلة. ويذهب أفلاطون إلى أن عالمنا المحسوس الذي نعيشه ما هو إلا ظلالا وأخيلة للمثل والحقائق الموجودة في عالم المثل، العالم العقلي العالي على المحسوسات( ).
تشكل أسطورة الكهف مثالا جيدا ودالا على العالم الذي يخلقه الإعلام. فكما يفسر أونيل كهف أفلاطون( )، يخلق الإعلام عالما وهميا زائفا يعتقد الناس في حقيقته وصدقه. ويلتف الناس حول وسائل الإعلام ويظلون مقيدين أمامها تماما مثلما كان أهل الكهف مقيدين داخله، ولا ينقل الإعلام لهم سوى الصور، تماما مثلما كان ينظر أهل الكهف إلى الأخيلة. والحقيقة أن شكل الكهف الذي يصفه أفلاطون يشبه الكاميرا، التي يعني اسمها الأصلي "الغرفة المظلمة" Camera Obscura. فالكهف كما يصفه أفلاطون به ممر طويل ضيق ينتهي بفتحة صغيرة، ويكاد أهل الكهف لا يشعرون بهذا الممر؛ والكاميرا كذلك هي كهف مظلم لا يدخله الضوء إلا من فتحة صغيرة هي العدسة. إن سيطرة وسائل الإعلام على حياتنا تجعلنا سجناء لكهف أفلاطون، كما يجعل وضعنا مماثلا لوضع ساكنيه. فالصورة المصنوعة التي هي مجرد انعكاس للواقع تتخذ على أنها الواقع نفسه، وتصبح لها مصداقية تفوق مصداقية الواقع الحقيقي. ولا يدرك الناس الطابع الاصطناعي في ثقافة الصورة، إذ أن تقنيات صنعها خافية عليهم، وبالتالي يأخذون ما هو مصطنع على أنه طبيعي. وعندما تصبح الصورة بديلا عن الواقع وتحل محله تكون قد اتخذت الطابع الصنمي Fetishism.
وتتمثل الدلالة المعاصرة لأسطورة الكهف في أن المرء لم يعد يتمكن من معرفة أي شئ عن العالم الخارجي أو عن مجتمعه هو نفسه إلا من خلال وسائل الإعلام، ولم يعد يصدق شيئا إلا إذا تم نقله عن طريقها. فحتى الأحداث الواقعية التي يعيشها الإنسان لا يحيط بها ولا يستوعبها ولا يعطيها مصداقية إلا عبر وسائل الإعلام. فلم يعد هناك اتصال مباشر بين المرء ومجتمعه أو بينه وبين خبرات حقيقية معاشة، بل أصبح اتصاله بكل شئ متوسطا عن طريق وسائل الاتصال، التي هي في حقيقتها وسائل انفصال، ولا تعمل إلا في ظل انفصال حقيقي واقعي، بحيث تصبح هي وحدها الاتصال.
3) الإعلام باعتباره جهازا أيديولوجيا:
يمكن فهم الدور الأيديولوجي الذي يقوم به الإعلام على نحو أفضل إذا نظرنا إليه من زاوية عملية التحول المادي للأيديولوجيا Materialization of Ideology التي حدثت في القرن العشرين. فلم تعد الأيديولوجيا تؤثر على مجرد الأفكار والمعتقدات، بل أصبحت تحت تأثير الإعلام تؤثر على أسلوب النظر إلى الأشياء وإدراكها؛ كما لم يعد الخطاب الثقافي-الفكري هو أداة الأيديولوجيا الوحيدة في العمل والانتشار، بل أصبحت أدواتها مادية، ولم تعد تنتشر بالكلمات بل بالصور والعلامات. والحقيقة أن التحول المادي للأيديولوجيا جعلها أكثر خفاء وأصعب في الرصد، أي جعلها تتخفى وراء أشياء أخرى، ولا تكشف عن حقيقتها صراحة إذ يصعب التعرف عليها الآن. فالسائد حاليا هو القول بنهاية الأيديولوجيا، استنتاجا من نهاية فلسفات التاريخ والشعارات والسرديات الكبرى؛ إلا أن الأيديولوجيا لا تزال عاملة على مستوى الصورة والعلامة الرمز.
نستطيع فهم معنى التحول المادي للأيديولوجيا إذا فحصنا نظرية ألتوسير في أجهزة الدولة الأيديولوجية Ideological-State Apparatus. تثبت هذه النظرية أن هناك طرقا أخرى جديدة لممارسة الأيديولوجيا غير الطرق الخطابية Discursive أو الفكرية. فليس شرطا في الأيديولوجيا أن تقتصر على مجال الأفكار والمعتقدات، بل إن مؤسسة أو جهازا معينا يمكن أن يقوم بدور أيديولوجي مثل الكنيسة (والمسجد) والمدرسة والإعلام. ويعلن ألتوسير صراحة أن الإعلام ينتمي عن جدارة إلى أجهزة الدولة الأيديولوجية( ).
يذهب ألتوسير إلى أن أجهزة الدولة تمارس دورا أيديولوجيا-ماديا وهو المساعدة في "تجديد إنتاج علاقات الإنتاج"Reproduction of the Relations of Production . فلا يكفي كي يستمر النظام الرأسمالي في الوجود أن تتوافر لديه الإمكانات المادية فقط، بل يجب أيضا أن يحافظ هذا النظام على نفس الطريقة في توزيع الثروة،ونفس العلاقات بين رأس المال والعمل المأجور، ويضفي عليها الشرعية والمعقولية( ). ويقوم الإعلام بدوره الأيديولوجي عن طريق تأكيد ونشر مجموعة القيم والمعايير التي تساعد على المحافظة على علاقات الإنتاج القائمة.
وكي يقوم أي جهاز أيديولوجي بوظيفته كما يجب، عليه أن يقدم نفسه باعتباره محايدا وموضوعيا. ويطبق ألتوسير كلامه هذا على المدرسة ويذهب إلى أنها الجهاز الأيديولوجي الأول في الدولة البورجوازية. فالمدرسة تأخذ طابع الحيادية والموضوعية بدرجة عالية جدا، إذ لا تظهر إلا باعتبارها مكانا لتلقين العلم وتربية النشء وإعدادهم للمستقبل، إلا أنها في الحقيقة خير وسيلة لترتيب الأفراد منذ الصغر على السلم الاجتماعي-الطبقي القائم( ). والحقيقة أن وسائل الإعلام قد اتخذت حاليا مكان المدرسة باعتبارها الجهاز الأيديولوجي الأول، فالطابع الحيادي والموضوعي الزائف هو ما يتخذه الإعلام الآن وتؤكد عليه الدراسات الإعلامية أيضا، وأولها وأهمها دراسة ماكلوهان الشهيرة "فهم الإعلام" Understanding Media ( )، إذ يؤكد ماكلوهان على حيادية الإعلام بقوله إننا لا نستطيع الذهاب إلى أن الإعلام نافع أو ضار، أو خير أو شرير، وذلك لأنه مجرد وسيلة، ومن هنا يجب علينا استبعاد الأحكام الأخلاقية والتقويمية في دراستنا له. ويتضح الطابع الحيادي والموضوعي أيضا في قوله الشهير أن وسائل الإعلام هي الرسالة The Media is the Message. فليس للإعلام رسالة غير ذاته، أي الإعلام والتوصيل فقط. الإعلام يقدم نفسه على أنه حيادي وموضوعي، وكذلك تقدمه الدراسات الإعلامية.
من أهم وظائف الأيديولوجيا أنها تقلب العلاقات الحقيقية الموجودة في الواقع؛ فإذا كان هناك صراع ألغته وعتمت عليه وقدمت بدلا منه الوفاق والانسجام، وإذا كان هناك تناقض طبقي قدمته على أنه تعددية وليبرالية، وإذا كانت هناك شمولية قدمت هي التعدد والتنوع. وهذا ما يقوم به الإعلام بالضبط؛ فهو يصور المجتمع على أنه متعدد ومتنوع في حين أن الشمولية تسوده، إذ تقدم تنوعا وتعددا ظاهرا في القنوات والتحليلات الإخبارية والصحف والمجلات، إلا أن هذا التعدد يخفي وحدة في النظرات والأفكار، ويقدم في المقابل تشتتا وتفتيتا للوعي.
4) الوقائع والمعلومات في ظل تكنولوجيا الاتصال:
يقدم لنا عالم الاجتماع والسياسة جاك إيلول تحليلا نقديا بارعا للسياسة والرأي العام في عصر الإعلام يتبين منه الدور الأيديولوجي الجديد لوسائل الإعلام. فإذا كان للرأي العام دور أساسي وكبير في تشكيل السياسات، فيجب علينا في البداية تحليل العناصر التي تشكله، أي الوقائع والمعلومات. يذهب إيلول إلى أن الوقائع المشكلة للرأي العام لا تتمتع بالحياد والنقاء المفترض فيها، فالواقائع لا تصبح وقائع إلا بعد عملية معالجة من قبل وسائل الإعلام، ولا يتقبل الرأي العام شيئا على أنه واقعة إلا إذا اتفقت مع ما يفهمه من الواقعة، أي مع ما لديه من نماذج Patterns وأنماط جاهزة Stereotypes صنعها الإعلام نفسه( ). ومن هنا تكون الوقائع التي صنعها ونقلها الإعلام هي نفسها العناصر والخيوط المكونة لشبكة الأيديولوجيا. فالأيديولوجيا لا تزيف وقائع ومعلومات، بل تعمل على تشكيلهما منذ البداية.
يقارن إيلول الوقائع والمعلومات بين المجتمع التقليدي والمجتمع الحديث. فالرجل الذي ينقل إلى قبيلته أخبارا من القبائل الأخرى أو عن المناطق التي زارها، أو التجار الذين ينقلون لمجتمعهم أخبارا عن مجتمعات أخرى لا يؤثرون في فهم ورؤية مجتمعهم لنفسه؛ فهذه الأخبار مجرد شذرات منفصلة عنهم ولا تشكل جزءا من عالمهم الاجتماعي، ويظل الاحتكاك المباشر بالمجتمع هو الوسيلة الأساسية لمعرفته. أما في المجتمع الحديث ونتيجة لتقدم وسائل الإعلام فإن ما يتلقاه المرء من أخبار ومعلومات هو الذي يشكل رؤيته للعالم ولمجتمعه الذي يعيش فيه. وعلى الرغم من أن المرء يذهب ويجيء ويتحرك عبر العالم كله إلا أنه يخبره بطريقة غير مباشرة، فهو يعيش في عالم تمت إعادة ترجمته وتحريره، وبالتالي لم تعد لديه صلة مباشرة بالعالم الحقيقي؛ وحتى الوقائع والأحداث التي عاشها بنفسه وشاهدها تحدث أمام عينيه سوف يرى أنها تنقل إليه عن طريق وسائط إعلامية: الصحف، الإذاعة، التليفزيون، الإنترنت. وسوف يرى وصفا وتعليقا وتفسيرا وتحليلا لما عاشه بالفعل، وغالبا ما سيؤثر عليه الحدث الذي تم توصيله بهذه الطريقة أكثر من تأثره بخبرته الشخصية، فهذه الأخيرة لن تصمد أمام الصورة التي ينقلها الإعلام( ).
وعلى عكس الاعتقاد الشائع يذهب إيلول إلى أن توافر المعلومات الصحيحة لا يؤدي بالضرورة إلى تشكيل واقعة سياسية وبالتالي إلى رأي عام، فهناك حالات كثيرة توافرت للناس فيها المعلومات الصحيحة والكافية لكنها لم تؤد إلى ظهور رأي عام. إن تشكيل الرأي العام مسألة دعاية أو بروباجاندا؛ فيجب أن تُحمَّل المعلومات بعناصر عاطفية وانفعالية ورمزية حتى يتشكل الرأي العام.
ليست الوقائع هي الأحداث الفعلية، بل ما تمت ترجمته إلى كلمات وصور. ويضرب إيلول مثلا على ذلك بغزو جيش لدولة أخرى؛ فرجل الشارع البسيط الذي رأى الحدث أمامه لم يشاهد إلا جيشا دخل مدينته، وهو لا يدرك أن ما رآه غزو أجنبي لبلاده إلا عن طريق الإعلام. فالرجل لم يشاهد واقعة بل حدثا، ولا يتحول هذا الحدث إلى واقعة حقيقية قائمة إلا عن طريق الإعلام. فالواقعة هي ما تمت معالجته لإضفاء طابع العمومية عليه كي يتمكن النرء من إدراكه مباشرة، لأن الإدراك يكون عن طريق العموميات والكليات لا الجزئيات كما تذهب نظرية الجشطالت في علم النفس؛ وهي أيضا ما تم نقله لأناس كثيرين عن طريق وسيلة اتصال جماهيرية. ومعنى هذا أن الواقعة هي ما أضفيت عليها تلوينا خاصا غير حاضر في أعين من شاهدوا الحدث، وهي ما ألحقت بها تحليلات وحملت بمعان ومشاعر حتى تكون مادة للجمهور؛ وإذا لم تترجم الأحداث المبعثرة والمشتتة بهذه الطرق والوسائل وأضفي علهيا هذه الخصائص لن تصبح وقائع ولن تكون عناصر لتشكيل وبناء رأي عام.
لم تعد شهادات هؤلاء الذين عاشوا أحداثا معينة أو شاهدوا واقعة أو مروا بخبرات حقيقية صالحة لأن تؤثر في الناس وتصبح مادة للرأي العام، طالما أن أولئك لا يملكون الوصول للإعلام أو التأثير فيه، ذلك لأنه أصبح هو الذي يقوم بدور تحويل الخبرات الفردية إلى أحداث ووقائع عامة، وتعميم ما هو خاص. فهذه القدرة على التعميم Generalization لم تعد ملكا للجمهور، بل ملكا للإعلام( ). ومن هنا تستطيع وسائل الإعلام ممارسة دورها الأيديولوجي بأن تعمم مصالح معينة جزئية وخاصة ليس لها الحق في ذلك، والتعبير عن مواقف ووجهات نظر جزئية ومتحيزة بحجة أنها مواقف الكل ووجهات نظر الجميع.
إن استقبال المرء للوقائع وفهمها وتفسيرها يعتمد على ما لديه من أنماط جاهزة Stereotypes صنعها الإعلام( )، بحيث أنه لن يصدق الوقائع التي لا تتفق مع هذه الأنماط أو تعارضها، بل إن تلك الأحداث التي تتعارض مع أنماط فهمه واستقباله لن يكون لها تأثير يذكر عليه وسوف ينساها بسرعة( ). والحقيقة أن الأنماط التي يتحدث عنها إيلول هي المقصود بالدور الأيديولوجي للإعلام. فمن أهم وظائف الأيديولوجيا أنها تشكل الإطار الذي ندرك من خلاله العالم وننظر به إلى أنفسنا ومجتمعنا( ). كما أن هذه الأنماط هي كل ما يمتلكه المرء في النظر والحكم على الأشياء ولا يمتلك غيرها، وفي ذلك يقول إيلول: "إن الحدث الذي ينقله الإعلام يطرد كل الوقائع الأخرى من مجال الإدراك"( )، بحيث إن المرء لا يصدق أي شئ إلا إذا جاءه عن طريق الإعلام. فالنماذج والأنماط الجاهزة التي يفهم بها الرأي العام الوقائع والمعلومات أهم من الواقع نفسه لأنها هي التي تشكل هذا الواقع وتصنع واقعا آخر خاصا بها أكثر واقعية من الواقع الحقيقي( ).
ثانيا – الإعلام والعودة للآليات التقليدية للأيديولوجيا:
لا يقتصر طابع وسائل الإعلام الحديثة على كونها تتخذ وظائف أيديولوجية، بل هي ترث كذلك نفس الآليات التقليدية للآيديولوجيا. يكشف الإعلام الحديث عن عودة لجميع آليات الأيديولوجيا بحيث نستطيع القول إنه يشكل الممثل والحامل الجديد لها. وسنحاول فيما يلي توضيح الملامح الأساسية لهذه الآليات ومدى تعبير الإعلام الحديث عنها.
1) لعبة الدال والمدلول:
تمثل مفهوم الأيديولوجيا لدى مبحث "نقد الأيديولوجيا" في التيارات النقدية في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين مثل الماركسية ومدرسة فرانكفورت، وبعض نقاد الثقافة أمثال مانهايم وريكور، في النظر إليها على أنها تشويه يصيب العلاقة بين الذات والموضوع( )، وتم النظر إلى هذه العلاقة على أنها علاقة إبستيمولوجية تتم بتوسط أفكار وتصورات ومفاهيم( ). وتقوم الأيديولوجيا بعملها عن طريق تزييف هذه الوسائط التي هي سبيلنا لمعرفة العالم وأنفسنا. ومن هنا كانت الأيديولوجيا قضية تتعلق بالتمثيل Representation، أي خطأ يحدث في عملية تمثيل الفكرة للشئ أو الدال للمدلول. وإذا كان التشويه يصيب الموضوع فهو يصيب الذات أيضا، وبذلك تصبح مغتربة، أي غير قادرة على تحقيق علاقة أصيلة وحقيقية مع موضوعها( ). الأيديولوجيا وفق هذا التصور إذن شئ يصيب الوعي؛ وكانت خير وسيلة لنقد الأيديولوجيا توضيح التشويه الذي يجري على الفكرة أو التصور، ويتم ذلك بنقد محايث Immanent Critique، أي النقد الذي يتبع سير عملية التمثيل هذه من داخلها، حتى يضع يده على عملية التشويه؛ ويتم كذلك بنوع من تطهير الوعي عن طريق الانعكاس على الذات Self-reflection لتخليص الوعي مما أصابه من زيف. ولا شك أن هذا النقد للأيديولوجيا سوف يعتمد على إبستيمولوجيا هيجلية-ماركسية، فهي التي تمكنه من التعامل مع مفاهيم مثل الوعي والوعي الذاتي والاغتراب والتشيؤ والانعكاس على الذات.
والحقيقة أننا إذا فحصنا ظاهرة الاتصال التكنولوجي الحديث سنجد نفس وظيفة الأيديولوجيا باعتبارها تشويها للعلاقة بين دال ومدلول تتكرر وتكتسب أبعادا جديدة. فمن المفترض أن ما ينقله الإعلام هو الواقع بحذافيره، أي دالا بريئا محايدا يشير مباشرة إلى مدلوله؛ إلا أن ما يحدث هو أن هذا المظهر البرئ المحايد يخفي وراءه كل خدع وأوهام الإعلام. فما أدرانا أن الصور التي ينقلها الإعلام هي الواقع الحقيقي؟ لم يعد للمرء اتصال مباشر بواقع حقيقي حتى يقارن بينه وبين الواقع الذي ينقله الإعلام، فواقع الإعلام هو كل ما لديه ولا يملك إلا أن يقبله ويعترف به.
عنصر آخر كانت تحتويه الأيديولوجيا التقليدية ولا تزال وسائل الإعلام تعبر عنه، وهو التجريد والاختزال. فقد نقد ماركس اقتصاد السوق لكونه يختزل كل العلاقة الإنسانية وكل النشاط البشري إلى معادل واحد Common Denominator وهو القيمة التبادلية أو المال؛ ومن هنا يظهر رأس المال على أن له استقلالا عن المجتمع ومنطقا خاصا به وقوانين في التطور مستقلة عن مصدرها الاجتماعي والإنساني( ). الإعلام الحديث أيضا يقوم بنفس الوظيفة، فهو يرد كل شئ إلى مجرد صور ومشاهد وعلامات، ولا يعد لأي شئ معنى إلا إذا تم التعبير عنه بهذه الوسائل، ولا يصبح لأي خبر مصداقية إلا إذا تم نقله عن طريق هذه الوسائل، وبذلك تلغى الخبرة الشخصية ويلغى أي معنى اجتماعي أو إنساني لأي حدث إذا لم يمر بقنوات الاتصال الحديثة.
الحقيقة أن الواقع الذي ينقله الإعلام ليس هو الواقع الحقيقي المباشر بل واقعا آخر تمت معالجته وتحريره بحيث يكون أكثر واقعية من الواقع الحقيقي( )، ويعبر عنه بودريار بمصطلح الواقع الفائق Hyperreality. يضرب لنا بودريار مثلا من السينما المعاصرة على الانقلاب الذي حدث للعلاقة بين الدال والمدلول. فهو يذهب إلى أن السينما مثل على هذا الواقع الفائق، إذ لا تمثل دالا لمدلول حقيقي بل لدال آخر. فهي التجسيد للسيناريو الذي يعد بدوره تجسيدا لرواية، وليست الرواية هي الأخرى المدلول الأخير بل تعد دالا لخبرات وتجارب عامة؛ والأكثر من ذلك أن السينما أصبحت مغرمة بذاتها، فكثير من الأعمال السينمائية في هوليوود يدور حول أبطال ونجوم سابقين، (وقد انتشرت هذه الظاهرة الآن في الدراما المصرية: الأعمال التي تقدم عن حياة النجوم والممثلين القدامى) وكثير من الأفلام الحديثة عبارة عن إعادة لأفلام قديمة Remaking ( ).
2) التصنيم:
التصنيم هو تحويل شئ إلى صنم، وهو أيضا تحول أحد منتجات العمل الإنساني إلى شئ مستقل عن الإرادة الإنسانية والتحكم البشري، بحيث يتحول ما أنتجه الإنسان بيديه إلى قيد عليه. فكل ما خرج من بين يدي الإنسان وأصبحت له حياة مستقلة وقوانين خاصة تتحكم في البشر ولا يقدر المرء على تغييرها هو صنم. والصنم كذلك هو اتخاذ كل ما هو مصنوع على أنه طبيعي، وكل ما هو متغير وزائل على أنه ثابت وأزلي. هذا التوصيف ينطبق على أشياء كثيرة، أهمها في حياتنا المعاصرة السلعة والصورة. السلعة صنم لأنها من إنتاج البشر لكنها تستقل عنهم وتسيطر عليهم، والصورة كذلك صنم لأنها تتخذ على أنها الواقع الحقيقي، ولأنها شئ مصطنع ينظر إليه على أنه طبيعي، ولأنها أصبحت الآن تشكل واقعا ثانيا بديلا عن الواقع الحقيقي، وأكثر واقعية منه، ولأنها كذلك الوسيط المفترض أن يتوسط بين البشر وواقعهم، لكنه الوسيط الذي احتل مكان الأصل، واتخاذ الوسيط على أنه الأصل والحلول الفعلي محله هو الصنمية بعينها.
أدى التطور المعاصر لتكنولوجيا الإعلام، والبصرية منها خاصة، إلى أن تحولت الصورة من مجرد تمثيل لواقع إلى تحولها هي نفسها إلى واقع حقيقي، ويطلق كثير من المفكرين على هذه الظاهرة مصطلح صنمية الصورة أو العلامة. ويعد ماركس هو أول من تكلم عن الطابع الصنمي للسلع Fetishism of Commodities، والذي يعني استقلال السلع عن العمل البشري الذي أنتجها وتحولها إلى واقع خاص بها يفرض شروطه على الواقع الاجتماعي للمنتجين، وتصبح للسلع بذلك قوانينها الخاصة الحاكمة لها في غيبة الإرادة الإنسانية الواعية والتحكم البشري الهادف. وتعد قوانين السوق هي قوانين تلك السلع التي استقلت عن البشر وعلاقاتهم الاجتماعية، وأصبحت تتحكم في حياتهم. ولا يظهر من السلع إلا جانبها الموضوعي ويتم نسيان علاقات الإنتاج الاجتماعية التي أنتجتها.

أ) صنمية الصورة:
كانت صنمية السلع هي السائدة في بداية تطور الإنتاج الرأسمالي، أما الآن فقد حلت الصور محل السلع. ويحلل ديبور هذا الوضع الجديد ويوضح فيه استمرار الصنمية القديمة التي كانت تعمل على مستوى السلعة وتحولها إلى مستوى الصورة( ). فأول مرحلة في هيمنة الأيديولوجيا البورجوازية تمثلت في انحدار الوجود الإنساني إلى مجرد التملك وتعبير المرء عن نفسه وعن عملية تحقيقه لذاته في صورة تملكه لسلع. أما الآن فقد دخل المجتمع مرحلة جديدة في الهيمنة، تلك التي تتمثل في ضرورة إثبات الملكية في شكل ظاهر. فالتملك يجب أن يكشف عن نفسه ويظهر في صورة رموز وصور. والحاجة أيضا يجب أن يتم التعبير عنها من خلال نفس الوسائط. يقول ديبور: "إذا كانت جميع الحاجات الاجتماعية لعصرنا لا يمكن إشباعها إلا بتوسط الإعلام وتكنولوجيا الاتصال، وإذا كانت إدارة المجتمع وجميع صور الاحتكاك بين الناس لا يمكن أن تتم إلا من خلال هذه الوسائط، فذلك لأن التكنولوجيا مهيمنة ولا يمكن الخروج عنها ومحتكرة لجميع عمليات الاتصال"( )
تعد تكنولوجيا الإعلام نهاية لمشروع نظرية المعرفة الحديثة وللفلسفة الغربية ذاتها. فقد كان الفكر الغربي يلتف حول هدف أساسي وهو أن تكون العلامة قادرة على الإشارة إلى عمق المعنى وجديرة بتمثيله، سواء كانت هذه العلامة تصورا أو فكرة أو نظرية. أما الآن فقد حلت الصورة محل أي علامة أخرى يمكن أن تعبر عن المعنى أو الواقع. فللصور قدرة فائقة على أن تحل محل الواقع، وهي بذلك تعلو على القدرة التمثيلية للتصور أو المفهوم. فإذا كان التمثيل يفترض أن العلامة القائمة بالتمثيل والواقع الذي تمثله مقتربان للغاية بحيث تكون العلامة انعكاسا للواقع، فإن المثيل الخداعي الذي هو المحاكاة Simulation، وهي العملية التي تقوم بها الصور، تقدم الواقع بأفضل مما هو عليه، أي تقدمه بصورة واقعية أكثر من التي هو عليها( ).
وإذا كانت صنمية السلع هي الطابع الأساسي للمجتمع الرأسمالي، فإن الذي يساعد الآن على انتشارها هو الإعلام نفسه، فقد أصبح هو المصنم الأكبر Fetishizer، إذ نتعرف على السلع من خلاله، وهو الذي يعمل على تحويل القيمة الاستعمالية إلى قيمة تبادلية ثم إلى قيمة رمزية( ).
رأينا فيما سبق كيف أن عصر الإعلام يجعلنا سجناء لكهف أفلاطون الذي ينخدع ساكنوه بصور وأخيلة وظلال الأشياء، ولاحظنا التشابه بين الكهف والكاميرا. والحقيقة أن الكاميرا ذاتها كانت مثالا آخر شهيرا استخدمه ماركس في "الأيديولوجيا الألمانية" ليصف كيفية عمل الأيديولوجيا وتزييفها، لا لمجرد الوعي بل للرؤية كذلك. يذهب ماركس إلى أن الأيديولوجيا تعمل على قلب الواقع رأسا على عقب، بحيث يعتقد الناس أن الواقع مقام على أفكار وتصورات، وأن تغيير الواقع يتم بمجرد تغيير هذه الأفكار والتصورات. وهذا يعني بالنسبة لماركس أن الواقع يقف على رأسه؛ هذا الوضع المقلوب هو من عمل الأيديولوجيا( )، وهي في ذلك تشبه ما تفعله الكاميرا Camera Obscura التي تقلب صورة الأشياء.
لكن الكاميرا التي استخدمها ماركس كمثال يشبه به التأثير المزيف للأيديولوجيا أصبحت هي ذاتها المنتج الأول للزيف؛ وهذا ما يظهر واضحا في دراسات رولان بارت. يذهب بارت إلى أن الصورة تتصف بالشفافية، فهي لا تشير إلى نفسها بل إلى الموضوعات التي تصورها. إنها دال Signifier يخفي نفسه وراء مدلول Signified . وهذه القدرة على الاختفاء وراء المدلول لم تكن متوفرة من قبل للكلمة وللثقافة المكتوبة أو المسموعة، إذ دائما ما كانت هناك مسافة ملاحظة ومعترف بها بين الدال والمدلول في مجال الخطاب. لكن من طبيعة الصورة باعتبارها مجرد دال أن تختفي تماما باعتبارها دالا بحيث لا تعد هناك مسافة فاصلة بينها وبين ما تصوره، إذ تصبه هي وما تصوره سواء. والصورة بذلك تتوافر فيها كل خصائص الأيديولوجيا، فهي تقدم نفسها على أنها بسيطة ومباشرة ومجرد انعكاس للواقع، وهذا ما يرشحها لتكون الحامل الجديد للأيديولوجيا والذي يغير كيفيا من آليات عمل وطبيعة الأيديولوجيا التقليدية؛ إذ لم تعد الصورة تزيف وعيا وحسب بل أصبحت تزيف الإدراك. فالزيف لم يعد يصيب الأفكار والتصورات بل أصبح يصيب الرؤية كذلك. وإذا أردنا استخدام لغة الإبستيمولوجيا الكانطية في هذا السياق قلنا أن الأيديولوجيا انتقلت من ملكة الفهم إلى ملكة الحس.
وحول تأثير الصورة على الحياة المعاصرة يذهب بارت إلى أن الصورة تغير من الواقع الحقيقي بالفعل. فما أن يقف المرء أمام الكاميرا حتى يأخذ استعداده ويثبت pose ويكيف جسده ونظرته مهيئا نفسه لالتقاط الصورة، ويجعل من نفسه موضوعا للتصوير أو مشهدا scene، وهو بذلك يجعل من نفسه صورة حتى قبل أن تلتقط له الصورة. وهذا الذي يحدث على المستوى الشخصي يحدث على مستوى اجتماعي أكبر؛ فمثلما يتخذ المرء الهيئة المناسبة للتصوير، يتخذ المجتمع كله نفس الهيئة ويكيف نفسه على أنه موضوع للتصوير، أو التقديم الإعلامي( ). فمع سيطرة وسائل الإعلام يتعلم السياسي ورجل الشارع على السواء اتخاذ الهيئة المناسبة لتقديم صورته إعلاميا. وبالتالي فالصورة تتعامل مع واقع سبق تكييفه باعتباره صورة حتى قبل أن تلتقط الصورة.
كما نعثر عند بارت على المعنى الذي وضع له بودريار بعد ذلك مصطلح الواقع الفائق Hyperreality. إذ يذهب بارت إلى أن ما يميز الصورة هو الكمال والصنعة المتقنة، ولذلك فهي تقدم واقعا كاملا مركزا ومتقنا، بشكل موضوعي ومحايد وأكثر واقعية من الواقع الحقيقي. وتعني الموضوعية والحياد عدم اعتماد الصورة على رموز وشفرات تحتاج لفك مثلما نجد في الفن التشكيلي وباقي أنواع فن الرسم مثلا؛ مما يجعل قدرة الصورة على الإيهام أكبر( ). كذلك نعثر عند بارت على المفهوم الذي سيظهر ويتطور عند بودريار وهو المحاكاة الزائفة Simulacrum ، أي المحاكاة لا لشئ حقيقي بل لشئ هو نفسه زائف. ويظهر هذا المصطلح عند بارت في سياق تحليله لنسق الموضة Systeme de la Mode. يقول بارت: "كي تتم إعاقة القدرة الحسابية للمشتري يجب أن يرسم حجاب حول السلع – حجاب من الصور.. ويجب أن تخلق محاكاة زائفة Simulacrum للموضوع الحقيقي، مستبدلا زمنا سريعا من الموضات المتغيرة بالزمن البطئ (الذي تستهلك فيه الملابس)"( ).
تتضح الطبيعة الصنمية للصورة لدى بودريار من تحليله للأصول الاشتقاقية لكلمة صنم Fetish . فالأصل اللاتيني لها facio يعني شيئا مصنوعا أو مصطنعا fabricated، وتعني facticius محاكاة ما هو طبيعي بما هو صناعي، كما تعني مشتقاتها في الإسبانية والبرتغالية التزيين والتجميل. وانتقل المصطلح إلى الدراسات الأنثروبولوجية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر واستخدم فيها لوصف عبادة القبائل البدائية للأصنام ولأشياء يتخذونها كرموز لقوى الطبيعة، وأصبح المصطلح يعني في هذه الدراسات اتخاذ الفرع كبديل للأصل( ). أما ماركس فقد استخدمه لوصف السلع في المجتمع الرأسمالي، إذ اتخذت الطابع الصنمي بوضوح؛ فقد طغت علاقة البشر بالسلع على علاقاتهم ببعضهم البعض، وأصبح التفاعل الاجتماعي يتم بتوسط السلع، وتغيب عن الأذهان العلاقات الاجتماعية التي أنتجت تلك السلع ولا يلتفت أحد إلا إلى القوانين الاقتصادية التي تحكم علاقة السلع ببعضها( ). واستقلال القوانين الاقتصادية في صورة ما يسمى بآليات السوق وقوانين العرض والطلب هي التعبير الاقتصادي الواضح عن صنمية السلع.
ب) الانفصال من خلال الاتصال:
يذهب بودريار إلى أن صنمية الصورة قد طغت على صنمية السلع، ذلك لأن الصور أصبحت هي وسيلتنا لمعرفة العالم ومعرفة السلع ذاتها( )، إذ لم يعد هناك اتصال مباشر بيننا وبين العالم أو أنفسنا؛ وكون كل أنواع الاتصال تحدث عن طريق الصور يعني أن الوسيط طغى على أطراف الاتصال، وطغيان الوسيط على ما يتوسط بينه، وطغيان الدال على المدلول، هو الصنمية بعينها.
يكشف بودريار عن جانب تراجيدي في تحليله للإعلام المعاصر، إذ يوضح أنه وسيلة للانفصال لا للاتصال. يذهب الاعتقاد الشائع حول وسائل الإعلام إلى أنها وسائل اتصال ونقل للرسائل والمعلومات وأداة للشفافية، إلا أنها ليست كذلك. يفترض الاتصال وجود حد أدنى من شروط التفاعل وهو علاقة تبادلية بين مرسل ومستقبل، بحيث يتبادل الطرفان الإرسال والاستقبال كما في الحوار بين شخصين؛ لكن وسائل الإعلام مرسلة فقط دون أن تكون مستقبلة لرسائل مماثلة للتي ترسلها. فمع وسائل الإعلام الحديثة نشهد علاقة اتصال ذات طرف واحد واتجاه واحد، وبالتالي فهي ليست علاقة اتصالية حقيقية( ). وليس ما يسمى باستجابة الجمهور مما يرقى إلى أن يكون طرفا ثانيا لوسائل الإعلام أو شريكا حقيقيا في علاقة اتصالية تفاعلية، وما يقال عن تغذية مرتجعة feedback تستقبلها وسائل الإعلام من الجمهور ليس إلا قياسا لتأثير الإعلام عليهم على شاكلة القياس السيكولوجي لردود الأفعال المسمى اختبار بافلوف. وحول عدم توافر الحالة الاتصالية الصحيحة في الإعلام وبعده الواحد يقول بودريار: "يجب أن يكون الخطاب قابلا للتبادل (بين أكثر من طرف) وللرد عليه كما هو الحال عادة مع النظرات والابتسامات. فهو لا يمكن أن يقاطع أو يجمع أو يعاد توزيعه"( )
اعتقاد آخر خاطئ حول الإعلام يذهب إلى أنه وسيلة الشفافية لكونه ينقل بدقة ما يحدث في الواقع. لكن شفافية الإعلام أيضا زائفة، ذلك لأنه يخفي على الجمهور وسائل وطلاق تحرير الأخبار التي تتدخل فيها كل العوامل السلطوية والأيديولوجية( ). ليست الشفافية في نقل حدث ما، لأن الحدث ليس مادة خام أبدا ولا ينقل على صورته الأصلية أبدا باعتباره خاما، بل ينقل بعد التحرير والتلوين. الشفافية إذن ليست متوافرة لأنها ليست شفافية الحدث بل يجب أن تكون شفافية آليات نقل الحدث. صحيح أن الجمهور يرى الواقع على الشاشة، إلا أن ما يراه هو نتيجة لإخراج وتحرير ومونتاج. الواقع الذي نراه على الشاشة هو واقع تليفزيني مصنوع، تخفى علينا آليات صنعه والمصالح الكامنة وراءه. كما أن حضور الكاميرا في حد ذاته يجعل الناس يغيرون من سلوكياتهم العادية ويكيفون أنفسهم معها. الكاميرا إذن تصور مشاهد تحضر فيها الكاميرا، ولا تصور مشاهد خالية من الكاميرا أبدا؛ إنها تصور واقعا يشهد حضور الكاميرا، وهذا الحضور نفسه يغير من الواقع الذي تصوره بحيث لا يعد واقعا خاما شفافا.
إن كل ما يحيط بنا هو وسائط تحيل إلى الواقع لا الواقع نفسه حتى أصبحنا "نعيش في نمط إحالي من الوجود" referential ( )، وبودريار بهذا التحليل يوجه نقدا خفيا لأنطولوجيا الوجود الحقيقي عند هايدجر وللوجودية. لم يعد أحد يعيش في الواقع الحقيقي بل في وسط يشير إلى الواقع الحقيقي فقط. والحقيقة أن الإنسان المعاصر قد رضي بأن يستعيض بالنسخة عن الأصل وبما يحاكي الواقع عن الواقع الحقيقي. وسيادة النسخة على الأصل تعد نهاية لأي فلسفة تسعى نحو الأصل ونحو الوجود الأصلي؛ ومرة أخرى نجد إشارة خفية من بودريار لهايدجر، لأن فلسفة الأخير هي فلسفة الوجود الأصلي،وإذا كان هايدجر يبني تحليله الأنطولوجي للدازاين Dasein على أساس أنه وجود في العالم، فلم يعد هناك الآن وجود في العالم، بل في وسط يشير فقط إلى العالم ويحيل إليه. فالمباشرة التي كان يتمتع بها الوجود في العالم أخلت مكانها للإحالة والوجود الإحالي.

ج) الصورة في خدمة الاستهلاك:
أصبحت الصورة هي الوسيط بين السلعة والمستهلك، كما أصبحت القدرة على تقديم السلعة في صورة من بين مقومات الاقتصاد الاستهلاكي والسوق التنافسي. فالسلعة المنافسة والتي تنتجها الشركة الكبيرة هي القادرة على الإعلان عن نفسها، القادرة على المنافسة، القادرة على أن تظهر في صورة.
يحلل بودريار دور الصورة في المجتمع الاستهلاكي بتناوله لفاترينة المحل. ففاترينة العرض تكشف عن وظيفة أكثر عمقا من مجرد كونها وسيلة لعرض السلع؛ فهي في ظاهرها تعبير عن الشفافية التي يدعيها المجتمع الرأسمالي عن نفسه؛ فما هو موجود معروض. لقد أصبح ظهور الشئ أمام المشاهد دليلا على وجوده، فأن ترى هو أن تؤمن seeing is believing. ويتحول الواقع الآن إلى أن يكون ظهورا استعراضيا في شكل مشهد scene. هذا بالإضافة إلى تعبير الفاترينة عن وضع سوسيولوجي من نوع خاص؛ إذ تحتل مكانا وسطا، فلا هي داخل المحل ولا هي خارجه؛ لا هي منتمية إلى المجال الخاص للمحل ولا إلى المجال العام للشارع. إنها ذلك الوسط الذي يلتقي فيه العام والخاص. وفي إشارة إلى مقولة ماكلوهان الشهيرة أن الوسيط هو الرسالة the media is the message يذهب بودريار إلى أن الفاترينة ليست مجرد وسيط بين السلعة والمستهلك بل هي قطب مغناطيسي يعمل علىتجميع الرغبات المتناثرة واستقطابها وصبها في منطق مجتمع الاستهلاك( )، ناهيك عن أنها تخلق الرغبات منذ البداية حتى قبل أن تستقطبها.
كما يتناول بودريار تعبيرا أمريكيا يستخدم في الإعلانات وهو "ما تراه هو ما ستحصل عليه" what you see is what you get. يستخدم هذا التعبير لإقناع المستهلك أنه سوف يحصل على السلعة بالشكل الذي تعرض عليه في الصورة. ويذهب بودريار في تأمله لهذا التعبير إلى أن الصورة أصبحت هي معيار الواقع ومحك الحكم عليه( )؛ فأنت تطلب السلعة بناء على صورتها، ويتم إرضاؤك إذا كانت السلعة متفقة مع صورتها، وتشعر أنك خدعت إذا لم تتفق السلعة مع الصورة. لقد أصبحت الصورة واقعا ثانيا أكثر واقعية من الواقع الحقيقي، واقعا فائقا Hyperreality.
لكن ما هو وضع الإنسان في ظل سيطرة ثقافة الصورة؟ يتناول بودريار هذا الموضوع في أماكن متفرقة من أعماله، ويسود تناوله تمييز بين الإنسان المرآة والإنسان الشاشة. الإنسان المرآة هو الذي ينعكس في الآخر من خلال التفاعل والتواصل المتبادل، أما الإنسان الشاشة فهو العارض لموضات وتقاليع والكاشف في سلوكه عن ثقافة الاستهلاك، فهو شاشة عرض لهذه الثقافة. شهد القرن العشرون تحول الإنسان من كونه إنسان مرآة إلى إنسان شاشة. والفرق بينهما أن الإنسان قبل عصر الإعلام كان مرآة لأخيه الإنسان، وكي يكون الإنسان مرآة للآخر يجب أن يكون هذا الآخر حاضرا في مواجهة الأنا في علاقة تفاعل متبادل، حيث تنعكس أفعال الأنا على الآخر والعكس. أما مع الإنسان الشاشة فتغيب العلاقة التفاعلية المباشرة ويتحول الإنسان نفسه إلى النموذج الأساسي لعصر الأعلام وهو الشاشة، حيث يصبح عارضا لموضات أزياء ولأنماط من الحياة أعدها له المجتمع الاستهلاكي سلفا( ). وهنا تختفي العلاقة المرآوية الانعكاسية التي تتضمن التفاعل بين الأنا والآخر، ولا يبقى إلا ذلك الإنسان العارض والمؤدي لأدوار role performer محددة سلفا، لا القائم بممارسة praxis أو فعل action.
3) جمهرة الأفراد وفردنة الجمهور:
يتسم المجتمع الرأسمالي بأنه يقوم بعمليتي التفتنيت Fragmentation والتشميل Totalization في نفس الوقت. فهو يعامل الفرد هلى أنه جزء من جمهور أكبر منه، ويعامل الجمهور على أنه ليس إلا مجموع من الأفراد، وبذلك يطمس الفروق الواضحة بينهما ويقضي على الخواص المميزة لكل منهما؛ ويضيع فردية الفرد بإلحاقه في جمهور ويضيع أي ترابط أو وحدة ممكنة للجمهور بتفتيته إلى حشد من الأفراد. وقد وضع ماركس يده على هذه الظاهرة وحللها في جانبها الاقتصادي. فالتقسيم الرأسمالي للعمل يؤدي إلى تفتيت عملية العمل إلى أجزاء متناهية في الصغر إلى الدرجة التي لا يصبح العامل عندها مدركا لكيفية إسهامه في عملية الإنتاج الكلية ولا يعد متحكما فيها بل هي التي تصبح متحكمة فيه، وتضيع إنسانيته وتقل كفاءته من جراء تكراره لعمليات جزئية بطريقة آلية. وعلى جانب آخر تلحق هذه العملية الاقتصادية العامل بنظام كلي وطاغ من الإنتاج الرأسمالي الذي يكون فيه العامل مجرد ترس في آلة( ). فعملية العمل في ظل النظام الرأسمالي تتسم بأنها مفتتة ومشملة في نفس الوقت؛ مفتتة لأنها تفتت عملية العمل والعامل معها، ومشملة لأنها تلحق العامل بنظام شامل يسيطر عليه. هذا بالإضافة إلى أن المجتمع الرأسمالي شمولي في المصنع وفوضوي في السوق( )؛ يخضع العمال لنظام سلطوي وانضباطي صارم وقاس في العمل، ويترك السوق في حالة فوضى كاملة تحت حجة تركه لآلياته التلقائية.
ورث الإعلام الحديث نفس الوظيفة المزدوجة للنظام الرأسمالي، وخاصة في أحد أهم جوانبه، أي باعتباره مشكلا للرأي العام ولاتجاهات الجماهير. فلكي يقوم الإعلام بذلك يجب عليه أن يكون مجزءا ومشملا في نفس الوقت. لا يشتغل الإعلام على الفرد وحده أو على الجمهور وحده؛ فالفرد الوحيد ليست له أي أهمية بالنسبة للإعلام، ولا يشتغل على الجمهور وحده لأن الجمهور ليس كيانا قائما بذاته، بل هو مكون من أفراد. أي أن الإعلام يعامل الفرد على أنه جزء من جمهور ويعامل الجمهور على أنه ليس إلا مجموعة من الأفراد. وهذا يعني أن الإعلام لا يبرز من الفرد إلا ما هو شائع وقياسي ومشترك مع الأفراد الآخرين( )؛ أما ما يجعله فردا متمايزا ومختلفا فينحيه الإعلام جانبا ويلغيه. وبذلك يتم إدماج الفرد في الجماعة Integration وإضفاء الطابع العادي عليه Normalization. فعندما يعامل الفرد على أنه جزء من جمهور تضعف مقاومته لتأثير هذا الجمهور عليه، في حين أنه لا تأثير لهذا الجمهور والتأثير الحقيقي هو تأثير الإعلام الذي يوهم بأن هناك جمهورا مؤثرا في حين أنه هو الفاعل الحقيقي. فمشاهد التليفزيون أو مستمع الإذاعة على الرغم من أنه يمكن أن يكون وحيدا ومنعزلا بالفعل أثناء مشاهدته أو استماعه، إلا أن الإعلام يعطيه الإحساس بأنه ليس وحده وأنه دائما جزء من كل أكبر منه. هذا الإحساس هو مجرد إحساس لا أكثر، أثر للإعلام وآلياته لا أثر لجمهور حقيقي.
4) تخصيص العام وتعميم الخاص:
تناول نقاد الرأسمالية من اليسار واليمين على السواء أحد أهم سمات المجتمع الرأسمالي وهي الخلط بين المجال العام والمجال الخاص، وطمس الملامح الخاصة بكل منهما. فهذا المجتمع ينظر إلى مشكلة مثل البطالة على أنها مشكلة فردية ناتجة عن نقص في قدرات ومواهب الفرد وكفاءته وعدم قدرته على التكيف مع احتياجات سوق العمل، ولا يفسرها بإرجاعها إلى عواملها الاقتصادية والبنائية( )؛ وينظر إلى اضطرابات الشخص وأزماته النفسية على أنه المسئول الأول عنها، أي على أنها نتيجة خبرات وتجارب فردية مؤلمة وعدم قدرة على التكيف مع المجتمع، ولا يفسرها على أنها نتيجة البيئة الاجتماعية المحيطة. فالمشكلات ذات الأسباب العامة يحولها إلى المجال الخاص. وعلى الجانب الآخر يعمم المجتمع الرأسمالي خبرة ورؤية طبقة واحدة فيه وهي البورجوازية إلى باقي طبقات المجتمع ويفرضها عليها؛ وبذلك تتحول مفاهيم البورجوازية عن الحق والعدل والمساواة والخير العام إلى مفاهيم عامة وتنزع نحو الحصول على الصلاحية اكلية في حين أنها لا تخص إلا طبقة واحدة وليست صالحة إلا لمرحلة معينة من تطور هذه الطبقة( )؛ وحتى الأساليب الفنية ومعايير الجمال الخاصة بالرؤية البورجوازية يتم تعميمها على مستوى المجتمع كله حتى تصير هى معايير الفن ذاته بإطلاق( ). وبذلك تفرض البورجوازية رؤيتها وفكرها على باقي الطبقات، وتصير الأفكار السائدة هي أفكار الطبقة السائدة.
يتخذ الإعلام أيضا نفس هذه الوظيفة التقليدية للأيديولوجيا البورجوازية. يذهب ماكلوهان إلى أن الإعلام يجعلنا سكان قرية واحدة، وذلك نتيجة السرعة التي يتم بها نقل الأخبار والمعلومات، ونتيجة لانتشار وسائل الإعلام ووصولها إلى كل بقعة على الأرض، مما سهل الاتصال وقرب المسافات وعمل على انكماش المكان والزمان. وعلى الرغم من أن هذا يعد جانبا إيجابيا، إلا أنه يخفي جانبا سلبيا يتمثل في أن الإعلام بذلك يحمل نفس طابع كل خطاب أيديولوجي. صحيح أن الإعلام يحول العالم إلى قرية واحدة، إلا أن هذا يعني في نفس الوقت أنه قضى على الاختلافات والتمايزات الثقافية والحضارية بين الشعوب( )، ويعمل على إدماجها في ثقافة واحدة هي ثقافة الغرب بالطبع.
وعلى الجانب الآخر يلعب الإعلام على رغبة المرء في توكيد وإثبات ذاته، وذلك بأن يبعد الحياة اليومية عن ارتباطها بأي أبعاد سياسية واجتماعية، ويضفي عليها الطابع الخاص والشخصي؛ ويجعل الفرد متوهما بإمكانية تحقيق ذاته عن طريق امتلاك موضوعات استهلاكية، وفي نفس الوقت يقوم الإعلام بإقناع الناس أن تفردهم وهويتهم تضمنها الثقافة ككل، أي الثقافة باعتبارها إطارا حاويا للفرد يوفر له الشعور بالانتماء. والفرد بذلك يكون هو المتوافق والمنسجم مع ثقافته، أي مع النظام القائم، لا المختلف معه أو المعارض( ).
خاتمة – نقد الأيديولوجيا من الماركسية الهيجلية إلى ما بعد البنيوية:
لاحظنا مما سبق أن النقد المعاصر لأيديولوجيا الإعلام انتقل من الاعتماد على مفاهيم مرتبطة بفلسفة الوعي مثل الاغتراب والتشيؤ والوعي الزائف إلى الاعتماد على مجموعة أخرى من المفاهيم المرتبطة بفلسفة اللغة واللغويات والاتجاهات البنيوية وما بعد البنيوية مثل الدال والمدلول والعلامة والصورة والرمز. والحقيقة أن هذا الانتقال يعد انتقالا من نقد الأيديولوجيا المستند على ابستيمولوجيا ماركسية هيجلية والذي كان سائدا لدى ماركس ولوكاتش ومدرسة فرانكفورت وأخيرا بول ريكور، إلى إبستيمولوجيا أخرى مستندة على اتجاهات البنيوية وما بعد البنيوية، ومن أهم أعلامها جاي ديبور ورولان بارت وجان بودريار الذين تناولناهم في هذه الدراسة، وآخرين غيرهم مثل فوكو وإمبرتو إيكو وجاك دريدا. ويوازي هذا التحول تحولا آخر حدث في الفكر المعاصر من نموذج فكري يستند على فلسفة في الذات Philosophy of the Subject، إلى نموذج آخر يستند على فلسفة في اللغة، وهو ما يعرف بالتحول اللغوي Linguistic Turn. أدى هذا التحول إلى تغيير مماثل في موضوع الأيديولوجيا. فقد تحولت من تزييف للوعي إلى تزييف للعملية الإدراكية نفسها وللتعبير اللغوي عنها. فلم يعد التزييف يجري على العلاقة المعرفية بين الذات والموضوع بل على العلاقة البنيوية بين الدال والمدلول.
ومن هنا نستطيع القول بأن أعمال الاتجاهات البنيوية وما بعد البنيوية (التفكيكية – السيميولوجيا) تقدم نقدا جديدا للأيديولوجيا يختلف عن النقد الهيجلي الماركسي التقليدي، ويستند على إبستيمولوجيا مختلفة تماما ترجع بجذورها إلى علم اللغويات. هذا بالإضافة إلى أن السيميولوجيا وهي العلم الذي أسهم في تطويره بارت وبودريار وإيكو ذات إمكانات واعدة تمكننا من وضع نظرية جديدة في نقد الأيديولوجيا تضع في اعتبارها الوسط الإعلامي الذي تنتشر فيه الأيديولوجيا في عصرنا الراهن.


المراجع
أولا – المراجع الأجنبية:
• Barthes , Roland, Image, Music, Text. Translated by Stephen Heath. (New York: Noonday Press, 1978)
• Barthes, Roland, Camera Lucida: Reflections on Photography. Translated by Richard Howard. (New York: Noonday Press, 1982)
• Barthes, Roland, The Fashion System. Translated by Mathew Ward and Richard Howard. (London: Jonathan Cape, 1983)
• Baudrillard, Jean, “Fetishism and Ideology: The Semiological Reduction”, in For a Critique of the Political Economy of the Sign. Translated by Charles Levin. (St. Louis: Telos Press, 1981)
• Baudrillard, Jean: “The Evil Demon of Images’, in Thomas Docherty (ed.), Postmodernism. A Reader. (Britain: Harvester, 1993)
• Baudrillard, Symbolic Exchange and Death. Translated by Hamilton Grant. (London: Sage Publications, 1993)
• Baudrillard, The Consumer Society: Myths and Structures. (London: Sage Publications, 1998)
• Bell, Daniel, The Coming of Post-Industrial Society. (New York: Basic Books, 1973)
• Benhabib, Seyla, Critique, Norm, and Utopia. A Study of the Foundations of Critical Theory. (Cambridge: Cambridge University Press, 1986)
• Bourdieu, Pierre , Distinction. A Social Critique of the Judgment of Taste. Translated by Richard Nice. (Cambridge: Harvard University Press, 1984)
• Bourdieu, The Field of Cultural Production. (New York: Columbia University Press, 1993)
• C. Wright Mills, The Power Elite. (New York: Oxford University Press, 1959)
• Debord, Guy, Society of the Spectacle. (Canberra: Treason Press, 2002)
• Ellul, Jacque The Political Illusion. (New York: Alfred Knopf, 1967)
• Ellul, Jacque, Propaganda. The Formation of Men’s Attitudes. Translated by Konrad Kellen and Jean Lerner. (New York: Alfred Knopf Press, 1966)
• Hawks, David , Ideology. (London: Routledge, 1996)
• Lukacs, Georg : “Reification and the Consciousness of the Proletariat”, in History and Class Consciousness. Studies in Marxist Dialectics. Translated by Rodney Livingston (London: Merlin Press, 1971)
• Marx, Capital, Volume 3. Translated by David Fernbach. (London: Penguin Books, 1991)
• Marx, Karl and Frederick Engels, The German Ideology, in (www.marxists.org/archive/marx/works/1845/german-id)
• Marx, Karl, Capital, Volume I. Translated by Ben Fowkes. (London: Penguin Books, 1990)
• Marx: “Estranged Labor”, in The Economic and Philosophical Manuscripts, (www.marxists.org)
• McLuhan, Marshal Understanding Media: The Extensions of Man. (New York: McGraw Hill, 1965)
• O’Neill, John, Plato’s Cave. Desire, Power, and the Specular Functions of the Media. (New Jercy: Ables Publishing Corp., 1991).
• Parikh, Bhikhu, Marx’s Theory of Ideology. (London: Croom Helm, 1982)
• Plato, Republic. Books VI-X. Translated by Paul Shorey. (London: Harvard University Press, 1994)
• Ricoeur, Paul, Lectures on Ideology and Utopia. (New York: Columbia University Press, 1986)

ثانيا – المراجع العربية والمترجمة إلى العربية:
• جان فرانسوا ليوتار: الوضع ما بعد الحداثي. ترجمة أحمد حسان. دار شرقيات، 1994.
• رمزي زكي: وداعا للطبقة الوسطى. تأملات في الثورة الصناعية الثالثة والليبرالية الجديدة. دار المستقبل العربي، القاهرة 1997
• فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ. ترجمة حسين أحمد أمين. مؤسسة الأهرام للترجمة والنشر، 1994.
• كارل ماركس: رأس المال. الكتاب الأول (1) تطور الإنتاج الرأسمالي. دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر، دمشق 1956
• لويس ألتوسير: "الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية"، في: لويس ألتوسير وجورج كانغيليم: دراسات لاإنسانوية. ترجمة وتقديم سهيل القش. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت 1981

) Daniel Bell, The Coming of Post-Industrial Society. (New York: Basic Books, 1973).
) فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ. ترجمة حسين أحمد أمين. مؤسسة الأهرام للترجمة والنشر، 1994.
) جان فرانسوا ليوتار: الوضع ما بعد الحداثي. ترجمة أحمد حسان. دار شرقيات، 1994.
) كارل ماركس: رأس المال. الكتاب الأول (1) تطور الإنتاج الرأسمالي. دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر، دمشق 1956، ص 106.
) Georg Lukacs: “Reification and the Consciousness of the Proletariat”, in History and Class Consciousness. Studies in Marxist Dialectics. Translated by Rodney Livingston (London: Merlin Press, 1971), pp. 83 ff.
) Plato, Republic. Books VI-X. Translated by Paul Shorey. (London: Harvard University Press, 1994), book VII, pp. 119-121.
) John O’Neill, Plato’s Cave. Desire, Power, and the Specular Functions of the Media. (New Jercy: Ables Publishing Corp., 1991).
) لويس ألتوسير: "الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية"، في: لويس ألتوسير وجورج كانغيليم: دراسات لاإنسانوية. ترجمة وتقديم سهيل القش. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت 1981. ص 84.
) ألتوسير: المرجع السابق، ص 88-89.
) المرجع السابق، ص 96.
) Marshal McLuhan, Understanding Media: The Extensions of Man. (New York: McGraw Hill, 1965).
) Jacque Ellul, The Political Illusion. (New York: Alfred Knopf, 1967), p. 99.
) Ibid, p. 114.
) Ibid, pp. 96-98.
) لعالم الاجتماع الأمريكي رايت ميلز نفس هذه الوجهة في النظر، راجع في ذلك:
C. Wright Mills, The Power Elite. (New York: Oxford University Press, 1959), pp. 298-334 (passim).
) Ibid, P. 100.
) Ibid, P. 115.
) Ibid, P. 129.
) الحقيقة أن إيلول قد سبق بودريار في ملاحظة أن الواقع الذي تنقله وسائل الإعلام يتمتع بواقعية تفوق الواقع الحقيقي نفسه، إذ عبر إيلول بدقة عن المعنى الذي صاغ له بودريار مصطلح "الواقع الفائق" Hyperreality.
) Seyla Benhabib, Critique, Norm, and Utopia. A Study of the Foundations of Critical Theory. (Cambridge: Cambridge University Press, 1986), pp. 44 ff.
) Paul Ricoeur, Lectures on Ideology and Utopia. (New York: Columbia University Press, 1986), pp. X-XV, 3-5.
) David Hawks, Ideology. (London: Routledge, 1996), pp. 96-99.
) ماركس: رأس المال، سبق ذكره، ص 107-113.
) Jean Baudrillard: “The Evil Demon of Images’, in Thomas Docherty (ed.), Postmodernism. A Reader. (Britain: Harvester, 1993), p. 194.
) Ibid, p. 195.
) Guy Debord, Society of the Spectacle. (Canberra: Treason Press, 2002), p. 8.
) Ibid, pp. 8-9.
) Baudrillard, Symbolic Exchange and Death. Translated by Hamilton Grant. (London: Sage Publications, 1993), pp. 50-55.
) O’Neill, op. cit., p. 184.
)Karl Marx and Frederick Engels, The German Ideology, in (www.marxists.org/archive/marx/works/1845/german-id)
) Roland Barthes, Camera Lucida: Reflections on Photography. Translated by Richard Howard. (New York: Noonday Press, 1982), P. 6.
) Ibid, P.10.
) Roland Barthes, Image, Music, Text. Translated by Stephen Heath. (New York: Noonday Press, 1978), P. 17.
) Roland Barthes, The Fashion System. Translated by Mathew Ward and Richard Howard. (London: Jonathan Cape, 1983), pp. XI-XII.
) Jean Baudrillard, “Fetishism and Ideology: The Semiological Reduction”, in For a Critique of the Political Economy of the Sign. Translated by Charles Levin. (St. Louis: Telos Press, 1981), pp. 90-91.
) Karl Marx, Capital, Volume I. Translated by Ben Fowkes. (London: Penguin Books, 1990), pp. 163, ff.
) Jean Baudrillard: “Fetishism and Ideology”, op. cit, P.93.
) Jean Baudrillard: “Requiem for the Media”, in For a Critique of the Political Economy of the Sign, op. cit, pp. 169-172.
) Ibid, P.170.
) Ibid, P.177.
) Jean Baudrillard, Symbolic Exchange and Death. Translated by Ian Hamilton Grant. (London: Sage Publications, 1993), P.62.
) Baudrillard, The Consumer Society: Myths and Structures. (London: Sage Publications, 1998), pp.166-167.
) Ibid, P.124.
) Ibid, P.192.
) Marx: “Estranged Labor”, in The Economic and Philosophical Manuscripts, (www.marxists.org).
) Marx, Capital, Volume 3. Translated by David Fernbach. (London: Penguin Books, 1991), pp. 365-366, 1020-1021.
) Jacque Ellul, Propaganda. The Formation of Men’s Attitudes. Translated by Konrad Kellen and Jean Lerner. (New York: Alfred Knopf Press, 1966), pp.6-7.
) د. رمزي زكي: وداعا للطبقة الوسطى. تأملات في الثورة الصناعية الثالثة والليبرالية الجديدة. دار المستقبل العربي، القاهرة 1997، ص 27-28.
) Bhikhu Parikh, Marx’s Theory of Ideology. (London: Croom Helm, 1982), pp.36-38.
) للمزيد حول هذه النقطة راجع:
Pierre Bourdieu, Distinction. A Social Critique of the Judgment of Taste. Translated by Richard Nice. (Cambridge: Harvard University Press, 1984); Bourdieu, The Field of Cultural Production. (New York: Columbia University Press, 1993)
) O’Neill, Op, cit, P.180.
) Ibid, P.187.