الحذاء الفييتنامي: العمل اليدوي في عصر العولمة

أشرف حسن منصور
2009 / 12 / 18

الحذاء الفييتنامي
العمل اليدوي في عصر العولمة
(1)
كنت أسعى منذ يومين لشراء حذاء، يكون ممتازاً والأفضل في السوق والأجود من حيث الصنع. وعثرت على ماركة أمريكية عالمية (لن أذكر اسمها حتى لا يكون إعلاناً) غالية الثمن، وتعد من أغلى الماركات في السوق المصري كله. وبعد أن قارنت بين أسعار هذه الماركة في محلات مختلفة، استقر اختياري على محل منها، وقمت بانتقاء الموديل واللون الذي أرغبه. وعندما نظرت في الحذاء من الداخل وجدت مكتوباً عليه Made in Vietnam، "صنع في فييتنام"، وعبارة أخرى تقول Handmade، "صناعة يدوية". الشركة الأمريكية العالمية تنتج الحذاء في فييتنام نظراً لرخص العمالة هناك، ونظراً لأن الجودة العالية في صناعة الأحذية لا تتحقق إلا في الصناعة اليدوية.
يبلغ سعر الحذاء 600 جنيهاً مصرياً، وهو من أغلى الأنواع التي تباع في مصر. وليس هذا السعر سرقة أو مبالغة من البائع أو التوكيل، لأن سعره في السوق العالمي يبلغ 100 دولار.
إن هذا الحذاء باعتباره سلعة يعد شيئاً مادياً ظاهراً للعيان، تمسكه الأيدي وتلبسه الأقدام، وله سعر وعلامة تجارية أمريكية، ومصنوع صناعة يدوية فييتنامية. لكن هل هذه هي كل القصة؟ هل استطعنا في العبارة السابقة تحديد الهوية الحقيقية والكاملة لهذا الحذاء؟ أم أنه يخفي أكثر مما يُظهر؟ الحقيقة أنه من وراء هذا الحذاء، باعتباره موضوعاً مادياً وسلعة تُباع وتُشترى وتُستعمل، تكمن علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية خفية، ليس من السهل اكتشافها. إن السلعة تخفي أكثر مما تُظهر، ذلك لأن الدورة التجارية التي تمر بها تخفي السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تم إنتاجها فيها. ومجرد حضور السلعة في السوق يجعل المجتمع الذي أنتج هذه السلعة يختفي؛ وعلامتها التجارية وسعرها وشكلها يخفي وراءه العلاقات الاقتصادية التي ساهمت في إنتاجها. ففي السوق ينسحب المجتمع للوراء ويتلاشى، وفي السعر والعلامة التجارية يختفي البشر الحقيقيون الذين أنتجوا السلعة، مع ظروف حياتهم.
ولأن السلعة تخفي الحقيقة وراء وجودها المادي المباشر، فلنبحث فيما وراءها، عن شروط وظروف إنتاجها وعن الرحلة التي قطعتها حتى وصلت إلى المستهلك الأخير. لنبحث إذن وراء السلعة عن العمل البشري الذي صنعها بيديه، ووراء السعر عن رأس المال الداخل في إنتاجها، ووراء السوق الذي تباع فيه عن مجتمع الإنتاج الذي يحجبه هذا السوق، وعن العلاقات التجارية التي ساهمت في تسويقها.
(2)
إن هذا الحذاء يدوي الصنع وذو ماركة عالمية شهيرة. والمستهلك الذي يشتريه يريد اقتناءه لصناعته اليدوية ولماركته العالمية، لا لمجرد أنه متين وذو جودة عالية ويعيش طويلاً. والرغبة في اقتناء السلعة يدوية الصنع تعبير عن الرغبة في اقتناء كل ما هو مختلف ومتميز وأصيل. فالحذاء الذي صنعته اليد أكثر أصالة وتميزاً واختلافاً من الحذاء الذي صنعته الآلة. والاختلاف والتميز والأصالة ليست قيماً استعمالية Use Values، بل هي قيم رمزية Symbolic Values؛ وأهم قيمة رمزية لهذا الحذاء هي ماركته العالمية الشهيرة. وبالتالي فإن الاعتبارات الرمزية هي التي تكمن خلف القرار الشرائي، لا الاعتبارات الاستعمالية. والذي يرغب في اقتناء سلعة تتوافر فيها القيمة الرمزية العالية هو الذي ينتمي إلى شرائح معينة في المجتمع، تبدأ من المستويات العليا من الطبقة الوسطى. وليست القيمة الاستعمالية وحدها هي التي تجعل هذا الحذاء يباع ويكون له سوق رائج، بل القيمة الرمزية. لقد أصبحت القيمة الرمزية عنصراً تسويقياً أساسياً وحاسماً في كثير من السلع. ومعنى هذا أن نمط الإنتاج الحالي لا ينتج القيمة الاستعمالية وحسب، بل هو كذلك ينتج القيمة الرمزية،؛ إنه ليس نمطاً في إنتاج السلع وحسب Mode of Production، بل هو إنتاج لأنماط الاستهلاك Modes of Consumption ، أي ينتج الطرق التي تُستهلك بها السلع.
(3)
في الوقت الذي دخلت فيه دول شرق آسيا عصر الإنتاج الصناعي الموسع المستخدم للتكنولوجيا العالية، تبحث الشركات الأمريكية عن العمل اليدوي الرخيص، وتخلق في المستهلك الرغبة في اقتناء المصنوعات اليدوية كعنصر تنافسي تستطيع الوقوف به أمام الإنتاجية العالية للصين. فمن عجائب الزمان أن تتحول دول كانت نامية إلى عهد قريب مثل الصين وكوريا وماليزيا إلى عصر الإنتاج عالي التقنية، وتبحث فيه دول صناعية عريقة وصلت إلى عصر ما بعد الصناعة عن قيمة العمل اليدوي. والحقيقة أن السبب يكمن في سعي رأس المال نحو الربح في أي مكان وبأي وسيلة.
يقدم لنا هذا الحذاء نموذجاً مادياً حياً لعصر العولمة. فهو منتج برأسمال أمريكي وخامات آسيوية وعمالة فييتنامية ويباع للمستهلك المصري. وهو بذلك يعبر عن دورة عالمية لرأس المال Global Circuit of Capital؛ إذ يخلق رأس المال الأمريكي القيمة في فييتنام ويحققها في مصر؛ هذا الرأسمال يبدأ باعتباره رأسمال نقدي Money Capital يشتري المود الخام ويدفع أجور العمال، ثم يتحول إلى رأسمال صناعي Industrial Capital عندما توضع عناصر الإنتاج للعمل في المصنع، ثم يتحول إلى رأسمال سلعي Commodity Capital، عندما يتجسد في صورة كمية معينة من الأحذية، ورأسمال تجاري Commercial Capital عندما تضاف تكاليف نقلها وتخزينها ويُحسب ربحها التجاري وتُنقل من التوكيل المحلي الذي هو تاجر جملة إلى المحل الذي اشتريته منه الذي هو تاجر التجزئة، ويتحول كذلك إلى رأسمال مالي Finance Capital عندما تسهم الأرباح في دفع فائدة بنكية أو الالتزام باستيفاء حقوق حملة أسهم الشركة. وكل شكل من هذه الأشكال التي يتخذها رأس المال يتحقق في إقليم من أقاليم العالم: فييتنام، مصر، أمريكا؛ وهذه هي الدورة العالمية لرأس المال، التي تشهد تحولاته والتغير المستمر لأشكاله. إن رأس المال هو دورته، هو الحركة المستمرة التي إذا توقفت حدث ركود، وبالتالي أزمة للنظام كله.
(4)
لقد دفعتُ في هذا الحذاء مبلغ 600 جنيهاً، لكن كم يبلغ أجر العامل الفييتنامي الذي صنعه بيديه؟. من 50 إلى 60 دولار في الشهر، أي بمعدل دولارين في اليوم. يعد أجر العامل الفييتنامي من أدنى الأجور في العالم؛ إذ يتراوح ما بين 39 و70 دولار في الشهر حسب نوعية النشاط. فأدنى الأجور للعمالة الزراعية وتبلغ ما يعادل 39 دولار في الشهر، تليها أجور العامل في المشروعات الوطنية، تليها الأجور في المشروعات الأجنبية. وأعلى الأجور للعمالة الماهرة في المشروعات الأجنبية وتبلغ 70 دولار في الشهر؛ وهذه العمالة الماهرة هي القادرة على تشغيل الآلات؛ أما العامل الذي صنع الحذاء الذي أرتديه الآن فهو غير ماهر لأنه يعمل بيديه ولا يشغل آلة؛ ولذلك لا يتعدى أجره 60 دولار في الشهر. وحسب التصنيف العالمي للعمالة فإن العامل إما عامل يدوي ويسمونه غير الماهر Unskilled أو نصف الماهر Semiskilled، أو عامل ماهر Skilled. العامل غير الماهر هو الذي لا يتعامل مع الآلة أو الصناعة ذات التكنولوجيا العالية. وبالتالي فالعامل الفييتنامي الذي صنع حذائي عامل غير ماهر حسب التصنيف العالمي. فمقياس المهارة إذن هو القدرة على التعامل مع الآلة أو مع التكنولوجيا. أصبحت المهارة إذن في قدرة العامل على التكيف مع التكنولوجيا؛ أي أصبحت المهارة علاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، لا مهارة يحوز عليها العامل في ذاته. لكن قياس المهارة بالقدرة على التعامل مع التكنولوجيا مغالطة كبيرة؛ ذلك لأن المهارة الحقيقية في العمل اليدوي. دائماً ما تقلب علاقات الإنتاج الرأسمالية الواقع رأساً على عقب. إن العمال المشتغلين في صناعة هذا الحذاء هم العمال غير الماهرين من وجهة نظر التقسيم الرأسمالي للعمل، لكنهم هم الذين ينتجون السلعة التي تفخر بها الشركة الأمريكية لأنها يدوية الصنع؛ السلعة التي تحوز على قيمة أكبر من قيمة السلعة المنتجة عن طريق الآلة. الصناعة اليدوية هي الصناعة الماهرة عن جدارة، فالآلة لا تستطيع حتى الآن أن تشتغل على تفاصيل دقيقة في المنتج النهائي وهي الخاصة بالتشطيب الذي هو معيار الجودة الآن، فهذه لا تزال مهمة العامل اليدوي؛ إذا لم تكن العمالة اليدوية مهمة وذات شأن فلماذا نقلت شركة الأحذية الأمريكية نشاطها إلى فييتنام حيث العمالة اليدوية الرخيصة؟
إن هذا الحذاء، إذا صنعه العامل الأمريكي فلن تتمكن الشركة من تحقيق أرباح عالية، لأن أجر العامل الأمريكي هو من أعلى الأجور في العالم، كما أن هناك قيوداً قانونية ونقابية وضرائبية على تشغيل العمالة في أمريكا. أما في فييتنام فيصبح رأس المال الأمريكي أكثر حرية. لا يزال الربح يتحقق باستخدام العمالة الرخيصة. لكن ما الذي جعل العمالة الفييتنامية رخيصة؟ إن العامل الفييتنامي يعيش بالفعل على دولارين في اليوم، إذ يستطيع أن يشتري طعامه وطعام أسرته بهذين الدولارين؛ لأن الوجبة الأساسية للفييتنامي هي الأرز، وإنتاجية الأرز هناك عالية ووفيرة وتستطيع إطعام الملايين بأقل التكاليف؛ وباقي الخضروات كذلك رخيصة؛ بل إن الفقير في فييتنام إذا خرج ليمشي على حافة أحد الأنهار سوف يجد أنواعاً عديدة من النباتات الصالحة للطعام، مطروحة على قارعة الطريق مجاناًَ، وإذا كان لديه شبكة فيستطيع إلقائها في النهر ويخرج منها سمكاً يكفيه طعاماً ليومه. ومعنى هذا أن أسعار ضروريات الحياة في فييتنام، والوفرة الغذائية هناك، هي التي تمكن الشركة الأمريكية من توظيف عمال بدولارين؛ في حين أن العامل الأمريكي لا يستطيع شراء طعام يومه بدولارين. وهذا ما يجعل تكاليف تجديد إنتاج قوة العملThe Costs of the Reproduction of Labor Power في فييتنام رخيصة، أي تكاليف الغذاء والإعاشة التي تمكن العامل من البقاء على قيد الحياة لليوم التالي. الوفرة الغذائية وقلة أسعار الغذاء إذن هي ميزة نسبية تستغلها الشركة الأمريكية لصالحها.
والميزة النسبية هي الأفضلية التي تتصف بها منطقة إنتاجية وتتفوق بها على المناطق الأخرى، وتجعل إنتاجيتها لنفس السلعة أرخص، وبالتالي أكثر تنافساً. وفييتنام لا تحوز على أي ميزة نسبية في مجال الصناعة بالطبع، بل على ميزة نسبية في أهم عنصر إنتاجي وهو العمل البشري. وهذا ما يجعل نقل الصناعات الرأسمالية إلى الدول النامية مربحاً، وما يجعل لفييتنام أفضلية تنافسية عالية في سوق العمل الدولي. وهذه مفارقة أخرى؛ فالأفضلية التنافسية لفييتنام لا تستفيد منها فييتنام ذاتها ولا عمالها، بل الشركة الأمريكية العاملة هناك. والأفضلية التنافسية لفييتنام تأتي من فقر العامل الفييتنامي وقدرته على العيش على أجر الكفاف Subsistence Wage. إن فقر العامل أصبح ميزة تنافسية في عصر العولمة؛ إنها تنافسية الفقر!!.
ويوضح لنا التحليل السابق أن قانون الميزة النسبية الذي صاغه ريكاردو سنة 1817 لا يزال فاعلاً، بل لا تزال الرأسمالية تعمل وفقه. فلا جديد تحت شمس الرأسمالية، إذ هي محتفظة بنفس أسلوبها الذي كانت تعمل به منذ قرنين من الزمان. وهذا ما يفند كل النظريات الاقتصادية المعاصرة القائلة بأن تغييراً جذرياً قد حدث للرأسمالية في الخمسين سنة الأخيرة. لم يحدث أي تغيير، بل كل ما حدث هو أن قانون الميزة النسبية قد جرت عليه تحولات، لكنه لم يتوقف عن العمل. إن القوانين الاقتصادية الحاكمة لأسلوب الإنتاج الرأسمالي ثابتة منذ القرن التاسع عشر.
إن الأجر الذي يبلغ دولارين في اليوم يسمى أجر الكفاف Subsistence Wage. هذان الدولاران لا تدفعهما صناعة صغيرة في دولة نامية، بل تدفعهما مؤسسة صناعية أمريكية عملاقة عابرة للقارات. ومعنى هذا أن الرأسمالية العالمية لا تزال تستخدم نفس أسلوبها القديم في تحقيق الأرباح، أي أسلوب تحقيق الربح عن طريق الإقلال من أجر العامل؛ ولا يزال أجر الكفاف سائداً داخل الرأسمالية (لا خارجها كما ذهبت كثير من الدراسات الاقتصادية طوال القرن العشرين)، لا في الدول الصناعية المتقدمة بالطبع بل في العالم النامي الذي أصبح داخلاً في إطار رأس المال العالمي نتيجة العولمة. وتحقيق الأرباح عن طريق الإقلال من أجر العمال كان يسمى قديماً بــــ"إنتاج القيمة الزائدة المطلقة" The Production of Absolute Surplus Value. والذي أطلق هذه التسمية هو أحد أهم وأخطر علماء الاقتصاد في العصر الحديث؛ إنه كارل ماركس، في كتابه "رأس المال". القمية الزائدة هي القيمة التي يضيفها العامل على القيم الأصلية للمواد الخام والآلات المستخدمة والطاقة ورأس المال. فالعمل يشتغل على عناصر الإنتاج صانعاً منها منتجاً جديداً يحوز على قيمة أكبر من قيمة تلك العناصر. والعامل لا يتلقى بالطبع هذه القيمة الزائدة بل يتلقى أجره فقط، ويستحوز صاحب رأس المال على القيمة الزائدة التي تكون الأساس الذي يتحقق منه الربح والفائدة والإيجار العقاري. والقيمة الزائدة المطلقة هي التي تتحقق بالإقلال من أجر العامل أو إطالة يوم العمل إلى ما بعد الحد الضروري لإعادة إنتاج قوة العمل مع تثبيت أجر العامل. أما القيمة الزائدة النسبية Relative Surplus Value فهي التي تتحقق عن طريق زيادة إنتاجية العمل بالتكنولوجيا. اعتقد كثير من الاقتصاديين أن أسلوب إنتاج القيمة الزائدة المطلقة قد انتهى، وأن الأسلوب الوحيد لإنتاج القيمة الزائدة أصبح عن طريق رفع الإنتاجية؛ لكن ثبت خطأهم؛ ذلك لأن الرأسمالية تحقق الأرباح دائماً بالإقلال من الأجور، وأحياناً كثيرة بتسريح العمالة. لا تزال الرأسمالية معتمدة على إنتاج القيمة الزائدة المطلقة، عن طريق نقل صناعاتها إلى الدول ذات الأجور المتدنية.
(5)
هذا الحذاء أنتجه رأس المال الأمريكي العامل في فييتنام، رأس المال العابر للقارات والمحيطات، الذي يستطيع الاستثمار في أي مكان. يستطيع رأس المال الأمريكي دخول فييتنام وتوظيف عمالة فييتنامية؛ لكن هل يستطيع العامل الفييتنامي دخول أمريكا والعمل هناك؟ هل يعطي نظام العولمة الرأسمالية نفس الحرية لرأس المال وللعمل على السواء؟ لا بالطبع. فهناك قيود على الهجرة لأمريكا، وقيود على العمالة الأجنبية داخل أمريكا. وهذه هي حقيقة العولمة السائدة: إنها تعطي حقاً في الحركة لرأس المال فقط ولا تعطي نفس الحق للعمال. إن رأس المال وحده هو الذي تعولم، أما العمل فلا. والحق الذي يأخذه رأس المال لنفسه لا يعطيه لعماله. إنها عولمة النقود، عولمة المادة، لا عولمة الإنسان. ولذلك فالعولمة الحادثة الآن ليست عولمة متساوية ولا عادلة. لكن كيف يمكن للعمال أن يحصلوا على الحق الذي قصره رأس المال على نفسه؟ إن رأس المال لن يمنح ما يتمتع به من حقوق للعمالة من نفسه طواعيةً. العمال هم الذين عليهم أخذ هذا الحق بأنفسهم؛ وربما يستجيبوا في يوم ما لنداء "يا عمال العالم اتحدوا"!!. لكن رأس المال هو وحده المتحد الآن، فهو على وعي بمصالحه ويخطط لها، ولديه آلياته في العمل وأجهزته الإدارية الدولية: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية. أما العمل فليست لديه آليات الفعل والتخطيط الدولية التي لرأس المال؛ كما أنه ليس على نفس درجة وعي رأس المال بمصالحه المشتركة عابرة القوميات.
ماذا كان سيحدث لو كان العالم مفتوحاً للعمال كما هو مفتوح الآن لرأس المال؟ كان سيحدث ما يمكن أن نسميه عولمة عمالية، عولمة للقوى العاملة البشرية، وهي بالطبع عولمة إنسانية. والعولمة العمالية كان لها اسم قديم، اختفى الآن؛ فقد كانت تسمى "الدولية الاشتراكية" Socialist International. لكن ما الذي يقف عقبة في طريق عولمة قوى العمل البشرية؟ رأس المال نفسه هو الذي يقف عقبة في طريق عولمة العمل. فهو يعطي الحق لنفسه في الاستثمار أينما ووقتما يشاء؛ إنه يعطي لنفسه الحق في تحقيق أرباح عالية من العمالة الفييتنامية، وفي الوقت نفسه يمنع العمالة الفييتنامية من الاستفادة من سوق العمل الأمريكي. لقد أصبح الحق السائد الآن هو حق رأس المال في الاستثمار، حق المال في أن يولِّد المزيد من المال، حق الأغنياء في أن يزدادوا غنى؛ أما حق البشر في أن يعملوا ويطعموا أنفسهم وأولادهم فقد انزوى بعيداً؛ لكنه موجود مثل النار تحت الرماد، ويمكن أن يُبعث من جديد كما تُبعث العنقاء من النار المشتعلة.
(6)
إن هذا الحذاء، ولكونه يدوي الصنع، لا يدخل ضمن فئة السلع التي تُنتج إنتاجاً كمياً كبيراً Mass-Produced Commodities، المستخدم في إنتاجها آلات ذات إنتاجية عالية. فالشركة التي تنتجه تحقق مكاسبها لا بالبيع الكمي الكبير بل بالبيع المخصوص للمستهلك الذي يُقدِّر الصناعة اليدوية، صاحب القدرة الشرائية العالية والمستعد لدفع مبلغ من المال في حذاء. لكن من هو هذا المستهلك الذي يحوز على مزاج حذائي عالٍ؟ المستهلك الذي يُقدِّر الصناعة اليدوية ويعرف قيمتها في مجال صناعة الأحذية بالذات؟ ذلك الذي لديه رغبة في الحصول على صناعة يدوية عالماً أنها تتصف بالأصالة والتميز والاختلاف؟ إنه ليس أي مستهلك، إنه المستهلك المنتمي إلى شريحة طبقية معينة؛ والذي تجعله إمكاناته المادية يشتري أغلى حذاء في السوق. والواضح أن من ينفق 600 من الجنيهات على شراء حذاء ينتمي إلى الفئة التي تحقق دخلاً يفوق الثلاثين ألفا من الجنيهات في السنة؛ أي الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، مع الطبقة العليا ذاتها. وكذلك الحال بالنسبة للمشتري الأجنبي، فمائة من الدولارات يعد سعراً مرتفعاً لحذاء، حتى بالنسبة لمستوى الدخول في الغرب.
لكن العامل الفييتنامي هو من أفقر العمال في العالم. وهنا تكمن المفارقة: أفقر عمال العالم يصنعون بأياديهم سلعاً لأغنى المستهلكين في العالم؛ العامل يتلقى أدنى أجر صناعي في العالم، والمستهلك يدفع سعراً من أعلى الأسعار في العالم. واليد الخفية غير المنظورة التي تلعب خلف الستار وتقوم بدور الوسيط اللامرئي بين العامل الفقير والمستهلك الغني تسمى الرأسمالية العالمية. إنها الحاضر الغائب في نفس الوقت: الحاضر بترتيباته الاقتصادية والمالية والتجارية وتهيئته لمسرح الأحداث، الغائب بشخصه وجسمه ووجهه؛ لأنها ليست شخصاً وليس لها جسم أو وجه؛ إنها الظاهر بأفعاله، الغائب عن التحيز في مكان معين، لأنها في كل مكان. إنها كلية الحضور Omnipresent؛ وهي أيضاً كلية القدرة Omnipotent، لأن أياديها تصل إلى كل العالم، مُشكِّلة حياة المليارات من البشر؛ والحقيقة أنها مسئولة عن موت الكثيرين منهم أيضاً؛ إنها مسئولة عن الحياة والموت في الوقت نفسه؛ تحيي وتميت وبيدها الخير، والشر أيضاً!!. صحيح أن هذه الصفات تجعل منها كائناً ميتافيزيقياً مفارقاً، لكنها بدون وعي؛ تفعل في البشر مثل القضاء الأعمى والقدر الأهوج.
صحيح أن هناك انقسام طبقي عالمي، وأن الفجوة بين الأغنياء والفقراء تزداد اتساعاً، إلا أن الاثنين لا يعيشان في انفصال أو استقلال عن بعضهما البعض، بل يعيشان معاً في نفس العالم وتحت ظل نفس النظام الاقتصادي. لو كان الأغنياء يعيشون في محيطهم الاجتماعي والاقتصادي مكتفين بأنفسهم ومنعزلين، ولو كان الفقراء يعيشون أيضاً منعزلين وفق أوضاعهم البائسة، فلن تكون المشكلة كبيرة. لكن الحقيقة أن الفقراء يعملون من أجل الأغنياء، وهم فقراء لأن غيرهم غني، والأغنياء أغنياء على حساب الفقراء. إن الانقسام الطبقي لا يعني وجود تفاوت في الدخل وظروف المعيشة وحسب، بل يعني أن هناك طبقة تعيش على حساب أخرى.
(7)
لعل القارئ قد لاحظ أنني أستخدم مقولات اقتصادية تعد قديمة من وجهة نظر العلم الاقتصادي المعاصر، من مثل: الميزة النسبية، أجر الكفاف، تكاليف إعادة إنتاج قوة العمل، القيمة الزائدة المطلقة والنسبية، الانقسام الطبقي، الدولية الاشتراكية. ولعله لاحظ أيضاً أنها هي نفس المقولات التي استخدمها ماركس في تحليله لأسلوب الإنتاج الرأسمالي منذ قرن ونصف في كتابه "رأس المال" سنة 1867. وإن دل هذا على شئ فإنما يدل على أن نظرية ماركس الاقتصادية وما تحتويه من مقولات وجهاز مفاهيمي وأدوات تحليلية لا تزال صالحة الاستخدام حتى الآن، ولا تزال قادرة على وصف وتفسير آليات عمل النظام الرأسمالي في القرن الحادي والعشرين. يخطئ من يظن أن نظريات ماركس الاقتصادية قد فات أوانها أو لم تعد صالحة لدراسة الاقتصاد المعاصر، ذلك لأن الحذاء الذي اشتريته منذ أيام دليل حي على صحة التحليلات التي قدمها ماركس منذ قرن ونصف. أما من يقولون بأن النظرية الاقتصادية لماركس خاطئة لأن الاشتراكية فشلت، فهم لم يقرأوا كتابه "رأس المال". إن ماركس قد قدم شيئين: الأول هو دراسة للرأسمالية، والثاني هو توقع بتحول الرأسمالية إلى شكل تعاوني مجتمعي هو الاشتراكية. يمكن أن يكون ماركس مخطئ في توقعه بالاشتراكية، لكنه مصيب للغاية في دراسته للرأسمالية. النظرية الاقتصادية لماركس لم تكن ناجحة في التنبؤ بالاشتراكية، لكنها نجحت نجاحاً باهراً في تفسير أسلوب الإنتاج الرأسمالي.
د.أشرف منصور
المراجع

Karl Marx & Frederick Engels, "Manifesto of the Communist Party", in Selected Works. Volume I. (Foreign Languages Publishing House, Moscow 1955)
Marx, Karl, Capital. Vol. I. Translated by Ben Fowkes (London, Penguin, 1990)

• حول أجور العمالة الفييتنامية يمكن للقارئ الرجوع إلى المواقع الإلكترونية التالية:
http://www.pacificbridge.com/asianews.asp?id=401
http://www.corpwatch.org/article.php?id=13358