الفكر الاقتصادي لثورشتاين فبلن

أشرف حسن منصور
2009 / 10 / 24

مقدمة:
يسيطر على علم الاقتصاد منذ النصف الثاني من القرن العشرين اتجاه يسمى بالاقتصاد النيوكلاسيكي، وهو اتجاه يختزل العملية الاقتصادية إلى آليات السوق من عرض وطلب، وينظر إلى السوق على أنه مجال مستقل بذاته ومسيرا ذاته بذاته، عازلا بذلك أي تأثير من المجتمع أو بنائه السياسي؛ كما ينظر هذا الاتجاه إلى المجتمع ذاته على أنه ليس إلا ملحقا للسوق، ويقدم توصياته بحيث يتم تنظيم المجتمع بكيفية تضمن استقلال السوق وسيره وفق قوانينه الخاصة التي يعتقد في انفصالها عن البناء الاجتماعي. وقد تحول الاتجاه النيوكلاسيكي في الاقتصاد إلى عقيدة ورؤية للعالم تبنتها المنظمات المالية والسياسية الدولية من الأمم المتحدة إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وكانت هذه العقيدة هي ما يكمن تحت برامج التحرير الاقتصادي والخصخصة والتحول إلى اقتصاد السوق الحر والتي فرضتها تلك المنظمات الدولية على العالم النامي والدول الاشتراكية السابقة.
ونشأ الاتجاه النيوكلاسيكي من أعمال عدد من علماء الاقتصاد المنتمين إلى جنسيات متعددة، وظهرت أعمالهم في فترات متقاربة تمتد عبر العقود الثلاثة الأخيرة من القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين. وقد تعرض هذا الاتجاه إلى انتقادات عديدة من قبل اتجاهين، الماركسي والكينـزي. والحقيقة أن الانتقادات الماركسية والكينـزية قد سبقها نقد مختلف لا هو بالماركسي ولا بالكينـزي، وهو النقد الذي وجهه عالم الاقتصاد والاجتماع الأمريكي ثورشتاين فبلن Thorstein Veblen(1857-1929) ابتداء من 1896، بل إن فبلن هو الذي أطلق اسم " الاقتصاد النيوكلاسيكي" كتحديد منه لهوية ذلك الاتجاه الجديد الذي كان قد بدأ في الظهور في عصره. وبوعي كامل بأعمال الاقتصاديين النيوكلاسيك وبطبيعة الاقتصاد في عصره وضع فبلن تحليلات اقتصادية يكشف فيها عن أخطائهم وتحيزاتهم الأيديولوجية ويكشف في نفس الوقت عن آليات الاقتصاد في عصره. ونحاول في هذه الدراسة إعادة اكتشاف فبلن باعتباره أحد أهم نقاد الاقتصاد والتظرية الاقتصادية في القرن العشرين.
تغطي كتابات فبلن مجالات الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتعليم. واشتهر بكتابه "نظرية الطبقة المترفة" The Theory of the Leisure Class (1899)، حيث قدم فيه تحليلا لظهور فئة في المجتمع تؤهلها إمكاناتها المادية لأن تعزل نفسها عن الأعمال الشاقة وتعيش نمطا استهلاكيا وترفيا في الحياة، وتتبوأ المكانة العليا في مجتمعها وتضع لكل الطبقات الأخرى معاييرها في التفضيل الجمالي وأسلوبها في قضاء وقت الفراغ وأسلوب الإنفاق الترفي على المظاهر.
وعلى الرغم من اشتهار فبلن بهذا الكتاب إلا أنه لم يكن أهم مؤلفاته، فقد ساهم في علم الاقتصاد بكتابه الهام "نظرية مشروع الأعمال" The Theory of Business Enterprise (1904) و الذي نفضل ترجمته بـ"نظرية المشروع الاستثماري"، وساهم أيضا في تحليل النظام الاقتصادي المعاصر بكتابيه"المصالح المكتسبة ورجل الشارع" The Vested Interests and the Common Man (1914) و"المهندسون ونظام الأسعار" The Engineers and the Price System (1921)، كما أسهم في تحليل أحداث عصره الذي شهد الحرب العالمية الأولى بكتابيه "ألمانيا الإمبريالية والثورة الصناعية" Imperial Germany and the Industrial Revolution (1915)، و"بحث في طبيعة السلام وسبل إدامته" An Inquiry into the Nature of Peace and the Ways of its Perpetuation (1917). وعبر أخيرا عن مجمل مواقفه السياسية والاقتصادية في أحد أهم مؤلفاته: "الملكية الغيابية والمشروع الاستثماري" Absentee Ownership and Business Enterprise (1923). وقد تعرضت هذه المؤلفات للتجاهل من قبل كثير من المفكرين لما فيها من نقد حاد للنظام الرأسمالي ولما تحويه من أفكار راديكالية.
وتقع نظريات فبلن الاقتصادية والسياسية عند نقاط تقاطع علوم الاقتصاد والاجتماع والسياسة، ويرجع ذلك إلى أنه لم يتقيد بالحدود الضيقة المصطنعة للعلوم الاجتماعية، ولذلك يُصنَّف فبلن على أنه عالم اجتماع في أحيان وعلى أنه عالم اقتصاد في أحيان أخرى؛ وكثيرا ما تجاهله علماء الاقتصاد بحجة أنه عالم اجتماع وتجاهله علماء الاجتماع بحجة أنه عالم اقتصاد.
شهدت أعمال فبلن إذن تجاهلا مضاعفا من قبل أصحاب كل تخصص؛ وترجع أحد أسباب ذلك إلى الصعوبة التي تواجه كل من يحاول نقد آراء فبلن أو مخالفتها، فاتجاهه الراديكالي يجعل مُخالِفه ينضم بسهولة إلى الاتجاه المحافظ بل والرجعي فيما يخص قضايا المجتمع. كذلك فإن ما يتصف به أسلوب فبلن من سخرية لاذعة ونزعة تهكمية جعلت مناقشة أفكاره صعبة على من يرفضها منذ البداية، فلا يمكنك أن تخالف فبلن دون أن تنضم أنت نفسك إلى الفئة التي يسخر منها. إن فبلن يوجه انتقاداته للطبقة المترفة وإنفاقها الترفي الإهلاكي، ولرجال الأعمال ومصالحهم الربحية، ولرجال السياسة الذين يعملون في خدمة رجال الأعمال في ظل وهم الديمقراطية، ولعلماء الاقتصاد المعاصرين الذين يكيفون علمهم ليناسب المصالح الربحية المالية لرجال الأعمال، ولذلك فمن الصعب مخالفة آراء فبلن لأن المخالف بذلك يضع نفسه موضع المدافع عن نفس تلك الفئات التي ينقدها فبلن.
وتتمثل أهمية فبلن في مجال الاقتصاد السياسي في أنه من أوائل نقاد "الاقتصاد النيوكلاسيكي" Neo-Classical Economics ، وهو أول من أطلق هذا الاسم على النظريات الاقتصادية لكارل منجر Menger (•) ووليام ستانلي جيفونز Jevons وليون والراس Walras وألفريد مارشال Marshal وكلارك Clark ( 1) ، إذ رصد لدى هؤلاء الاستمرار في التمسك بالنـزعة الفردية والنفعية للكلاسيك وتطويرها إلى نظرية المنفعة الحدية Marginal Utility Theory، وبعقيدة السوق الحر وحق الملكية الخاصة باعتباره حقا طبيعيا، وباستقلال الاقتصاد عن المجتمع والدولة؛ وضع فبلن التسمية واستعارها بعد ذلك كل من كتبوا في تاريخ الفكر الاقتصادي، حتى أن النيوكلاسيك أنفسهم أصبحوا يطلقون على أنفسهم هذه التسمية التي وضعها فبلن على سبيل النقد وفي سياق الهجوم عليهم.
كما يعد نقد فبلن للاقتصاد النيوكلاسيكي أول نقد يوجه له، إذ قدمه وقت أن كانت نظريات النيوكلاسيك في بدايات تكونها، كما سبق النقد الماركسي للنيوكلاسيك من قبل بوخارين وكاوتسكي وهلفردنج.
ولم يكتف فبلن بالنقد، إذ خرج عن التقليد النظري لعلماء الاقتصاد الكلاسيك والنيوكلاسيك في معالجة العالم الاقتصادي على أنه يتكون من منتجين يتنافسون في سوق حر مفتوح، وأتى بتحليلات جديدة للتطورات الاقتصادية في عصره تكشف عن تعاظم دور المعاملات المالية والقائمين عليها من رجال أعمال ومستثمرين ورجال بنوك، وبداية ظهور الاحتكارات وقضائها الفعلي على مبادئ حرية السوق، وتوجيه الدولة في الغرب من قبل رجال الأعمال من أجل مصالحهم الربحية واستخدامهم للدولة لتنفيذ أهداف إمبريالية تخدم مصالحهم الدولية خارج مجال الدولة القومية. وكان في ذلك أيضا سابقا على التحليلات الماركسية لهلفردنج في "رأس المال المالي" Finance Capital وبوخارين في "الإمبريالية والاقتصاد العالمي"، ولينين في "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" ( 2) .
أولا- سوسيولوجيا فبلن: المؤسسة والعادة
يعد فبلن مؤسس نوع جديد من العلم الاقتصادي وهو الاقتصاد المؤسسي Institutional Economics (3 )، وهو يختلف عن الاقتصاد الكلاسيكي والنيوكلاسيكي في أنه ينظر إلى الاقتصاد على أنه جزء من المجتمع، ويربط كل ما يحدث في عالم الاقتصاد بالتغيرات السياسية والاجتماعية المصاحبة له. والمؤسسة لديه هي نظام اجتماعي يضع للفرد الإطار الذي يجب أن يقوم فيه بأفعاله، مثل نظام الملكية الخاصة أو نموذج رائد الصناعة Captain of Industry أو نموذج مقاول الأعمال Entrepreneur أو الطبقة. كما أن عادات الأفراد وتوارثها بين الأجيال هي ما يضمن للمؤسسة الاستمرار وإعادة إنتاج ذاتها. والمؤسسة عند فبلن هي مجموعة من المعايير والقيم التي يتم إنتاجها واستدماجها من قبل الأفراد بفعل العادة؛ وهذه المؤسسة تشكل دافعا وموجها لسلوك الأفراد، وبالتالي فإن اختيارات الأفراد ليست أصلية أو طوعية أو إرادية بالكامل ولا يمكن أن تكون متغيرا مستقلا يقام على أساسها نظرية اقتصادية. وفبلن بذلك يخالف الكلاسيك والنيوكلاسيك في نظرتهم إلى الاقتصاد على أنه يستند على الفعل الفردي والمبادرة الفردية في حالة مقاول الأعمال Entrepreneur ، والاختيار الفردي الحر في حالة المستهلك مما ينتج سوقا حرا. إن أنسب بداية لصياغة نظرية اقتصادية لدى فبلن ليست سلوك الأفراد بل الأطر الاجتماعية والثقافية التي تفرض على الأفراد سلوكهم، أي السياق المؤسسي Institutional Context للفعل الفردي.
والاقتصاد لدى المؤسسيون ليس مجالا مستقلا بذاته ومسيَّرا ذاته بذاته بمعزل عن محيطه الاجتماعي، بل إن علاقة الاقتصاد بالإطار الثقافي والاجتماعي الذي يوجد فيه هي علاقة تفاعل متبادل. وابتعد المؤسسيون عن التركيز على السوق وآلياته باعتباره المحدد الأساسي للسلوك الاقتصادي واهتموا بالنظم القانونية والسياسية التي يعمل الاقتصاد في إطارها•، فالمجتمع وما يحويه من ثقافة وأعراف وعادات مع تجسدها في شكل قانوني يعد المؤثر الأكبر في الفعل الاقتصادي لا السوق بآلياته العمياء.
كما يهتم المؤسسيون بالجانب التاريخي من الظاهرة الاقتصادية، إذ يعملون على رصد التطور التاريخي للنظام الاقتصادي موضوع الدراسة ملحقين أهمية قصوى للتفسير التاريخي. والتاريخ الذي يرصدونه ليس مقتصرا على التاريخ الاقتصادي للظاهرة الاقتصادية بل يشمل تاريخها الاجتماعي كذلك، أي كيفية نشأتها وتطورها من داخل المجتمع نفسه، وذلك في مقابل النـزعة اللاتاريخية للكلاسيك والنيوكلاسيك الذين نظروا إلى الاقتصاد بمعزل عن تطوره التاريخي وارتباطه بتاريخ المجتمع. وكان المؤسسيون في ذلك متأثرين بالمدرسة التاريخية الألمانية في علم الاقتصاد German Historical School ، وتمثل إسهامهم في استيعاب رؤية هذه المدرسة وتطبيقها على الاقتصاد الأنجلوأمريكي الذي يعد من أكثر أنواع الاقتصاد استعصاء على التحليل التاريخي. لقد كانت المدرسة التاريخية الألمانية تطبق منهجها التاريخي على الاقتصاد الألماني بصفة أساسية وعلى بعض المراحل الاقتصادية التي يتضح فيها أثر البعد التاريخي مثل مرحلة الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية في أوروبا، والمرحلة المركانتيلية وبداية ظهور الرأسمالية في ألمانيا والتي كانت مرتبطة بالتطور التاريخي الألماني، أما تطبيق المنهج التاريخي على الرأسمالية الأمريكية فهو في غاية الصعوبة، فالولايات المتحدة بدون تاريخ، كما أن المهاجرين الأوروبيين الأوائل إليها قد قطعوا كل صلات تاريخية لهم مع أوروبا، وبذلك لم تمر الولايات المتحدة بمراحل تاريخية من التطور بل ولدت في لحظة من الزمان، ولم تشهد تعقدا طبقيا يضرب بجذور عميقة في التاريخ مثل الذي شهدته أوروبا. وعلى الرغم من هذا فقد قبل المؤسسيون التحدي وشرعوا في تبني المنهج التاريخي في دراستهم للاقتصاد الأمريكي، وفي ذلك كان يوجههم مبدأ تاريخيا سبق وأن ظهر لدى المدرسة التاريخية الألمانية، ولدى ماركس وهيجل من قبلها، وهو أن الظاهرة التي تبدو أنها لاتاريخية، أي لا تخضع لقوانين التطور التاريخي، هي ذاتها نتاج التاريخ، أي أن اللاتاريخية منتج تاريخي في حد ذاته، لأن أسبابا تاريخية معينة هي التي تؤدي بظاهرة ما لأن تنعزل عن التاريخ (•) .
أما الجانب الثاني من سوسيولوجيا فبلن فهو ما يسميه "العادة" Habit وتشير إلى الأسلوب الذي يقوم به الناس بأفعالهم في حياتهم اليومية، ذلك لأن الناس لا يواجهون بمواقف الاختيار الحر دائما، والسائد أنهم يقومون بأفعالهم بأسلوب اعتادوا عليه نتيجة التنشئة الاجتماعية والتربية والثقافة والقيم السائدة. ويكشف فبلن عن علاقة جدلية بين المؤسسة أو النظام الاجتماعي والعادة، ذلك لأن النظام الاجتماعي هو مصدر السلوك الاعتيادي للأفراد، وفي نفس الوقت تسهم هذه العادة في إعادة إنتاج المؤسسة أو النظام الاجتماعي باستمرار وبقائها لدى الأجيال الجديدة. والعادة عند فبلن ليست مقتصرة على السلوك، بل هناك عادات فكرية أيضا Habits of Thought وهي القوالب الفكرية الجاهزة التي يفكر بها المجتمع، مثل عادات التفكير الديني مثلا، أو الخطابة السياسية عن الحقوق الفردية والمساواة ( ) ، أو التفكير في الاقتصاد من منطلق آليات السوق وقوانينه الطبيعية والتي تعد أيديولوجيا أكثر منها وصفا واقعيا لحقيقة الاقتصاد، أو الاعتقاد في أن الاقتصاد يسيره نوع فاعل ونشط من الأفراد المبادرين والمخاطرين الذين يطلق عليهم اسم "مقاول الأعمال" Entrepreneur ، في حين أن الاقتصاد تتحكم به محددات اجتماعية وتاريخية موضوعية ليس للأفراد دخل فيها، إلا أن التحيز الفردي للاقتصاد السائد هو الذي يجعله يلحق الأهمية القصوى بهذا النوع من الأفراد الذي انتهى عصره ودوره، لكن يظل يحتل أهمية وهمية نتيجة سيطرة العادة الفكرية على علماء الاقتصاد والخطباء السياسيين.
ينجح فبلن بمفهومي المؤسسة والعادة في تجاوز المشكلة التقليدية للعلم الاجتماعي المتعلقة بثنائيات الفعل الفردي Action والبناء الاجتماعي Structure ، والفرد والمجتمع. إنشغل المفكرون الاجتماعيون طويلا بهذه الثنائية وبكيفية الإجابة على أسئلة من نوع: كيف ينتج المجتمع عن الأفراد وأفعالهم الجزئية، وكيف يشرط المجتمع الأفعال الفردية ثم تعمل نفس هذه الأفعال على خلق المجتمع؟ تحل سوسيولوجيا فبلن هذه الإشكالية بالقول أن النظام الاجتماعي هو بالفعل من صنع الأفراد، لكنه ليس من صنع أفعالهم الحرة الإرادية، بل من صنع العادات التي يمارسونها بتلقائية، وهذه العادات في حد ذاتها نتاج النظم الاجتماعية التي يجد الأفراد أنفسهم منغمسين فيها. وقد عاد الحل الذي قدمه فبلن لإشكالية العلاقة بين الفعل الفردي والمجتمع إلى الظهور على يد عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو Bourdieu ، فما يسميه فبلن بالعادة يسميه بورديو الطبع الاجتماعي Habitus ، وما يسميه فبلن المؤسسة Institution يسميه بورديو المجال الاجتماعي Field (• ).
ثانيا-نقد الاقتصاد النيوكلاسيكي:
1. عناصر الإنتاج:
درج الاقتصاد السياسي النيوكلاسيكي، متبعا في ذلك الكلاسيك، على تقسيم عناصر الإنتاج إلى الأرض والعمل ورأس المال. إن هذا التقسيم في حقيقته أيديولوجي، إذ يذهب فبلن إلى أنه مبني على مصادر الدخل الثلاثة: الإيجار العقاري بالنسبة للأرض، والأجر بالنسبة للعمل، والأرباح بالنسبة لرأس المال، والاقتصاد السياسي بذلك يقسم عناصر الإنتاج حسب أنواع الدخل التي تنتج عنها، وهو بذلك يضع اهتمامه في مصادر الدخل ويحدد على أساسها عناصر الإنتاج. وهذا التقسيم لا يشمل العلم والتكنولوجيا اللذان أصبح لهما الدور الأساسي في الاقتصاد المعاصر ( 4) ، والتأثير الحاسم الذي يفوق أي عنصر من عناصر الإنتاج الثلاثة التي بحثها علم الاقتصاد. لم يضع علم الاقتصاد العلم والتكنولوجيا من بين عناصر الإنتاج لأنه لم ير لهما ربحا مباشرا، إذ أن فوائدهما دائما ما تكون غير مباشرة وتتطلب وقتا كي تتحقق في شكل تجديد وسائل الإنتاج. هذا بالإضافة إلى أنهما ليسا خاضعين للملكية الخاصة مثلما تخضع الأرض والعمل ورأس المال، في حين يهتم علم الاقتصاد بصفة أساسية بعناصر الإنتاج القابلة للاستحواذ الخاص خدمة للربح الخاص.
ويكشف فبلن عن عدم دقة الاقتصاد النيوكلاسيكي فيما يخص مفهومه عن رأس المال، إذ يبدأ كلارك بتعريف لرأس المال على أنه سلع رأسمالية تسهم في الإنتاج مثل المواد الخام والآلات، ثم يذهب إلى أن رأس المال هو أيضا النقد المستخدم في شراء هذه السلع وفي تعويض التالف من الآلات، أو في تحويل رأس المال من صناعة إلى أخرى، وعندئذ لا يعد رأس المال هو العناصر الإنتاجية بل يصبح رأسمالا سائلا في صورة نقد (5 ) . لم يتمكن كلارك من إدراك الطبيعة المزدوجة لرأس المال لأنه لم يستطع التمييز بين الدورة الإنتاجية والدورة النقدية لرأس المال. والنقد لا يتمكن من التحول إلى رأس مال ثابت من آلات ومواد خام إلا بفضل نظام اجتماعي يسمح للمال الخاص أن يستحوذ على عناصر الإنتاج ويستخدمها لجني الربح الخاص.
2. نظرية سيادة المستهلك:
يتناول فبلن نظرية سادت لدى النيوكلاسيك وهي "نظرية سيادة المستهلك" Consumer Sovereignty ، والتي تعرف أيضا باسم "نظرية سلوك المستهلك" Consumer Behavior ، وتنص على أن الهدف النهائي لنظام الإنتاج هو بيع السلعة للمستهلك، وبذلك يكون هو النقطة الأخيرة والمحطة النهائية لكل العملية الاقتصادية. والسعر يتحدد بناء على درجة احتياج المستهلك للسلعة، وبالتالي تتحدد تكاليف الإنتاج بناء على السعر الذي يقبل أن يدفعه المستهلك. المستهلك بقراره الشرائي هو الذي يحدد كل عملية الإنتاج، وبذلك تكون له السيادة.
ويوجه فبلن نقده لهذه النظرية ذاهبا إلى أن المستهلك في ظل الإنتاج الصناعي ليست له تلك السيادة المدعاة، لأنه مجبر على تطويع احتياجاته مع ما يطرحه الإنتاج، إذ تتعرض السلع الاستهلاكية لتوحيد المقاييس Standardization ، وعلى المستهلك أن يتكيف معها، وسلوكه تابع دائما لهذه العملية ولكل تجديد أو تغيير في السلع، وليس سلوكه مستقلا أبدا تجاه الانقلابات التي تحدثها فنون الإنتاج على السلع. يقول فبلن عن السلع: "إن درجتها ودوامها ومستواها وتتابعها ليس مسألة اختيارية لدى الأفراد، بل إن العملية الإنتاجية هي المتحكمة في ذلك، إذ تجبر السلع وبالتالي منتجيها ومستهلكيها معا على الالتزام بمقاييس واحدة.. ثم تأتي بعد ذلك مرحلة من التنميط والتحول الآلي لتفاصيل الحياة اليومية ".(6 ) لا معنى بعد ذلك للحديث عن حاجات بشرية أولية سائدة لدى كل الأفراد، فالحاجات أصبحت خاضعة لما تقدمه الصناعة من سلع.
إن فكرة سيادة المستهلك خرافة، لأن السيادة الحقيقية للمؤسسة الاحتكارية وما تنتـجه من سلع. ليس المستهلك سوى نتاج الممارسات التسويقية للشركات من دعاية وإعلان وما يصاحبها من دراسات في علم النفس وعلم التسويق ( 7) . عندما يتحدث النيوكلاسيك عن سيادة المستهلك ويتخذونه النقطة الأساسية للتحليل الاقتصادي فهم بذلك يسيرون في نفس الطريق الأيديولوجي الذي رسمه النظام الرأسمالي، إذ يتم نفاق المستهلك وإيهامه بأنه هو السيد. إن اتخاذ المستهلك عنصرا أساسيا في التحليل يعني أن النيوكلاسيك قد أخذوا صنيعة أيديولوجية زائفة للنظام الرأسمالي كمبدأ في التحليل. صحيح أن المستهلك موجود بالفعل، وصحيح أن سلوكه قابل لأن يقاس ويحلل، إلا أنه السطح الظاهري الأيديولوجي للمجتمع الرأسمالي كما ذهب ماركس من قبل، لا حقيقته الباطنة.
ويوضح فبلن أن نظرية سلوك المستهلك تكشف عن التحيز الفردي للاقتصاد النيوكلاسيكي ونزعته النفعية، ويقول في ذلك: إن نظرية دقيقة للسلوك الاقتصادي لا يمكن استقائها من الفرد ببساطة، حتى للأغراض الإحصائية –كما هو الحال في اقتصاديات المنفعة الحدية- لأنها لا يمكن أن تـُستنج بمفردات الطبيعة البشرية؛ ذلك لأن الاستجابة التي تشكل السلوك الإنساني تحدث في ظل معايير مؤسسية (إجتماعية) وتحت مثير ذو طابع مؤسسي" ( 8). ينقد فبلن في هذا النص الآتي:
1. رد الأداء الاقتصادي إلى سلوك الأفراد.
2. النظر إلى سلوك الأفراد على أنه يصدر عن طبيعة بشرية سابقة في وجودها على المجتمع ومؤسساته.
3. تصوير هذه الطبيعة البشرية على أنها نفعية وأنانية.
4. تجاهل السياق المؤسسي أو الاجتماعي الذي يشرط السلوك الفردي ويشكل له مثيرا.
5. اعتماد سلوك الأفراد باعتباره دالة إحصائية بحجة أنه يمكن حصره وقياسه، حيث يقام على هذه الدالة نظرية في الأداء الاقتصادي لمجتمع بأكمله.
وبناء على أن سلوك المستهلكين يمكن حصره وقياسه فقد وجدت ظاهرة ترييض الاقتصاد Mathematization of Economics طريقها لعلم الاقتصاد الحديث. إن هذه الظاهرة مستندة هي الأخرى على أيديولوجيا سلوك المستهلك. إذا كان المستهلك يكشف في سلوكه عن انتظام ما يمكن حصره وقياسه والتعبير عنه بالأرقام ولغة المعادلات الرياضية فما ذلك إلا لأن سلوكه خاضع هو نفسه للتقنين والسيطرة الإعلامية ولنظم إدارة السوق في الشركات الكبرى. هذه النظم تضع للأفراد قواعد تفرض عليهم قيامهم بسلوك المستهلك، وبالتالي فليس سلوك المستهلك مبدأ أوليا يمكن الانطلاق منه للتحليل الاقتصادي، لأنه نتاج النظام الذي ينبغي دراسته.
ما لم ينتبه إليه النيوكلاسيك وهم يصيغون نظرية سلوك المستهلك أن هذا المستهلك هو في نفس الوقت منتج ( 9) ، إنه ينخرط في إنتاج نفس السلع التي يستهلكها. فسواء كان المرء منشغلا بعمل إنتاجي أو خدمي فهو يساهم بنصيب في مجموع ثروة المجتمع كله، لأن العمل في ظل العصر الصناعي عمل اجتماعي يسهم فيه الكل. الفرد منتج ومستهلك في نفس الوقت، لكن يعتم علماء الاقتصاد على هذه الحقيقة ويعزلون جانب الإنتاج من الفرد ولا يركزون إلا على كونه مستهلكا، أي يستبعدون ثلاثة أرباع ساعات يقظة المرء التي يقضيها في الإنتاج ويركزون على الساعة الواحدة التي يكون فيها مستهلكا. إذا نظرنا إلى أفراد المجتمع على أنهم منتجين ومستهلكين في نفس الوقت فسوف يتبين أن من حقهم نصيبا أكبر من السلع التي ينتجونها، لأن ما يحصلون عليه من سلع لا يتناسب مع الكمية التي ينتجونها.
3. نظرية المنفعة الحدية:
تذهب نظرية المنفعة الحدية Marginal Utility Theory إلى أن أول وحدة من السلعة تحوز على أعلى قيمة، إذ يكون الاحتياج لها شديدا وبالتالي يكون سعرها أعلى، ويقل احتياج الفرد مع الوحدة الثانية والثالثة من نفس السلعة، وبالتالي تقل قيمة كل وحدة زائدة حتى نصل إلى وحدة أخيرة تحوز على أقل نفع وبالتالي أقل سعر ممكن تصوره. ويقول النيوكلاسيك أن الإنتاج ينظم حسب أقل سعر وفقا لهذه النظرية. لكن يخلط النيوكلاسيك بذلك مجال الإنتاج مع مجال التوزيع. إن نظرية المنفعة الحدية يمكن أن تكون صحيحة ونافعة لتاجر التجزئة، لكنها لا تصلح أساسا لصياغة نظرية اقتصادية. إنها تصلح لتفسير سلوك البقال، لكنها لا تصلح لتفسير سلوك المنتج. يذهب فبلن إلى أنه من الصحيح أن فائدة الوحدات المتتالية لنفس السلعة تتناقص، لكن هذا لا ينطبق إلا على المستهلك وفي حالات خاصة، ولا ينطبق على المنتج.
إذا كانت كل وحدة جديدة من نفس السلعة تقل في منفعتها عن الوحدة السابقة لدى المستهلك، فإن المنتج تزيد لديه قيمة كل عنصر جديد مضاف لعملية الإنتاج ( 10). لكن يطبق النيوكلاسيك المنفعة الحدية على الإنتاج ويقيمون نظرية في الإنتاج الحدي، ويعتقدون أن كل عامل مضاف إلى العمال السابقين يكون إسهامه أقل في الإنتاج وبالتالي يكون أجره أقل، وهم بذلك يبررون خفض الأجور بحيلة نظرية. في العالم الحقيقي يتم خفض الأجور لا لأن إسهام العامل المضاف يكون أقل من سابقه بل للمحافظة على هامش ربح مناسب لرأس المال. ويتم التعبير عن المحافظة على الأرباح في علم الاقتصاد لا بنفس الاسم الصريح بل بإسم آخر يصرف النظر عن الربح ويوجه الانتباه للسعر، إذ تصبح "المحافظة على الأرباح" "محافظة على الأسعار" Maintaining Prices ، لأن المحافظة على الأسعار السائدة يضمن المحافظة على الأرباح التي حددها رجال الأعمال.
يكشف فبلن عن مسلمة ضمنية في نظرية المنفعة الحدية بتناوله لصيغتها لدى المدرسة النمساوية وخاصة لدى مؤسس المدرسة كارل منجر Menger ، إذ افترضت أن المنتج بائع مباشر للمستهلك، والشاري مستهلك مباشر وأخير للسلعة. وهذا في نظر فبلن يلغي دور السوق وينظر إلى المعاملات النقدية على أنها مجرد وسيط للتبادل، وبالتالي تأتي نظرية المنفعة الحدية وتقول أن سعر السلعة، بما يتضمنه هذا السعر من تكاليف إنتاج، يتحدد بالقياس على أقل سعر لآخر وحدة منها، وأقل سعر هو أقل ما يمكن أن يدفعه المستهلك فيها، وهي بذلك تفترض أن المنتج هو الذي يباشر عملية البيع مباشرة للمستهلك، وهذا غير صحيح. هذا الإلغاء للسوق باعتباره وسيطا بين المنتج المباشر والمستهلك الأخير يتم على مستوى النظرية فقط والواقع عكس ذلك تماما.
لكننا نستطيع تطوير وجهة نظر فبلن هذه ونقول أن الاحتكار يعمل على اختزال المسافة بين المنتج المباشر والمستهلك الأخير، لأنه يعمل على السيطرة على كل مراحل دوران السلع، فالاحتكار هو أن يسيطر المنتج، الذي هو الشركة الاحتكارية، على السوق وعلى حركة النقود، والسيطرة الاحتكارية على السوق تعني إلغائه باعتباره مجالا محايدا لتحديد السعر، وتعني كذلك أن يمارس المنتج الاحتكاري دور تاجر التجزئة ولا يترك أي مرحلة في دورة السلع لغيره؛ ولذلك لاقت نظرية المنفعة الحدية رواجا مذهلا ابتداء من العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، وهي نفس فترة ظهور الاحتكارات، لأن هذه النظرية تخدم الاحتكار جيدا بكشفها عن مبدأ جديد لإدارة السوق والسيطرة عليه، فهي تلغي السوق المحايد على المستوى النظري بإعطائها توجيها للمنتج بكيفية تحديد سعره إذا أراد أن يسيطر على السوق. لقد ألغت المسافة بين المنتج المباشر والمستهلك الأخير على مستوى النظرية، وكان هذا الإلغاء هو ما تحاول الاحتكارات الناشئة القيام به بالفعل، وبذلك تلاقت النظرية مع الواقع في نوع من التشابه العضوي أو المختار Elective Affinity . ولذلك تبنى علم الاقتصاد السائد تلك النظرية وهو مدعم بسند واقعي مما كان يحدث بالفعل. لا يمكن أن تُلغى المراحل الوسيطة بين المنتج والمستهلك إلا في ظل السيطرة الاحتكارية عليها، أي على السوق. وهكذا أصبحت نظرية المنفعة الحدية هي الأداة النظرية والحسابية الأساسية لعلم الاقتصاد المعاصر الذي هو اقتصاد احتكارات في الأساس.
تعبر نظرية المنفعة الحدية عن الوعي العام الشائع لرجال الأعمال، إذ يمكن التعبير عنها بكلمات عامة كما يلي: المنتج ينتج سلعا بهدف الربح، لكنه يحسب هذا الربح على أساس القدرة الشرائية للمستهلك، وكلما كان المستهلك مستعدا لدفع سعر أعلى في السلعة كان ربح رجل الأعمال أعلى؛ ويستعد المستهلك لدفع سعر أعلى في السلعة كلما كان أكثر احتياجا لها. وأخشى ما يخشاه رجل الأعمال هبوط الأسعار لأنه يعني هبوط أرباحه، وهبوط الأسعار يأتي من زيادة عرض السلع، وبالتالي يمنع رجل الأعمال هبوط الأسعار بحبسه للإنتاج والسيطرة عليه. ولأن هدف رجل الأعمال الربح فإن القضية التي تشغله هي أقل سعر يمكن أن تباع به السلعة في السوق ( 11) . ولأن السوق حر ويسير نفسه بنفسه فيجب بالتالي البحث عن السبب الذي يجعل سعر السلعة يهبط إلى أدنى حد لها. وأدنى حد لسعر السلعة هو أدنى حد لاحتياج المستهلك لها. عندما لا تكون سلعة معينة نافعة للمستهلك فلن يشتريها أصلا، وبذلك لن تتصف تلك السلعة بالمنفعة الحدية لأنه ليس لها نفع من البداية؛ سلعة المنفعة الحدية هي السلعة ذات المنفعة لكنها المنفعة القليلة للغاية التي تؤدي إلى هبوط أسعارها.
وهنا تتحول النظرية الاقتصادية إلى الرياضيات؛ فعن طريق المسائل الرياضية والرسوم البيانية وخطوطها المنحنية الصاعدة والهابطة توضح النظرية اتجاه الأسعار نحو الصعود أو الهبوط بالتناسب مع الكمية المعروضة من السلع والطلب عليها، ذلك الطلب الذي هو الاسم الآخر للمنفعة الحدية. وهنا بالضبط يكمن خطأ الاقتصاد النيوكلاسيكي، لأن المنتج في العالم الحقيقي لا ينتج سلعته ويبيعها حسب منفعتها الحدية، أي حسب أقل سعر لها في السوق. إن المنفعة الحدية هي الكارثة التي يتجنبها المنتج باستمرار لأنها تعني أقل سعر لسلعته وبالتالي تقلص واختفاء هامش ربحه، إذ يمكن أن تصل المنفعة الحدية للسلعة إلى أقل من سعر إنتاجها. تعبر نظرية المنفعة الحدية عن النقطة التي يخسر عندها رجل الأعمال، وكأنها تقول له: "هنا تخسر ولذلك تجنب الوصول إلى هذه النقطة"، ويتم تجنب الوصول إلى المنفعة الحدية بحبس الإنتاج خوفا من أن يؤدي الإنتاج الوفير إلى هبوط في الأسعار. إن نظرية المنفعة الحدية هي في حقيقتها توجيه لرجال الأعمال.
4. أغلوطة فرط الإنتاج:
توضح الفقرة السابقة كيف ترتبط المنفعة الحدية لسلعة بالتناسب بين العرض والطلب، فكلما زاد المعروض من السلعة اتجه سعرها نحو الهبوط. ويعبر الاقتصاد السياسي عن زيادة عرض السلع وما يصاحبها من هبوط في الأسعار بمصطلح "فرط الإنتاج" Over-Production . يعرَّف فبلن مفهوم فرط الإنتاج بقوله أنه "إنتاج فوق طاقة ما يمكن أن يستوعبه السوق بسعر مربح" ( 12) . لا يكون هناك فرط إنتاج إلا بالنسبة لإمكانية تحقيق الربح من المعروض من السلع، لا بالنسبة لاحتياجات المجتمع. وعندما يقال أن فرط الإنتاج يعني أن المعروض من السلع يفوق القدرة الشرائية للمستهلكين فهذا في الحقيقة لا يعني أن القدرة الشرائية للمستهلكين لاتستطيع استيعاب المعروض من السلع لأنهم اكتفوا وشبعوا ولا يريدون المزيد والمعروض يفوق احتياجاتهم، بل يعني أن المستهلكين لا يستطيعون شراء المعروض بسعر مربح لرجال الأعمال. إن زيادة المعروض من السلع يعبر عن مستوى عالٍ من التقدم التكنولوجي الذي يتجسد في إنتاجية عالية. هذه الإنتاجية العالية ليست شرا في حد ذاته بل هي خير، إذ تعود بالرفاهة على المجتمع كله وتؤدي إلى توافر السلع بأسعار أقل، فما الذي يتمناه المجتمع غير توافر السلع بأسعار قليلة؟ لكن قلة الأسعار هذه هي الكارثة بالنسبة لرجال الأعمال، لأنها تعني لديهم هبوطا في أرباحهم. إن الإنتاجية المتعاظمة في نظر رجال الأعمال هي فرط إنتاج، لا لأن المجتمع ليس قادرا على استيعابها، بل لأن السوق ليس به قوة شرائية تستطيع شراء هذا الإنتاج المتزايد بسعر مربح لرجال الأعمال. لا يمكن أن يشكل الإنتاج المتزايد مشكلة لأي مجتمع، لكنه مشكلة بالنسبة للمصالح الربحية لرجال الأعمال.
ويذهب فبلن إلى أن فكرة فرط الإنتاج يتم التعبير عنها بمصطلح آخر وهو "تدني الاستهلاك" Under-Consumption ، ويعني لدى علماء الاقتصاد عدم قدرة المستهلكين على استيعاب الإنتاج. لكن الحقيقة أن تدني الاستهلاك يعني عدم قدرة المستهلكين على استيعاب الإنتاج بسعر مربح. إن فرط الإنتاج هو في نفس الوقت تدن للاستهلاك، والاستهلاك لا يتدنى لأن المعروض من السلع كثير ولا يقدر السوق على استيعابه، ذلك لأن كمية السلع المنتجة في مجتمع ما لا يمكن أن تكون أكبر من احتياجات هذا المجتمع؛ إنها يمكن أن تكون أكبر من احتياجه في زمن معين، اليوم مثلا لكن ليس غدا، فما لم يبع اليوم سوف يباع غدا. لكن تدني الاستهلاك يعد مشكلة لرجال الأعمال لأنهم يريدون البيع اليوم وليس غدا، يريدون استرداد رؤوس أموالهم وجني أرباحهم اليوم وليس غدا. وبذلك تكون المشكلة الزائفة لفرط الإنتاج في حقيقتها هي مشكلة متطلبات دورة رأس المال؛ يريد رجال الأعمال دورانا سريعا ودورة قصيرة لرأس المال في حين لا تمكنهم القدرة الشرائية للمستهلكين من تحقيق ذلك، وبالتالي يسير البيع بطيئا وتتباطأ الدورة كلها وتظل السلع مخزنة لفترات أطول. والسلع المخزنة ليست مشكلة، فما الذي يتمناه المجتمع غير أن تكون مخازنه مليئة بالسلع، فهذا في حد ذاته أمان اقتصادي، لكنها الكارثة بالنسبة لرجال الأعمال. لماذا يُفرض على المجتمع أن يستجيب لدورة سريعة وقصيرة لرأس المال؟ لماذا لا تستجيب دورة رأس المال ذاتها لحركة المجتمع؟
لكن كيف يتجنب النظام مشكلة فرط الإنتاج؟ يقول فبلن: "إن حجم الإنتاج بالتالي يجب أن يتناسب مع متطلبات السوق لا مع حجم الموارد والأدوات والقوة البشرية، ولا مع حاجة المجتمع إلى سلع الاستهلاك" ( 13) . ومتطلبات السوق هذه هي الاسم الكودي لهامش ربح رجال الأعمال. لمواجهة ما يسمى بفرط الإنتاج يفرض رجال الأعمال على الصناعة ألا تشتغل بكامل طاقتها، ويشمل هذا قوة العمل، ويتم بذلك تعطيل جزء من القوة الصناعية بما فيها قوة العمل، وبالتالي يتم تجنب فرط الإنتاج بإحداث نسبة من البطالة في المجتمع ( 14) ؛ إنها بطالة بنائية ناتجة عن طبيعة النظام الرأسمالي المقام على الملكية الخاصة والإدارة الخاصة لأدوات إنتاج المجتمع من أجل مصالح ربحية خاصة. ويدل ذلك على أنه في ظل هذا النظام لن يتحقق التوظيف الكامل لكل القوى الإنتاجية البشرية والمادية في المجتمع. إن تحليلات فبلن هذه توضح أنه قد نجح في وضع يده على العلاقة البنائية بين تجنب النظام لفرط الإنتاج و عدم قدرته على التوظيف الكامل في نفس الوقت، فلتجنب فرط الإنتاج يتجه النظام نحو تعطيل جزء من القوة الإنتاجية. وعلى الرغم من أن ماركس قد وجه انتقادات شبيهة لفكرة فرط الإنتاج وللطابع البنائي للبطالة في ظل النظام الرأسمالي إلا أنه لم ينتبه إلى العلاقة الوثيقة بينهما مثلما فعل فبلن.

5. المنهجية المـُشوَّهَة:
ينقد فبلن النيوكلاسيك لسعيهم نحو جعل علم الاقتصاد علما تصنيفيا Taxonomic مولع باختراع الفئات والأصناف والمقولات، وبتقسيم وتوزيع كل الواقع بتنوعاته الهائلة على هذه الفئات ( 15) : الإيجار العقاري والفائدة وأجر العمل، الأرض ورأس المال وقوة العمل، مقاول الأعمال والسوق الحر..إلخ. صحيح أن هذه الفئات تعبر عن شئ من الواقع، إلا أنها لا تعبر عنه كله وبدقة. فغالبا ما يعمل علماء الاقتصاد على فهم الواقع الاقتصادي بناء على هذه التصنيفات المسبقة لا بناء على البحث الواقعي، وبذلك فهم يحشرون الواقع في هذه التصنيفات المقولية بصرف النظر عما إذا كانت تستجيب للواقع أم لا. تكشف تلك النـزعة التصنيفية عن فلسفة في الماهيات وعن مفهوم عن طبيعة إنسانية ثابتة ذات حاجات بيولوجية فردية ( 16) ، وعن تبنيهم لمفهوم عن قانون طبيعي ثابت وأزلي عبر التاريخ غير خاضع للتغيرات الاجتماعية والتاريخية.
ومن هذه الخلفية يسعى علماء الاقتصاد الكلاسيك والنيوكلاسيك على السواء نحو البحث عن انتظامات Uniformities ، وعن قوانين أزلية تحكم السلوك الاقتصادي، ونحو وضع نظرية في التوازن الاقتصادي Equilibrium يدَّعون أن الواقع يكشف عنها. وهذا التوازن الذي يتكلمون عنه ليس سوى توازن وتكامل نظريتهم الاقتصادية نفسها لا توازن وتكامل الواقع، وفي النهاية تعبر فكرة التوازن لديهم عن التوازن النظري باستخدام المعادلات الرياضية والمسائل الحسابية. وبذلك ينغلق علمهم على نفسه ولا ينفتح أبدا على التنوع الاجتماعي للطبيعة الإنسانية و البعد التاريخي للنظم الاجتماعية.
كما ينقد فبلن النيوكلاسيك لاختزالهم مفهوم الثروة في مفهوم الثروة النقدية ولنظرتهم إلى المنفعة Utility على أنها الربح المالي لا الوفرة والرخاء الإنتاجي ( 17) . وهذا ما يؤدي بهم إلى التعامل مع الإنتاج والتوزيع والتبادل ودوران رأس المال بلغة الأرقام، تلك الأرقام التي يدخلونها في معادلات رياضية وجداول ورسوم بيانية. واعتقادهم أن ما توصلوا إليه من معادلات رياضية هو القوانين الاقتصادية الحاكمة لحياة البشر يجعلهم يختزلون غنى وتعقد الحياة البشرية والتتابع السببي التاريخي للحوادث إلى تتابع منطقي لخطوات البرهان الرياضي معتقدين أن هذا هو العلم في حين أنه هو الوهم بعينه.
ثالثا-الملكية الغيابية:
حلل فبلن نظام الملكية الخاصة الذي يعد أساس تبرير النظام الرأسمالي، وكشف عن تحولات بنائية حدثت لهذا النظام أدت إلى تعاظم حجم الملكية حتى تعدت نطاق الحيازة الفردية مما أدى إلى اختفاء الأساس الفردي للملكية متجها نحو نوع آخر أسماه الملكية الغيابية Absentee Ownership وهو شكل الملكية السائد في الاقتصاد المعاصر.
1. الملكية الخاصة:
يكشف فبلن عن السياق التاريخي الذي أدى إلى ظهور مبدأ الملكية الخاصة وهو انتشار الصناعة اليدوية Handicraft في بريطانيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. إذ كان من الضروري أن يظهر هذا المبدأ لأنه كان متفقا مع الأساس الاقتصادي السائد آنذاك. فحق الملكية في هذا السياق يأتي من العمل المبذول فيها، وكان العمل آنذاك هو العمل اليدوي ( 18) . ويذهب فبلن إلى أن مبدأ الملكية الخاصة لا ينطبق على اقتصاد قائم على العبيد ولا على الصناعة الآلية، لأن الاقتصاد المعتمد على العبيد لا يعطي للعبيد الذين هم المنتجين المباشرين الحق لا في ملكية وسائل الإنتاج ولا في نتاج عملهم، كما أن العامل في نظام الصناعة الآلية ليس بالمالك المباشر لوسائل الإنتاج وليس له الحق في كامل نتاج عمله لأن الجزء الأكبر يعود على الرأسمالي. لا ينطبق مبدأ الملكية الخاصة إلا على الصناعة اليدوية التي يكون المنتج فيها مالكا لوسائل إنتاجه بالكامل، ويكون إنتاج هذه الوسائل نتيجة جهده الخاص ويحوز على حق مطلق فيما صنعت يداه.
ومع انفصال العامل عن وسائل الإنتاج واقتصار هذه الوسائل على الرأسماليين أصبح هناك تناقض بين الإطار القانوني للمجتمع الصناعي الذي يسوده مبدأ الملكية الخاصة والواقع المتغير الذي لم يعد يناسبه هذا الإطار القانوني. إن مبدأ الملكية الخاصة لم يعد يلقى اهتماما من الطبقة العاملة لأنها لا تملك شيئا، ولم يعد لها مصلحة في الدفاع عنه ( 19) ؛ وحقيقة أنها ليست مالكة وتعيش بالأجر الذي لا يوفر لها فائضا يمكنها حتى من شراء منـزل ( 20) تتناقض مع الإطار القانوني السائد الذي لم يعد يحمي إلا الذين وضعوا أيديهم على وسائل الإنتاج، أصحاب الحيازة الفعلية de facto لثروات المجتمع وموارده الطبيعية والذين يدافعون عن حيازتهم هذه بمبدأ حق الملكية الخاصة، وهم بذلك ينقلون الأمر الواقع إلى حق قانوني de juris .
ويشكل مبدأ الملكية الخاصة أساس الخطابة السياسية الأمريكية، فالديمقراطية الموروثة من القرن التاسع عشر التي تعتمد على حرية المنافسة والمبادرة الفردية وتوازن القوى والمصالح كانت تفترض مجتمعا يحوز فيه كل فرد على ملكيته الخاصة التي توفر له الاستقلال. لكن يوضح فبلن أن الأساس الحقيقي للديمقراطية الأمريكية منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لم يعد يتمثل في مبدأ الملكية الخاصة بل في مجال تجارة التجزئة Retail Trade ( 21) ، إذ أتى معظم السياسيين ورجال الإعلام الأمريكان من هذا المجال في الأساس، وأصبحت معاني حرية المنافسة والمبادرة الفردية وتوازن القوى مرتبطة منذ هذا العصر بمجال تجارة التجزئة، إذ أن الديمقراطية في هذا المجال تصبح مثل سوق تجارة التجزئة الذي تسوده المساومات والمفاوضات بين تجار متنافسين.
لكن الذي حدث في نهاية القرن التاسع عشر هو صعود الأعمال الكبيرة Big Business وحلولها محل تجارة التجزئة. وتستخدم الخطابة السياسية في أمريكا عالم تجارة التجزئة بقيمه ومعاييره لتبرير عالم الأعمال الكبيرة، بالإضافة إلى أن الدعاية السياسية تذهب إلى ضرورة تحكم الأعمال الكبيرة في الاقتصاد وتسليم القيادة لها لأنها هي القادرة على توفير مناخ أفضل لتجارة التجزأة، ويتم ترجمة هذه الخطابة الاقتصادية في مصطلحات سياسية بالقول أن الرأسمالية القائمة، وهي رأسمالية احتكارية، هي التي تستطيع توفير مناخ المنافسة العادلة؛ والحقيقة أن ما تقصده بالمنافسة العادلة لا ينطبق عليها هي، بل ينطبق على مجال تجارة التجزئة.
على الرغم من أن الملكية الخاصة بمعنى ملكية المرء للوسائل التي تدر عليه دخله لم يعد له معنى في اقتصاد القرن العشرين، إذ حلت الملكيات الكبيرة للمشاريع الصناعية العملاقة محل الملكيات الفردية الصغيرة، إلا أن الإطار القانوني الذي ينظم المعاملات في عصر الصناعة لا يزال يستند على مبدأ الملكية الخاصة باعتبارها الملكية الفردية الصغيرة. يقول فبلن: "إن من طبيعة الأشياء أن يكون شكل القانون والعرف أكثر قدما بصفة دائمة وفي غير أوانه (بالنسبة للتطورات الاجتماعية الجديدة)" ( 22) . فالمجتمع في حركته وتطوره يكون سباقا بصفة مستمرة لأطر القانون والعرف التي ترتبط دائما بفترة أقدم من التطور الاجتماعي. وغالبا ما تخرج التطورات الاجتماعية الجديدة عن الأطر القانونية الأقدم وبالتالي تحتاج هذه الأطر إلى أن تهدم ويعاد صياغتها من جديد لتناسب الجديد الذي طرأ على المجتمع. إن القانون يجب أن يستجيب لحركة المجتمع، وإذا تطلب التطور الاجتماعي كسرا للأطر القانونية القديمة فليكن، وإذا تطلب استغناءً عن مبادئ كانت مستقرة يوما ما في سبيل مبادئ أخرى فليكن، حتى لو كانت تلك المبادئ القديمة هي حق الملكية الخاصة، لأن الملكية الخاصة هذه لم تعد موجودة في عالم الصناعة الكبيرة والاقتصاد المالي. إن الإطار القانوني للملكية الخاصة الذي تم وضعه في أواخر القرن الثامن عشر كان يستجيب لاقتصاد مكون من الصناعات الصغيرة التي يغلب عليها الطابع اليدوي ومن التجارة الصغيرة التي تناظر تجارة التجزئة الآن، إلا أن هذا الإطار لم يعد حاميا للمواطنين ولا ضامنا لحقوقهم وحرياتهم إزاء عالم الأعمال الكبيرة Big Business .
2. ظهور الملكية الغيابية:
إن السبب الرئيسي الذي يكمن خلف هجوم فبلن على مبدأ الملكية الخاصة هو أنها تحولت في عصر الصناعة الكبيرة إلى ملكية غيابية Absentee Ownership . يعرف فبلن الملكية الغيابية بأنها: "ملكية أي عنصر إنتاجي من قبل شخص أو عدة أشخاص لا يعملون مباشرة في تشغيله" ( 23) . وحسب هذا التعريف فإن الأسهم والسندات والأنصبة والمال السائل المستثمر في مشاريع كلها وسائل للحصول على ملكية غيابية؛ وأي مشروع مملوك لأناس لا ينشغلون في تشغيله وإدارته مباشرة هو ملكية غيابية. ووفق هذا التعريف فإن الجانب الأكبر من الاقتصاد المعاصر يعد ملكية غيابية.
يتتبع فبلن بدايات ظهور الملكية الغيابية من داخل سياق نظام الصناعة اليدوية، إذ يذهب إلى أن الملكية الخاصة بمعنى حق المرء فيما صنعت يداه توسعت من جراء ظهور التجارة الموسعة. فالصناعة اليدوية في حاجة إلى التجار كي ينقلوا منتجاتها لأسواق بعيدة ويبادلونها بمنتجات أخرى ويمدونها بالمواد الخام. وانتقل بذلك حق الملكية الخاصة من الحرفي الذي هو المنتج المباشر إلى التاجر، إذ تحول حق الملكية الخاصة من الحق فيما أنتجه الحرفي بيديه إلى الحق فيما اشتراه التاجر من منتجات أناس آخرين. وفي بداية العصر الصناعي كانت التجارة الصغيرة وسيطا في ظل الصناعة اليدوية، تعمل على تسهيل التبادل بين المنتجين المباشرين وتساعد على تفرغهم للتخصص في عمل واحد ( 24) ، فلا يمكن أن يكون هناك تخصص في صناعة منتج واحد دون توافر شبكة اتصالات تجارية تعمل على الربط بين المنتجين المتخصصين.
ومع توسع التجارة وتزايد المنتجات التي تتعامل فيها أصبح هناك تقسيم للعمل داخل العمل التجاري نفسه، إذ لم يعد التاجر يدخل مباشرة في عمليات الشراء والبيع، بل أصبح منشغلا بإبرام العقود وإجراء الاتفاقيات والقيام بالمساومات، تاركا التعامل المباشر مع المنتجين والمستهلكين لمشرفين وملاحظين وموظفين يعملون لديه ( 25) . وتحولت التجارة بذلك إلى مشروع أعمال Business Enterprise ، خاصة بعد أن توسعت وأصبحت مالكة لوسائل الإنتاج لا مجرد متاجرة في منتجات آخرين. وأصبحت ملكية مشروع الأعمال لوسائل الإنتاج ولما تنتجه من سلع ملكية غير مباشرة، إذ يعمل بها ويشرف عليها ويديرها أناس آخرون غير مالكي المشروع. ومثلما تحول التاجر الصغير إلى رجل أعمال تحول كذلك رجل الصناعة Captain of Industry إلى رجل أعمال ( 26) ، فبعد أن كان منشغلا في تنظيم الإنتاج وتطبيق الفنون الإنتاجية الحديثة على صناعته ومشرفا مباشرا على العمال تحول إلى رجل أعمال منشغلا بالأعمال المالية والإدارية وبإبرام العقود وبحسابات المكسب والخسارة. وأدى كل ذلك إلى أن أصبحت ملكية رجال الأعمال ومشاريعهم ملكية غيابية.
إن الملكية الغيابية هي كل ما لا يستطيع المرء حيازته مباشرة ( 27) ، أي كل مساحة من الأرض لا يستطيع زراعتها بنفسه ويستخدم آخرين لزراعتها، وكل مصنع لا يستطيع إدارته بمفرده ويستخدم آخرين لإدارته، وكل مشروع لا يستطيع مالكه أن يموله بماله الخاص ولا يستطيع أن يبدأ في إقامته إلا بطرح أسهم وسندات أو الاقتراض من بنك، وكل مال سائل لا ينشغل أصحابه في المشاريع المستثمر فيها ولا يعرفون عنها شيئا. إذا كانت الملكية الخاصة تتمثل في الحق في استبعاد الآخرين من استخدام ملكية المرء والاستفادة منها أو حتى الاقتراب منها، فإن الملكية الغيابية باعتبارها ملكية خاصة تعني استبعاد المجتمع كله من الاستفادة من كم هائل من ثروات المجتمع وقواه المادية وموارده الطبيعية من قبل أناس لا يحوزون على هذه الأشياء مباشرة ولا ينشغلون في العمل بها أو إدارتها مباشرة.
من الطبيعي أن يمتلك المرء حقا طبيعيا في كل ما أنتجت يداه وفي كل عناصر الطبيعة التي بذل فيها جهدا لتغييرها وتهذيبها وتحسينها، لكن تطبيق مبدأ الحق الطبيعي في الملكية الخاصة على عالم الصناعة الكبيرة والاقتصاد المالي يعني حق كل من يستطيع شراء قوة العمل فيما أنتجه هذا العمل، وبالتالي حقه في الامتلاك الخاص لمنتجات هذا العمل، أي في عزل هذه المنتجات عن من أنتجوها، ويتم ذلك في إطار قانوني ومشروع تماما. ومن سخرية الأقدار أن تعاد هذه المنتجات لمنتجيها المباشرين بطريق آخر لتباع لهم بوصفهم مستهلكين، ولتحقيق ربح مضاعف منهم مرة ثانية. ويتم ذلك بفضل ذكاء وحصافة رجال الأعمال القائمين على نظام الإنتاج والتوزيع؛ "التجارة شطارة". إن النظام يعزل المنتجين المباشرين عن منتجات عملهم التي أصبحت حقا طبيعيا لمن اشترى قوة عملهم، ثم يبيع لهم هذه المنتجات مرة أخرى ويتحدث عن سيادة المستهلك في وقاحة.
الملكية الغيابية هي ملكية خاصة عن بعد Remote Ownership ، هي السيطرة الخاصة على عناصر إنتاج ليست في حوزة المرء مباشرة، هي السيطرة على عناصر الإنتاج عن بعد Remote Control. وينتج عن حق ملكية أي عنصر من عناصر الإنتاج حق المالك في أن يحجب هذا العنصر عن توظيفه وإبقائه بعيدا عن استفادة المجتمع منه، ويؤدي ذلك بالتالي إلى البطالة. فالبطالة وفق هذا التحليل ناتجة عن سيطرة الملكية الخاصة على عناصر العملية الإنتاجية، ويكون الحق في استبعاد الآخرين عن الملكية الخاصة هو حق في استبعاد المجتمع كله عن الاستفادة من عناصر الإنتاج الخاضعة للملكية الخاصة. وفي أسلوب تهكمي وساخر يقول فبلن إن الحق الطبيعي للاستثمار هو الحق في فرض البطالة على المجتمع ( 28) .
ويكشف فبلن عن تقلبات سياسات التوظيف في ظل نظام الملكية الغيابية مركزا على الحق في تعطيل جزء من عناصر الإنتاج كأمر ملازم وسط هذه التقلبات، ويقول في ذلك: "يمكن للتوظيف أن يرتفع حتى يقترب من التوظيف الكامل لفترة قصيرة، لكن مع احتفاظ المالك دائما بحقه القانوني في حجب ملكيته عن الاستخدام المنتج جزئيا وكليا..بدون الحق في منع العمال عن عملهم والمنتج عن الأسواق فسوف يختفي الاستثمار والمشروع الاستثماري. وهذا هو المعنى الأعم لأمان الملكية Security of Property " ( 29). تصبح الملكية الخاصة مؤمنة عندما يكون في مقدور المالك سحبها وتوقيفها عن الإنتاج في أي وقت. والحق في سحب وتعطيل وسائل الإنتاج Sabotage الخاضعة للسيطرة الخاصة هو أيضا حق طبيعي متضمن في مبدأ الملكية الخاصة. وبسخرية لاذعة يقول فبلن أن الحق الطبيعي في تعطيل عناصر الإنتاج يتحول مع عصر رجال الأعمال إلى مصطلح آخر وهو "تقليص المخرجات" Curtailment of Output ( 30) ، ساخرا من مصطلحات الاقتصاد السياسي التي يبدو على مظهرها الطابع العلمي.
إن الملكية الغيابية، باعتبارها ملكية خاصة عن بعد وبطريقة غير مباشرة، لها الحق في التوقف عن الإنتاج وعن التشغيل الكامل لما تملكه من عناصر إنتاج؛ لها الحق في صناعة البطالة عن بعد. ويذهب فبلن إلى أن من طبيعة الملكية الغيابية أن تؤدي إلى البطالة، لأنها كي تحافظ على أرباحها لا توظف ما تملكه من عناصر الإنتاج بالكامل وبالتالي تصبح البطالة الناتجة عن حجب جزء من عناصر الإنتاج شرطا للربح. وبذلك أصبح السائد هو التوظيف غير الكامل لعناصر الإنتاج وللقوة البشرية بما يتناسب مع تحقيق الربح للمالك. وتتمتع تحليلات فبلن هذه بدلالة معاصرة، ذلك لأن عودة الاقتصاد الليبرالي للسيطرة على العالم صاحبتها عودة الحق القديم للمستثمر في طرد العمال والموظفين للمحافظة على هامش ربح مناسب، وهذا هو مصير مبدأ الحق الطبيعي للملكية الخاصة في ظل الرأسمالية الاحتكارية. الحق الطبيعي في الملكية الخاصة أصبح هو الحق في طرد العمال للمحافظة على الربح، وتسمى السياسة المنظمة في طرد العمال باسم في غاية الوجاهة والعلمية: "مرونة هيكلية في البناء الوظيفي للمؤسسة". وهذا هو مصير النظام الذي يسمح للملكية الخاصة بالسيطرة على عناصر الإنتاج التي هي ملك المجتمع كله.
وتتمكن المصالح الاحتكارية من الدفاع عن نفسها وعن وضعها المسيطر على الاقتصاد بالاستعانة بالقانون وما يستند عليه من مبدأ حماية الملكية الخاصة الذي يرجع أساسا إلى القرن الثامن عشر، فما تستحوذ عليه المؤسسة الاحتكارية هو ملكيتها الخاصة التي أضفى عليه القانون طابع القداسة، وما تقوم به وتفعله بحيازتها هو حق طبيعي لها يأتي من حقها الطبيعي في أن تفعل ما تشاء في ملكيتها، بصرف النظر عن مصلحة المجتمع. تستولي الاحتكارات على ثروة المجتمع وقواه الإنتاجية ثم تتدعي أنها ملكية خاصة وتدافع عن نفسها وفق هذا المبدأ. إن الملكية الخاصة التي قصدها مشرعو القرن الثامن عشر والتي تجسدت كمبدأ في دساتير وقوانين الغرب هي الملكية الصغيرة بما في ذلك الملكية العينية، أي كل ما يستطيع المرء الاستحواذ عليه ماديا وتشغيله بصفة فردية. لكن الملكية الآن لم تعد عينية أو عقارية بل أصبحت غيابية ومالية. عندما نطبق مبدأ حقوق الملكية الخاصة على عالم المال لن يكون المبدأ عادلا، لأن امتلاك كمية من الأوراق المالية يؤدي إلى الاحتكار. لم يعد لمبدأ الملكية الخاصة معنى ولم يعد حتى بمبدأ حقوقي سليم وعادل من وجهة نظر العدالة الاجتماعية وفي ظل الحسابات المالية للثروة. إن ليبرالية عالم المشروعات الصغيرة تستخدم لتبرير شرور رأس المال الكبير، رأس المال الاحتكاري.
3. الطبقة المترفة:
من هم أصحاب الملكية الغيابية؟ هم فئة في المجتمع أطلق عليها فبلن أسم "الطبقة المترفة" The Leisure Class ، وهي الطبقة صاحبة الإمكانات المالية الضخمة التي تستطيع بها شراء ممتلكات وعناصر إنتاج لا تنشغل مباشرة بالعمل فيها أو إدارتها بل توظف من يعمل فيها ويديرها بالنيابة عنها. وهي تحصل من ممتلكاتها الواسعة التي لا تعرف عنها شيئا على دخل حر Free Income ، أي دخل لم تكن منشغلة مباشرة في إيجاده بل يصنع لها وهي غائبة. ولا يمكن أن ينفق مثل هذا الدخل الذي أتى بهذه الطريقة إلا على الاستهلاك الترفي والإهلاكي Conspicuous Consumption ( 31) .
تناول فبلن منذ كتابه "نظرية المشروع الاستثماري" سنة 1904 وحتى "الملكية الغيابية" سنة 1923 تلك الفئة التي تحصل على دخل حر Free Income ، دخل لم تكن منشغلة مباشرة في إيجاده بل يأتيها من استثماراتها التي تأخذ صورة إسهام بمال سائل في مشاريع أو أسهم وسندات في شركات، لكنه سبق وأن حدد معالم هذه الطبقة سوسيولوجيا وتاريخيا في كتابه "نظرية الطبقة المترفة" The Theory of the Leisure Class سنة 1899، وكأنه بدأ بالتحليل السوسيولوجي أولا منتقلا إلى التحليل البنائي الاقتصادي لنشأة هذه الطبقة وظهورها من داخل عالم الأعمال الاستثمارية. إن بداية فبلن بالتحليل السوسيولوجي للطبقة المترفة منتقلا منه إلى التحليل الاقتصادي يدل على أولوية المنظور السوسيولوجي على المنظور الاقتصادي في دراسة العالم الاجتماعي، ذلك لأن الظاهرة الاجتماعية الجديدة هي أول ما يلاحظه المراقب لحياة الناس؛ وأول ما يلفت النظر في أي مجتمع ظهور طبقة جديدة فيه، ويتم وصفها وتحليلها سوسيولوجيا قبل تناول وضعها في الهيكل الاقتصادي للمجتمع. التحليل السوسيولوجي بذلك هو التحليل القاعدي Base Analysis الذي يُبنى فوقه أي تحليل آخر اقتصادي أو سياسي، لأن السوسيولوجي هو أول ما يلفت النظر وبذلك يكون متمتعا ببداهة الحس العام Common Sense .
إن ما يميز الطبقة المترفة في أي مجتمع أنها لا تنشغل بالأعمال اليدوية الشاقة، وإذا عملت هذه الطبقة فهي تتخصص في الأعمال الذهنية ذات الطابع الإشرافي والتوجيهي. وفي مجتمعات الحضارات القديمة تتخصص هذه الطبقة في الوظائف العسكرية والدينية، وهي وظائف إشراف وسيطرة وتحكم من الدرجة الأولى في مثل هذه المجتمعات. وإذا انتقلنا إلى الحضارات الكبرى في أواخر العصور القديمة نجد أن الطبقة المترفة منشغلة بالوظائف الذهنية مثل التعليم. وجود الطبقة المترفة إذن يعتمد على تقسيم معين للعمل، يترك العمل اليدوي للطبقات الدنيا ويوفر العمل الذهني للطبقة العليا؛ ويثبت فبلن صحة تحليله هذا بتوضيحه أن المجتمعات التي لم تعرف تقسيما للعمل ولم ينقسم العمل لديها إلى عمل يدوي وعمل ذهني لم تظهر لديها طبقة مترفة ( ) مثل قبائل الإسكيمو وهنود أمريكا الشمالية وقبائل أستراليا. ويشهد العمل تراتبا في المجتمعات الطبقية، إذ تترتب الأعمال حسب الانتماء الطبقي، وتزداد شدتها كلما نزلنا في أسفل السلم الاجتماعي، حيث يسود العمل اليدوي الشاق في المرتبة الدنيا من المجتمع، ويسود العمل الذهني المتحرر تماما من أي جهد جسماني لدى الطبقة العليا.
ويرتبط تطور الطبقة المترفة في العصر الحديث بظهور الملكية الخاصة لأنها هي ما يمكن أفرادا من المجتمع لأن يحوزوا على ممتلكات تغنيهم عن العمل. كما يرتبط ظهورها كذلك بظهور النقود والاقتصاد النقدي ( 32) ، فالنقود باعتبارها ثروة مخزنة ومحفوظة في صورة مال سائل تمد حائزها بقوة اقتصادية وقدرة شرائية وسلطة سياسية يستطيع بها تبوء مكانة عليا في مجتمعه. وفي المجتمع الحديث تتطور الملكية الخاصة بفعل الاقتصاد النقدي وتتوسع إلى الحد الذي لا يمكن عنده إدارتها مباشرة من قبل أصحابها، وبالتالي تنوب فئة من الإداريين عن هؤلاء في إدارتها لصالحهم. وهكذا تنعزل الطبقة المترفة حتى عن إدارة أملاكها وتوظف من يديرها بالنيابة عنها.
ولأن الطبقة المترفة تحتل أعلى السلم الاجتماعي فإن أسلوب حياتها المرفه يفرض نفسه على الطبقات الأدنى منها بفعل رغبة هذه الطبقات في التقليد، ورغبتها في الصعود الاجتماعي الذي لا تتمكن من تحقيقه إلا بتبني مظاهر حياة الطبقة المترفة. وبالتالي تتبنى المستويات الاجتماعية الوسطى نفس معايير الطبقة المترفة في الإنفاق ووسائل التسلية وأساليب قضاء وقت الفراغ ( 33) ، وبذلك تهبط قيم الترف والرفاهية إلى أسفل بفعل المنطق الاجتماعي. وقد أثبتت دراسة حديثة في إنجلترا أجريت بين عامي 1994 و1999 صحة هذه النظرية، إذ أوضحت أن عائلات الطبقة الوسطى الدنيا Lower Middle Class تنفق مبالغ كبيرة تفوق ما تنفقه الطبقات العليا على ملابس ولعب الأطفال رغبة منها في تعويض أطفالها عن نقص في متطلبات أخرى مثل تعليم في مدارس خاصة أو منـزل واسع بحديقة وفناء خلفي في الضواحي أو إجازات سياحية في الخارج. وليست هذه الدراسة ببعيدة عن ما يحدث الآن في مجتمعنا.
الحقيقة أننا نرى نفس منطق هبوط قيم الترف إلى أسفل أمام أعيننا، ذلك أن الخصائص التي رصدها فبلن في الطبقة المترفة الغربية انتقلت بفعل التقليد إلى مجتمعات العالم الثالث، وبذلك تكونت طبقة مترفة في مجتمعنا بفعل الاحتكاك والتفاعل مع الغرب. إن منطق هبوط قيم الترف إلى أسفل لايعني هبوطها إلى مستويات أدنى من الطبقة العليا داخل المجتمع الواحد فحسب، بل يعني أيضا هبوطها من العالم الغربي إلى شعوب أخرى متخلفة.
ولم تقتصر المستويات الاجتماعية العليا في بلادنا على تبني قيم الترف والاستهلاك الترفي الغربي وحسب، بل تبنت كذلك أساليب الإنفاق والاستهلاك الترفي السائدة في دول الخليج. إن المصريين العائدين من دول الخليج لم يعودوا بإمكانات مالية ضخمة وحسب، بل عادوا أيضا بالأسلوب الخليجي في الإنفاق، وبالذوق الخليجي وتفضيلاته السلعية: الاهتمام الزائد بالمشغولات الذهبية السميكة والغليظة؛ الاهتمام المبالغ فيه بالعطور باهظة الثمن؛ الاعتماد على المأكولات المعلبة والمياه المعدنية؛ تركيب جهاز تكييف في كل غرفة حتى لو لم يكن ضروريا؛ تفضيل السيارات اليابانية ذات التكييف القوي في الثمانينات وأوائل التسعينات؛ وأخيرا تفضيل السيارات الأمريكية ذات الدفع الرباعي الضخمة التي لا تناسب شوارعنا المزدحمة الضيقة. ومن العائدين من الخليج انتشرت هذه العادات لدى الطبقات العليا في مصر حتى لو لم تكن قد ذهبت إلى الخليج.
ويذهب فبلن إلى أن من الفئات التي يمتد إليها الإنفاق الترفي فئة الجامعيين وخاصة الأساتذة، ذلك لأن وضعهم الاجتماعي والفكري العالي يحتم عليهم تبني أسلوب في الإنفاق العالي، وذلك كي يقابلوا المستوى الاجتماعي والفكري العالي بمستوى معيشي عال، وبذلك ينتقل إليهم أسلوب الإنفاق الترفي؛ إلا أن مصادر دخلهم محدودة بالمقارنة بمصادر دخل الطبقة المترفة، وإمكاناتهم المادية ضعيفة بالمقارنة، ولذلك فهم ينفقون نسبة أكبر من دخولهم على نمط الحياة المرفه، ويشير فبلن إلى أن نسبة ما تنفقه فئة الجامعيين على الاستهلاك الترفي يفوق نسبة ما تنفقه الطبقة المترفة ذاتها بالمقارنة مع إمكاناتها المادية ( 34) . الحقيقة أن فبلن يصف أوضاع الجامعيين في كل زمان ومكان، ويضع يده على أحد أهم مشاكلنا الشخصية، ويشير إلى الحقيقة الكبرى التي نعاني منها جميعا في حياتنا اليومية.
ولا يقتصر تأثير الطبقة المترفة على انتشار أسلوبها الإنفاقي وأذواقها وتفضيلاتها الجمالية لبقية المجتمع، بل يمتد إلى علم الاقتصاد نفسه. إن تحليلات فبلن تشير إلى أن الاقتصاد السائد الذي يسيطر عليه الاتجاه النيوكلاسيكي هو اقتصاد الطبقة المترفة ذاتها، إذ يعبر عن نظرتها الاقتصادية الخاصة بها ورؤيتها الخاصة لعالم الاقتصاد ( 35) . ذلك لأن الاقتصاد النيوكلاسيكي يعطي الأولوية للقيمة التبادلية للسلع ناظرا إليها على أنها مستقلة عن قيمتها الاستعمالية ومتمتعة بتوازن ذاتي، وهذه القيمة التبادلية هي السعر الذي يذهب علماء الاقتصاد السائد إلى أنه يتحدد تلقائيا بفعل آليات السوق. إن الفصل بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية لا يمكن أن يقام إلا بناء على نمط في الحياة يعطي استقلالا للربح المالي عن متطلبات الحياة، واستقلالا للتراكم المالي ولظاهرة إنجاب المال للمال بتوسط السلع، وهو معنى صيغة ماركس الشهيرة (نقد-سلعة-نقد/ Money-Commodity-Money) أي إنتاج قيمة مالية زائدة بتوسط السلع.
الطبقة المترفة هي المنشغلة بتوليد المال من المال؛ صحيح أنها تستخدم إنتاج السلع كوسيلة وكوسيط في هذه العملية، إلا أن ما يحكم أداءها في النهاية هو توليد المال من المال. وقد أدى التطور المعاصر للاقتصاد إلى الاستغناء عن إنتاج السلع كوسيط في عملية توليد المال من المال، فأصبح المال يولد المال مباشرة عن طريق الأسهم والسندات والمضاربة في البورصات، وأصبح الاقتصاد المالي الاستثماري هو الشغل الشاغل للطبقة المترفة.
والطبقة المترفة هي التي تعزل نفسها عن العمل الشاق، أي العمل المنتج للقيمة الاستعمالية، وهي التي تتخصص في الأعمال المنتجة للقيمة التبادلية، أي المولدة للربح المالي. الطبقة المترفة هي الطبقة الاستثمارية التي لا تنشغل بإنتاج السلع كهدف في حد ذاته بل كوسيلة للربح النقدي. الطبقة المترفة هي التي تولِّد المال من المال، هي الطبقة التي "تلعب بالفلوس لعب"، هي الطبقة المقامرة التي تنظر إلى عالم الاقتصاد على أنه صالة قمار وتلعب فيه لعبة "بنك الحظ" Monopoly () . وقد أدت التطورات المعاصرة إلى أن اتخذ الاقتصاد شكلا يتفق مع نظرة الطبقة المترفة إليه، فالبورصات أصبحت صالات قمار بالفعل.
رابعا-الشركة المساهمة:
يذهب فبلن إلى أن هناك اعتقاد شائع لدى علماء الاقتصاد ورجال الأعمال معا بأن الشركة المساهمة تعمل على زيادة القدرة على توظيف الموارد بكفاءة أعلى وإنتاجية أكبر؛ فبدلا من أن تبقى المدخرات عاطلة أو مشتتة في مشاريع صغيرة تجمعها الشركة المساهمة لتكوين رأس مال كبير. والواضح أن هذا الاعتقاد يقوم على التسليم الضمني بأن تجميع المدخرات ورؤوس الأموال سوف يؤدي بالضرورة وبشكل تلقائي إلى كفاءة صناعية أعلى. ويفند فبلن هذا الاعتقاد ذاهبا إلى أن ما يتم جمعه هو في حقيقته مجرد نقود وودائع وأوراق بنكية لا مواد أولية وآلات يمكن استخدامها مباشرة في الإنتاج. إن ما يتم جمعه في الحقيقة ما هو إلا ائتمان يتم دمجه في رأس المال المؤسسي Corporate Capital ، وهو من جهة أخرى قرض مستحق الفوائد وعرضة لأن تتم المطالبة بسداده بالكامل في أي وقت، وبذلك يشكل عبئا على المشروع. فعندما يضع المساهمون أموالا في شركة تكون هذه الشركة بذلك مدينة لهم بأموالهم التي هي في حقيقتها قروض، ومن جهة أخرى فإن مساهماتهم ما هي إلا وثائق ملكية Records of Ownership ، بمعنى أن الوظيفة الأساسية لأموالهم أنها تعطيهم الحق في ملكية جزء من مشروع قائم ( 36) . لكن هل هذه الوثائق والائتمانات يقابلها مواد أولية موظفة بالفعل أم لا؟ وهل تقابلها مهارة تقنية أم لا؟ هذا سؤال مفتوح ومتروك للمستقبل ولا يمكن الإجابة عليه في وقت محدد، لأن الإجابة عليه تتطلب مراقبة مستمرة لأداء المشروع عبر تاريخه كله. الحقيقة أن كثيرا من المشروعات يستقبل مساهمات بأكثر مما تحتمله قدراتها الإنتاجية، وبذلك تكون هذه المساهمات ديونا مستحقة وعبئا إضافيا عليها.
إن الأسهم في حقيقتها هي حق غيابي Absentee Right في جزء من مجمل السلع التي يملكها المجتمع والقابلة للمتاجرة بها. عندما أقوم بشراء أسهم في شركة فكأنما أقوم بشراء حق في السلع التي يتم تداولها تجاريا، وهو حق غيابي، لأنني لست منشغلا لا في إنتاجها ولا في دورانها التجاري. ولأن كمية السلع المتاحة في مجتمع ما محددة فإن أي زيادة في الأسهم لا تعني زيادة تلقائية في كمية السلع ولا زيادة في كفاءة الإنتاج، بل تعني زيادة عدد المساهمين الذين يملكون الحق في نفس كمية السلع القائمة ( 37) ، وهذا يعني انخفاضا في قيمة العملة والتضخم النقدي. ونستطيع أن نضيف إلى تحليلات فبلن أن هذا بالضبط هو ما يدفع النظام الرأسمالي نحو المزيد من التوسع، ذلك لأن الثبات على الحالة التي يصفها فبلن تعني الركود وتؤدي إلى تعطيل الاقتصاد بأكمله؛ يجب أن يستمر النظام في الحركة بصفة دائمة، وهذا هو مصدر القوة الدافعة لتوسعه المستمر. إن ما يحكم الأداء الاقتصادي الرأسمالي هو الهروب المستمر من التضخم.
يوضح التحليل السابق أهمية المجال الوسيط بين النقد والسلعة مما يعد خروجا عن عقائد الاقتصاد النيوكلاسيكي. هذا المجال الوسيط هو مجال رأس المال المؤسسي والشركات المساهمة. وفي حين انتقل ماركس مباشرة من تحليله للسلعة Commodity إلى النقد Money ثم إلى السلعة مرة أخرى: (C-M / M-C) ، يكشف تحليل فبلن أن هناك هوة واسعة بينهما، وأن هذه الهوة تؤثر تأثيرا بالغا في دوران رأس المال، ذلك لأن زيادة عدد المساهمين وزيادة ما يقذفونه من رؤوس أموال لا يؤدي إلى النمو بالضرورة بل يؤدي في أغلب الأحيان إلى الكساد والتضخم. لكن على الرغم من ذلك لا يزال هناك تشابها بين تحليل فبلن وتحليل ماركس، لأن التحليلين ينتهيان إلى نتيجة واحدة وهي أن الكساد يولد من بين آليات عمل الاقتصاد الرأسمالي. خلاصة ما يقوله فبلن أن مجرد الزيادة في رؤوس الأموال لا ينتج عنها بالضرورة زيادة في النمو والإنتاجية وكفاءة أعلى في توظيف عناصر الإنتاج؛ إن توظيف الموارد Allocation of Resources يختلف تماما عن توظيف الاستثمارات Allocation of Investments.
كما ينتج عن زيادة الاستثمارات والائتمانات زيادة في الثروة النقدية فقط، وزيادة في القوة الشرائية المباشرة والحالية، لا زيادة في الإنتاج الذي لا يأتي مباشرة بل في المستقبل القريب أو البعيد. يشير فبلن بذلك إلى تناقض بين الاستثمار والإنتاج، حيث يكون لكل منهما منطق مختلف وحركة مختلفة؛ فالاستثمار ذو طابع نقدي وعوائده نقدية تزيد القوة الشرائية في الحال، أما الإنتاج فليس شرطا فيه أن ينطوي على نقد مستثمر فيه، فالمهم في الإنتاج الموارد الطبيعية والبشرية الموظفة فيه مع المهارة التقنية التي تديره. وعن الاستثمار النقدي بهدف جني الربح النقدي يقول فبلن:
في كل البلاد المتحضرة التي يسود فيها نظام الأسعار يعدد الناس ثرواتهم بالقيمة النقدية. ومن جراء العادة المستقرة التي يحدثها التطبيق الطويل للنظرة إلى المكسب الصافي على أنه مكسب نقدي، وصل الناس إلى قناعة بأن القيمة النقدية أكثر حقيقية وجوهرية من أي حقائق مادية في هذا العالم. حتى أن الغاية النهائية لأي مشروع أعمال تكون دائما في البيع، الذي يحصل به البائع على سعر بضاعته؛ وعندما يبيع شخص ما بضاعته ويصبح صاحب ائتمان  يقال أنه "حقق" ثروته Realized . في عالم الأعمال تكون أسعار الأشياء واقعة أكثر جوهرية من الأشياء ذاتها.. إن الاستخدام اللامتناهي للائتمان قد مكن الثروة النقدية أن تتضاعف في اليد، وهي ليست إلا تعبيرا عن ما يقابلها من السلع..( 39)
يشير فبلن هنا إلى حقيقة هامة وهي أن الأعمال عندما يكون هدفها تحقيق الربح في صورة نقد فهذا يعني أنها ليست إلا صاحبة ائتمان، أي لا تملك في الحقيقة إلا وعودا بالدفع، وهذه الوعود مقامة على الكمية القائمة بالفعل من السلع والخدمات في المجتمع. وبذلك تكون زيادة الربح هي زيادة في الحق في نفس كمية السلع والخدمات القائمة، وهذا يعني الكساد.
صحيح أن تطور تكنولوجيا الإنتاج يعمل على الإقلال من سلبيات تضخم الائتمانات، إلا أن حجم المساهمات، أي حجم رؤوس الأموال النقدية، غالبا ما يفوق درجة التطور التكنولوجي وقدرته على زيادة الإنتاجية، وبالتالي يظل النظام على شفا الأزمة دائما ( 40) . وفي هذا السياق يصبح لأطروحة جوزيف شومبيتر Schumpeter معنى جديدا، إذ تذهب إلى أن التطور التكنولوجي هو الذي يمكن الرأسمالية من تجاوز أزماتها، ذلك لأنه يعمل على زيادة الإنتاجية. ( 41) الحقيقة أن التطور التكنولوجي في حد ذاته لا يحفزه هدف زيادة الإنتاجية، بل يحفزه ضرورة مقابلة زيادة رؤوس الأموال بزيادة مماثلة لا في التوسع الأفقي للمشروع وحسب بل في توسعه الرأسي، أي في "زيادة تعقد التركيب العضوي لرأس المال الثابت"، الذي هو التطور التكنولوجي منظورا إليه من وجهة نظر رأس المال. ولا يستطيع النظام تجنب الأزمة عندما يكون معدل التطور التكنولوجي أبطأ من معدل زيادة رؤوس الأموال، وهذا هو السبب في أن الدول الرأسمالية تولي اهتماما كبيرا بالأبحاث العلمية، لأن مصير النظام الرأسمالي متعلق بإيجاد طرق تكنولوجية جديدة تمكنه من توظيف رؤوس أموال جديدة وزيادة الإنتاجية وبالتالي تفادي الأزمة.
يصف فبلن الشركة المساهمة بقوله أنها تنشأ نتيجة "تحويل ائتماني جماعي" Collective Credit Transaction من قبل المساهمين إلى الشركة، ومن جهة أخرى تكون الشركة عبارة عن دائن غير شخصي للمساهمين ( 42) ، كما أن المساهمين ليسوا مساهمين شخصيين في الشركة لأن ارتباطهم بها شكلي وعرضي، إذ يستطيعون تحويل استثماراتهم لمشروع آخر. إن أهم نتيجة مترتبة على هذا التوصيف تتمثل في أن الشركة المساهمة تعبر عن الطابع الجماعي اللاشخصي وغير الفردي الذي تطور إليه رأس المال والاستثمار النقدي في النظام الرأسمالي. لم يعد هناك مستثمر مفرد يملك رأسمالا يوظفه بنفسه في مشروع واحد يديره بنفسه، بل أصبح المجتمع كله مستثمرا، وأصبحت الشركة المساهمة ملكية جماعية مشتركة. وهنا تصح نبوءة ماركس القائلة أن النظام الرأسمالي يتطور نحو أشكال جماعية في الملكية ويفرز من داخله مجتمعا جديدا تسود فيه الملكية المشتركة. لكن على الرغم من هذا التطور للشركات المساهمة نحو الملكية الجماعية إلا أن هياكلها الإدارية لا تزال تديرها باعتبارها ملكية خاصة وبمنطق الربح الخاص، وذلك بأن تقدم للمجتمع وهماً يقول أن أملاك الشركة هي ملكية خاصة للمساهمين فيها، في حين أن هؤلاء لا يمتلكون في الحقيقة إلا أسهماً وسندات بستطيعون تحويلها إلى مال سائل في أي وقت أو تحويل استثماراتهم إلى مشروع آخر في دقيقة واحدة. إن هذه المرونة الفائقة في تحول رأس المال النقدي من مشروع لآخر في لمح البصر يشير إلى أن الملكية الحقيقية لرأس المال ليست مرتبطة بمشروع معين، بل هي ملكية عمومية لجزء من مجمل ثروات المجتمع وقواه الإنتاجية.
لكن مع وجود هيكل إداري يدير الشركة بمنطق الملكية الخاصة والربح الخاص تظل الشركة تحت رحمة الأزمات الدورية للرأسمالية. ويكون مصير الشركة المساهمة ألا تعمل إلا في ظل الرخاء والانتعاش الاقتصادي فقط، ولا تستطيع أن تعمل في ظل سوق ينهار أو اقتصاد في أزمة ( 43) ؛ فلأن عليها التزامات للمساهمين والمودعين فهي لا تستطيع تحقيق أرباح إلا مع عوائد مالية كبيرة، وهذا لا يتحقق بصفة مستمرة. وتنهار الشركة في لمح البصر إذا هبطت الأسعار، وهذا ما يجعل مصالحها تتناقض مع مصلحة المجتمع، لأن مصلحته في أن تتوفر السلع بسعر رخيص في حين أن نفس هذا الهدف يؤدي إلى انهيار الشركة. كما تكون الشركة مهددة دائما بفقدان رؤوس أموالها، لا لخسارتها في السوق أو لفشلها في العملية الإنتاجية، بل لمطالبة المساهمين باسترداد أموالهم أو تسييل ما لديهم من أسهم وسندات في البورصة إذا قل العائد الذي تقدمه الشركة. وبذلك ينهار المشروع الرأسمالي لا لفشله في الإنتاج أو في التوزيع المربح بل لفشله في البورصة؛ لا لنقص في كفاءته الإنتاجية بل لنقص في كفاءته المالية.
وهكذا يصبح الاهتمام الأساسي للشركة المساهمة ليس تحقيق زيادة في الإنتاج بل الحصول على مزيد من رؤوس الأموال والمحافظة على ربحية عالية بتثبيت أسعار عالية عن طريق تقليل المعروض من السلع ( 44) . وحدث في عصر فبلن (1923) أن تم السعي نحو تجميع رؤوس الأموال وأصبح هذا هو الشغل الشاغل للشركة لا زيادة الإنتاجية. والحقيقة أن هذا هو ما أدى إلى الكساد الكبير سنة 1929 بعد سنوات قليلة من تقديم فبلن لتحليلاته. ويذهب فبلن إلى أن السائد في عصره هو أن أدوات الإنتاج لا تعمل إلا بنصف طاقتها في حين تسعى الشركات نحو الحصول على المزيد من رؤوس الأموال. وقد وصف علم الاقتصاد المعاصر هذه الظاهرة بمصطلحين: فرط رأس المال Over-Capital وفرط الاستثمار Over-Investment . وفي ذلك يقول فبلن: "من الصحيح أن المجتمع، بعيدا عن الاهتمامات الاستثمارية، هو المستفيد من الكمية المتعاظمة للسلع ومتطلبات الحياة الأخرى؛ لكن في أي بلد متحضر تسود متطلبات الاستثمار، ووفقا لمبادئ رجال الأعمال لا يزال من الأفضل والأصح أن تظل حاجة المجتمع للعمل وللسلع منتظرة حاجة رجال الأعمال إلى الربح الصافي" ( 45) .

خامسا-المشروع الصناعي والمشروع الاستثماري:
أليس المشروع الصناعي مشروعا استثماريا؟ ألا يهدف أي مشروع صناعي إلى الربح وبذلك يكون استثماريا؟ ألا يتضمن أي مشروع صناعي توظيف رؤوس أموال محتويا بذلك على جانب مالي هام يجعله مشروعا استثماريا؟ لقد اعتدنا على هذه النظرة السائدة للمشروع الصناعي على أنه مشروع استثماري وأخذنا الربط بينهما على أنه مسلمة ليست في حاجة إلى نقاش، وذلك من جراء العادة المستقرة التي أحدثتها فينا مجريات الأمور في الاقتصاد المعاصر. لكن ليست الحقيقة بسيطة وكما تتبدى للوهلة الأولى؛ صحيح أن الجوانب المالية والربحية مرتبطة أشد الارتباط بأي مشروع صناعي في الاقتصاد المعاصر، إلا أنه ليس ارتباطا حتميا وأبديا، فهناك انفصال وتمايز فعلي بين الجانبين كشف عنه فبلن؛ إن هذا الارتباط نسبي وتاريخي، بمعنى أنه متعلق بمرحلة تاريخية معينة من التطور الاقتصادي حيث تسيطر الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج على الصناعة، ولن يبقى هذا الارتباط عندما يتطور النظام القائم إلى شئ آخر. من الممكن تصور مجتمع آخر لا تسيطر فيه الاعتبارات الربحية على الإنتاج، حيث يكون الإنتاج في صالح الجميع لا في صالح فئة صغيرة من المجتمع. وهذا التصور هو القوة الدافعة وراء نقد فبلن، ومن قبله ماركس، للاقتصاد، ووراء طرحمها للبديل، البديل الذي يخلص العملية الإنتاجية من المصالح الربحية المسيطرة عليها في سبيل مصلحة المجموع.
يكشف فبلن عن تناقض رئيسي في ظل العصر الصناعي بدأ يتضح مع تطور التكنولوجيا والاقتصاد المالي، وهو التناقض بين الجانب التكنولوجي والفني من المشروع والجانب المالي والإداري له. لقد أدى تطور أساليب الإنتاج إلى ظهور تقسيم جديد للعمل داخل المشروع الواحد بين من يديرونه من تقنيين وعمال من جهة ومن يديرون الشئون المالية والإدارية به. وأدى الاختلاف في طبيعة عمل الطرفين وفي الأهداف التي يسعى إليها كل طرف إلى تضارب المصالح بينهما. ويتتبع فبلن نشأة هذا التناقض تاريخيا ابتداء من تمايز الوظائف التي كان يقوم بها رائد الصناعة Captain of Industry .
1. التقني ورجل الأعمال:
يرسم علماء الاقتصاد الكلاسيك والنيوكلاسيك صورة عن الاقتصاد باعتباره مجالا للمبادرة الفردية، ويلحقون هذه المبادرة الفردية بالمقاول Entrepreneur أو رائد الصناعة. ورائد الصناعة في نظرهم شخص يتمتع بحاسة اقتصادية عالية وبشجاعة وقابلية على المخاطرة بماله، وبحاسة تقنية عالية تجعله يطبق الاكتشافات العلمية على العملية الإنتاجية، وبذلك يكون مبتكرا تقنيا وصانعا للآلات. إن رائد الصناعة كان ظاهرة موجودة بالفعل في بداية الثورة الصناعية، لكن مع تطور الاقتصاد لم تعد له مثل تلك الأهمية، ذلك لأن دوره انتهى أو كاد في مجال الاقتصاد ككل "مثلما انتهى دور الملك في النظام السياسي الغربي أو الجنتلمان الإنجليزي أو الكهنوت المسيحي". ويذهب فبلن إلى أن العادة المستقرة والمتوارثة عبر أجيال عديدة هي السبب وراء استمرار النظر إلى رجل الصناعة على أنه الفاعل الأول في الاقتصاد ( 46) ؛ فدائما ما تعيش المؤسسة أو الفكرة أو الاعتقاد الاجتماعي فترة أطول من قاعدتها المادية وحواملها الاجتماعية؛ هذا بالإضافة إلى أن الخطابة السياسية والإعلامية السائدة لا تزال تعطي الإيحاء للناس بأهمية ما يسمى برائد الصناعة، فهي تعمل على استمرار مؤسسة رائد الصناعة على المستوى الأيديولوجي.
ومن جراء زيادة تقسيم العمل وضخامة حجم العمل الصناعي حدث أن توزعت مهام رجل الصناعة بين مدير الأعمال Business Management ومن تحته من الموظفين المنشغلين بالعمل الإداري من جهة، والمهندس Engineer أو التقني Technician ومن تحته من العمال الصناعيين من جهة أخرى، وهذا ما أدى إلى اختفاء رجل الصناعة بنائيا على الرغم من أنه لا يزال موجودا على مستويات صغيرة ونادرة مثل المشروعات الصناعية الصغيرة والناشئة. وبالتالي حدث انفصال في المهام والمصالح بين مدير الأعمال الذي لا يهمه إلا تعظيم الربح ولا يعرف عن المشروع إلا شئونه الإدارية والمالية، والخبير التقني الذي لا توجهه الاعتبارات الربحية بل اعتبارات الكفاءة الإنتاجية وتطوير التكنولوجيا. كما تتعارض أهداف الطرفين على نحو جذري، إذ يصبح هدف رجل الأعمال خلق حاجات جديدة يشبعها هو وبالسعر الذي يحدده هو، أما التقني فتكون مهمته إشباع الحاجات الموجودة بالفعل في المجتمع بإيجاد السبل التقنية لزيادة الإنتاجية وتقليل التكلفة. يعمل رجل الأعمال على خلق طلب جديد باستمرار، أما التقني فيتعامل دائما مع الطلب القائم هادفا تلبية احتياجات القاعدة العريضة من المجتمع بسعر يناسبها.
ونظرا لتزايد أهمية الجانب المالي من المشروع وللسلطة الجديدة التي اكتسبها رجل الأعمال المسيطر على هذا الجانب المالي، ألحق به علم الاقتصاد أهمية لا يستحقها في العملية الإنتاجية، وأضافه إلى عناصر الإنتاج الأساسية فأصبح عنصرا رابعا بعد الأرض والعمل ورأس المال تحت مسمى المقاول Entrepreneur أو المنتج Producer ، (يعد جوزيف شومبيتر أول اقتصادي يدخل المقاول باعتباره العنصر الرابع من عناصر الإنتاج، وكان هذا تحت تأثير المدرسة التاريخية الألمانية وبالأخص فرنر زومبارت) في حين أنه لا ينتج شيئا على الإطلاق، لأن التقني هو الذي يباشر العملية الإنتاجية بكل تفصيلاتها وهو المنتج الحقيقي، أما رجل الأعمال فليس إلا مديرا ماليا يكتسب سلطة مما يسيطر عليه من أموال. وأصبح من عادة الاقتصاديين أن يلحقوا ما تحقق من إنتاجية عالية في الصناعة ومن تطور تكنولوجي عال برجال الأعمال مرجعين إليهم كل الفضل، وذلك تحت ادعاء بما لديهم من روح مبادرة ورغبة في المخاطرة وحس إنساني نبيل يدفعهم لتحسين الأحوال المادية لمجتمعهم وتوفير الرخاء والرفاهية للجميع. وليس هذا صحيحا بالطبع، إذ لا يرقى هذا الكلام إلا أن يكون دفاعا أخلاقيا عن رجال الأعمال يغطي على الطبيعة الاستغلالية والطفيلية لعملهم. الحقيقة أنه ليس لرجال الأعمال دخل في زيادة الإنتاجية ولا في التطور التكنولوجي، فهذه الإنجازات من عمل التقنيين وما يبدعوه من تطوير على الآلات الإنتاجية ومن تطبيقات للعلم على العملية الإنتاجية.
يظل علماء الاقتصاد يتحدثون عن رجل الأعمال على أنه رجل صناعة وهذا خطأ؛ صحيح أن المقاول القديم في القرن الثامن عشر كان يجمع بين الوظائف المالية والإدارية والتقنية، إلا أن هذه الوظائف قد تمايزت وانفصلت عن بعضها منذ منتصف القرن التاسع عشر، وبذلك يكون علم الاقتصاد السائد مصابا بما يصيب كل فكر أيديولوجي تبريري وهو نزعة المفارقة التاريخية Anachronism، أي استخدام أفكار قديمة مرتبطة بوضع اجتماعي انتهى نتيجة التطور وخلفه التاريخ وراءه لتبرير الأوضاع الجديدة. بل إن ما استجد في القرن العشرين أن رجل الأعمال التقليدي اختفى وظهر بدلا منه رئيس مجلس الإدارة، لأن رجل الأعمال لم يعد يباشر العمليات المالية والإدارية بنفسه بل أصبح مديرا يضع الخطط والأهداف والاستراتيجيات لجيش من الموظفين الذين ينفذونها.
ولا يستطيع التقني أن يباشر عمله إلا بموافقة رجل الأعمال، وتكون موافقته بناء على الحسابات الربحية، فإذا كان للمشروع عائد ربحي سمح رجل الأعمال للتقني بأن يباشر عمله، وإذا لم تكن أوضاع السوق تسمح بتسويق مربح للمنتج فعلى رجل الصناعة أن ينتظر إلى أن تتحسن ظروف الأعمال المالية والربحية. وبذلك نشأت علاقة تراتبية بين رجل الأعمال والتقني، حيث حاز رجل الأعمال على سلطة صنع القرار الاقتصادي بناء على المصلحة الربحية لما يسيطر عليه من أموال، أما التقني فيرتبط بعلاقة تبعية برجل الأعمال ولا يستطيع مباشرة عمله إلا إذا حقق عمله هذا ربحا لرجل الأعمال. إن هذا النوع من التناقض لم تعرفه الماركسية، إذ ركزت دائما على تناقض واحد بين رأس المال والعمل المأجور أو الرأسماليين والعمال، لكن يكشف تحليل فبلن عن أن زيادة تقسيم العمل تؤدي إلى ظهور تناقض جديد ينبئ بصراع جديد داخل طرف رأس المال نفسه بين رجل الصناعة والتقني، ذلك لأن من كان يسميه ماركس "الرأسمالي" لم يعد موجودا وانقسمت وظائفه إلى جانب تقني وجانب مالي، ويتولى الجانب التقني المهندسون والتقنيون ويتولى الجانب المالي رجال الأعمال، والتناقض الجديد هو بين هاتين الفئتين لا بين ما كان يسمى بالرأسمالي والعامل.
2. التناقض بين المشروع الصناعي والمشروع الاستثماري:
يميز فبلن بين إنماء وتوسيع المشروع الصناعي من جهة وتحقيق الأرباح من جهة أخرى. يعتمد إنماء وتوسيع المشروع الصناعي على التحكم في الآلات والسيطرة على الموارد والطاقة، وهذه كلها لا تؤدي مباشرة إلى تحقيق الربح، إذ يعتمد تحقيق الربح على أعمال المساومات والعقود والمنافسة، وهي كلها أمور تنتمي لمجال الأعمال Business لا لمجال الصناعة Industry . "الإنتاج مسألة تتعلق بالعمل، أما الأرباح فمسألة تتعلق بالأعمال المالية". ينجح فبلن بهذا التمييز في تجاوز النظرة الأحادية لعلماء الاقتصاد النيوكلاسيك في عصره والذين عالجوا العملية الإنتاجية على أنها عملية صناعية تنتهي بإنتاج السلع، غير منتبهين إلى أن السلع ذاتها ليست نقطة النهاية بل تخضع بعد إنتاجها لدورة اقتصادية أخرى تسيطر عليها الاعتبارات المالية والربحية. كما أن تمييز فبلن بين الصناعة والأعمال يناظر تمييز ماركس بين رأس المال الثابت رأس المال المتغير، وبين دورتين لرأس المال:
دورته باعتباره سلعا يتم تبادلها بتوسط النقد Commodity-Money-Commodity (C-M-C) ، ودورته باعتباره نقدا يتم دورانه بتوسط السلع Money-Commodity-Money (M-C-M).
ولأن الإنتاج يسيطر عليه رجال الأعمال بمصالحهم المالية الربحية فقد ظهر السوق باعتباره المقولة الاقتصادية الأساسية. ليس السوق في أدبيات الاقتصاد النيوكلاسيكي وأهميته المركزية فيها سوى أثر لسيطرة الاعتبارات الاستثمارية على الصناعة، ذلك لأن المستثمرين يتحكمون في الإنتاج لا لزيادته أو لتقديم خدمة للمجتمع، بل لجني ربح مالي. وهنا يحتل السوق المكانة الأولى والأساسية لأنه هو ما يتحقق فيه الربح. وتؤدي سيطرة الاعتبارات الربحية على عملية الإنتاج إلى صعود أهمية تسويق البضائع وتطغى على عملية الإنتاج.
كما يؤدي إعطاء الأولوية للتوزيع على الإنتاج إلى تحميل تكاليف التسويق على سعر السلعة، وتتعاظم تكاليف التسويق حتى تساوي تكاليف صناعة السلع ونقلها، ويستعد رجل الأعمال دائما لزيادة تكاليف التسويق لأن القيمة التبادلية النقدية هي ما يهمه. وتكاليف التسويق أيضا هي تكاليف المنافسة، وعندما تحمل تكاليف المنافسة على سعر السلعة فيكون المستهلك بذلك دافعا لتكاليف تنافسية ليس لها أي دخل في تكاليف إنتاج السلعة التي يشتريها. وهكذا يرهق عالم الاستثمار والتنافس المالي بين رجال الأعمال عالم الإنتاج والقوة الشرائية للمجتمع كله. المستهلك يدفع ثمن الدعاية الإعلانية وثمن الأرباح المستحقة على النقد الموظف في الإنتاج والذي يدخل باعتباره أسهما وسندات وقروض. يشتري المستهلك سلعة لما تشبع لديه من حاجات ولقيمتها الاستعمالية، وهذا على مستوى الظاهر، إذ هو في الحقيقة يدفع ثمن تكاليف غير إنتاجية تربو على نصف سعر السلعة وأكثر. سعر السلعة إذن ليس هو سعرها الحقيقي، أي سعر إنتاجها، بل هو في حقيقته سعر ربوي.
ويصبح فشل المشروع الصناعي هو فشل مردوده الربحي، فشل استثماري في الأساس، لا فشله في العملية الإنتاجية ذاتها أو فشل المنتج في إشباع حاجة المستهلك لعيب فيه مثلا. فشل المشروع الصناعي يأخذ صورة إفلاس مالي وعجز عن خدمة الأسهم والسندات المستثمرة فيه. وكأن فبلن سنة 1904 يصف بالضبط الأزمة الاقتصادية الكبرى سنة 1929 المعروفة بالكساد الكبير، إذ بدأت هذه الأزمة باعتبارها انهيارا ماليا في بورصة نيويورك تبعتها انهيارات مماثلة في بورصات الدول الصناعية الأخرى؛ وكذلك كانت طبيعة الأزمة الاقتصادية لدول جنوب شرق آسيا سنة 1997. إذا كان أحد أهم أهداف العلم الوصول إلى قدرة تنبئية عالية حول الظاهرة المدروسة، فها هو فبلن يتنبأ بما سوف تكون عليه الأزمات الاقتصادية في المستقبل وينجح في هذا التنبؤ، ويصدق تنبؤه هذا حتى في سنة 1997.
وتتحكم الاعتبارات الربحية في عملية الإنتاج ذاتها، وخاصة في إدخال تكنولوجيا حديثة. لا تدخل آلة جديدة أو اختراع حديث في عملية الإنتاج ما لم يكن لإدخالها عائد ربحي، في حين أن إدخال اختراع جديد من شأنه توفير الطاقة والجهد البشري وزيادة الإنتاج. لكن الاعتبارات الربحية المسيطرة على العملية الإنتاجية ليست مهتمة بتوفير الطاقة أو الجهد أو زيادة الإنتاج ما لم يكن لهذه الأشياء عائد ربحي. وهذا ما حدث بالفعل في كثير من أفرع الصناعة الحديثة. والاعتبارات الربحية ذاتها هي ما يشكل عائقا أمام إدخال التكنولوجيا الحديثة للبلاد النامية. فإذا رأى المستثمر في دول العالم الثالث أن إدخاله لتكنولوجيا حديثة لن يحقق له ربح مالي يظل يستخدم الهيكل الصناعي القديم مبقيا على تكنولوجيا الإنتاج في مستوى متخلف. هذا بالإضافة إلى أن ما يسمى بهجرة رؤوس الأموال من الغرب إلى دول العالم الثالث نظرا للمردود الربحي العالي في هذه الدول يثبت أطروحة فبلن حول إعاقة الاعتبارات الربحية لتطور تكنولوجيا الإنتاج، ذلك لأن رؤوس الأموال تميل إلى الانتقال إلى المناطق التي تشهد تركيبا عضويا بسيطا لرأس المال الثابت، أي المناطق ذات التكنولوجيا الأدنى، لأن بساطة العملية الإنتاجية بها تجعل المردود الربحي لرأس المال أعلى، نظرا لانعدام التكاليف التكنولوجية بها. وبالتالي يعمل رأس المال المهاجر على الحفاظ على الوضع المتأخر لأساليب الإنتاج في هذه المناطق، لأن تأخرها هذا هو مصدر ربحه الأعلى الذي لا يستطيع تحقيقه في بلده ذات التركيبة التكنولوجية العالية.
الاعتبارات الربحية إذن تعوق تطور أساليب الإنتاج، إذ تشكل قيدا عليها. وبذلك يضفي فبلن بعدا جديدا على نظرية ماركس القائلة أن علاقات الإنتاج، ومن بينها أسلوب توزيع الثروة، يعيق تقدم قوى الإنتاج. كانت علاقات الإنتاج عند ماركس هي الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج والعمل المأجور الذي يخضع لاستغلال الرأسمالي، ويعمق فبلن من هذه النظرية ذاهبا إلى أن علاقات الإنتاج توسعت فلم تعد مجرد ملكية خاصة لأدوات الإنتاج وحسب بل ملكية استثمارية ذات أهداف ربحية. ليست الملكية الخاصة في حد ذاتها هي المعوق الأساسي لتطور قوى الإنتاج، بل تحكم المشروع الاستثماري في عملية الإنتاج. ويكتسب تحليل فبلن هذا دلالة معاصرة بعد أن انفصلت الملكية عن الإدارة، فلا يعد مهما الآن من يملك المشروع بل من يديره، والإدارة الآن إدارة استثمارية ربحية، وهي بالفعل ما يعيق تطور قوى الإنتاج.
يبرر علماء الاقتصاد النيوكلاسيك - ومعهم الخطباء السياسيين والإعلاميين وكل من يدافع عن النظام- وجود المستثمر على رأس النظام الاقتصادي بذهابهم إلى أن الدور الذي يلعبه مركزي وأساسي، إذ يتخصص في الجانب المالي من المشروع ويتولى تمويله بالنقد ويطرح أسهم وسندات في البورصة تزيد من القيمة المالية للمشروع ومن الأموال المستثمرة فيه. وهذا كله صحيح، إلا أنه لا يعني اتخاذ المستثمر الأولوية المطلقة على كل عناصر المشروع الأخرى. المستثمر في حقيقته ليس إلا مستخدما لائتمان، سواء كان هذا الائتمان أمواله الخاصة التي يوظفها في المشروع أو أموال أناس آخرين جمعها بطرح أسهم وسندات. واستخدام الائتمان لا يؤدي إلى كفاءة أعلى في الإنتاج أو إلى زيادته، لأن هذا من شأن القدرة التقنية على تطبيق العلم والتكنولوجيا على العملية الإنتاجية، بل يؤدي استخدام الائتمان إلى مجرد تقليل الزمن الذي يدور فيه رأس المال، لأن الائتمان في حقيقته لا يعمل إلا على تسهيل عمليات التسويق. الائتمان يخص التجارة، أي المتاجرة بالسلع بعد إنتاجها، ولا يخص كثيرا عملية إنتاجها ذاتها. وبذلك يصبح الائتمان ضروريا في ظل المنافسة، إذ يؤدي إلى تسويق سريع وبيع سريع ومردود ربحي سريع، لكن لا يؤدي إلى مردود ربحي أعلى. وهذا ما يريده رجال الأعمال.
الائتمان في الحقيقة يؤدي إلى ربح أقل إذا ما زاد على القدرة الاستيعابية للمشروع، أي قوته الإنتاجية، ذلك لأنه يعني عبئا ماليا مضافا على القوة الإنتاجية المستخدمة نظرا للالتزام بسداد الفوائد والأرباح المستحقة على النقد الموظف في المشروع. إن المجال الأساسي للائتمان هو دورتين: الدورة التوزيعية السوقية لرأس المال، أي دورانه كسلع، والدورة النقدية الخالصة لرأس المال، أي بدايته باعتباره نقدا قبل توظيفه في مشروع، وانتهائه إلى أن يعود نقدا أيضا بعد البيع وإضافة الأرباح. أما الدورة الإنتاجية لرأس المال فلا تتضمن النقد، بل تتضمن توظيف العلم والتكنولوجيا في التعامل مع المواد الخام ومعالجاتها الكيميائية، أي كل ما يخص العالِم والمهندس والتقني.
ليست القيمة النقدية للمشروع مساوية لقيمته الحقيقية أبدا، أي لقيمة الأرض المقام عليها والآلات المستخدمة والعمالة الموظفة، فهي دائما ما تفوق قيمته الحقيقية بكثير. والدليل على ذلك أن القيمة النقدية للمشروع تقل عندما يسال، أي عندما يتم بيعه في صورة نقد سائل Liquidation ، وهذا لأنه يحتوي على ائتمانات مقامة في وقت الرخاء، أي في بداية المشروع، على أمل أن توفي الأسعار الالتزامات المالية للائتمان ولرأس المال النقدي المستثمر، فيحدث أن يزيد دخول رأس المال النقدي ويفوق قدرة المشروع على الوفاء بالأرباح، وبالتالي يكون سعر تسييله هو سعره الحقيقي، والفرق بين رأس المال المستثمر فيه وما تحصل عليه من سعر بيعه هو رأس المال العاطل أو الزائد أو الذي يفوق قدرته الربحية، أي رأس المال المتأمِّل Speculator .
إن منطق التطور التكنولوجي يعتمد على إشاعة المعلومات وحرية تداولها، فهذا هو ما يمكن العلم من أن يتحول إلى التطبيق بسهولة، ومن التطبيق أن يولد تطبيقات أخرى، أما منطق الأعمال والاستثمار فيعتمد على السرية والإبهام والخداع. هذا التناقض بين المنطقين في غير صالح العملية الإنتاجية، وبالتالي يؤدي الإبهام والسرية المصاحبة لعالم الاستثمار المسيطر على الإنتاج إلى تعطيل القوى الإنتاجية ويعيق تطورها.
والاحتكار هو النتيجة المنطقية لسيطرة الاعتبارات الربحية على الإنتاج، ذلك لأنه يجمع رؤوس الأموال الصغيرة لتكوين رأس مال كبير، مما يخفف من حدة التنافس بين رؤوس الأموال الصغيرة، ويعمل على السيطرة على السوق. وما مكن ظاهرة الاحتكار من الظهور والانتشار هو حقيقة الاعتماد المتبادل والتشابك العضوي بين كل فروع الصناعات الحديثة، وعلى الأخص الصناعات الأساسية مثل الحديد والصلب والسكك الحديدية والتعدين والبترول والفحم والصناعات الكيماوية. تعتمد هذه الصناعات على بعضها بكل عضوي ومتداخل، وهذا ما سهل عملية السيطرة الاحتكارية عليها بضمها جميعا تحت رأس مال واحد وإدارة واحدة استطاعت التنسيق بينها بسهولة نظرا لتداخلها الأصلي والاعتماد المتبادل بينها.
أدى التطور التكنولوجي إلى زيادة التشابك والاعتماد المتبادل بين مختلف الصناعات مما يحتم التنظيم المركزي للتنسيق بينها. أن هذه الحقيقة هي ما سهلت ظهور الاحتكارات، إلا أنها تشير إلى ضرورة التنظيم المركزي للتنسيق بينها. لقد اختفى الطابع الفردي للمشروع الرأسمالي وتحول إلى مشروع مخطط؛ صحيح أن هذا التخطيط يتم في ظل مؤسسات احتكارية بهدف الربح، إلا أن هذه الواقعة لا يجب أن تشتت انتباهنا عن ضرورة سيطرة المجتمع على اقتصاده والتي يجب أن تأخذ شكل إدارة مخططة ديمقراطية للاقتصاد. ويكشف تحليل فبلن هذا عن صدق تحليلات ماركس المشابهة الذاهبة إلى تزايد الطابع الاجتماعي لعملية العمل الرأسمالية مما يضغط على الإطار القانوني للملكية الخاصة. هذا بالإضافة إلى أنه لم يكن من الممكن ظهور التنظيم المركزي للاقتصاد في التجارب الاشتراكية ما لم يوجد مثل هذا التشابك والاعتماد المتبادل بين الصناعات المختلفة منذ البداية. كما يذهب فبلن إلى أنه بينما تشكل فروع الصناعة تلك الوحدة وهذا الطابع المتبادل، فإن عالم الأعمال والاستثمار يجعلها تتقاطع وتتعارض مع بعضها، وذلك أولا بسبب نظام الملكية الخاصة والملكية الغيابية، وثانيا بسبب إعاقة العمليات المالية للعملية الإنتاجية وآثارها السلبية على الصناعة. إن شكل الملكية يشكل عائقا أمام تطور قوى الإنتاج، وفي ذلك يقول فبلن: "إن حسابات الأعمال هي حسابات القيمة المالية، وهي ليست حقيقة مادية أو ميكانيكية؛ في حين أن حسابات الصناعة حسابات مادية ميكانيكية. وينتج عن ذلك أن أي تدخل من قبل استراتيجية الأعمال في تسيير الصناعة سوف يتمثل في إعاقة الإنتاج Sabotage ".
3. رجال الأعمال والدولة القومية:
كيف حدث أن سيطر رجال الأعمال على الدولة لصالحهم؟ يجيب فبلن على هذا السؤال بتحليله لبنية الدولة القومية ذاهبا إلى أنها في تطورها الحديث كانت تحمل دائما الشئ الكثير من أصلها الإقطاعي، وبذلك ورثت الدولة القومية الحديثة مبدأ التوسع الجغرافي والسيادة المطلقة على الحيز الذي تشغله من الأرض، تلك السيادة الموروثة من الحق المطلق للإقطاعي على الأرض التي يحوزها بمن عليها. ولأن جذور الدولة القومية جذور إقطاعية وشبه إمبريالية فقد كانت أداة مثالية في يد رجال الأعمال لتحقيق مصالحهم خارج الحدود.
والإمبريالية هي ما يجمع مصالح رجال الأعمال وطبيعة الدولة الحديثة، ويقول فبلن في ذلك: "إن كل الأمم المتحضرة تحدق بها الطموحات الإمبريالية، وطالما أتاحت لها الظروف لتحقيق هذه الطموحات فهي تظهر مستعدة دائما لإظهر المخططات الإمبريالية، مخططات تعمل لمصالحها المكتسبة، المموهة على أنها مخططات في سبيل رفعة الأمة". إن الدولة تعمل لمصالح رجال الأعمال لكنها تصور هذه المصالح على أنها مصالح الأمة، وهذا بالضبط ما تفعله إدارة بوش في حروبها على أفغانستان والعراق، إذ تدعي أنها تحمي أمريكا والعالم من الإرهاب في حين أنها لا تعمل إلا لصالح شركات البترول.
ويضيف فبلن أن هناك حاجة متزايدة لدعم الدولة لرجال الأعمال كما رأينا، وذلك لأن مشروعا رأسماليا يظل مقيدا بما يحيط به من تقاليد المجتمع وقيمه الأخلاقية، وهذا ما يدفع رجال الأعمال لأن يطلبوا دعما من الدولة، أي تصريحا بأن يعملوا تحت مظلتها وباسمها. وفي هذه الحالة يكتسبون شرعية ويتفادون التعارض بين مشروعاتهم والقيم الاجتماعية. وكأن فبلن يتنبأ بما سوف يحدث من تحالف بين الرأسمالية والدولة في عصر رأسمالية الدولة الذي بدأ في الظهور بعد تطبيق السياسات الكيـنزية.
وبالتالي تتفق مصالح الدولة القومية مع مصالح رجال أعمالها، ويصبح الهدف الأساسي لرجل السياسة الإمبريالي توسيع وتعظيم فرص رجال الأعمال في الخارج، أي توسيع نطاق ملكيتهم الغيابية على نطاق عالمي. يقول فبلن: "وبتوجيه طفيف من الشعور القومي يصبح المواطنون الأوفياء مقتنعين بأن هذه المكاسب الخارجية لرجال الأعمال سوف تفيد بطريقة ما المجتمع ككل. إن المكاسب التي يحصل عليها رجال الأعمال بالطرق الإمبريالية هي مكاسبهم الخاصة بالطبع، لكن أوهام التساند القومي تجعل المواطنين يعتقدون في أن هذه المكاسب سوف تفيدهم بطريقة ما عن طريق الضرائب التي يدفعها هؤلاء الملاك الغيابيون". لكن الحقيقة أن هؤلاء الملاك يستخدمون أموال دافعي الضراب لتحقيق مكاسب شخصية لهم في الخارج عن طريق الاستفادة من إمكانيات الدولة. وليس هذا وحسب، بل إن هؤلاء المواطنين غالبا ما يخضعون للتجنيد ويتم قذفهم في حروب إمبريالية ويضحوا بحياتهم في سبيل رجال الأعمال هؤلاء.
ويكشف فبلن عن طبيعة أخرى لعالم الأعمال في أمريكا بقوله: "إن المشروع الرأسمالي.. وخاصة المشروع المنفذ على نطاق واسع بحيث يجذب انتباه السلطات الفيدرالية، هو مشروع ينتمي إلى الملكية الغيابية. إن أي (إدارة أعمال) سوف تكون (إدارة أعمال كبيرة) Big Business Administration " بمعنى أن كل إدارة أمريكية تأتي لرعاية مصالح رأس المال، فإن رأس المال هذا هو رأس المال الكبير، أي الاحتكاري. ويأتي فبلن بملاحظة ساخرة، إذ يقول أن كل سلطة تمسك بزمام هذه الدولة الديمقراطية تصبح سوفييتا لمندوبي رجال الأعمال، حيث تصبح وظيفتها الأساسية حماية وتوسيع المميزاتالخاصة للملاك الغيابيين. يقول فبلن: "وبقوة الدفع الذاتية للعادة أصبحت المؤسسات الديمقراطية في ظل هذه الظروف الأخيرة تجتمع حول تأمين الملاك الغيابيين ودخولهم الحرة على حساب المواطنين، بعد أن كانت ذات يوم مقامة علة مبدأ خدمة الحرية والمساواة والأخوة الإنسانية" ويقصد فبلن بقوة الدفع الذاتية للعادة أن الديمقراطية في أمريكا أصبحت عادة وأمرا مسلما به وبدون رقابة عليها مما أدى إلى استخدام مؤسساتها لخدمة رجال الأعمال وملكياتهم الغيابية.والواضح أن الحل الذي يفرضه منطق هذا التحليل مزيدا من الرقابة الديمقراطية على عالم الأعمال الكبيرة، وتقييدا للرأسمالية من قبل الديمقراطية، وهذا ما حاولت الولايات المتحدة القيام به بوضع قوانين حظر الاحتكارات التي تزايدت في الثلاثينات.
يظل المشروع الاستثماري يتوسع حتى يصل إلى أبعاد قومية بحيث يشمل الدولة القومية كلها، وهو لا يقف عند هذا الحد، فعندما يقابل بالدولة القومية باعتبارها الحد الذي وصل إليه يحاول استخدام سلطة الدولة للتوسع خارج حدودها ويمد نشاطاته على نطاق عالمي، وبذلك يتحول المشروع الاستثماري إلى مشروع إمبريالي. ويصير التنافس بين مشروعات الدول المختلفة تنافسا استعماريا على المستعمرات والأسواق العالمية، ويكون المشروع الاستثماري بذلك دافعا للصراع العالمي بين الدول الإمبريالية وينتهي بالحروب العالمية. هكذا يصف فبلن علاقة رجال الأعمال بالدولة القومية التي تنتهي باندلاع الحروب العالمية.
وقد أكد فبلن على هذا الرأي أثناء الحرب العالمية الأولى في كتاب له لم يحظ بالاهتمام والشهرة التي يستحقها، وهو "بحث في طبيعة السلام وسبل إدامته" An Inquiry into the Nature of Peace and the Ways of its Perpetuation (1917). وهو يعلن في هذا الكتاب أن التنافس المحموم الذي انقلب إلى صراع بين المصالح الإمبريالية لطبقة رجال الأعمال في كل دولة عظمى من الدول المتحاربة هو الذي أدى إلى اشتعال الحرب من البداية، ولا يمكن أن يعم سلام حقيقي وثابت لا تهدده حربا أخرى إلا بالتغاضي عن تلك المصالح الإمبريالية وعدم السماح لرجال أعمال كل دولة في إملاء شروط السلام ولا الاعتماد عليهم في تدعيمه وإدامته لأنهم كانوا أنفسهم السبب الرئيسي لاندلاع الحرب، ولا يمكن لسلام حقيقي أن يعم إلا عن طريق توازن دولي للقوى تقوم فيه كل دولة بكبح جماح المصالح الاستثمارية لرجال الأعمال فيها حتى لا تتحول هذه المصالح إلى أطماع إمبريالية تؤدي إلى اندلاع حرب أخرى. (يتفق رأي فبلن هذا مع الرأي الذي قدمه الاقتصادي الشهير جون مينارد كينـز في أعقاب مؤتمر فرساي للسلام بعد الحرب العالمية الأولى، إذ كان معارضا لاتفاقيات المؤتمر من منطلق أنها كانت إملاء لشروط سلام مجحفة على المهزوم من قبل المنتصر ولم يكن المؤتمر اتفاقا بين دول متساوية لضمان السلام العالمي، ورأى كينـز أن معاملة الحلفاء لألمانيا والنمسا معاملة المنتصر للمنهزم وفرض عقوبات قاسية عليها مثل دفع تعويضات مغالية واقتطاع أجزاء من الأراضي الألمانية مثل الألزاس واللورين وحوض نهر الروهر والضفة الغربية من الراين سوف يؤدي إلى انلاع حرب أخرى، وهو ما حدث بالفعل) لكن للأسف كان هذا الذي حذر منه فبلن هو ما حدث بالفعل، وعادت المصالح الإمبريالية لتشعل حربا عالمية ثانية.
سادسا-سوفييت التقنيين:
على الرغم من أن التقدم التكنولوجي كان نتيجة الجهود المتراكمة للإنسانية كلها على مر آلاف السنين، والذي تم في ظل التعاون بين العلم والبحث التجريبي والصناعة، إلا أن هذا التقدم التكنولوجي أصبح حكرا في يد القلة صاحبة الإمكانات المالية القادرة على توظيفه، وهي توظفه لصالحها الخاص المتمثل في الربح. وعلى الرغم من أن هذا التقدم التكنولوجي قد أحدث إنتاجية متعاظمة للعمل لم تكن متوفرة من قبل، فإن المصالح المالية لقلة من رجال الأعمال هي التي تستحوز على هذه الإنتاجية المتعاظمة.
لكن ما الحل؟ كيف يخرج المجتمع من هذا المأزق الناتج عن سيطرة رجال الأعمال على الاقتصاد؟ إذا كان عالم الأعمال بملكيته الغيابية وبورصاته وشركاته المساهمة هو الذي يقف عقبة في طريق التوظف الكامل والتشغيل الكامل لوسائل الإنتاج، فإن الحل لدى فبلن يتمثل في إلغاء عالم الأعمال هذا، وفي أن تكون ملكية الموارد الطبيعية للمجتمع كله لا ملكية خاصة غيابية. والواضح أن هذه ليست ثورة اشتراكية على شاكلة الاشتراكية الماركسية، بل هي نوع مختلف من الاشتراكية، فهي لا تتمثل في سيطرة العمال على وسائل الإنتاج بل في سيطرة التقنيين، ولا تتمثل في مجرد إلغاء الملكية الخاصة بل في إلغاء نوع معين من الملكية وهو الملكية الغيابية، ولا تتمثل في مجرد تنحية ما كان يسمى بالرأسماليين بل أصبح الهدف لدى فبلن أكثر تحديدا وهم رجال الأعمال والمتحكمين في الشركات الاحتكارية والبورصات.
إن هذا الحل الثوري الذي يقدمه فبلن مختلف عن ذلك الذي قدمه ماركس، فهو ليس ثورة للعمال بل ثورة للتقنيين، وليس تنحية لفئة الرأسماليين باعتبارها مالكة لوسائل الإنتاج، بل تنحية لرجال الأعمال عن قيادتهم للاقتصاد ونزع حق الملكية الغيابية لثروات المجتمع وموارده الاقتصادية وإحلال التقنيين محل رجال الأعمال في قيادة الاقتصاد وإدارته مركزيا. ويوصي فبلن بأن من يتولى تحقيق هذه الغاية يجب أن يكون مجلسا تشريعيا وتنفيذيا يتمتع بالحكم الذاتي مكون من رجال الصناعة من تقنيين ومهندسين، ويسمي هذا المجلس بالسوفييت Soviet ، والذي يعني "مجلس" أو "مجلس محلي" في اللغة الروسية، والذي يقترب في معناه الأصلي من كلمة "كومونة" Commune في اللغات ذات الأصل اللاتيني. كان السوفييت الروسي في السنوات الأولى من الثورة عبارة عن مجلس شعبي يتكون من ممثلين عن الفلاحين والعمال في تجمع سكاني معين أو مدينة معينة، وكل سوفييت محلي يبعث بممثل له إلى سوفييت آخر أعلى منه على مستوى المقاطعة، وتبعث سوفييتات المقاطعات بممثلين لها في مجلس السوفييت الأعلى. لقد كان هذا النظام الذي ظهر في السنوات الأولى من الثورة الروسية أسلوبا في ممارسة الديمقراطية المباشرة والشعبية، وطريقة في تجاوز الديمقراطية البرلمانية على النمط الغربي التي لا تحتوي إلا على مجلس واحد على مستوى الدولة يضم ممثل واحد لكل مقاطعة جغرافية. لقد ظهرت لدى فبلن فكرة تنحية رجال الأعمال عن قيادتهم للاقتصاد وإحلال التقنيين والمهندسين محلهم قبل الثورة الروسية بكثير، لكنه لم يضع لاقتراحه هذا اسم "سوفييت التقنيين" إلا سنة 1919 بعد قيام الثورة الروسية بسنتين. وعندما كان فبلن يوصي بسوفييت للتقنيين كان في ذهنه هذا النموذج الروسي في الديمقراطية الشعبية المباشرة وتثويرها لآليات التمثيل الشعبي واختلافها الجذري عن النظام البرلماني الغربي ذا الجذور الإقطاعية.
ولم يكن فبلن يستمد إيحاء من الثورة الروسية سنة 1917 عندما أوصى بتنحية رجال الأعمال عن قيادتهم للاقتصاد، ذلك لأنه أشار إلى ضرورة القيام بذلك منذ 1904 في كتابه "نظرية المشروع الاستثماري" وسنة 1914 في كتابه "الخصائص البشرية للعمل ووضع فنون الصناعة". الحقيقة أن الثورة الروسية أثبتت صحة توقعات فبلن ووجاهة توصياته بسوفييت للتقنيين، ذلك لأنها قدمت مثالا ونموذجا حيا على إمكانية قيادة المجتمع وتصنيعه من الإبرة إلى الصاروخ دون الاعتماد على طبقة رجال الأعمال وفي عزلة كاملة عن النظام المالي الرأسمالي من بورصات وبنوك. صحيح أن تولي الدولة في روسيا لمهام رجال الأعمال أدى إلى تعاظم البيروقراطية وزيادة أعبائها وتعقد علاقاتها بالمجتمع وتشكيلها لطبقة ذات امتيازات ومنفصلة عن القاعدة العريضة من الشعب، إلا أن سلبياتها هذه لا تقدح في صحة النقد الموجه لعالم الأعمال من جهة، ولا في صحة مبدأ الإدارة العامة الاجتماعية للصناعة والاستثمار من جهة أخرى.
إن توصية فبلن بسوفييت للتقنيين لن تبدو غريبة إذا علمنا أنه يصف بناء الدولة في ظل الرأسمالية وسيطرة رجال الأعمال عليها على أنه سوفييت لرجال الأعمال Soviet of Businessmen، وهو لا يوصي إلا بإحلال سوفييت للتقنيين والمهندسين محل سوفييت رجال الأعمال المسيطر على الدولة بالفعل في ظل الرأسمالية.
وما مكن فبلن من إعلان مثل هذه التوصية هو حقيقة التشابك والاعتماد المتبادل بين كل فروع الصناعة مما يحتم وجود إدارة مركزية لها؛ صحيح أن أدوات صنع القرار الاقتصادي متركزة بالفعل في أيدي رجال الأعمال، إذ يشكلون نوعا من الإدارة المركزية للاقتصاد نظرا لوحدة مصالحهم وتشكيلهم لأكبر قوة ضغط على الحكومات، إلا أن الإدارة المركزية للاقتصاد لدى فبلن لا يمكن أن تترك لرجال الأعمال بل يجب أن تكون في أيدي المهندسين والتقنيين، ذلك لأن منطق التكنولوجيا الصناعية يختلف عن منطق الربح. إن اهتمام الصناعة ورجالها هو الكفائة الصناعية التي تعود بالخير على المجتمع كله نظرا لحرصها على التوفير في الطاقة واستخدام المواد الخام وتعظيم الإنتاج وتقليل الجهد البشري، في حين أن رواد عالم المال والأعمال ليس لهم هدف إلا الربح المالي الذي يحققونه بمنطق مختلف تماما يتمثل في السرية والكتمان الملازمان للصفقات التجارية، وإعاقة التشغيل الكامل لقوى الإنتاج للمحافظة على الأسعار.
يوصي فبلن بسيطرة التقنيين على الصناعة وقيامهم بالتخطيط المركزي للدولة ككل، كذلك يوصي بتغيير السوفييتات الحاكمة في جهاز الدولة الرأسمالية والعاملة لصالح رجال الأعمال، وبضرورة السيطرة المركزية على الاستثمار كي لا يكون في يد حفنة من رجال الأعمال الذين لا يسعون إلا للربح الشخصي، وسحب حقوق الملكية الخاصة من مجال الموارد الطبيعية لأنها ملك المجتمع كله، وتحرير العلم والتكنولوجيا من احتكار المؤسسات الرأسمالية لهما كي يكونا ملكا للمجتمع كله، وتحرير الصناعة من سيطرة التمويل النقدي والاعتبارات المالية والربحية، وفك ارتباطها بشبكة البنوك ومؤسسات التمويل. ولا يقول لنا فبلن كيف ستدار الصناعة بعد تحررها هذا من أغلال التمويل التقدي وشبكة البنوك. والحقيقة أن نظاما كهذا لا يمكنه أن يعمل إلا باعتباره نظاما مكتفيا بذاته وذاتي التسيير، أي باعتباره نظاما تعاونيا، ويتشابه هذا النظام مع نظام الإدارة الذاتية للمشروعات الصناعية في يوغوسلافيا السابقة.
يخص فبلن التقنيين بمكانة مركزية في تحليلاته لأنهم الذين يديرون العملية الإنتاجية بالفعل في المنشئات الصناعية ويطبقون العلم والتكنولوجيا في الصناعة. والتناقض الذي يرصده فبلن ليس بين رأس المال والعمل المأجور،بل بين المصالح المالية لرجال الأعمال المسيطرين على الشركات من جهة، والمهندسين القائمين على تشغيل عجلة الصناعة من جهة أخرى. هؤلاء المهندسون التقنيون يتعرضون لسيطرة رجال الأعمال وهم واقعون تحت رحمتهم ويتم معاملتهم كما لو كانوا عمالا كادحين. ويرصد فبلن وعيا طبقيا بدأ في الظهور بينهم، وهو وعي في أوائل مراحل تشكله متخذا شكل السخط على رجال الأعمال من جراء تعطيلهم للقوى الإنتاجية وتحكمهم في الإنتاج بحيث يحقق لهم أعلى ربح مالي. وبذلك نجح فبلن في وضع يده على تقسيم جديد داخل القوة العاملة بين العمال الكادحين والمهندسين التقنيين، في حين أن ماركس لم يكن يميز بينهما ورصد نوعا واحدا من التناقض وهو بين الرأسماليين والعمال، ذلك لأن فئة العمال في عصر ماركس لم تكن قد تمايزت إلى عمال مأجورين ومهندسين تقنيين.
لقد بدأ المهندسون التقنيون في عصر فبلن يتخذون أهمية متزايدة من جراء كثرة استخدام العلم وتعقد تكنولوجيا الإنتاج. إن تشغيل الآلة لا يتطلب العامل الذي يقف عليها وحسب بل يتطلب كذلك المهندس التقني الذي يشرف عليها، ويراقبها وهي تعمل، ويرصد كفائتها، ويتدخل لإصلاحها إن عطلت، وينسق بينها وبين الآلات الأخرى في المصنع، ويجري عليها التعديلات الضرورية إذا لزم الأمر. ومن هنا يكون المهندس التقني أهم من العامل نظرا لأهمية دوره الجديد.
والحقيقة أن إبراز فبلن لأهمية المهندس التقني في العملية الإنتاجية جعل كثير من المفكرين اليساريين يراجعون مبادئهم الماركسية التقليدية، وذلك مثل عالم الاجتماع الألماني رالف دارندورف الذي نقد الماركسية من منطلق اختفاء التناقض التقليدي بين رأس المال والعمل المأجور، وعالم الاجتماع الأمريكي دانيال بل Daniel Bell الذي أبرز دور المعرفة التقنية وأهمية التقنيين في البناء الاجتماعي الجديد الذي أمساه "مجتمع ما بعد الصناعة" حيث يحتل الإنتاج المعرفي التقني المكانة المركزية، وعالم الاجتماع الأمريكي ألفن جولدنر Alvin Gouldner الذي أعاد تأويل الفكر الاشتراكي لصالح المهندسين التقنيين جاعلا منهم الطبقة الجديدة الصاعدة التي لديها كل الحق في السيطرة على الاقتصاد لأنها هي القائمة بكل شئ: تطبيق العلم على الصناعة، وإنتاج المعرفة التقنية وممارستها، وتنفيذ الخطط الصناعية والإشراف عليها. لكن لم يكن جولدنر بدرجة ثورية فبلن، ذلك لأنه اكتفى برصد صعود الطبقة الجديدة من "عمال المعرفة التقنية" وإمكانيات تبوئها مكانة عالية في المجتمع واحتمالات تبنيها لاتجاهات ثورية يسارية نظرا لعدم تمكنها من احتلال مكانة سياسية تتناسب مع أهمية دورها الاقتصادي، لكنه لم يوصي أبدا بضرورة قيامها بثورة واستيلائها على الدولة كما يوصي فبلن.
وأكد التطور التكنولوجي في النصف الثاني من القرن العشرين على أهمية "عمال المعرفة التقنية" بلغة جولدنر أو المهندسين التقنيين بلغة فبلن. ذلك لأن عامل المصنع لم يعد هو العامل اليدوي الكادح قليل الكفاءة والتعليم، بل أصبح مؤهَّلا ومتلقيا تعليما فنيا عاليا للغاية ومتخصصا في دقائق عملية الإنتاج الصناعي، وأصبح حاملا لشهادة في التعليم الفني في مستوى شهادة التعليم الثانوي، ومتعاملا مع الكومبيوتر، أي أصبح العامل نفسه تقنيا أو نصف مهندس. يقول جولدنر أن من يحق لهم السيطرة على الاقتصاد وتولي سلطة إدارته هم المهندسون لا العمال، ويعيد النظر في الماركسية ويذهب إلى أن من أسماهم ماركس البروليتاريا كان بينهم تقنيين وفنيي صناعة. ومع أطروحة جولدنر المتفقة مع أطروحة جالبرايث ودارندورف نرى كيف عاد الفكر اليساري في الغرب إلى النقطة التي انطلق منها: أي إلى فكرة سان سيمون وتوصيته بأن يتولى رجال الصناعة، وهم المهندسون التقنيون في نظره لا رجال الأعمال، شئون الاقتصاد والتخطيط المركزي للدولة. إن اشتراكية سان سيمون لا تنطوي على دكتاتورية للبروليتاريا بل على دكتاتورية مهندسي الإنتاج، وهذا ما يجعل فبلن مقتربا للغاية من السان سيمونية. ولذلك يؤخذ سان سيمون وفبلن على أنهما من رواد مبدأ التكنوقراطية.
ويعلق فبلن على المفاوضات الجارية بين رجال الأعمال والعمال بقوله إنه طالما ظل هناك حق في التملك الخاص للموارد الطبيعية فلن يتمكن العمل من الوصول إلى حل نهائي مع رجال الأعمال، وكل ما يستطيعه العمال الضغط والتفاوض بشأن زيادة في الأجور وحسب. والحل الذي يلمح إليه فبلن أن تكون الموارد الطبيعية ملك المجتمع كله وألا تكون وسيلة لجني الربح الشخصي. ويتفق تحليل فبلن هذا مع نقد الاشتراكيين الماركسيين لحركة النقابات العمالية Trade Unionism والشك في إمكانية تحقيق الاشتراكية على أياديها لأنها دائما ما تحاول الوصول إلى حلول وسط مع المصالح الرأسمالية مقتنعة بالشئ القليل.
لكن بينما يملك رجال الأعمال تنظيماتهم وأساليبهم في التفاوض مع العمال، ويملك العمال أساليبهم وتنظيماتهم في التفاوض مع أصحاب العمل، فإن التقنيين والمهندسين لا يملكون ذلك. لكن يلاحظ فبلن أنهم بدأوا في الوصول إلى وعي شبه طبقي حول وضعهم، وهو وعي في البدايات الأولى لتكونه، ويتخذ شكل السخط والحنق على الدور المقيد والمعوق للإنتاج من قبل رجال الأعمال.
إن ما يوجه فبلن في توصيته بسوفييت للتقنيين حقيقة أساسية يكشف عنها تطور الرأسمالية في الغرب، وهي امتلاك القوة من قبل عنصر الإنتاج الأهم أو الفاعل الأهم في العملية الإنتاجية. كانت ملكية الأرض هي مصدر قوة الإقطاع والأرستقراطية العقارية، ذلك لأن الأرض في كل العصور السابقة على العصر الصناعي كانت هي العنصر الأساسي للإنتاج وكانت الأرض الصالحة للزراعة نادرة وهي أصعب وسيلة إنتاج يمكن الحصول عليها، وإذا ما تم الحصول على الأرض صار توفير عناصر الإنتاج الأخرى مثل العمالة والأدوات. أما بعد الثورة الصناعية فلم تعد الأرض هي العنصر الأساسي للإنتاج، فقد حل محلها رأس المال. فمن يملك رأس المال أصبح من السهل عليه الحصول عليه توفير الأرض والعمالة، إذ لم تعد الأرض نادرة نتيجة الكشوف الجغرافية واستعمار العالم الجديد.
أما في منتصف القرن التاسع عشر صعدت أهمية العمالة فوق أهمية رأس المال، إذ أصبحت أهم عنصر إنتاجي بعد رأس المال. وهنا عمل ماركس على إثبات أن العمال، بما يملكونه من أهمية في العملية الإنتاجية، هم من يجب أن يمتلك القوة. لكن بعد الثورة التكنولوجية في بداية القرن العشرين انسحبت أهمية رأس المال والعمالة إلى الخلف، فتوفير رأس المال لم يعد مشكلة إذ لم يعد يتسم بالندرة، إذ توافر نتيجة تكاثر الثروة النقدية وتزايد عدد المساهمين في الشركات والبنوك؛ كما لم تعد العمالة نادرة نتيجة وجود الجسش الصناعي الاحتياطي. والقوة لا تكمن في العنصر الإنتاجي المتوافر بل في العنصر الإنتاجي النادر والذي يصعب توفيره، والذي أصبح يكمن في المهارة التنظيمية التقنية والإدارية. فلا يكفي في عصر التكنولوجيا توافر رأس المال والعمالة، إذ بدون وجود التنظيم التقني والإداري لن يتمكن المشروع الصناعي من تعبئة الموارد المادية والمالية وتوظيفها. وفي اللحظة التاريخية التي بدأ عندها حدوث هذا التحول أتى فبلن بحجته الشهيرة وأقر بأن السلطة الحقيقية في المشروع الصناعي الحديث تكمن في التنظيم التقني والإداري، وكشف عن تناقض جديد داخل هذا التنظيم بين المهندسين التقنيين من جهة والمديرين المهتمين بالجوانب المالية من جهة أخرى. وفي هذا السياق ذهب إلى أن من حق التقنيين أن يقلبوا نظام القوة السائد لصالحهم هم لما يحوزون عليه من أهمية في العملية الإنتاجية، ذلك النظام الذي أصبحت فيه الدولة الرأسمالية جهاز العلاقات العامة لسوفييت رجال الأعمال. John Kenneth Galbraith: The New Industrial State, Houghton Mifflin Comp. 1967, pp. 60-85.
• يضم الاقتصاد النيوكلاسيكي عددا متنوعا من المدارس، أبرزها المدرسة النمساوية التي أسسها كارل منجر وتضم بوم بافرك وفون فيسر، والمدرسة الفرنسية التي أسسها والراس، والمدرسة الإنجليزية التي أسسها جيفونز ومارشال، وللأخيرة أتباع أمريكان من أمثال كلارك.
1) أطلق فبلن تسمية "النيوكلاسيك" سنة 1900 في مقال بعنوان "الرؤى المسبقة لعلم الاقتصاد" The Preconceptions of Economic Science والمنشورة في The Place of Science in Modern Civilization .
2) وضع فبلن الأسس العامة لنقده لعلم الاقتصاد السائد وللنظام الاقتصادي المعاصر في مجموعة مقالات نشرت فيما بين 1896 و1906. أما هلفردنج فقد نشر كتابه "رأس المال المالي" سنة 1910، ونشر بوخارين كتابه "الإمبريالية والاقتصاد العالمي" سنة 1917، و"النظرية الاقتصادية للطبقة المترفة" سنة 1919، ونشر لينين كتابه "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" باللغة الروسية سنة 1917، وبترجمته الألمانية والفرنسية سنة 1920، وبالتالي فإن تحليلات فبلن ليست متأثرة بالأدبيات الماركسية حول الاحتكارات والإمبريالية ورأس المال المالي؛ وإذا كان هناك تأثير ماركسي في أعماله فهو تأثير من كتابات ماركس نفسه.
3) أدت كتابات فبلن إلى ظهور هذه المدرسة منذ أوائل القرن العشرين، وكان من أوائل المؤسسيين عددا من تلاميذ فبلن مثل جون كومونـز John Commons (1862-1945)، وكلارنس أيرز Clarence Ayres (1892-1972)، وويسلي متشل Wesley Mitchell (1874-1948).
• أنظر في ذلك: John Commons, "Institutional Economics", in Warren Samuels(ed.): Institutional Economics, Vol. I, (England: Edward Elagar, 1988), pp. 18-23.
• أشار رايت ميلز إلى هذه النقطة بتوسع في: The Sociological Imagination, Penguin Books, London 1977, p. 174.
4) Thorstein Veblen: Absentee Ownership and Business Enterprise in Recent Times (First Published 1923) Vol. IX of The Collected Works Of Thorstein Veblen (London: Routledge/Thoemmes Press, 1994), pp. 70-72.
أعيد نشر أعمال فبلن الكاملة سنة 1994 في المجموعة السابق الإشارة إليها والمكونة من عشرة مجلدات، وتنتمي كل مؤلفاته المشار إليها في هذه الدراسة إلى هذه الطبعة.
* أنظر على سبيل المثال:
Pierre Bourdieu: The Logic of Practice, trans. By Richard Nice (Stanford: Stanford University Press, 1990), pp. 52-65.
5) Veblen: The Engineers and the Price System (First Published 1921), Vol. VII of The Collected Works, P. 27.
6) Veblen, "The Preconceptions of Economic Science", (First Published 1900) in: The Place of Science in Modern Civilization , Vol. VIII of The Collected Works, pp. 196-201.
7) Veblen: The Theory of Business Enterprise (First Published 1904), Vol. II of The Collected Works, P. 14.
8) Veblen: Absentee Ownership, P. 306.
9) Veblen, "The Limitations of Marginal Utility", (First Published 1909), in: The Place of Science in Modern Civilization, P. 242.
11) سبق لماركس أن أكد على هذه النقطة في: رأس المال، المجلد الأول.
11) Veblen, Professor Clark s Economics"(1908) , in The Place of Science in Modern Civilization, P. 211
12) Veblen, "The Limitations of Marginal Utility", op. cit. p. 231.
13) Veblen: The Engineers and the Price System, P. 8.
14) Ibid, P. 9.
15) Veblen: The Vested Interests and the Common Man (First Published 1919), Vol. VII of The Collected Works, P. 63.
16) Veblen, The Preconceptions of Economic Science", op. cit. p. 174.
17) Ibid, p. 163.
18) Ibid, p. 177.
19) Veblen: The Theory of Business Enterprise, op. cit., p. 79.
20) Ibid, p. 329.
21) يشير فبلن إلى مشكلة الإسكان Housing Problem التي ظهرت في دول الغرب في القرن التاسع عشر والعقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، وقد أشار إليها من قبله ماركس وإنجلز وبرنشتاين وكاوتسكي وروزا لوكسمبورج، ومن بعده هارولد لاسكي وبول باران وبول سويزي؛ وتتمثل المشكلة في أن الأجور المتدنية لم تعد تمكن الجانب الأكبر من السكان من شراء مسكن أو حتى من إيجاره، مما يدل على أن النظام الاقتصادي القائم، على الرغم من ادعائه بأنه خير الأنظمة ويوفر الرخاء للجميع، عاجز عن تلبية أدنى متطلبات الحياة الإنسانية. ولحل هذه المشكلة اتجهت أنظمة دولة الرفاهية Welfare State ابتداء من الثلاثينات في بناء مساكن سابقة التجهيز وبأسعار قليلة. لكن لا تزال المشكلة قائمة في دول العالم الثالث.
22) Veblen: Absentee Ownership, p. 151.
23) Ibid, p. 43.
24) Veblen: The Engineers and the Price System, p. 156.
25) Veblen: Absentee Ownership, p. 53.
26) Ibid, p. 54-59.
27) Ibid, p. 61.
28) Ibid, p. 49.
29) Ibid, p. 66.
30) Ibid, p. 67.
31) Ibid, p. 78.
32) Veblen: The Vested Interests and the Common Man, p. 113.
33) Veblen: The Theory of the Leisure Class (First Published 1899), Vol. I of the Collected Works, pp. 12-18.
34) Ibid, pp. 176- 195.
35) Ibid, p. 84.
36) Ibid, pp. 113-114.
37) Ibid, pp. 208-211.
 كلمة Monopoly هي الاسم الأصلي للعبة الشهيرة التي ظهرت في أمريكا، و أخذناها وعربناها ووضعنا لها اسم "بنك الحظ".
38) Absentee Ownership, pp. 86-87.
39) Ibid, p. 88.
 أي يحصل على ثمن بضاعته نقدا، هذا النقد الذي ينظر إليه فبلن على أنه ليس سوى ائتمان، أي وعد بالدفع.
40) Ibid, p. 89.
41) Ibid, p. 90.
42) Joseph Schumpeter: Capitalism, Socialism and Democracy, (London: George Allen and Unwin, 1981), pp. 117-120.
43) Veblen: Absentee Ownership, loc. Cit.
44) Ibid, p. 93.
45) Ibid, p. 94.
46) Ibid, p. 95.
47) Ibid, p. 101.
د. أشرف منصور