ماهي : الهوية الوطنية العراقية؟!

سليم مطر
2009 / 10 / 17

رغم سوداوية الاوضاع في بلادنا، فأن من يتمعن جيدا سيبصر عبر الدخان والضباب والعتمة، ثمة شمس وقمر ونجوم كثيرة شرعت بالتدريج تتلألأ، وهي تطمئننا على ان ليلنا في طريقه الى الانجلاء وان المستقبل القريب يبشر حقا بعراق جديد.. عراق الهوية الوطنية!
أن تجربة السنوات الماضية اقنعتنا جميعا ان الانتماءات الطائفية والقومية وحدها لا تجلب الا الاحتراب والخراب، وان (الانتماء للعراق ولهويته التاريخية والثقافية والانسانية) هو القاسم المشترك الوحيد الممكن لجميع العراقيين لتجاوز فروقهم الطائفية والقومية والمناطقية والمعتقدية.
نعم ان سنوات الحرب الطائفية كانت آخر انفاس الحقد الطائفي المتراكم منذ أجيال طويلة. كأن تلك الحرب الطائفية اللعينة بكل كوارثها ووحشيتها، كانت ضرورية للتخلص من قيح الاحقاد ودم المخاوف الفاسد الذي كان يسمم البدن العراقي منذ الحقبة العثمانية مرورا بتأسيس الدولة وصولا الى البعث وطيشه الطائفي والقومي .
اسس الهوية العراقية
من المعلوم ان جميع اوطان الارض قامت بفضل عاملين متكاملين : اولهما، توفر الواقع الجغرافي ـ التاريخي، وثانيهما، توفر الارادة الثقافية ـ السياسية:
1ـ الواقع الجغرافي ـ التاريخي: حيث ان غالبية الاوطان تكونت لوجود حدود جغرافية وبيئية طبيعية تعزلها وتميزها عن باقي الاوطان المحيطة. فبلد مثل فرنسا هو شبه جزيرة معزولة عن باقي الاوطان بالبحار والسلاسل الجبلية والانهار. كذلك مصر حيث تتركز الحياة حول النيل وتفصلها الصحارى والبحار عن باقي الاوطان. كذللك تركيا وايران والصين والغالبية الساحقة من بلدان العالم. طبعا هذه الوحدة الجغرافية لا تمنع من وجود مناطق بيئية محلية متمايزة داخل الوطن الواحد. فمثلا ان ابناء الوطن الذين يعيشون على البحر يختلفون عن اخوتهم الذين يعيشون في الجبال. نفس الحال بالنسبة للعراق، اذ يمكن اعتباره اشبه بواحة مسقية بالنهرين الخالدين معزولة عن باقي الاوطان بالبوادي والسلاسل الجبلية. لهذا فأن (بلاد النهرين) اسم واقعي يعبر عن الشرط المادي الواقعي الذي اجتمع بفضله الناس عبر التاريخ وتعايشوا وبنوا دولتهم وثقافتهم وروحهم المشتركة خلال آلاف الاعوام.
2ـ الارادة الثقافية ـ السياسية: لا يكفي للمرء ان يرث الاموال من اهله لكي يكون غنيا، بل عليه ايضا ان يمتلك الوعي الكافي للاستفادة منها. اذن إرادة الشعب ووعي نخبه المؤثرة تلعب دورا حاسما في الاستفادة من الشرط الواقعي لوجود الامة. ان المشروع الناجح هو الذي يجتمع فيه(الواقع مع الارادة التي تستفيد من هذا الواقع).
إذن مشكلة العراق منذ تكوين الدولة الحديثة حتى الآن، تتمثل بالجهل الثقافي ـ السياسي للنخب العراقية بواقع الهوية الوطنية الموروث، وعدم الاستفادة منه. فجميع الاحزاب ظلت منذ اكثر من قرن وحتى السنوات الأخيرة، مشغولة بمشاريع خارجية قومية وطائفية واممية منافية تماما للوحدة الوطنية. بل يمكن تشبيه الحالة العراقية بالنقيض التام للحالة الاسرائيلية. فأسرائيل لم تتأسس بالاعتماد على واقع وطني موروث، بل تأسست من العدم وبالاعتماد فقط على اسطورة توراتية وارادة سياسية عنصرية مدعومة دوليا. لكن تبقى هذه حالة استثنائية لا يمكنها ان تدوم.
التزامات الهوية العراقية
ان الهوية العراقية، مثل كل الهويات الوطنية في العالم،عرضة لسوء التفسير والتطرف والتعصب. فهناك من يعتقد بأن الهوية الوطنية لا يمكنها ان تقوم الا من خلال تغذية العداء والتعصب ضد الشعوب والجماعات المختلفة. لهذا يتوجب توضيح الالتزامات التالية:
1ـ الهوية العراقية انسانية ومسالمة. أي انها غير عنصرية ولا عدوانية، لا يمكنها ابدا ان تقوم على اساس(العداء والتحريض) ضد شعب آخر. فمن الخطأ الاعتزاز بالعراق من اجل تبرير الحقد وتأجيج العداء العنصري ضد الشعب الفلاني مهما كان:(الايراني او السعودي او الامريكي، مثلا). يمكن تبرير العداء لأنظمة واحزاب وافكار، لكن من الخطأ تبرير العداء للشعوب والجماعات الدينية والقومية مهما اختلفنا مع حكوماتها او قياداتها.
2ـ الهوية العراقية تنوعية. أي انها غير متعصبة لأن قوتها وحياتها تكمن في تقبلها واستيعابها للهويات المحلية الداخلية، الدينية والمذهبية والقومية والمناطقية. ان الهوية العراقية مثل البحيرة التي تصب فيها مختلف الانهار والغدران والسواقي بالاضافة الى الامطار، وكلها تذوب في مياه وطنية واحدة. يمكن للعراقي ان يكون عربيا او كرديا او تركمانيا او فيليا أو شبكيا أو شيعيا او سنيا او مسيحيا او يزيديا او بصراويا او مصلاويا او ساعديا، ويعتز بقوميته ومذهبه ودينه ولغته وثقافته ومحافظته وعشيرته، ولكن يتوجب عليه بنفس الوقت ان يشعر بأن خصوصيته هذه لا تتنافى مع انتمائه الأكبر للعراق، وان نهره او غديره او ساقيته يصب في بحيرة الوطن.
3ـ الهوية العراقية منفتحة على الخارج. أي انها غير مغلقة على ذاتها بل منفتحة على لا يمكنها الهويات الاقليمية المحيطة بها. يتوجب التذكير بأننا قد تعودنا على الشعور بالتناقظ بين الانتماء للهوية العراقية والهوية العربية. ان هذه الاشكالية تعود الى الفكرة السيئة التي اشاعها العروبيون باعتبار ان الانتماء الى (الامة العربية) يجب ان يلغي الانتماء الى العراق، لأن (الروح القطرية) مناقضة لـ(الروح القومية)!! بينما الحقيقة تقول اننا يمكننا بكل عقلانية ان نمنح هويتنا الوطنية ابعادا لهويات محيطة عديدة. ان العراق مثل أي بلد في العالم يمكنه ان ينتمي لهويته الوطنية وبنفس الوقت الى هويات كبرى مكملة: العربية والشرق الاوسطية والاسلامية والبحر المتوسطية والانسانية. فمثلا، ان الاعتزاز بالهوية الفرنسية او الالمانية لم يتعارض مع الانتماء الى الهوية الاوربية الكبرى. وان الاعتزاز بالهوية الارجنتينية لم يتعارض مع الانتماء الى الهوية الامريكية اللاتينية الكبرى. ان الاعتزاز بالهوية الاثيوبية او المصرية لم يتعارض مع الانتماء الى الهوية الافريقية. اذن يحق لنا القول ان الهوية الوطنية العراقية، يجب ان لا تتعارض مع الهويات الكبرى المحيطة بالعراق: العربية والشرق اوسطية والبحر متوسطية..
الهوية العراقية والماضي!
ونعني بالماضي، هو (التاريخ). وهذه المشكلة تتمثل بعدم اتفاق الجماعات العراقية المختلفة على تاريخ وطني مشترك. فالعروبيون يؤكدون على الحقبة العربية ويستخفون بالحقب السابقة. والشيعة لا يرون من الحقبة العربية الاسلامية الا مظالم الأئمة ونكبات العلوية ويستخفون تماما بكل الابداع الحضاري العراقي في تلك الحقبة. كذلك السنة، يمارسون طائفيتهم بعقلية عروبية عنصرية تحكم بالاعجمية والشعوبية والتفريس على الغالبية الساحقة من الابداع الحضاري العراقي . اما القوميون الاكراد فحدث ولا حرج، فهم يعتبرون حتى النبي ابراهيم من اصول كردية، بالاضافة التكريد شبه الكامل للجزء الاعظم من التاريخ العراقي! كل هذه الانقسامات ازاء الماضي التاريخي بين الجماعات العراقية المختلفة تشكل العامل الحاسم في اضعاف الهوية الوطنية وتقسيم العراقيين سياسيا وروحيا. نعم ان الاتفاق على الماضي الوطني هو اساس الاتفاق على الحاضر، ثم على المستقبل طبعا. لحسن الحظ ان المشكلة في طريقها الى الحل البطيء، بعد ان بدأ مفهوم الهوية الوطنية يفرض نفسه ويكسب اعتراف غالبية العراقيين، وهنالك موجة تنمو مع الزمن من المؤرخين والباحثين العراقيين الذين يعيدون كتابة التاريخ بروح وطنية انسانية متحررة من النعرات الطائفية والقومية العنصرية.
الهوية العراقية ومشروع المستقبل
ونعني بالمستقبل، هو (مشروع بناء الوطن)، والموقف من(الحداثة) التي تعتبر من اعقد المسائل واخطرها. وهي مشكلة لا تتعلق بالعراق وحده، بل بعموم البلدان النامية، بل هي صارت تعني حتى البلدان الغربية نفسها. اذ يوما بعد يوم راحت البشرية تطرح بصوت يتعالى اكثر واكثر السؤال الخطير التالي:
ـ هل الحداثة الغربية الرأسمالية الحالية مناسبة لتطورنا ام علينا ان نجد طريقا آخر اكثر عقلانية ووسطية وانسانية؟ هذا التساؤل الكبير يتضمن اسئلة كبرى عديدة:
ـ هل النظام الاقتصادي الليبرالي حقا مناسبا، ونحن نعيش انفجار الازمة الاقتصادية الحالية وانكشاف الفضائح والعيوب الكبرى في داخل هذا النظام؟
ـ هل نظام التصنيع الحالي حقا مناسبا، ونحن نعيش كل هذا التفاقم للتلوث ودمار البيئة الذي لم تشهد الكرة الارضية مثيله من قبل؟
ـ هل نظام العولمة وتوحيد السوق والاقتصاد في العالم حقا مناسبا، ونحن نعيش كل هذه السرقات المنظمة لثروات البلدان الضعيفة وعمليات الانمساخ الثقافي الكاسحة بسبب فرض الثقافة الغربية الامريكية على العالم اجمع؟
ـ هل النظام الديمقراطي حقا ديمقراطي، ونحن نعيش كل هذه الحروب واجتياحات الاوطان والمؤامرات وعمليات التسليح الجنونية وتبرير الارهاب والعنف، كلها باسم الديمقراطية وحقوق الانسان؟
ـ هل العلمانية حقا علمانية، ونحن نعيش كل هذا التفسخ الاخلاقي والمعانات النفسية التي تعاني منها الاجيال الحديثة، بالاضافة الى ادراك الناس يوما بعد يوم في الغرب نفسه ان(الخواء الديني) قد خلق فيهم خواءا روحيا ونفسيا مدمرا لا يمكن ان تملأه لا المخدرات ولا اللهاث الجنوني وراء المستهلكات التجارية والسياحية والجنسية؟
ملخص الحديث، ان الهوية العراقية، مثل كل الهويات الاخرى في العالم، مضطرة ان تواجه هذا السؤال الخطير المتلعق بالموقف من : الحداثة الغربية! وطبعا ان جزءا مهما من الحل ينبع من الوطن وخصوصيته وتراثه، ولكن يبقى الحل الأكبر لا بد ان يكون شاملا ومشتركا بين الانسانية جمعاء.
اخيرا نقول، ان الهوية العراقية مثل البستان الذي ورثناه من اسلافنا، لكننا اهملناه منذ اجيال وتناسينا تجديده وتخصيب اشجاره، وها نحن بعد كل هذه المعانات والكوارث بدأنا ندرك اهميته وشرعنا نعتني به ونخصبه ونسقيه لكي يستحق فعلا ان يكون (بستان الامة العراقية) المنبعثة من جديد!