الإسلام والصدام بين المجتمعات التقليدية والحداثة

أشرف حسن منصور
2009 / 10 / 9

مقدمة:
المجتمعات التقليدية هي تلك المجتمعات التي لم تمر بمراحل التطور الصناعي والاقتصادي والتكنولوجي التي مرت بها المجتمعات الغربية ومجتمعات الشرق الأقصى المتقدمة مثل اليابان والصين وكوريا الجنوبية. والحقيقة أنها تشكل جزءا معتبرا من العالم: أفريقيا وأمريكا الجنوبية وجنوب وجنوب غرب آسيا، بالإضافة إلى بعض مناطق شرق أوروبا مثل تركيا. والعالم الإسلامي يعد من أهم وأكبر مناطق العالم التي لا تزال بناءات المجتمعات التقليدية سائدة فيها، على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وكل التعبيرات التي تستخدم لوصف المجتمع التقليدي تجمع على تصنيفه بأنه "قبل" أو "سابق على": فالمجتمع التقليدي سابق على الرأسمالية Pre-Capitalist ، سابق على الصناعةPre-Industrial، قبل حداثي Pre-Modern. سوف نستخدم في هذه الدراسة مصطلح الحداثة للإشارة إلى مجمل ما تعبر عنه مصطلحات مثل الرأسمالية والصناعة والتصنيع والمجتمع الصناعي والمجتمع التكنولوجي..إلخ؛ أي إلى كل مظاهر المجتمع الحديث في مقابل المجتمع التقليدي الذي لم يشهد التحولات المادية والثقافية التي شهدتها الحداثة، أو شهدها باعتبارها ثقافة مستوردة من خارج أراضيه.
في مقابل الثنائيات الشهيرة التي تسيطر على مجال البحث الذي تتناوله هذه الدراسة، مثل الإسلام والغرب، التراث والحداثة، الإسلام وأوروبا، العالم الإسلامي والغرب المسيحي، سوف نضع ثنائية أخرى أعم وأشمل. فبدلا من "الإسلام" أو "التراث"، سوف نتعامل مع "المجتمعات الإسلامية" من حيث كونها مجتمعات تقليدية؛ ذلك لأن الإسلام دين، يمتلك نصوصه الثابتة المؤسسة، وهو في ذلك يختلف عن تجسداته التاريخية في ثقافات ومجتمعات مختلفة. ومع الغرب أو أوروبا أو العالم الحديث أو المجتمع الصناعي أو الرأسمالي، سوف نستخدم مصطلح "الحداثة" للدلالة على كل ما سبق.
الصدام داخلي وليس خارجيا:
إن المواجهة التي سوف نرصدها في هذه الدراسة ليست خارجية بين الإسلام من جهة وأوروبا أو الغرب أو الحضارة الغربية من جهة أخرى، بل هي مواجهة داخلية بين عمليات تحديث تقوم بها الدولة أو الطبقات العليا في المجتمعات الإسلامية وبين المجتمع الإسلامي التقليدي. إن العيب في الدراسات التي تعتمد ثنائية الإسلام والغرب هو في أنها تنظر إلى التحديث على أنه تغريب أو أوربة أو أمركة أو حاليا عولمة، وعلى أنه هجوم استعماري وغزو ثقافي وحضاري من الغرب للعالم الإسلامي. إن هذه النظرة للتحديث هي أحد أعراض الصدام الثقافي بين المجتمعات التقليدية والحداثة والتي سوف تتناولها الدراسة بالنقد. لن نتبنى هذه النظرة التآمرية لتلك الدراسات والتي يسيطر عليها هاجس الغزو الثقافي لمجتمع يحاول الحفاظ على هويته وأصالته، لأن الهوية والأصالة مصابتان بأزمة داخلية من جراء تشوه وفشل عمليات التحديث لا بأزمة خارجية من جراء صراع حضاري بين حضارتين إسلامية وغربية. فمشكلة الهوية والأصالة داخلية تخبرها وتمر بها يوميا المجتمعات الإسلامية وليست خارجية ولا أسبابها مستوردة كما يحلو للكثيرين أن يتوهموا. إن عمليات التحديث المشوهة والناقصة التي تمت في العالم الإسلامي لم تكن كلها غزوا ثقافيا بل كانت عمليات داخلية تولت القيام بها إما الدولة ذاتها في حالة الدولة العثمانية في أواخر القرن الثامن عشر ودولة محمد على في النصف الأول من القرن التاسع عشر، أو النخب الحاكمة والطبقات العليا والفئات المثقفة في المجتمعات الإسلامية. هناك فرق إذن بين أن ندرس موضوعنا من منطلق الغزو الثقافي الغربي والهيمنة الغربية الاستعمارية والإمبريالية والعسكرية والاقتصادية، وبين أن ندرسه من منطلق عمليات تحديث داخلية جرت على أيدي أبناء المجتمعات الإسلامية التقليدية نفسها، عمليات تحديث كانت مشوهة وناقصة وفاشلة أدت إلى الصدام بين البناءات التقليدية والحداثة داخل المجتمعات التقليدية نفسها.
إن الصدام الذي تكشف عنه هذه الدراسة هو بين المجتمعات التقليدية والحداثة داخل هذه المجتمعات نفسها، أي أنه ليس صداما خارجيا بين حضارتين تتنازعان الساحة العالمية على طريقة هانتنجتون. وليست هناك ثقافة في العالم المعاصر تواجه الحداثة بعنف وإصرار وراديكالية أكثر من الثقافة الإسلامية. كانت هناك ثقافات عديدة صارعت الحداثة منذ بداية ظهورها وفي أوروبا نفسها مثل الثقافة المسيحية والكنيسة التي كانت متحالفة مع الإقطاع والأرستقراطية في بداية العصر الحديث، إلا أن الانتصار النهائي كان للحداثة؛ وأديان الشرق الأقصى لا تتصارع أو تتصادم مع الحداثة مثلما هو الحال مع الثقافة الإسلامية. والذي يجعل الثقافة الإسلامية الأكثر تصادما مع الحداثة دونا عن الأديان والثقافات الأخرى هو أن الإسلام مثله مثل الحداثة الأوروربية ينـزع نحو الشمول والكلية، ويقدم نفسه على أنه رسالة عالمية لهداية كل البشر. والحداثة الأوروبية أيضا قدمت نفسها على أنها رسالة الغرب للعالم نحو التقدم والتمدن والتحديث، منفتحة على الإنسانية كلها. لكن الإسلام لم يتمكن من الاستمرار في دعوته العالمية في العصر الحديث وأخلى المكان للحداثة الأوروربية. وهذا ما يجعل أصحاب الأصوليات الإسلامية يحاولون إعادة إحياء الدعوة الإسلامية التي تعرضت للتوقف – من وجهة نظرهم – نتيجة للغزو الثقافي الأوروربي للعالم ولديار الإسلام على وجه الخصوص.
لكنني أتساءل، ما الذي يجعل مشروع الحداثة الأوروربية غزوا ثقافيا في نظر الأصولية الإسلامية؟ أليس الإسلام مسيطرا في دياره وعلى رعاياه ومتغلغلا في كافة تفاصيل حياتهم اليومية؟ أم أن الإسلام ضعف؟ الإسلام لم يضعف بالطبع في نظرهم، بل إن المسلمين هم الذين ضعفوا نتيجة عدم تمسكهم بدينهم. لكن ما الذي جعل تمسكهم بدينهم يضعف؟ أليس الدين قويا فيهم؟ يرد بعضهم قائلا أن تمسكهم بدينهم ضعف نتيجة لانبهارهم بالثقافة الغربية وتبنيهم لكل ما هو غربي( 1)، أي نتيجة للغزو الثقافي الغربي. والحقيقة أن هذا دور منطقي ومصادرة على المطلوب، لأن الهدف هو تفسير سبب تمكن الغرب من غزو العالم الإسلامي ثقافيا، وتتم الإجابة على السؤال بالقول بأن السبب في ضعف التمسك بالدين الذي سببه الغزو الثقافي نفسه. وهكذا لا ينجح الخطاب الأصولي السلفي في تفسير ما يسميه بالغزو الثقافي الغربي للعالم الإسلامي؛ فالإجابة التي يقدمها تدور حول ذاتها في دائرة مفرغة، تعبيرا عن حيرة من يدور حول نفسه.
نحن إذن أمام مشروعين حضاريين لدى كل واحد منهما نزوعا نحو العالمية في صورة دعوة شاملة لكل نواحي الحياة وللبشرية كلها. هناك تيار فكري يضم مفكرين إسلاميين بارزين يحاولون إثبات أن التراث الإسلامي قادر على الحلول محل مشروع الحداثة الأوروربية وذلك عن طريق إبراز سلبيات الحداثة، وينتمي لهذا التيار مفكرين بارزين أغلبهم من مصر، على رأسهم محمد عمارة وحسن حنفي وعبد الوهاب المسيري وأحمد كمال أبو المجد ومحمد سليم العوا وفهمي هويدي(2 ). ويستمر هذا التيار في نفس الخط الفكري الذي كان يسير فيه حسن البنا وسيد قطب وأبي الأعلى المودودي، لكن بالطبع مع التخفيف من حدة النبرة الصراعية وبدون الدعوة لمشروع سياسي. والمشكلة في هذا التيار أن النقد الذي يقدمه للحداثة الأورويية سبق وأن قدمه فلاسفة ومفكري الغرب أنفسهم، فهؤلاء هم أول من نقدوا المركزية الغربية؛ فمن سخرية الأقدار أن تنطلق أولى انتقادات المركزية الغربية من الغرب نفسه، أنظر مثلا نقد هامان وياكوبي لعصر التنوير في القرن الثامن عشر، ونقد الحداثة والمركزية الغربية الذي يمتد من نيتشة وحتى دريدا، مرورا بشبنجلر وتوينبي. إن النقد الذي يقدمه التيار الإسلامي التنويري حاليا للحداثة الغربية ليس جديدا بل مسبوق بالنقد الغربي للحداثة الغربية ذاتها. فحتى نقد المركزية يصدر من المركز وينتقل منه إلى الأطراف، ذلك لأن كثيرا من الذين ينقدون الحداثة الأوروريية يعتمدون على النقد الموجه لها من المفكرين الغربيين أنفسهم. والنقص الخطير في نقد التيار الإسلامي التنويري للحداثة الغربية أنه يبرز السلبيات فقط، ولا ينتبه إلى أن إيجابيات الحداثة تفوق سلبياتها بكثير، وأنها نجحت بالفعل في صنع أنظمة سياسية واجتماعية أفضل بكثير من تلك التقليدية التي كانت سائدا قديما والمستمر بعضها حتى الآن. أنظر إلى حال الإنسان الآن في الغرب وفي العالم الإسلامي لتعرف الفرق.
خلفية تاريخية:
عرف العالم الإسلامي الحداثة في البداية على أنها هي أوروبا، الحضارة الأوروبية بكل ما تمثله من تقدم وقوة، وذلك عن طريق الاحتكاكات الأولى بين العثمانيين والقوى الأوروبية في القرن الثامن عشر( 3). ولم يكن معنى هذا أنه لم تكن بينهم احتكاكات قبل ذلك، بل إن الأتراك لم تنقطع صلتهم بأوروبا طوال تاريخهم، إذ بدأوا في التوسع العسكري في أوروبا منذ القرن الخامس عشر، حتى وصلوا إلى السيطرة على شبه جزيرة البلقان في أواسط القرن السابع عشر والتي تمثل جزءا كبيرا من القارة الأوروبية. لكن الذي حدث أن التوسع العثماني في أوروبا قد تعرض للتوقف بعد فشل الجيش التركي في احتلال فيينا سنة 1688. ومنذ ذلك التاريخ بدأت القوة العسكرية العثمانية في الضعف ومُني العثمانيون بسلسلة من الهزائم جعل وجودهم في وسط أوروبا ينكمش. وبعد فترة من الانقطاع فوجئ الأتراك بأوروبا جديدة في القرن الثامن عشر، أوروبا الحداثة، التي تقهقروا أمامها واكتشفوا أنها سبقتهم بكثير. إن أوروبا الحداثة، لا أوروبا عصر النهضة، هي التي تفوقت على العثمانيين. ومن هنا أخذ العثمانيون يبحثون عن سر القوة والتفوق الأوروبي عليهم، وأولى علامات القوة والتفوق هي التفوق العسكري والإداري، ذلك لأن القوى الأوروبية هزمتهم أساسا بأسلحتها المتقدمة ونظمها الإدارية في الجيش والسياسة. وأدرك العثمانيون بذلك أن ما يجب عليهم القيام به هو تبني تكنولوجيا الحرب الغربية والنظم الإدارية الغربية. والملفت للنظر أن العثمانيين لم يتمكنوا من إدخال النظم الإدارية الحديثة إلا على أيدي رعايا غير أتراك وغير مسلمين مثل اليونان والأرمن والألبان والجورجيين( 4). ولم تكن الإصلاحات الإدارية التي أدخلها العثمانيون منذ القرن الثامن عشر بقادرة على إحداث حركة تحديثية قوية في جوانب الإمبراطورية، ذلك لأن هذا التحديث كان تحديثا للدولة فقط(5 )، تحديثا للجيش كي يستطيع الوقوف أمام الجيوش الأوروبية المتقدمة، وتحديثا للإدارة حتى لا تصاب الدولة كلها بالشلل وتنهار داخليا؛ إنه التحديث الدفاعي ذي الأغراض الأمنية؛ إنه تحديث الدولة لنفسها؛ تحديث للسلطة في مستوياتها العليا فقط.
وكان بناء محمد علي لدولة حديثة في مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر المحاولة الأولى من نوعها في الشرق الإسلامي كله لإدخال الحداثة على نطاق واسع وعميق، ذلك لأن تحديث الجيش والإدارة في الدولة العثمانية كان مجرد تبن لنظم عسكرية وإدارية جاهزة من الغرب بهدف ترميم لدولة آيلة للسقوط، أما محاولة محمد علي فكانت تنشئ دولة جديدة من لاشئ. والحقيقة أن محاولة محمد علي كانت هي الأخرى بادئة بالجيش والإدارة مثل المحاولة العثمانية تماما. لكن يحسب لمحمد علي أنه استطاع السير في وتيرة التحديث بسرعة أكبر وإنجاز نتائج لم يستطع الأتراك تحقيقها في ذلك الوقت في مجال التعليم والصناعة وفن الحرب، وتجلى ذلك واضحا في انتصارات جيش محمد علي على الجيش التركي في ثلاثينات القرن التاسع عشر. ولم تستطع الدولة العثمانية الوقوف أمام محمد علي حتى تمكن التحالف الأوروبي بقيادة بريطانيا من إلحاق الهزيمة به سنة 1840. لقد كان محمد علي يدرك أن تفوقه على تركيا مشروط بنجاحه في تحديث مصر وبتحقيقه لحداثة متفوقة على التحديث التركي نفسه، وقد نجح بذلك بالفعل لأن التحديث التركي كان إصلاحا وترميما بينما التحديث العلوي كان بناءً وإنشاءً.
وبينما كانت أجهزة الدولة في مصر والدولة العثمانية تنتقل من العصور الوسطى إلى العصر الحديث في ظرف بضع سنين، ظلت المؤسسات الدينية على حالها والتعليم الديني كما هو لم تحدث لهما نفس النقلة. لقد كان للأزهر دور هام في وصول محمد علي للسلطة، وقبل ذلك كان له دور تاريخي وطني في الثورة على الحملة الفرنسية. لكن لم تطل عمليات التحديث التي نفذها محمد علي الأزهر نفسه؛ والمحاولة الوحيدة لتحديثه أتت عرضا وبالصدفة علي يد أحد علماء الأزهر المرافقين لبعثة علمية لباريس وهو رفاعة الطهطاوي. ولم تنجح محاولته بالطبع، إلا في إلهام وتحفيز تلميذ أزهري آخر له وهو محمد عبده الذي استمر في دعوة الإصلاح بعد الطهطاوي كما سوف نرى تباعا.
إن تحديثا للجيش والإدارة سواء في مصر أو الدولة العثمانية لم يكن قادرا على إدخال حداثة حقيقية في العالم الإسلامي، ذلك لأنه كان تحديثا فوقيا سلطويا، تحديث الدولة لنفسها فقط، وبقيت كل المستويات الاجتماعية الأدنى منها على حالها التقليدي. ولم يمتد التحديث الاجتماعي إلا إلى الطبقات المرتبطة بالدولة ومشاريعها السياسية، أي الطبقة العليا ذاتها، طبقة ملاك الأراضي وضباط الجيش الكبار، وكبار التجار والموظفين في الدولة وأبنائهم الذين تخرجوا في المدارس الحديثة أو الذين أُرسلوا في بعثات دراسية لأوروبا. ونظرا للدور الهام الذي قام به الأزهر في وصول محمد علي للسلطة، فقد ترك التعليم الديني كما هو وترك الأزهر على حاله ولم يضمه في مشروعه التحديثي، خاصة بعد الخلافات التي حدثت بينه وبين عمر مكرم، فلم يتدخل في شئونه ولم يحاول إقامة تناسب بين التعليم الديني والتعليم المدني، فأصيب النظام التعليمي المصري بالازدواجية منذ ذلك الحين. أما عن الدولة العثمانية فقد كانت دولة الخلافة، أي تستمد شرعيتها ومبرر وجودها ومصدر سيادتها من الدين نفسه، وكان حاكمها يسمى خليفة المسلمين؛ ولهذا السبب لم يستطع الأتراك القيام بتغييرات كبيرة في مجال الإصلاح الديني نظرا لحساسية هذا الموضوع سياسيا، ما عدا بعض التغييرات الهامشية الطفيفة التي لا تمس جوهر الدين ولا أساسيات الفكر الديني والتي على الرغم من ذلك قوبلت بمقاومة عنيفة كما سوف نرى فيما يلي.
كانت نتيجة عمليات الإصلاح والتحديث في الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر زيادة قوة الحكم الأوتوقراطي لا زيادة الحريات أو تقوية مؤسسات المجتمع المدني، وجاء ذلك عن طريق تقوية السلطة المركزية بإدخال وسائل المواصلات الحديثة مثل السكك الحديدية والبريد والتلغراف، وبإصلاح إداري عمل على ربط أجزاء الإمبراطورية ببعضها على نحو أكثر كفاءة. وجاء ذلك على حساب إضعاف مراكز القوى الوسيطة التي كان يمكنها أن تتطور في اتجاه مستقل عن السلطة المركزية وتؤدي إلى تكوين مجتمع مدني قوي وطبقة وسطى قوية(6 ). ومع بقاء المجتمع على حاله ظل تقليديا تتحكم فيه نفس البنية الثقافية التقليدية. ولم يكن الوضع أفضل في مصر التي كان التحديث فيها أيضا خادما للدولة ومشاريعها، فولدت الدولة المصرية الحديثة أوتوقراطية أيضا، وظل المجتمع المدني ملحقا بالدولة ولم يستطع التطور في اتجاه مستقل، وبالتالي لم ينشئ ثقافة حداثية خاصة به مثل التي أنشأتها البورجوازيات الأوروبية.
والحقيقة أن وتيرة التحديث قد تسارعت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في تركيا ومصر على وجه التحديد. وما ميزها أنها انتقلت من الهيكل الإداري للدولة إلى النظم الاجتماعية، لكن بقي التحديث رغم ذلك فوقيا يصدر بقرارات من الدولة ولم يكن نابعا من حركة المجتمع نفسه. فقد كان هناك تحديث قانوني تمثل في إلغاء الدولة العثمانية لأحكام الردة من القانون الجنائي وتم قبول شهادة الذمي سنة 1858، واعتبار المسلم غير العثماني بحكم الأجنبي سنة 1869( 7). كما تم إلغاء الجزية في مصر سنة 1855، وتجنيد الأقباط في الجيش المصري سنة 1856، وتعيين قضاة أقباط سنة 1880؛ كما تم الامتناع عن التعامل الإسلامي مع شهادة المرأة باعتبارها نصف شهادة الرجل، وإقرار شخصية العقوبة بالتخلي عن الدية في جرائم القتل، وإلغاء الحظر الديني على الفوائد المصرفية بحجة أنها ربا، والتخلي عن العقوبات الدينية للزنى والسرقة، إذ تم الإعلان العثماني عن أنه لا رجم في الزنى ولا قطع في السرقة. كما انتشر التقويم الميلادي الجريجوري في الدولة العثمانية منذ أوائل القرن التاسع عشر، وفي مصر في النصف الثاني منه، وبدأ الاحتفال برأس السنة الميلادية في مصر أسوة برأس السنة الهجرية ابتداء من سنة 1908، ونص القانون المدني المصري سنة 1949 على اعتبار المواليد بالتاريخ الميلادي( 8). هذا بالإضافة إلى استبدال المحامين بالفقهاء، والأساتذة مرتدو البدلة الأوروبية والطربوش بالشيوخ الملتحين المجلببين. لكن سوف تحدث ردة على هذا الزي الأوروبي والعودة للحية والجلباب ابتداء من السبعينات، كفرا بالمظاهر الخارجية للحداثة. كما كان هناك تحديث للثقافة، إذ ظهرت أشكال جديدة للتعبير الفني والأدبي، مثل المقالة والرواية والرسم والمسرحية والسينما. والملاحظ أن الاتجاهات المتعصبة من الإسلام السياسي سوف ترفض نفس هذه الأشكال الحديثة في التعبير الفني وتحكم عليها بأنها "حرام"، مما يعبر عن انتكاسة للحداثة في النصف الثاني من القرن العشرين.
وبالنظر إلى تلك التغييرات القانونية نلاحظ أنها تعبر لا عن مجرد تحديث بل علمنة، ومعنى هذا أن ثورة مصطفى كمال أتاتورك العلمانية في عشرينات القرن العشرين لم تكن حدثا فجائيا ولم تكن إصلاحاته غير مسبوقة في التاريخ العثماني، ذلك لأننا نلاحظ اتجاها نحو العلمنة في القرن التاسع عشر تعد الأتاتوركية تتويجا له. إن علمنة القرن التاسع عشر كانت من إدخال الدولة، وكذلك كانت علمنة أتاتورك، وبذلك فهو لم يقطع مع تراث سابق عليه، بل واصل تراثا طويلا من العلمنة امتد عبر القرن التاسع عشر كله. إن الدولة نفسها، سواء كانت الدولة العثمانية أو الدولة الكمالية، كانت هي التي تباشر عمليات التحديث والعلمنة؛ وكذلك كان الحال في مصر منذ محمد علي.
وفي ذلك اختلف التحديث في المشرق الإسلامي عن التحديث الأوروبي الذي كان نابعا من المجتمع نفسه ومن الطبقات الاجتماعية الصاعدة؛ البورجوازيات التجارية أولا ثم البورجوازيات الصناعية. بل لقد كانت الدولة في الغرب ذات بنية إقطاعية في بداية الحداثة، ثم بنية أرستقراطية، ودائما ما تصادمت مع البورجوازيات الصاعدة التي كان لها كل المصلحة في التحديث والعلمنة بالضد على تحالف الدولة مع الكنيسة. وهذا هو السبب في الثورات الكبرى التي عرفها التاريخ الأوروبي الحديث (هولندا 1568/ إنجلترا 1688/ فرنسا 1789)؛ فقد كانت في حقيقتها ثورات البورجوازيات المختلفة على دول إقطاعية أو أرستقراطية، وكان نجاح كل ثورة يعبر عن نجاح في التحديث السياسي. لقد كانت البورجوازيات الأوروبية الصاعدة هي التي تباشر عمليات التحديث، وعندما كانت تصطدم بالدولة كانت تثور على الدولة وتعيد بناءها من جديد. أما التحديث في العالم الإسلامي فقد كان مشروعا للدولة فرضته على مجتمع لم يكن مستعدا، فتم قبول الحداثة بصعوبة بالغة، كما تمت الردة عليها مرات عديدة، ولا تزال الردة على الحداثة تسير متسارعة حتى الآن.
وإذا ما نظرنا إلى تجربة تحديثية أخرى انتهت بالفشل وجدنا الحالة الإيرانية ساطعة. عندما فرض شاه إيران التحديث من أعلى كان ناقصاً ومبتوراً، إذ كانت نتيجته القضاء على صغار المزارعين وصغار التجار، والذين يشكلون الغالبية العظمى من الطبقات الوسطى؛ وهذا ما أدى إلى مقاومة تحديثه وإلى الانقلاب الثوري الإسلامي عليه في النهاية(9 ). يقدم لنا نموذج الشاه محاولة للتحديث الهيكلي البنائي للمجتمع لا مجرد التحديث الثقافي، لكن حتى هذا التحديث البنائي كانت له آثاره السلبية، إذ قضى على فئات اجتماعية بأكملها، وكان ذلك بسبب أنه كان مفروضاً من أعلى حتى ولو كان تحديثا للبناء الاقتصادي التحتي. التحديث الإيراني في عهد الشاه إذن كان مشوهاً، على المستوى البنائي وعلى المستوى الثقافي أيضاً، لأنه كان أوربة لمجتمع لا يزال تقليدياً وينظر إلى التراث على أنه ما يشكل هويته. هذا بالإضافة إلى أن الشاه لم يشرك علماء الدين في مشروعه ولم يضعه في إطار شرعية دينية كما كان سائداً في كل مشروع تجديدي العالم الإسلامي منذ الخلافة الأموية. وبذلك كشف نظام الشاه عن جهل بخصوصية الإسلام الشيعي وعلماء الدين الشيعة، تلك الخصوصية التي لا ترضى بأقل من أن يكون علماء الدين شركاء للحاكم مضفين الشرعية الدينية على حكمه، مثلما كان حادثاً في إيران منذ الدولة الصفوية (1501-1732) وحتى دولة القاجار (1796-1925).
السياق الاجتماعي:
إن الثقافة الإسلامية سابقة على الحداثة، وعلى التصنيع، وعلى الرأسمالية. ولهذا السبب بالذات فإن الأصولية الإسلامية، ولكونها تعيد إحياء قيم قبل حداثية، تتصادم مع الحداثة. إنها تجد نفسها في موقف صدامي دائما مع الحداثة نظرا لأنها تحيي ما قبل الحداثة. وما قبل الحداثة دائما ما يكون متصادما معها، لأن الحداثة نفسها ظهرت باعتبارها ثورة على كل ما سبقها، ولم تأخذ لنفسها مرجعية إلا ذاتها.
يتمثل أحد أهم أسباب الصدام بين المجتمع التقليدي والحداثة في أن هذا المجتمع، ولكونه لم يستطع إنجاز التحديث الكامل، أصيب بأزمة هوية. فهو لم ينجح في تغيير بناءاته الاجتماعية والاقتصادية التقليدية، وبالتالي لم ينجح في تبني القيم والمعايير الحداثية. وفي أزمة الهوية هذه يميل المجتمع التقليدي دائما نحو الرجوع إلى الوراء للبحث عن هوية أصلية وأصيلة مفتقدة في حاضره. الصدام إذن ليس بين شكلين من أشكال المجتمعات والتنظيم الاجتماعي، مجتمع إسلامي ومجتمع غربي، لكنه تعبير عن أزمة يعاني منها المجتمع التقليدي الإسلامي. فالأزمة تدفعه لأن يشكل موقفا صداميا مع الحداثة. إن أزمته هي هذا الصدام بعينه، لأنه في موقفه من الحداثة يصر على استيراد منجزاتها العلمية والتكنولوجية، بل وأنماطها الاستهلاكية، لكنه في الوقت نفسه يصر على رفض نسق القيم والثقافة التي أنتج بها الغرب هذه المنجزات ذاتها. وهذا في حد ذاته موقف مأزوم للعالم الإسلامي. إنه يحب ويكره نفس الشئ في نفس الوقت، يحب المنجزات العلمية والتكنولوجية للحداثة، ويكره نسقها القيمي في الوقت نفسه. إنها أزمة الصدام وصدام الأزمة.
إن من أهم أسباب الصدام بين المجتمع التقليدي والحداثة هو تقليدية المجتمع ذاتها، وأبرز مثال على ذلك أن الدول التي تعلن نفسها إسلامية هي الأكثر تقليدية في العالم الإسلامي خاصة، والعالم كله عامة، أي التي ظلت بنيتها الاجتماعية بعيدة تماما عن أي مؤثرات حداثية وظلت محتفظة بالبناء القبلي العشائري: أفغانستان، باكستان، السعودية، ليبيا في عهد السنوسي.
ويرجع فشل الحداثة في العالم الإسلامي إلى فشل البورجوازيات العربية لأنها ولدت تابعة ومشوهة، لأن الحداثة هي مشروع البورجوازيات الوطنية في كل العالم وليس أوروبا فقط. ولذلك كانت البورجوازيات العربية انتقائية وتلفيقية، تحاول التوفيق بين الإسلام والحداثة، أو الجمع بينهما، في حين لا يمكن الجمع بين متعارضين ومشروعين متنافسين. وكان المنتصر هو الفئة الأصولية التي رفضت هذا الجمع التلفيقي من الأساس. لقد ولدت البورجوازيات العربية وهي تابعة للغرب، ولم تستطع أن تبني لذاتها اقتصادا خاصا بها مثل البورجوازيات الغربية، ولذلك ولدت مشوهة من جراء اشتغالها بأعمال الوكالة التجارية والتسويقية للغرب، وانعكس هذا على ثقافتها فولدت نخبوية ولم تستطع نقل ثقافة التحديث إلى الفئات الأخرى في مجتمعها.
ظهرت من تلك البورجوازيات العربية نخب متعلمة وأخرى مثقفة. وتم تعليم النخب تعليما غربيا، وتبنت ثقافة الحداثة لكن بدون الاستناد على أساس اجتماعي اقتصادي مناسب لهذه الثقافة. والذي حدث أن هذه النخب المتأوربة ظلت منفصلة عن مجتمعها التقليدي وعاجزة عن تحديثه، لأن التحديث لديها كان تحديثا ثقافيا فقط، أي لا يمس إلا البنية الفوقية وبعيد عن أن يغير من البناء التحتي للاقتصاد والمجتمع. وكان من السهل على النخب المتأسلمة أن تناطح النخب المتأوربة وتؤلب عليها الجماهير التي يسيطر عليها التدين التقليدي. لم تنجح النخب المتعلمة تعليما حداثيا والمتبنية لقيم الحداثة في نشر ما تعلمته واكتسبته في مجتمعها نظرا لغياب الشروط البنائية لذلك. أما المجتمع التقليدي نفسه فهو يواجه التغريب والأوربة والتحديث الثقافي الناقص بمزيد من التمسك بتراثه التقليدي، بل وإحيائه وجعله مُسيَّسا، كنوع من البحث عن هوية جديدة مضادة للتغريب ومواجهة لأزمة هوية حقيقية يشعر بها هذا المجتمع وسط عالم تم تحديثه بالفعل وتركه خلفه في تقليديته وتخلفه.
وكان من جراء تحديث النظام التعليمي في المجتمعات العربية والإسلامية دون توافر الأساس الاجتماعي المناسب لهذا التحديث لا إدخال الحداثة وتطبيعها بل على العكس، إذ أدى ذلك إلى اللامعيارية الثقافية Cultural Anomy، أي انقطاع الصلة بين المتعلمين تعليما غربيا وتراثهم التقليدي الموروث، وبالتالي ظهور أزمة الهوية. فهم لم يعرفوا هويتهم الآن، هل هم متأوربون أم مسلمون أم وطنيون؟ هذه اللامعيارية الثقافية هي المسئولة عن اتجاه بعض الفئات المتعلمة تعليما غربيا نحو الأصولية والإسلام السياسي حاليا، والكفر بالحداثة. إن نسبة كبيرة من المنتمين لجماعات الإسلام السياسي في مصر هم ممن درسوا في كليات الطب والهندسة والصيدلة والعلوم، أي الكليات العملية التي تدرس تقنيات ومعرفة أداتية تقنية فقط ولا تعرف أي شئ عن الأساس القيمي والمعياري الذي انبنت عليها هذه التقنيات.
اعتقد الغرب أنه بتعليم النخب الآتية من العالم الإسلامي تعليما غربيا يمكنه نشر القيم الثقافية والحضارية الغربية في العالم الإسلامي كله، لأن النخب في اعتقاد الغرب سوف تمارس ضبطا للجماهير الإسلامية وتنشر بينها الحداثة تلقائيا، وكان لسان حال الغرب آنذاك يقول: علِّم النخب وسوف ينتقل أثر التعلم على الفئات الأدنى منها، وهو في ذلك ينطلق من نظرية سوسيولوجية تقول بانتقال المنافع من الطبقات الأعلى إلى الطبقات الأدنى تلقائيا Trickle-down effect. وكان الغرب مخطئا في ذلك، فالذي حدث هو العكس التام. لقد اغتربت النخب عن القاعدة الشعبية، واغتربت القاعدة الشعبية عن عصرها وتقهقرت خطوات إلى الخلف منسحبة إلى تراثها التقليدي كنوع من البحث عن هوية أصلية، دفاعية وصراعية في مواجهة الغرب. وقد كرر الغرب نفس الخطأ عندما استضاف الأصوليين الإسلاميين الهاربين من بلادهم ومنحهم حق اللجوء السياسي في أراضيه، أملا في أن معايشتهم للغرب سوف تكسبهم قيمه وثقافته القادرة على القضاء على تطرفهم وتشددهم، لكن العكس أيضا هو الذي حدث وأكثر منه. لقد ظل هؤلاء اللاجئون الإسلاميون ينظرون إلى المجتمعات الغربية التي استضافتهم على أنها مجتمعات كافرة، وتقوقعوا على أنفسهم وصنعوا جيتوهات معزولة استخدموها كمراكز للتخطيط والانتشار، بل واستخدموا الإمكانات المتاحة لهم في الغرب في التخطيط للمزيد من العمليات الإرهابية. إن تواجد المتطرفين الإسلاميين في الغرب عمل على تحول التطرف الإسلامي إلى ظاهرة عالمية.
علاوة على أن بعضا من النخب العربية المثقفة قد تخلت عن مشروع الحداثة على الرغم من تلقيها لتعليم غربي في عواصم أوروبا وأمريكا. ففي حين تعلمت هذه النخب أن جوهر حضارة الغرب يتمثل في النزعة الإنسانية والديمقراطية والحريات الفردية، إلا أنهم عندما يشاهدون الوجه القبيح للغرب، الوجه الاستعماري والإمبريالي والمستغل، وكيف أن هذا الغرب قد فرض هيمنته وسيطرته على مجتمعاتهم بالقوة المسلحة والهيمنة الاقتصادية، يجدون من الصعب عليهم للغاية النظر إلى قيم الحداثة على أنها النموذج الأمثل المحتذى، والمثال على ذلك الكثير من المفكرين المعاصرين الذين كان يمكن أن يمدوا مشروع الحداثة بقوة دفع هائلة ما لم يتجهوا نحو الشك في هذا المشروع انطلاقا من أنه مجرد قناع يخفي به الغرب نياته وأهدافه الإمبريالية والاستغلالية. لكن المشكلة بالنسبة لهؤلاء هي الربط من الأصل بين الحداثة الغربية والوجه الإمبريالي للغرب والذي يظهر به أمام مجتمعاتنا. فليس كون الغرب إمبريالي ومستغل أن يعني أن نفقد الثقة في حداثته، فهذه هي ما نحتاجه بالفعل. يجب علينا إذن الفصل بين الحجاثة الغربية الإمبريالية الغربية. فهذه الحداثة باعتبارها مجموعة من القيم والمعايير ليست مسئولة أبدا عن الإمبريالية.
في مواجهة القيم الحضارية الغربية التي بدأت في الظهور في العالم الإسلامي شكلت الطبقات المهمشة لنفسها ثقافة فرعية Sub-culture، سرعان ما ساعدت على تشكيل جماعات فرعية Sub-groups. والأصولية تتصف بكل ما تتصف به الثقافة الفرعية، فهي دفاعية ضد الحداثة، وهجومية عليها في نفس الوقت، لأن الهجوم هو خير وسيلة للدفاع، عامية في آليات انتشارها، ولا نقول جماهيرية أو شعبوية لأن قيم الحداثة نفسها يمكن أن تنتشر جماهيرياً وشعبوياً، لكن العامية هي أسلوب الانتشار المميز للأصولية، لأنها تعتمد على الثقافة الشفاهية وعلى الذاكرة الحافظة للنصوص ونشر التقليد والترديد. والأصولية باعتبارها جماعة فرعية تتصف كذلك بما تتصف به كل جماعة فرعية، مثل آليات الانتماء التي تستند على الإذعان للقائد والسمع والطاعة، وعلى الانغلاق على الذات وعدم الانفتاح على الآخر، وتشكل الهوية بالصدام مع الآخر وإضفاء الوحدة على الجماعة بفضل مواقفها العدائية مع من هو خارجها، والتمييز بين النحن والآخرون، والصديق والعدو، والمؤمن والكافر أو على الأقل العاصي، إلى آخر تلك الثنائيات المتناقضة. والمشكلة الآن هي أن هذه الثقافة الفرعية بدأت في الانتشار منذ السبعينات ولم تعد فرعية، أي هامشية خاصة بالمستبعدين والمهمشين اجتماعياً واقتصادياً، بل بدأت في الانتقال إلى الطبقات الوسطى.
والأصولية ثقافة فرعية لكنها تعتمد على تراث وتاريخ ضخم توظفه لأغراضها، ولذلك فهي ليست فرعية بمعنى الهامشية المطلقة أو انقطاع الصلات والجذور، بل هي فرعية في هويتها التي تلحقها بنفسها وفي آليات عملها. المجتمع مسلم، ووجود ثقافة فرعية أصولية لا يعني أن هذا هو الطبيعي والمتوقع من أي مجتمع مسلم، بل يمكن أن يفسر لنا سبب انتشار وتعميم تلك الثقافة الفرعية على فئات عديدة في المجتمع.
ومن أهم أسباب مقاومة التحديث في المجتمعات الإسلامية بقاء طبقات اجتماعية كثيرة على حالها لم تتغير، نظرا لأن التحديث في أغلب العالم الإسلامي كان تحديثا سلطويا مفروضا من أعلى، وتحديثا للدولة فقط، لإدارتها وجيشها وإعلامها. فقد ظل الريف والصعيد في مصر، ومنطقة القبائل في المغرب العربي، وأغلب مناطق شبه الجزيرة العربية الصحراوية، والمناطق الصحراوية والجبلية في باكستان وأفغانستان وإيران، بعيدة تماما عن التحديث ولم تمسها الحداثة من قريب أو بعيد، وبالتالي حافظت على تقليديتها وشكلت قوة صدامية مقاومة للحداثة، ولا يزال الوضع قائما كما هو حتى الآن. إن التحديث الكامل والشامل يعني القضاء على البناءات الاجتماعية السابقة على الحداثة، لكن الذي حدث في العالم العربي والإسلامي أن كل الأسباب توافرت لاستمرار البناءات التقليدية، وغابت كل فرص اختفاءها. فإذا ألقينا نظرة على التركيب الطبقي لأعضاء الجماعات الإسلامية في مصر، وهي أول أمة عربية وإسلامية تنشئ دولة حديثة في عصر محمد علي، ويشهد مجتمعها المدني تطورا مفتقدا لدى الكثير من الشعوب العربية والإسلامية الأخرى، فسنجد أنه منذ السبعينات تزايدت أعداد المنتمين لتيارات الإسلام السياسي، وخاصة من ذوي الأصول الريفية وشبه الريفية والآتين من محافظات الصعيد. أتى هؤلاء للدراسة في جامعات المدن الكبرى، وأصيبوا بصدمة ثقافية وحضارية. لم يستطيعوا التكيف مع حياة المدينة العصرية ومع مجتمع المدينة، وانتهى بهم الأمر إلى الانضمام للجماعات الإسلامية التي شكلت بالنسبة لهم جماعة مرجعية Reference Group، وثقافة فرعية Sub-culture تحميهم من شراسة المدينة ومن عبء الحداثة الثقافية على تربيتهم التقليدية وعقلياتهم التراثية، وأمدتهم بهوية بديلة. وفي الثمانينات عندما تخرج هؤلاء وشغلوا مهن الطب والهندسة والمحاماة، وجدناهم يشكلون قاعدة مهنية وجامعية ونقابية للتيارات الإسلامية، ووجدنا ازدواجية في سلوكياتهم. فهم يأخذون العلم مهنة يتكسبون بها وحسب، ولا يتخذونه كمنهج في الحياة وطريقة في التفكير، وعند حدوث أي مشكلة فهم يلجأون إلى شيخ ليصدر لهم فتوى، أو لرجل تقي يصنع لهم حجابا، أو مشعوذا يقرأ لهم الطالع أو يفك السحر.
وإذا أردنا أن نكون أكثر تحديدا ويكون تحليلنا أكثر عينية، فإن أقرب مثال هو التغير في التركيبة الطبقية لجماعة الإخوان المسلمين. كان الإخوان في الثلاثينات من الريفيين حديثي الهجرة إلى المدن الكبرى، وفي الأربعينات والخمسينات والستينات كانوا من صغار الموظفين المنتمين إلى الفئات الدنيا من الطبقة الوسطى المهمشة والمطحونة، ومن حملة الشهادات الأزهرية الذين لم يجدوا لهم مكانا في النظام الاجتماعي والوظيفي آنذاك. وأعضاء الجماعات الإسلامية في السبعينات، إخوان وغيرهم، كانوا من الطلبة أو حديثي التخرج من الريفيين أو شبه الحضريين المقيمين في المدن الكبرى بحكم دراساتهم الجامعية أو أشغالهم. لقد شهدت الفئات المنتمية للتيار الديني تغيرا طبقيا كبيرا عبر خمسة عقود. وفي الثمانينات والتسعينات كانوا من الأطباء والمهندسين والمحامين والمهنيين بصفة عامة. ونلاحظ من ذلك صعودا طبقيا للفئات المنتمية للإسلام السياسي. وهذا الصعود ربما يفسر لنا نجاح الإخوان في دخول مجلس الشعب وتكوين كتلة برلمانية فيه وحصولهم على 88 مقعدا. السبب هو تغير المستويات الطبقية التي ينتمي إليها أعضاء التيارات الدينية. إخوان البرلمان هم من الطبقة الوسطى المهنية؛ وارتفاع المستوى الطبقي، أي الاجتماعي والاقتصادي، للمنتمين للتيارات الإسلامية حسَّن من ممارساتهم السياسية، وهو أيضا السبب وراء ما يكشفونه الآن من استعداد للحوار مع التيارات الأخرى وقبول الكثير من التنازلات عن ما كان ثوابت إخوانية في الماضي، والتخفيف من حدة مطالبهم السياسية، ودعم الكثير من قرارات الحزب الحاكم حتى ولو بالسكوت الذي هو علامة الرضا.
وعلى الجانب الآخر ظهر مفكرون إسلاميون يتبنون أيديولوجيا الإسلام السياسي ذي الطموحات السياسية. واجه هؤلاء المفكرون الإسلاميون النخب الحداثية في مجتمعاتهم بحجة أنهم عملاء للغرب وطابور خامس للإمبريالية يهدف تركيع البلاد أمام الهيمنة الغربية وتغيير هوية المجتمع الإسلامي وتغريبه، أي إلحاق هوية ثقافية غريبة عنه وعن تراثه الأصيل. ولم يكن هذا صحيح أبدا. فطه حسين وعلي عبد الرازق وتوفيق الحكيم على سبيل المثال (وهم بعض المقصودين من قبل الإسلاميين)، لم يكونوا أبدا مرتبطين بأي قوة استعمارية أو مشروع إمبريالي. لكن نجح الإسلاميون في تشويه سمعة النخب الحداثية وفي تكريه العامة منهم وتأليبهم عليهم بحجة أنهم علمانيون، والعلمانية لدى الإسلاميين تهمة تقترب من الكفر. وآخر مثال على ذلك ما حدث لفرج فودة ونصر أبوزيد وخليل عبد الكريم وسيد القمني. وكل هؤلاء من مصر وحدها، مما يقف دليلا على أن المواجهة بين الثقافة التقليدية والحداثة هي على أشدها في مصر على وجه الخصوص.
وكثيرا ما يحدث الصدام بين التقليديين والحداثيين داخل النظام التعليمي، مثلما حدث بين طه حسين وبعض رجال الأزهر على إثر كتابه "في الشعر الجاهلي"، ومع علي عبد الرازق بعد صدور كتباه "الإسلام وأصول الحكم"، والذي تصادم معه الأزهر أيضا، وأخيرا وليس آخرا قضية نصر أبوزيد وعبد الصبور شاهين، والتي كانت في الخلفية صراعا بين كلية الآداب وكلية دار العلوم. الصدام أيضا يمكن أن يحدث بين المؤسسة التعليمية ورموز التيار السلفي خارج الجامعة، مثل الجدل والنزاع الذي حدث عندما قرر أحد أساتذة الجامعة الأمريكية بالقاهرة في التسعينات رواية "النبي" لجبران خليل جبران وثارت عليها موجة من الاعتراضات والاتهامات من التيار السلفي في الصحف. ويمكن أن يكون الصدام بين وزارة بأكملها مثل وزارة الثقافة والتيار الإسلامي الذي يمتلك صحفه ووسائله في الدعاية، كما حدث مع رواية "وليمة لأعشاب البحر" لحيدر حيدر، ومع مجلة إبداع لأكثر من مرة..إلخ.
وفي كل هذه الصراعات والصدامات فإن ما يميز تعامل مفكري تيارات الإسلام السياسي والأصولية والسلفية هو البراجماتية والانتهازية والانتقائية. فبادئ الأمر أنهم لا يستخدمون كلمة "حداثة" بل يستخدمون كلمات أخرى مثل "أوروبا"، "الغرب"، العلم الحديث، العلم والتكنولوجيا، التمدن. فهم يريدون أخذ منجزات الحداثة المادية فقط والمتمثلة في العلم التقني وتطبيقاته التكنولوجية، ويستبعدون، بل يرفضون، تبني القيم والمبادئ التي أدت إلى إنتاج العلم وتطبيقاته. والحقيقة أن هذا الموقف استيرادي، مثلما هو سلوك المجتمعات التقليدية دائما مع السلع الغربية، فهو يقوم على الأخذ بمنجزات الغرب فقط، لا الإسهام في تقدم العلم والتكنولوجيا. إنهم يريدون الحفاظ على التراث والمجتمع التقليدي في نفس الوقت الذي يستوردون فيه المنجزات المادية للغرب. وهذا هو السبب في أننا نرى دول الخليج مثلا وهي تستورد أحدث التكنولوجيا والأجهزة من الغرب مع المحافظة على نظم اجتماعية بالية لا تناسب هذه التكنولوجيا أصلا.
وقبل أن يكون الموقف النفعي الانتقائي هو موقف الأصوليين من الحداثة كان موقف الإصلاحيين في القرن التاسع عشر، من الطهطاوي إلى الأفغاني إلى محمد عبده. لم يفكر أحد من هؤلاء في كيفية جعل المجتمع الإسلامي منتجا للعلم ومخترعا للتكنولوجيا، بل فكروا في كيفية المحافظة على الهوية والدفاع عن التراث في مواجهة ما تصوروه على أنه خطر العلمانية الغربية. لقد كانوا المدافعين الأيديولوجيين عن التقليدية لا المفكريين الطليعيين لحداثة عربية. واستمر هذا الموقف يسم كل الحركات الأصولية الإسلامية. لم تستطع هذه الحركات إدراك أن الحداثة متكاملة في تشابك عضوي، وأن المرء لا يستطيع الإسهام في إنتاج العلم والتكنولوجيا دون تبني القيم التي أنتجتهما، وأن الحداثة القيمية والثقافية هي أساس العلم الحديث؛ وذلك لأن تفكيرهم يشوبه الانفصال بين القيمي والحداثي، لأن القيمي لديهم تراثي تقليدي. وعندما يدرك هؤلاء الانفصال بين التراث والحداثة يسارعون للدفاع عن التراث ويقولون إن الإسلام يحترم العلم ويشجع العلماء. لكن ما الذي يجعلهم يقولون ذلك؟ ما دخل الاحترام في هذا الأمر؟ إن استخدامهم لكلمة احترام تعبير عن أنهم لا يحترمون الثقافة التي أنتجت العلم، الثقافة الغربية التي يكرهونها، ويعوضون عدم الاحترام هذا بقولهم إن الإسلام يحترم العلم. فليحترموا هم إذن الثقافة والشعوب والمجتمعات التي أنتجت هذا العلم.
مظاهر الصدام - صعود الأصولية والإسلام السياسي:
يأخذ الصدام بين المجتمعات التقليدية والحداثة شكل صعود لتيارات الأصولية والإسلام السياسي على كافة أشكالها، المسالم منها والعنيف.
وترفض هذه التيارات الحداثة المتمثلة في الديمقراطية والنظام البرلماني التمثيلي القائم على الحوار والتعددية والتسامح مع المخالف في الرأي، وتضع أمام هذه كلها: الشورى وإحياء فكرة الخلافة، أو ولاية الفقيه في الفكر الشيعي. كذلك ترفض الأصولية المتشددة كل أشكال الحداثة الثقافية مثل الموسيقى والغناء والنحت والرسم، وجميع الفنون التمثيلية، والاعتراف بثقافة واحدة فقط هي الثقافة الدينية القائمة على سيرة الرسول والصحابة وقصص أبطال الفتوحات الإسلامية. كما ترفض الزي العصري الأوروبي وتشدد على ضرورة إطالة اللحية وتقصير الشارب وارتداء الحجاب والنقاب والخمار ولبس الجلباب بحجة أنه الزي الإسلامي، وعندما يركب لابس الجلباب الموتوسيكل يصاب بمتاعب عديدة. كذلك ترفض مبدأ القومية العربية ولا تعترف بالقومية القطرية حتى ولو كانت من أعرق وأقدم القوميات في التاريخ مثل القومية المصرية، ولا تعترف إلا بالانتماء إلى الدين، الذي هو في حقيقته المشروع السياسي للإسلام السياسي. فالإخوان لا يجدون أدنى حرج من الإعلان أنهم يفضلون رئيساً مسلماً لمصر حتى ولو كان من ماليزيا على أن يكون رئيسهاً مصرياً قبطياً، وهذا مهدي عاكف لا يجد غضاضة في أن يتولى تنظيم الإخوان من بعده جزائرياً ولا يفضل أحداً من المصريين من حوله.
وكل من يتبنى فكرة الحل الإسلامي لكل مشكلات الفرد والمجتمع والدولة والاقتصاد يكشف عن النظرة العضوية للإسلام، أي الإسلام لا باعتباره مجرد دين، بل دين ودنيا، دين ودولة، دين وسياسة ...إلخ؛ دين يشكل كل حياة المسلم وكل تفاصيل المجتمع ويقوم بدور الثقافة الفاعلة والمشكلة للهوية. لكن لم يوحد، ولا يوحد، الإسلام بين الدين والدولة لأنه لم تكن للعرب دولة ولا دين قبل الإسلام حتى يأتي الإسلام ليوحد بينهما، والإسلام هو الذي أعطاهم دينا ودولة في الوقت نفسه ودفعة واحدة. إن الإسلام نفسه لم يدع أبدا إلى التوحيد بين الدين والدولة، لسبب بسيط للغاية وهو أن الإسلام لم يؤسس لنظام سياسي معين ولم يوص بشكل خاص في الحكم. إن فكرة أن الإسلام دين ودولة هي في حقيقتها شعار روجه الإسلام السياسي.
ظهر الإسلام السياسي في كل بلد بعد عملية تحديث فاشلة. فمحاولة مصدق لتأميم البترول الإيراني فشلت بأيد أمريكية، وعاد الشاه إلى الحكم بعد محاولة فاشلة للانقلاب بأيد أمريكية أيضاً. ولم يستطع الإيرانيون فعل أي شئ إلا اللجوء إلى تراثهم الشيعي للمقاومة ولعزل الشاه نفسه على يد حركة خلق وقيادة الخوميني. إن فشل مصدق في الخمسينات يكمن خلف الثورة الإسلامية في السبعينات. عندما يفشل المجتمع في حل مشاكله بالطرق الحداثية يلجأ تلقائياً إلى تراثه الديني مستخدماً إياه كأيديولوجيا للمقاومة والصراع. وقد حدث هذا مع الإخوان المسلمين في مصر بعد الفشل المتعاقب للعصر الليبرالي القصير في التعامل مع قضية الاستقلال، ومع التيارات الدينية في السبعينات بعد الصلح مع إسرائيل، وفي فلسطين عندما فشلت منظمة التحرير في نيل الاستقلال وإقامة الدولة، فظهرت الفصائل الإسلامية المعروفة.
وعلى الرغم من تقليدية وتراثية وسلفية الإسلام السياسي، إلا أنه كظاهرة ينتمي إلى الشرط التاريخي للعصر الحديث، بصرف النظر عما يدعو إليه من العودة إلى الإسلام الأصلي الخالص والنقي واستكمال مسيرته الجهادية في العالم. ذلك لأن الإسلام السياسي عبارة عن أيديولوجيا سياسية تسعى نحو تقوية نفسها والوصول للسلطة، بانقلاب أو ثورة، عن طريق العمل السري والبروباجاندا وعسيل المخ. إن أنصار الإسلام السياسي نشطاء سياسيون يعملون في إطار السياسة العالمية ووسط مجتمع دولي ونظام عالمي حديث، أي أنهم يعملون في إطار حداثي بالكامل لا في إطار تقليدي مثلما عمل الإسلام الأول أيام فتوحاته الأولى.
وتجمع الأصولية الإسلامية بين حساسية قبل حداثية واستغلال براجماتي أداتي وسعي نحو إنجازات الحداثة التكنولوجية، وهي تعمل على تسييس الدين. وهذا التسييس في حد ذاته مناقض تماماً لمبادئ الحداثة التي فصلت الدين عن السياسة وجعلته شأناً خاصاً بأخلاقيات الفرد وضميره، وعلاقة خاصة بين الإنسان والإله.
يخطئ من ينظر إلى الأصولي المعاصر على أنه رجل دين أو رجل تقوى أو حتى رجل متدين، وإلى الأصولية المعاصرة على أنها حركة إحياء ديني. فهي ليست كذلك؛ لأن الأصولي المعاصر ناشط سياسي بالدرجة الأولى لا يهمه شأن العقيدة والمعاملات والسلوك مثل الفقيه مثلاً، بل كل ما يهمه التوظيف السياسي للدين. لا يهمه الوعظ الأخلاقي والإرشاد السلوكي بل يهمه التعبئة الدينية، لأنه لاحظ أن الدين هو أقدر الأشياء على تعبئة الجماهير، أو كما قال أبو حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري "استتباع العوام طلباً للرئاسة". كل الفرق أنه يشتغل على الجماهير لا على المستويات العليا في السياسة، ويشتغل بالسياسة تحت قناع الدين، ويطوع الدين من أجل السياسة لا من أجل الدين نفسه، ويتكلم بالدين وهو يقصد السياسة.
لا يهدف الإسلام السياسي نهضة دينية أو حتى إصلاح أو إحياء ديني. فالدين في ذاته ليس هدفه؛ كما ليس من نواياه استئنافاً لأي عنصر عقلاني وتنويري في تراثنا الديني، ذلك لأن هدفه الحقيقي السياسة والوصول للسلطة بركوب الدين. وهو في ذلك يون انتقائياً في تعامله مع تراثه الإسلامي، إذ يختار أكثر العناصر الأيديولوجية صدامية ونضالية، لأنها هي الأنفع له في توجهاته. ويتم ذلك بإحياء تراث ابن تيمية السلفي والتغاضي عن تراث ابن رشد العقلاني، ويتم إحياء إسلام الغزوات والفتوحات وتأكيده في المخيلة الشعبية حتى يصبح هو الإسلام ذاته وهو إنجازه الحضاري الأكبر، ويتم التغاضي والسكوت المقصود عن الإسلام الروحاني لدى الصوفية، والإسلام العقلاني لدى المعتزلة (وبالمناسبة فالمعتزلة هم من اعتزل السياسة)، والإسلام الأخلاقي الرفيع المتمثل في القرآن المكي.
النسق القيمي للإسلام السياسي وللحداثة:
يصل الاختلاف بين النسق القيمي للإسلام السياسي والحداثة إلى حد التناقض. فالإسلام السياسي يميز بين الرجل والمرأة، والحر والعبد، والحداثة تعترف بالمساواة والإخاء بين الجميع. والانتماء لدى الإسلام السياسي للدين وحده، وهو يميز بين المسلم وغير المسلم، أما الحداثة فهي ليبالية ومتسامحة تجاه الأديان، والانتماء فيها للقومية أو الفكرة السياسية أو الحزب السياسي. وحقوق الإنسان التي يفهما الإسلام السياسي هي حقوق الإنسان المسلم، أما الذمي فله نسق حقوقي آخر خاص به وحده؛ في حين أن الحداثة تعني الإخاء بين كل البشر والمساواة بينهم بصرف النظر عن الانتماء الديني. إن المجتمعات الإسلامية تحتوي على نسقين قانونيين، واحد للمسلم وآخرلأهل الكتاب أو أهل الذمة، أما الحداثة فليس بها إلا نسقاً قانونياً واحداً للجميع، يقوم على أساس المواطنة ويضم الكل في دولة واحدة. ولا تزال الاتجاهات الأصولية والسلفية ومعهما الإسلام السياسي تنظر إلى القانون العقابي الإسلامي على أنه يتأسس في العقوبات البدنية مثل الرجم والجلد وقطع اليد والقصاص بالقتل، في حين أن الحداثة قد ألغت العقوبات البدنية والتعذيب بكافة أنواعه وتتجه الآن نحو إلغاء عقوبة الإعدام. وتعاقب الاتجاهات الإسلامية المتشددة من يخرج عن الإسلام بالقتل، أما الحداثة فهي متسامحة تجاه الأديان.
ويصر الإسلام السياسي على أن الدين الإسلامي نفسه لا يستقيم كدين إلا في ظل دولة إسلامية، أما الحداثة فهي تفصل بين الدين والدولة، وتعطي حرية ممارسة الشعائر الدينية وحرية الاعتقاد لجميع المواطنين طالما التزموا بقوانين البلاد ولم يخرجوا عنها، والدليل على ذلك كثرة المساجد والمراكز الثقافية الإسلامية التي تقيمها السعودية في أوروبا وأمريكا. الدين في ظل الحداثة ليس في حاجة إلى دولة كي يستقيم كدين، بل هو فاعل ونشط ومتماسك بدون دولة، إنه بالأحرى فاعل ونشط ومتماسك داخل الذات الفردية ومتأصل في ضميرها الأخلاقي وليس في حاجة إلى مؤسسة خارجية تحميه. لكن يريد الإسلام السياسي تحويل الدولة إلى كيان يحميه ويحفظه وينتصر له، يريد تحويلها إلى مؤسسة دينية على شاكلة الكنيسة. فالكنيسة كانت هي المؤسسة الدينية الحامية للمسيحية، ويريد الإسلام السياسي من الدولة أن تكون المؤسسة السياسية الحامية للإسلام. لكن الإسلام ليس في حاجة إلى مؤسسة تحميه، دينية أو سياسية.
تناقض الخطابات الثقافية داخل المجتمعات الإسلامية:
يصل التناقض داخل المجتمعات الإسلامية إلى مستوى الخطاب الثقافي ذي المحتوى الاجتماعي والسياسي. فالنخبة التي تلقت تعليماً غربياً وتبنت ثقافة الحداثة تتكلم بلغة حقوق الإنسان والديمقراطية والليبرالية والحقوق المدنية والمواطنة، والفئة الأخرى المرتبطة بالإسلام السياسي والسلفية والأصولية والرافضة للحداثة تتكلم بلغة الدين المُسيس. إن تواجد خطابين اجتماعين مختلفين في كل بلد إسلامي مظهر من مظاهر الصراع الثقافي بين التراث التقليدي والثقافة الحداثية. وكثيراً ما ينقلب التناقض بينهما إلى صراع مفتوح أو صدام علني. والأسلوب المفضل لدى الإسلاميين المتشددين لمواجهة خصومهم ومنافسيهم أصحاب الخطاب التقدمي الإنساني والليبرالي هو القول بأن خطابهم مستورد، وبأن الديمقراطية والليبرالية والتعددية حلول مستوردة وتغريب بعيد عن جوهر الإسلام.
أما ظهور فئة ثالثة تتوسط بينهما وتعمل على التوفيق بين الخطابين بمحاولتها إثبات أن الإسلام نفسه يحتوي على الديمقراطية وحقوق الإنسان، فهو ظهور حديث نسبياً بدأ مع الخمسينات ويستمر الآن قوياً لدى حسن حنفي وعبد الوهاب المسيري وأحمد كمال أبوالمجد وفهمي هويدي ومحمد سليم العوا. ومشكلة هذه الفئة أنها لا تدرك التناقض الأصلي بين التراث التقليدي السلفي والحداثة الثقافية والسياسية باعتبارها ثقافة مدنية تحترم كل الأديان وتحيدها في الوقت نفسه. حتى التعددية التي هي أساس المجتمع المدني والديمقراطية ينظر إليها هؤلاء على أنها متوافرة في التراث الديني على أنها احترام لحقوق الأقليات الدينية المعروفة في الإسلام باسم أهل الذمة. لكن المشكلة هنا أن أهل الذمة والتعامل التراثي التقليدي معهم لا يمت بصلة للتعددية السياسية ولمبدأ حرية الاعتقاد في ثقافة الحداثة. والدليل على ذلك أن هناك نسقان قانونيان مستق أحدهما عن الآخر تماماً في تراثنا، أحدهما للمسلم والآخر للذمي، في حين أن الحداثة لا تعرف مثل هذه الازدواجية القانونية وتعمل بمبدأ المواطنة وتساوي الجميع أمام قانون واحد.
أزمة الهوية وصراع الانتماءات:
ينظر الكثير من أتباع الإسلام السياسي إلى انتمائهم الأول على أنه للإسلام، لا انتماءً للدولة التي يعيشون في ظلها أو للقومية التي تضمهم. وكثيراً ما نسمع منهم القول بأنهم مسلمون أولاً ومصريون أو سوريون أو مغاربة...إلخ، ثانياً. لكن يظل الواقع القائم الحقيقي فارضاً نفسه عليهم، لأنهم كإسلاميين يعملون في إطار دولهم القومية. إن الهوية الإسلامية الآن باعتبارها عابرة ومتجاوزة للقوميات عليها أن تشكل نفسها في تضاد وتصادم مع القومية. فإما قومية وإما إسلام كما يذهب كثير من الإسلاميين المتشددين. ويرجع السبب في صعود الهوية الإسلامية على حساب الهويات القومية إلى أن الهوية القومية ذاتها في العالم الإسلامي ولدت ضعيفة بسبب ضعف الطبقات الوسطى العربية وتبعية بورجوازياتها وضعف الدولة. والحقيقة أن العولمة ذاتها تزيد من ضعف الدولة القومية وبالتالي الهوية القومية، والرأسمالية العالمية تعمل كل يوم على تجاوز أطر الدول القومية، وهو ما يقدم دعامة فعلية لهوية إسلامية بديلة. ومن سخرية الأقدار أن يؤدي المشروع الاقتصادي الرأسمالي العولمي للغرب إلى تقوية الهوية الإسلامية، والمفترض أنهم أعداء من قديم الزمان وعلى طول الخط. لم تكن الهوية الإسلامية لتقدم نفسها باعتبارها البديل عن الهويات القومية لولا العولمة الرأسمالية. يبدو أن الانتشار العالمي للإسلام السياسي من توابع زلزال العولمة.
الصحوة بعد النوم:
يتكلم الأصوليون عن "الصحوة الإسلامية"، أي أن المسلمين كانوا نائمين وفجأة استيقظوا. واستيقظوا عندما اكتشفوا أنهم متخلفون في حين تقدم غيرهم. ولم يدركوا أن غيرهم تقدم إلا بعد أن احتكوا بهم. الاحتكاك بالحداثة إذن هو السبب في استيقاظ المسلمين. لكن عندما استيقظ المسلمون أرادوا إحياء تراثهم التقليدي الذي نظروا إليه على أنه صالح لكل زمان ومكان وأنه كان سبب عزتهم وتقدمهم قديماً. لكنهم لا يدركون حتى الآن أن هذا التراث التقليدي يجب تحديثه وتكييفه حسب المستجدات العصرية. وبذلك أخذ المسلمون يبحثون عن الديمقراطية في الإسلام، والليبرالية في الإسلام، وحقوق الإنسان في الإسلام، ومن قبلها كانوا يبحثون عن الاشتراكية في الإسلام، وأخذوا يبحثون عن حلول لكل مشاكل العصر الحديث في هذا التراث القديم.وهذه هي النزعة التوفيقية السائدة لدى كثير من اتجاهات الفكر الديني المعاصر. والمهم في الأمر أن الحداثة ذاتها، سواء في صورتها العسكرية الاستعمارية الإمبريالية أو في صورتها الثقافية، هي السبب في استيقاظ المسلمين، ولولاها ما استيقظوا، لأن تراثهم التقليدي نفسه لم يكن هو الذي أيقظهم، لأنهم كانوا نائمين به، مكتفين فرحين خانعين به، مثلما تقول الآية "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون". إن هذه الآية تصف بدقة حال التقليديين المعاصرين.
الإسلام السياسي والدولة القومية:
إن نظرة الإسلام السياسي للدولة القومية على أنها اختراع غربي وحل مستورد تعبير عن الصدام بين التقليدية والحداثة. هذه النظرة تتجاهل الخصوصية القومية لمجتمعات عريقة وقديمة قدم التاريخ البشري نفسه مثل مصر وسوريا. صحيح أن كثيراً من الدول النفطية الصحراوية لا تتمتع بأي خصوصية قومية، إلا أن هذا ليس حال الدول ذات الملامح القومية الواضحة مثل مصر وسوريا ولبنان وبلاد المغرب العربي.
تذهب الأصولية الإسلامية إلى أن الدولة القومية اختراع غربي مقحم على العالم الإسلامي نتيجة الاستعمار، وإلى أن حدود تلك الدولة القومية من صنع الإمبريالية. والحقيقة أنها بذلك تخلط بين الدولة القومية والدولة القطرية. صحيح أن التوصيف السابق ينطبق على كثير من الدول العربية، لكن القطرية منها لا القومية. ذلك لأن مصر تتصف بكل خصائص الدولة القومية منذ فجر التاريخ وقبل ظهور القوميات الحديثة في أوروبا كما ذهب جمال حمدان في "شخصية مصر". وكذلك الحال بالنسبة لسوريا والجزائر والمغرب وتونس.
يدعو الإسلام السياسي إلى تجاوز الدولة القومية، لكن هل عندما ينجح في تأسيس نظام إسلامي في دولة من الدول يكون بذلك قد حقق دعوته وتجاوز القومية أم سيكون عاملاً في إطار دول قومية قائمة تمت أسلمتها وحسب وعُلقت عليها اليافطة الإسلامية؟ إن تحول الدولة القومية إلى دولة إسلامية ليس إلا تغييراً للأسماء فقط، وإن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وحسب؛ ذلك لأن الدولة القومية المؤسلمة سوف تعمل في الخارج باعتبارها دول قومية لا دولة إسلامية، إذ لن تكون ممثلة إلا ذاتها وحسب - مثلما يحدث الآن مع السعودية وإيران - ولن تتحدث باسم الإسلام أو تكون ممثلة للإسلام ذاته. فلا أحد يستطيع التحدث باسم الإسلام أو بالنيابة عن الإسلام.
إن تجاوز الإسلام السياسي للدولة القومية خطأ استراتيجي كبير، لأنها لا تزال لاعباً رئيسياً في السياسة الدولية على الرغم من ضعفها وانكماش أدوارها نتيجة العولمة. لقد نجحت الثورة الإسلامية في إيران لأنها اعتمدت على دولة قومية، إذ تحالف الفكر الشيعي هناك مع الطموحات القومية، فالتشيع يعد تراثاً قومياً فارسياً؛ والإيرانيون ومن قبلهم الفرس كانوا يستخدمون التشيع كطريقة لتأكيد هويتهم وخصوصيتهم القومية في سياق مشروعية إسلامية؛ علاوة على أن العلاقة بين المؤسسة الدينية والدولة في إيران تكرر تجربة الدولة الصفوية ومن قبلها تراث دولة الفرس القديمة. باكستان أيضاً، وعلى الرغم من إعلانها أنها دولة إسلامية، إلا أن انفصالها عن شبه القارة الهندية لم يكن لإسلامها بل لطابعها القومي المختلف عن بقية الهند. يكرر الإسلام السياسي المتجاوز والعابر للقوميات حالياً الخطأ الذي وقعت فيه الاشتراكية الدولية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين. ولم تنجح الأحزاب الاشتراكية في أوروبا نتيجة لدعاويها الأممية بل نتيجة لتبنيها الأجندة الوطنية لبلادها في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا. يجب على الإسلام السياسي تبني الأجندة الوطنية في بلاده ويعمل من أجلها ولصالحها إذا كان يريد لمشروعه النجاح. إذ لا يمكنه أن يصل إلى السلطة إلا على خلفية وطنية
لا أعتقد أن المشروع العالمي للإسلام السياسي بقادر على تجاوز الدول القومية. يريد الإسلام السياسي توحيد الأمة الإسلامية، أو العودة إلى الأمة الإسلامية الواحدة كما يتصور هو وجودها في الماضي؛ لكن الأمة الإسلامية لم تكن واحدة أبداً طوال تاريخها، وتوحيد الفتوحات الإسلامية الأولى ليس توحيداً لأمة بالمعنى الحرفي للكلمة لأن الأمة لم تكن قد تشكلت بعد، بل كان مجرد سلام إسلامي Pax Islamica بقوة الغزو. إن المشروع العالمي للإسلام السياسي مواجه بالاختلافات داخل كل بلد إسلامي وبصعوبة تجاوز الدول القومية على الرغم من ضعفها الحالي. لقد حاولت الاشتراكية الدولية من قبل القيام بهذا الدور وفشلت واصطدمت بالدول القومية والإثنيات العرقية. والعجيب في الأمر أن الوحيد الذي نجح في تجاوز الدولة القومية لم يكن الاشتراكية الدولية ولا الشيوعية ولا الإسلام السياسي، بل الرأسمالية عن طريق آليات العولمة.
المناداة بتطبيق الشريعة:
دخل الإسلام منذ نهاية القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين في مرحلة إعادة التسييس Re-politicization؛ وكانت علامة إعادة التسييس هذه هي المناداة بتطبيق الشريعة. إن صورة الإسلام باعتباره شريعة هو تعبير عن اللجوء إلى هوية دفاعية ضد الهيمنة الغربية وما كان يُتصور على أنه غزو ثقافي غربي للمجتمعات الإسلامية كلما شعر مجتمع ما بالخطر على هويته وتراثه لجأ دائماً إلى المزيد من التمسك بهذا التراث كنوع من العودة إلى الأصول والجذور. والملفت للنظر أن الدعوة إلى تطبيق الشريعة تفترض أن هذه الشريعة جاهزة قائمة ليس علينا إلا أن نأخذها ونطبقها، لكن هذا غير صحيح. إذا نظرنا في القرآن وجدنا فيه عدداً قليلاً من الأحكام، وكي نتوصل إلى حكم ديني على الأوضاع المستجدة التي لم تكن موجودة زمن الرسول والتي لا نجد لها حكماً من القرآن والسنة فعلينا أن نقيس الحالة المستجدة على ما يمكن أن يشبهها مما ورد فيه حكم في القرآن أو السنة، وهذا ما يسمى بالقياس الفقهي الأصولي. والموسوعات الفقهية الإسلامية ذات العدد المهول كلها تستخدم هذا القياس الفقهي، الذي هو في حقيقته استخدام العقل والاستدلال في استخراج حكم شرعي على ما لم يرد فيه نص في القرآن أو السنة. الشريعة الإسلامية إذن ليست شيئاً جاهزاً لنأخذه ونطبقه كما هو، بل هي شئ يؤسس ويُخترع ويتم تكوينه.
على العكس من التراث الإسلامي نفسه والذي كان يميز بين الشريعة والفقه، فإن الأصوليين المعاصرين يخلطون بينهما، رغبة منهم في إضفاء القداسة على دعواهم. فالفقه ليس هو الشريعة، بل هو الاجتهادات البشرية الموجهة بالعقل (القياس الفقهي) لقياس حالة مستجدة لم يرد فيها حكم مع حالة شبيهة ورد فيها حكم يجمعهما شئ مشترك، وهو أيضاً استخلاص قواعد عامة من النصوص الدينية، أي أنه عقلنة للنص الإلهي نفسه. وكلمة فقه تعني الفهم، أي تدل على العقل والإدراك الواعي. هذا الفقه هو منتج بشري خالص، ومنتجوه بشر. فمالك والشافعي وابن حنبل وأبو حنيفة لم يكونوا أنبياء ولم ينزل عليهم الوحي بل هم بشر، ومذاهبهم الفقهية ليست مقدسة مثل القرآن. يدعو الإسلام السياسي إلى تطبيق الشريعة بحجة أنها إلهية وأفضل من القوانين البشرية الوضعية لكنه في الحقيقة يقصد الفقه والفقه هو الآخر وضعي بشري.
وإذا كان المقصود بالشريعة ما جاء في القرآن والسنة من أحكام فهذا قليل ومشروط بالظروف الاجتماعية والتاريخية التي ظهر فيها الإسلام؛ أما إذا كان المقصود بالشريعة "المدونة الفقهية الإسلامية"، فإن تلك المدونة بشرية من صنع بشر، أنتجوها بإعمال عقولهم في النص. وإذا كان المقصود لا الأحكام الجزئية التي وردت في القرآن والسنة بل المبادئ العامة، مثلما تقول المادة الثانية من الدستور المصري "...ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع"، فإن هذه المبادئ هي الأخرى من استخلاص الفقهاء ولا توجد بنصها لا في قرآن ولا في حديث. حتى أن تقسيم الفقهاء للتكليفات الشرعية التي هي من صميم التشريع الإسلامي إلى خمسة أنواع: الواجب والمندوب والمكروه والمباح والمحرم، وتقسيمهم لمقاصد الشريعة إلى خمسة مقاصد: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ العقل، كل هذه التقسيمات من إبداع الفقهاء أنفسهم وليست موجودة بنصوصها لا في قرآن ولا في سنة. الفقهاء هم من وضعوا مبادئ التشريع الإسلامي، وهم الذين نظَّروا للأحكام الجزئية الخاصة في القرآن والسنة واستخلصوا منها العام والكلي والمجرد، وهم أيضاً الذين حددوا مصادر التشريع: القرآن والسنة والإجماع والقياس، وهم الذين وضعوا آليات القياس والاستدلال الفقهي. ومن هنا نستطيع القول بأن التشريع الإسلامي وضعي وبشري وليس إلهياً. حتى أن القاعدة الفقهية الشهيرة التي تقول إنه لا اجتهاد فيما فيه نص مردود عليها من قبل بعض المذاهب الفقهية التي تنفيها بالاستشهاد بإلغاء عمر بن الخطاب لحد السرقة وفيه نص واضح وصريح في القرآن.
خطأ توحد الإسلام السياسي مع الإسلام ذاته:
يقدم أصحاب الإسلام السياسي أيديولوجيتهم باعتبارها هي الإسلام ذاته، وهم بذلك يتوحدون ويتماهون مع الذي لا يمكن التوحد أو التماهي معه. وهذا ما يجعلهم يعتقدون أنهم يستطيعون التكلم باسمه وهذا غير صحيح. فلا أحد يستطيع التكلم باسم الإسلام أبداً، إلا الله ورسوله، وقد تكلما وانقطع الوحي إلى يوم القيامة. وهم يتوحدون مع ما يعتقدون أنه الإسلام ذاته، وهذا ما يعبر عن أزمة الهوية التي يعانون منها. إنها خصخصة للدين لحسابهم الشخصي، يريدون أن يجعلوه ناطقاً بأيديولوجيتهم خادماً لمشاريعهم السياسية، ولم بظهر الإسلام لخدمة أي مشروع سياسي بل هو رسالة هداية لكل البشر.
إن كل تسييس للإسلام ينطوي على رغبة في خصخصته لصالح فئة سياسية معينة تريد أن تركب الدين للوصول للسلطة، لأنها تعرف جيداً أن الدين هو الأنسب والأكفأ في تعبئة الجماهير. الإخوان في مصر ينظرون إلى أنفسهم على أنهم يمثلون الإسلام ذاته، الإسلام الصحيح، وحزب الله كذلك، وحماس، والقاعدة، والنظام الإسلامي في إيران، والسعودية، والجزائر، والسودان..إلخ. كل واحد من هؤلاء ينظر إلى نفسه على أنه يمثل الإسلام الصحيح، بل بالأحرى أنه هو الإسلام الصحيح ذاته، وأن البقية على خطأ وفي ضلال مبين. هذه هي فكرة الفرقة الناجية التي يعود ظهورها بقوة. لكن أين هو الإسلام الصحيح وسط كل هذا التعدد والتنوع والاختلاف في تمثيله والتحدث بالنيابة عنه والتوحد معه؟
الحقيقة أنه من الخطر البالغ تماهي نظام سياسي أو حركة سياسية مع الإسلام نفسه، ذلك لأن التاريخ الإسلامي كان مليئاً بالأنظمة السياسية والحركات التي ادعت تمثيله والتحدث بالنيابة عنه (ومنصب "الخليفة" أبرز مثال على ذلك، فهو الذي يخلف الرسول) وأحياناً كانت تدعي أنها هو، مثلما قدم العثمانيون أنفسهم لأوروبا على أنهم هم الإسلام، حتى اعتقد الأوروبيون في بداية العصر الحديث أن هذا صحيح فعلاً وبدأوا في الربط بين سلوك الأتراك والإسلام وأخذوا انطباعاتهم عن الإسلام من تعاملاتهم مع الأتراك. إن كل من ادعى تمثيل الإسلام وحاول التماهي معه من أنظمة سياسية زال واختفى من التاريخ. والذي بقي من كل التوظيفات السياسية للإسلام في التاريخ الإسلامي ليس أي توظيف منها، فكلها انتهت، وما بقي هو إسلام الهداية والأخلاق الرفيعة، أي التدين الطبيعي الفطري الذي ينتشر لدى الشعوب الإسلامية. إنه إسلام الأخلاق والقيم ذلك الذي بقي، والذي سوف يقدر له البقاء في المستقبل، لا إسلام السياسة. إن أي ارتباط بين الإسلام والسياسة في طريقه إلى الزوال، فهذا هو الدرس الذي يعلمنا إياه التاريخ الإسلامي، ويبقى إسلام الأخلاق والتقوى والأعمال الصالحة.
1) يوسف القرضاوي: بينات الحل الإسلامي وشبهات العلمانيين والمتغربين. المطبعة الفنية، القاهرة 1993، ص 107-156. وانظر أيضا لنفس المؤلف: الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا. دار الصحوة، 1988.
2) أنظر على سبيل المثال: حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب. الدار الفنية 1992؛ عبد الوهاب المسيري: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. (جزءان) دار الشروق، القاهرة 2002.
3) Bernard Lewis, What Went Wrong: The Clash between Islam and Modernity in the Middle East. (New York: Harper Collins, 2002), pp.18, ff.
4) Ibid, pp.42-52.
5) إلبر أورطايلي: الخلافة العثمانية. التحديث والحداثة في القرن التاسع عشر. ترجمة عبد القادر عبدلي. قدمس للنشر والتوزيع، بيروت 2007. ص 19 وما بعدها.
6) Bernard Lewis, op. cit, pp. 53 ff.
7) المرجع السابق: ص 97-99؛ 182 وما بعدها.
8) عزيز العظمة: دنيا الدين في حاضر العرب. دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية، 2002. ص 23-25، 54-55.
9) مصطفى اللباد: حدائق الأحزان. إيران وولاية الفقيه. دار الشروق، القاهرة 2006. ص 56-74.