الى اجيال الوطن الشابة: العراق الجديد، ثورة تبحث عن ثوار!

سليم مطر جنيف
2009 / 8 / 22

لقد قال الحكماء : لكل زمن رجاله..
لكنهم نسوا ان يضيفوا : ولكل زمن مخانيثه!!

انه لخطأ كبير التوهم بأن المأزق الذي تعيشه الطبقة السياسية العراقية، منذ ستة اعوام وحتى الآن، يعود الى نواقص حزبية وتكتيكية وسوء الخطة الامنية وتقصير فلان وخيانة علان، وغيرها من الاسباب التكتيكية العابرة. بل هو مأزق ستراتيجي تاريخي ومرض عضال مزمن وخطير متفشي في مجمل الطبقة الفاعلة في الوطن، على السواء انصار الوضع الجديد ومعارضيه، بجميع قياداتهم الحزبية والثقافية والدينية... ويمكن تلخيص هذا المرض العضال الخطير هكذا:
انهم جميعا لا يدركون ولا يعترفون بأن البلاد منذ الاجتياح الامريكي عام 2003 تعيش ثورة كبرى في تاريخها الحديث. وان الوضع اكبر واخطر واعظم بكثير الكثير من كل برامجهم ومفاوضاتهم واتفاقاتهم والاعيبهم ومنافساتهم السياسية. انهم جميعا مثل المدرب الطائش الذي يصر على تدجين الاسد الضاري باعتباره كلبا سائبا!
انظروا لهم، هؤلاء القادة الاشاوس، ببدلاتهم الغربية الزاهية المضحكة التي تشد على كروشهم المنتفخة، واربطتهم العريضة المبقعة التي تخنق عقولهم وضمائرهم قبل اعناقهم، وهم يوقوقون امام شاشات التلفزيون مثل الديوكة المنفوخة بينما ارجلهم في المزابل... هل هؤلاء المخانيث هم فعلا من يمثل شعبا يعاني الحروب والقمع والرعب والتهجير والتجويع منذ اكثر من ثلاثين عام؟! اية دولة بائسة يقودها رجال يزينون اصابعهم بمحابس الذهب والفضة ويمضون الساعات امام المرآة للتجمل والتعطر واتقان البوزات الذئبية التي ترعب المواطن اكثر من اعداء الوطن!؟ أي برلمان بلا خجل ولا ضمير، بكل دعوتيه وهاشميه ومجلسيه وصدريه وشيوعيه وعلاويه، يقبل واحدهم ان يكون راتبه ضعف راتب عضو الكونغرس الامريكي، وتبلغ بهم الوقاحة حد الادعاء انهم يمثلون شعبا ينهشه الموت والفقر والخراب؟!
ثورة بلا ثوار
سبق لنا في مقال سابق ان وضحنا قصدنا بـ(الثورة الحالية) التي يعيشها العراق منذ سقوط النظام السابق والغزو الامريكي عام 2003 . ان الثورة حالة تطور طبيعي محتم تمر بها الشعوب للانتقال من مرحلة الى اخرى. مثل الانسان الذي لابد ان ينتقل الى مرحلة عمرية جديدة، سواء ان كان راغبا بذلك ام لا. ان الثورة لا تعني بالضرورة العنف والدم، بل غايتها نقل (الدولة) و(المجتمع) و(العقلية السائدة) الى مرحلة جيدة ملائمة لتطوره واحتياجاته الطبيعية. لكن هذا التغيير في غالب الاحيان يكون بالضرورة مصحوبا بالعنف والدم، مثل الولادة التي لا بد ان يصاحبها الدم والالم والبكاء.
ان الثورة العراقية الاولى قد حدثت مع الاحتلال الانكليزي ونهاية الدولة العثمانية، وادت الى انبعاث العراق الى الحياة بعد انقباره خلال سبعة قرون، وتكوين اول دولة عراقية حديثة عام 1921. لكن تلك الثورة الاولى، لم تنجز (المشروع الوطني) كاملا، حيث ظلت الدولة معوقة ومريضة لانها لم تنجح بتمثيل جميع التنوعات العراقية المذهبية والقومية، بل بقيت حكرا على( العرب السنة). وهذا النقص لا يمكن ان يتحمله أي طرف وحده، بل جميع النخب السياسية والثقافية والدينية العراقية، كانت عاجزة عن ادراك اهمية(الهوية العراقية الشاملة). ان موت(الملك فيصل الاول) عام 1931 كان موتا لمشروع (الدولة الوطنية الممثلة للجميع)الذي كافح من اجله هذا الملك الحكيم. ان هذا التشويه (القومي ـ الطائفي) للدولة العراقية ظل المرض العضال الذي ينهش في جسم الدولة العراقية والسبب الخفي لجميع الانقلابات والحروب الداخلية والخارجية التي عاشتها بلادنا.
اما الثورة الثانية الحالية فهي ايضا اتت بواسطة غزو خارجي(امريكي هذه المرة). ومهما كانت نوايا المحتل الامريكي ومصالحه، فأن طبيعة المرحلة العراقية تفرض نفسها وتصبح امرا واقعا. ان تدمير الدولة العراقية البعثية ومؤسساتها وجيشها، لم يأت فقط نتيجة مخططات الامريكان وخيانة فلان وغباء علان، بل كان في اعماقه تعبيرا عن الموت الذي اصاب هذه الدولة القومية الطائفية البعثية بعد ان ظل ينهش بها سرطان الانعزال القومي والطائفي خلال اجيال واجيال. ان الثورة الحالية التي نعيشها منذ عام 2003، ما أتت الا من اجل اكمال المهمة الكبرى التي عجزت عن انجازها الثورة الاولى:
تجاوز الانعزالية الطائفية والقومية وخلق دولة عراقية تستند الى(هوية عراقية وطنية) تمثل جميع فئات الامة. والا فأن الوطن سيبقى بلا دولة حقيقية وينهش به سرطان التفرقة والحقد والفساد حتى الموت. نعم ان (ثورتنا الحالية) تستحق عن جدارة تسمية(ثورة الهوية الوطنية) لأنها في طور اكمال تكوين(الامة العراقية)، دولتيا واجتماعيا وعقليا.

وا حسرتاه، اصحاب القوط والاربطة والمحابس يقودون الثورة!
ان المشكلة الخطيرة التي تعاني منها هذه الثورة العراقية الحالية، كما الثورة السابقة، هي(غياب الوعي بها)، و(تجنب الاعتراف بها)!؟ وهذا يفسر حالة التخبط الكبيرة التي تسود القيادات السياسية والحزبية والدينية والثقافية، حكومية ومعارضة، لأنها مضطرة ان تعيش حالة ثورية ليست مؤهلة لها وغير قادرة نفسيا وثقافيا واخلاقيا على التعامل معها. وسبب هذا الضعف يعود الى الدور الحاسم الذي لعبه الغزو الخارجي الامريكي(كما الانكليزي سابقا). فقيادات العملية السياسية الحالية لم تصعد الى سدة الحكم نتيجة مؤهلاتها ونضالاتها المريرة وقناعاتها الثورية الحقيقية، بل اتتها الدولة لقمة جاهزة لقاء التنازلات والالاعيب السياسية التي قدمتها للمحتل. لهذا تراهم عاجزين عن فهم الاوضاع ومتابعة الاحداث، مثل مراهق طائش وجد نفسه يصبح رب عائلة كبيرة وصعبة. ان هذه الطبقة الحاكمة حتى الآن ومع كل التغييرات الكبرى لا زالت غير واعية للمرحلة التي يعيشها الوطن وهي حتى الآن محكومة بالهدف الوحيد السابق: ابعاد البعث والبقاء في السلطة!
والانكى من هذا، ان القيادات المعارضة للعملية السياسية، لا تقل سوءا وضعفا عن قيادات الدولة. فهي اما قيادات بعثية بتاريخها الملوث بالقمع والخيانة والدم، او قيادات اسلامية سلفية طائفية ومخترقة وتابعة لما يحصى من القوى الاقليمية والعالمية، من ايران يسارا، حتى الكويت والسعودية يمينا..
ان الاطراف الفاعلة في الوضع الحالي، لا زالت عقائديا وتطبيقيا على وضعيتها القديمة المنافية تماما لحاجات ومهمات الثورة الحالية:
ـ النخب الدينية، شيعية والسنية، لا زالت حتى على ثقافتها وعقائدها واحزابها الطائفية!
ـ النخب القومية(الكردية خصوصا)، لا زالت على ثقافتها وبرامجها القومية العنصرية والانفصالية!
ـ النخب العلمانية يسارية وليبرالية وعروبية، لا زالت حتى الآن على ثقافتها وبرامجها الحداثية المستوردة والتابعة والسطحية والمستهلكة!
ـ النخب المثقفة وبالذات الكتاب والصحفيين، لا زالوا بغالبيتهم، على تبعيتهم القديمة للقيادات السياسية المتحكمة بالدولة او المعارضة!
المثقفون والثورة الحالية
نعم، ان ان ثورتنا الحالية مظلومة مثل طفل مولود من(علاقة غير شرعية)، فيتجاهله اهله انفسهم، ويخجلون من الاعتراف به، ولا يمنحوه حتى اسما او تربية وشخصية خاصة به!
ان التجاهل وعدم الاعتراف بهذه (الثورة العراقية) ادى ويؤدي الى غياب تام لأي فكر وبرنامج خاص بهذه الثورة. وان غياب مثل هذا الفكر والبرنامج الثوري، ادى ويؤدي الى استحالة وجود قادة ثوريين واعين ومؤمنين بمشروع التغيير الثوري الكبير الذي يعيشه الوطن.
ان الثورة لا يمكن ان تستمر وتنجز مهماتها من دون ثقافة وبرنامج ثوري يجعل قادة الدولة والمجتمع يؤمنون ويهتدون به في برامجهم وممارساتهم. ان التغييرات الكبرى في الوطن لا يمكنها ان تتم دون ثقافة تهيئ وتفسر وتدفع الناس لانجازها.
ان مشكلة هذه الثورة الثانية، انها مثل الثورة الاولى، تعاني من ضعف وتقاعس واهمال النخب المثقفة في صنع افكارها ومشاريعها وبناء العقلية الوطنية الوسطية المطلوبة، والتي تبتغي احداث التغييرات الثقافية الثلاثة التالية:
1ـ بدل الثقافة الاسلامية الطائفية، خلق الثقافة الاسلامية الوطنية الجامعة: لا زالت حتى الآن غالبية الاحزاب الفاعلة تعاني من تكوينها الطائفي عقائديا وتنظيميا. من المستحيل تجاوز المحاصصة الطائفية في الدولة ما دامت موجودة في الاحزاب انفسها. اذا كانت الاحزاب الاسلامية الشيعية والسنية، غير قادرة على تجاوز طائفيتها والتحول الى احزاب اسلامية جامعة لكل الطوائف، فكيف يمكنها ان تجعل الدولة تتجاوز الطائفية؟! ان من اهم مهمات المثقفين العراقيين، وخصوصا الاسلاميين منهم، العمل على التنظير والتفكير والتبشير بفكر اسلامي عراقي وطني جامع للشيعة والسنة. ان هذه الثقافة الاسلامية الوطنية وحدها القادرة على تحويل الاحزاب الطائفية الى الى احزاب اسلامية وطنية. وبالتالي الغاء الطائفية من الدولة والمجتمع والثقافة.
2ـ بدل الثقافة القومية العنصرية، خلق الثقافة الوطنية المعبرة عن جميع قوميات الوطن: لا زالت حتى الآن الاحزاب القومية وبالذات الكردوية تتمسك وتتطرف اكثر واكثر في طروحاتها وممارساتها القومية العنصرية والانفصالية. وهذا التقصير ايضا يعود الى دور المثقفين العراقيين، لأنهم منذ اعوام طويلة كانوا بغالبيتهم الساحقة يتبنون وينضرون للفكر القومي، سواء منه العروبي او الكردوي. وظلت الطروحات الوطنية العراقية تعامل بصورة سلبية وتكال لها تهم(العراقوية والقطرية والشعوبية). وظل الشيوعيون مثلا، رغم كل ادعائاتهم الاممية والطبقية، من اشد المدافعين والمبررين للتعصب القومي الكردوي. ان من افدح اخطاء المثقفين العراقيين والنخب الوطنية، انهم اهملوا خلق تيار كردي وطني عراقي يقف بوجه الطروحات القومية العنصرية الانفصالية المسنودة من اسرائيل سياسيا وثقافيا وماديا. ان التثقيف والتنظير لـ (الهوية الوطنية العراقية) والتبشير بمفهوم (الامة العراقية) الجامعة للطوائف والقوميات، اصبح مهمة كبرى يتوقف على انجازها وجود العراق بأكمله.
3 ـ بدل الثقافة الحداثية الغربية، خلق الثقافة الوسطية الواقعية: ان من اكبر معضلات العقلية العراقية منذ اكثر من قرن وحتى الآن، هو التمزق بين ثقافتين متعارضتين متناحرتين:
ـ الثقافة التقليدية الشعبية الدينية الموروثة/ الثقافة الحداثية الغربية المستوردة
ليست المشكلة في وجود مثل هاتين الثقافتين القديمة والحديثة، فهذا امر طبيعي موجود في كل زمان ومكان، بل حتى في اوربا نفسها. لكن المشكلة في مجتمعنا العراقي (كذلك في عموم العالم العربي والاسلامي والثالثي)، تتجلى في عمق الهوة الكبرى التي تفصل بين هاتين الثقافتين، بحيث ان هنالك صراع تناحري وحشي ودامي لا يفسح المجال لاي تفاهم وحوار وتواصل بين هاتين الثقافتين. وهذا الوضع المتوتر خلق نوعا من الشيزوفيرنيا الانفصامية في الشخصية العراقية، بين الانتماء للتاريخ والاهل والدين والميراث، والانتماء للحداثة الغربية بكل تفاصيلها المادية والثقافية والشكلية. وهنا بالضبط يأتي دور (الثقافة الوسطية المعتدلة) لكي تكون اشبه بالجسر بين هاتين الثقافتين المتناحرتين. ان من ميزات الثقافة الوسطية:
1ـ الوسطية وطنية، رافضة للطائفية والقومية العنصرية، مع احترام حقوق جميع الفئات واشراكها في الدولة. 2 ـ الوسطية تحترم الاصالة والتراث والخصوصيات المحلية والدينية والمناطقية، وبنفس الوقت تتفتح على الثقافة الحداثية والتقنيات الضرورية. 3 ـ الوسطية ترفض العنف بكل اشكاله ومهما كانت مبرراته وحججه، وتدعو الى الكفاح السياسي والثقافي الشعبي والسلمي. 4 ـ الوسطية ترفض الخنوع والتطبيل للمحتل الامريكي، ولكنها في نفس الوقت تؤمن بالواقعية فتعمل على تجنب مواجهتهم بالحرب الفاشلة المدمرة، بل تبقي على الحوار الدائم معهم ومحاولة الاستفادة منهم في حماية الوطن واستقراره. 5 ـ الوسطية تؤمن بأن وحدة العراق واستقراره تعتمد اساسا على وحدة الشرق الاوسط واستقراره(ايران وتركيا وبلدان الشام ومصر والسعودية والخليج)، لهذا فأن من اولى المهمات احياء مشروع (السوق الشرقأوسطية المشتركة).6 ـ الوسطية تؤمن بأن العراق مثل الكثير من بلدان العالم الثالث(مثال مصر وتركيا والجزائر)بحاجة الى دور الجيش الوطني ليكون مراقبا محايدا على صحة سير العملية السياسية ووحدة الوطن وامنه، ويمكنه التدخل لايقاف وتصحيح أي خروقات او تهديدات.
في أنتظار الرجال!
يا ايها المثقفون العراقيون.. ايها المستقلون.. يا شباب حزب الدعوة والمجلس الاعلى والاسلامي والوفاق والصدر والشيوعي والصحوات ونخب الاكراد والتركمان والسريان وجميع فئات الوطن.. ايها الاداريون وقادة القوات المسلحة.. ايها البعثيون والمقاومون والرافضون للعملية السياسية.. يا جميع الحريصين على سلامة العراق وكرامته ووحدته:
ان الطبقة الحالية من قادة الدولة والاحزاب والمعارضة والمقاومة والمساومة، اثبتت فشلها الذريع في قيادة المرحلة التاريخية الحاسمة والخطيرة التي تعيشها بلادنا منذ عام 2003. الجميع بلا استثناء، في السلطة والمعارضة في الداخل والخارج، اثبتوا انهم ليسوا رجال بمستوى المهمات التاريخية الملقات على عاتقهم. جميعهم اشتركوا بتدمير الوطن وتراجعه حضاريا وانسانيا وبيئيا وامنيا مئات السنين، سواء عن قصد او عن جهل واهمال. ان الاحتلال الامريكي ليس بريئا ابدا من كل الدماء التي نزفت وتنزف، لانه رغم كل ادعائاته وافلامه الهوليودية، فأنه بالحقيقة يمتلك كل اوراق اللعبة بما فيها الاوراق البعثية والقاعدة، ويحرك الخيوط حسب مصالحه. وان السعودية وايران والكويت واسرائيل تكمل بعضها البعض في اللعبة الجهنمية الجارية في بلادنا.
كفى تهورا وتشدقا وعنتريات على حساب الوطن وسلامته وكرامته. انتفضوا على قادتكم الذين اثبتوا انهم قد تلوثوا اكثر من اللازم بصفقات الدم والدولة. راجعوا كل الطروحات المقدسة القديمة لأحزابكم التي ما جلبت لوطننا غير الخراب والفساد. أعيدوا بناء افكاركم ومشاريعكم بما يلائم المرحلة الثورية التاريخية الجديدة التي تعيشها بلادنا.
نعم ايتها الاجيال الشابة الصاعدة من مختلف القوى والفئات، انتم مستقبل شعبنا ونخيله الباسق. التاريخ ينتظر دوركم الحاسم، وليبارككم الله واناشيد السياب الصادحة:
أكادُ أسمعُ العراقَ يذخرُ الرعود/ ويخزنُ البروقَ في السهولِ والجبال/ حتى إذا ما فضّ عنها ختمَها الرجال... في كل قطرةٍ من المطر/ حمراءُ أو صفراءُ من أجنةِ الزهر/ وكلّ دمعةٍ من الجياعِ والعراة/ وكل قطرةٍ تُراق من دمِ العبيد/ فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد/ أو حلمةٌ تورّدت على فمِ الوليد/ في عالمِ الغدِ الفتي، واهبِ الحياة... ويهطلُ المطرُ ...