يا كتاب العراق: كفانا شعرا وسياسة، وعلينا بالدراسة والتحليل!

سليم مطر
2009 / 7 / 25

ان علة العراق ومرضه العضال في العصر الحديث، أي منذ اكثر من قرن وحتى الآن، يمكن تلخصيها في النقطة الجوهرية التالية: غياب دور الثقافة والمثقف عن جميع المشاريع السياسية التي سادت وقادت العراق: الليبرالية والقومية والماركسية والاسلامية!!
يكفينا مراجعة سريعة لكل هذه التيارات (الفكريةـ السياسية) التي حكمت ولا زالت تحكم العراق بتنوعاتها العربية والكردية والتركمانية وغيرها، منذ اكثر من قرن، لكي نفجع بالحقيقة المذهلة التالية:
ان جميع هذه التيارات، اكرر جميعها جميعها، لم يصنعها مثقفون عراقيون بل اتت جاهزة من خارج العراق! الليبرالية اتتنا جاهزة من اوربا ولم يبرز مثقف ليبرالي عراقي واحد رغم العشرات من الاحزاب الليبرالية التي سادت في العهد الملكي وعادت الآن في السنوات الاخيرة. الماركسية الشيوعية نفس الحال. فرغم ان هذا التيار سيطر على الحياة الثقافية العراقية خلال اجيال عديدة وصار 80% من مثقفي العراق وحتى امييّه يتشدقون بالماركسية، الا ن كل ما صنعه المثقف العراقي انه كان يقرأ الكتب الاوربية والسوفيتية المترجمة ويشرحها لزعيمه الحزبي في مقالات تلميذية بائسة تخلوا من أية اصالة. بل ان الماركسي العراقي ظل عاجزا حتى عن ترجمة هذه الكتب الماركسية اذ استمرت تأتيه جاهزة مترجمة من بيروت!
نفس الحال بالنسبة للفكر القومي ـ البعثي. فجميع، اقول، جميع جميع جميع جميع صانعي ومدبجي هذه الثقافة العروبية هم من غير العراقيين، ابتداءا من قسطنطين زريق الى ساطع الحصري وزكي الارسوزي حتى ميشيل عفلق والياس مرقص ومنيف الرزاز. بالاضافة الى دور المثقفين المصريين الناصريين. بل حتى (القذافي) صار مفكرا براس العراقيين بكتيبه الاخضر التعبان. والعجيب العجيب، انه رغم سيطرة البعث على الدولة العراقية خلال اجيال واجيال وامتلاكه لكل هذه الحشود العظيمة من الطبالة واللطامة والمزوقين المسيطرين على الصحف والمجلات والجامعات، الا انه عجز ببؤس خرافي عن انتاج مثقف عراقي بعثي واحد. وبقي دور المثقفين البعثيين العراقيين كالعادة، تدبيج المقالات الخنثية السريعة عن(القائد الضرورة وام المعارك) والتي تستلهم مقولات اساتذتهم المثقفين الشاميين والمصريين!!!
اما التيار الاسلامي بشقيه الشيعي والسني، فانه باستثناء محاولة(محمد باقر الصدر) المحدودة، ظل تابعا للثقافة الاسلامية المصرية والشامية والايرانية. ولم يظهر لنا أي مثقف اسلامي عراقي( شيعي او سني) رغم المحاولات المحدودة الجادة من قبل البعض. بل (ام المصائب) ان النخب الدينية العراقية اتفقت لسبب مجهول على عدم الاعتراف بوجود بلد اسمه(العراق) لا ماضيا ولا حاضرا. فكل كتاباتهم الاسلامية ظلت تجريدية عمومية عن(بيت المال ودولة الخلافة والطهارة والنجاسة ومظلومية الأئمة.. الخ) وكأن العراق بكل تاريخه وناسه عبارة عن قرية نائية لا تستحق الذكر في دولتهم الاسلامية المفترضة! فمن المستحيل مثلا ان نتخيل في العراق شيخا سنيا او مجتهدا شيعيا، يمكن ان يصدر كتابا عن تاريخ بلده ومجتمعه وقضاياه، مثلما فعل المصري(الشيخ سيد قطب) والايراني(آية الله مطهري) الذي كان يفتخر بتاريخ وميراث ايران السابق للاسلام في كتبه التي خصصها لتاريخ بلاده!
ليس صدفة ابدا ان يكون العراق البلد الوحيد في العالم الذي لا زالت حتى الآن جميع مدارسه وجامعاته العلمانية والدينية، الشيعية والسنية، تدرس تاريخ الوطن بصورة ثانوية، معتبرة كل ما يخص ماضي العراق جزءا صغيرا جدا من تاريخ(الوطن العربي) أو (الحضارة الاسلامية). والنتيجة ان العراقي يمكن ان يعرف عن تاريخ اليمن والاندلس اكثر من تاريخ بلاده. بل ان الانكى من هذا ان الطالب العراقي يمكنه ان يعرف الكثير عن تاريخ الفرنج والمغول والامريكان لكنه يجهل تماما تماما كل ما يخص اخوته الاكراد والتركمان والسريان والصابئة والفيلية واليزيدية والشبك،(ناهيك عن الشيعة والسنة)، لانهم بكل بساطة ليس لهم أي ذكر ابدا ابدا في جميع كتب التاريخ المتداولة في المدارس والجامعات. نعم ان واقع الوطن وقومياته وطوائفه وتنوعاته الحقيقية امور معيبة تترك للشعب المسكين تداولها والتطاحن الدامي بسببها، اما النخبة المتعملة فيجب عليها التعفف عنها والاهتمام بأمور اكثر متحضرة عن (الوطن العربي) و(العالم الاسلامي) وباقي الكرة الارضية باستثناء العراق!!!!
من اجل مثقف عراقي ستراتيجي!
نحن لا نود ابدا التنكر لدور المثقفين العراقين وكفاحهم الانساني والثقافي وتضحياتهم ومعاناتهم وتقديمهم لمبدعين كبار في كل المجالات الادبية والتاريخية والفنية. لكن كل هذه النتاجات والاسماء المهمة لا يمكنها دحض تلك الحقيقة المأساوية التي ذكرناها: ان جميع التيارات(الفكرية ـ السياسية) التي تحكمت بالعقل والمجتمع والدولة في العراق، كانت وظلت من صنع مثقفين غير عراقيين!
لماذا؟!.... لأننا لم نتمكن من صنع (مثقفين ستراتيجيين)! أي ذلك المثقف الذي يتحلى بميزتين: القدرة على اكتشاف وتحليل العوامل الخفية التي تتحكم في مسيرة الوطن، ثم القدرة على الاكتشاف والتنبوء بمتغيرات الوطن. أي المثقف(النبي) الكاشف المنذر المبشر، الذي يبدع للسياسي ولرجل الدولة التحليلات والمشاريع التي تعينه على قيادة الوطن.
أن المثقف الستراتيجي يحتاج الى ثقافة موسوعية شاملة للتاريخ والافكار والسياسة والاديان وعلم النفس والادب والميراثات الشعبية. وهو في كل كتاباته عن الماضي والحاضر يكون همه وغايته مستقبل الوطن. انه المثقف الواثق من صدقه والمتحرر من سطوة السياسي ورجل الدين والدولة، ولا يتحكم به غير ضميره ومحبة الانسان والوطن. المثقف الذي يتردد كثيرا في أية كلمة يدونها لأنه يعتبرها طابوقة لبناء صرح الوطن!
يمكنك مثلا ان تؤلف عشرات الكتب عن تاريخ العراق القديم او المسيحي او الاسلامي، لكنك رغم كل ذلك لن تؤثر على حاضر الوطن ومستقبله ان لم تربط بصورة ما ولو خفية، هذا التاريخ بحاضر العراق ومستقبله. بل يمكنك ان تكتب آلاف المقالات السياسية الذمامة او المداحة، الا انك لن تؤثر فعلا في مسيرة الوطن وتساهم في تكوين مشروع وطني ما، ما لم تربط هذا الحاضر الايجابي او السلبي العابر، بثوابت الوطن ومستقبله.
ان جميع النتاجات العراقية رغم تنوعها، وخلال اكثر من قرن، تجنبت التطرق للأمور التي تمس مباشرة المسائل (الستراتيجية الموسوعية)الثابتة التي تبنى حولها عادة المشاريع الكبرى التي تقود الوطن:
اشكاليات الدولة والمجتمع والتاريخ والدين والثقافة والاحزاب في العراق!
يمكن اعتبار(علي الوردي) هو المثقف العراقي الوحيد الذي اثر فعلا في العقل العراقي، لانه الوحيد الذي مس مباشرة مواضيع (المجتمع والثقافة والتاريخ والدولة)بصورة بحثية عميقة. لكن مشكلة الوردي، رغم ابداعه الكبير في كتابة التاريخ، الا انه للأسف الشديد في كتبه الاجتماعية ـ الثقافية تبنى بصورة قاسية الطروحات الاستشراقية السطحية والعنصرية التي يحملها الغرب عن المجتمعات العربية والشرقية. أن تأثير الوردي الفكري كان سلبيا لانه ساهم في ترسيخ (ثقافة احتقار الذات) لدى العراقي. نعم ان الوردي مؤرخ عراقي كبير، الا انه مفكر تلميذي سيء!(راجع دراستنا المفصلة عن فكر الوردي المنشورة في موقعنا).
يقينا ان هنالك اسباب عديدة لهذا العجز الثقافي العراقي في صنع(المثقف الستراتيجي) مبدع المشاريع الكبرى التي تقود الوطن من خلال تأثيرها في النخب والاحزاب والعسكر وجماعات الدولة.
هنالك قسوة التاريخ الحديث واضطراب الاوضاع السياسية، وكذلك الميل الطفولي المتعجرف لدى جميع القادة السياسيين العراقيين بمختلف اتجاهاتهم الى احتقار المثقف والاصرار على التعامل معه كطبال ومزوق لهم، واصرارهم المستهتر على محاربة المثقف المستقل، وخصوصا المثقف الفعال المؤثر. كل هذا ادى الى ديمومة الضعف التاريخي الذي يعاني منه المثقفين العراقيين وتعود غالبيتهم على الركض وراء السياسيين، احزابا ودولة، من اجل الحصول على بعض من سقط المتاع.
الكتابة المكدونالدية
ان هذا العجز المـتجذر في الثقافة العراقية، منتشر حتى لدى المثقفين الذين لا يعيشون اسبابا تبرر هذا العجز. ونعني بهم المثقفين المستقلين، وخصوصا الذين يعيشون في الخارج، حيث تتوفر لهم عموما ظروفا تسمح بالنتاج الحر البحثي والعميق. ان من يتابع نتاجات الكتاب العراقيين المنشورة في الصحافة ومواقع الانترنت، يفجع بأن 90% منها، واحد من اثنين:
ـ المقالة السياسية الخبرية المستعجلة الشبيهة بالرعشة الشبقية العابرة، او الشعر الجاف الغامض الذي لا تعرف راسه من رجليه، او النص الجامع بين الاثنين من خلال الخاطرة الشعرية ـ السياسية.
اننا ابدا لسنا ضد المقالة السياسية ولسنا ضد الشعر، فهما ضروريان للحياة، لكن المشكلة ان الصفة الكبرى التي تسم غالبية النتاجات الحالية هي : الاستعجال والسطحية!
نعم، الاستعجال. ونقولها بكل أسف: ان غالبية كتاب العراق يميلون اكثر واكثر الى السرعة. وخصوصا مع التغييرات التاريخية الجبارة التي يعيشها الوطن وثورة الانترنت. ترى واحدهم القلم في يده مثل الحنفية بيد الاطفائي، مخبوص مستعجل ينفخ ويصرخ كأن النار شبت في عبه. يدبج المقالة او القصيدة خلال ساعة او ساعتين، واحيانا وهو جالس على التلفزيون او اثناء حديثه مع اصحابه. فتراه كل اسبوع ينشر عدة مقالات سياسية او ادبية.
لسنا ضد مثل هذه النتاجات الكمية. نعم بعضها ضروري ومفيد ونجد متعة بقرائته.
لكننا ضد ان يكون هذا النتاج الكمي المستعجل على حساب النتاج النوعي (الستراتيجي) العميق.
ان الكتابة عواطف واحاسيس، اما سريعة عابرة او عميقة دائمة. ان النص السريع مثل البغي تمنحك نفسها بسهولة بلا مقدمات.. بينما النص الاصيل، مثل الحبيبة تتطلب منك جهودا ومحاولات ومداعبات ومراوغات وترددات حتى تمنحك بعضا مما تشتهي!
يمكننا ان نتفهم تقريبا الكتاب المشتغلين في الاعلام، فهم مضطرون للكتابة السريعة من اجل تدبير امور المعيشة.. لكننا ابدا لا نفهم كتاب الانترنت الذي لا يقبضون فلسا واحدا، فعلام هذه العجلة واللهاث وراء الكتابات السياسية والشعرية المزاجية العابرة، التي تسبب لنا غالبيتها العسر والتخمة؟!
فيا اخوتي الكتاب لنخفف من نصوص الوجبات السريعة (المكدونالدية). لنأخذ وقتنا ونطالع وندرس ونبحث ونفكر وندقق ونتحاور كثيرا كثيرا لكي تختمر الامور في ارواحنا ثم نشرع بالكتابة العميقة التي تترك اثرها في ضمائر الناس وعقول النخب ومستقبل الوطن!
لنغير تلك المقولة الخداعة: (شعراء العراق بعدد نخيله)، الى ( دارسي ومبدعي العراق بعدد نخيله)!
ولنعكس تماما تلك المقولة الكاذبة المهينة: ( القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ)!
وليكن شعارنا: (الكتابة المتعجلة من الشيطان، والدراسة والتحليل من الرحمن)!