في الذكرى السنوية لطيب الذكر فؤاد فائق عازر

رانية مرجية
2009 / 5 / 25


هناك... يرقدون إخوة وأصدقاء لنا، هنالك.. يمارسون الحياة, ويشعرون بكلّ صلاةٍ وصلاة، وبكلّ كلمة وكلمة نتفوّه بها من أجلهم أثناء زياراتنا لهم!
نعم صديقي..
أنت هناك وهذا ليس نهاية المطاف, وإن كنت عبرتَ من مرحلة إلى مرحلة, ومن عالم إلى عالم، فلا زلت تسكن بحيائك بقلوبنا وضمائرنا.

رفيقي فؤاد وأخي الذي لم تلده أمي
مضى عام صعب وكئيب على رحيلك عنا، وعلى كل من عرفك من قريب أو بعيد، إذ لمسك وأحبّ الإنسان والفنان العفيف والمحامي المناضل الشّريف، وقد حاولنا خلال هذا العام أن نسير على نهج خطاك، ونكمل ما ابتدأت به ولكن هذه المرة بطريقتنا، فأقمنا مجموعة شعاع النور، وذلك تخليدًا لذكراك، واستمرارًا لما بدأت به، لأنّنا كنّا وما زلنا متيقنين، أنّ أكثر ما يمكن أن يسعدك هو متابعة مشوارك الإنساني، ولا يسعني إلاّ أن أعترف لك ولنفسي ولكلّ من يعرفك ويجهلك، أنك كنت لنا السّند والمعين، والملاك الحارس الذي رافق كلّ أعمالنا التطوعيّة والإنسانية، بحقّ كلّ محتاج وفقير ومريض!

ها أنت الآن بمعية الشّهداء والقديسين، تمدّنا بالقوة والمحبة والتضحية والإيمان والإصرار!
نعم يا رفيقي فؤاد
لا تزال بسمتك تلازمنا، ولا زال صوتك وضحكتك يرافقان مسامعنا، من خلال زياراتنا المتكررة للأطفال الفلسطينيين الذين يتلقون العلاج في المستشفيات الإسرائيلية, ومن خلال تفقدنا للأطفال الأيتام والمحتاجين الذين يتواجدون في القدس ورام الله وبيت جالا والخليل، وغيرها من مدن وقرى، ومن خلال النشاطات والفعاليات التطوعية والإنسانية العديدة، التي نقوم بها بحق أهلنا في الضفة والقطاع دون أن نفكر مرتين!

نعم أيها الصديق الحبيب، عرفت أنّ هذا هو أكثر شيء يمكن أن يسعدك!
وقد تعرفت في القدس على العديد من الأمّهات الفلسطينيات، اللّواتي سردن لي كم كنت ملاكًا وحاميا، وكيف دافعت عن قضاياهنّ، ورفضت أن تتلقى أي أجر مقابل أتعابك، وكيف كانوا يحضرون لك الهدايا الرمزية, وكنت تتقبلها بصعوبة وتردّد، شريطة أن لا يعلو سعرها على عشرة شواقل!

حتّى أنّ إحداهنّ أخبرتني أنها وعدتك أن تزغرد لك في عرسك، وترقص لك وبناتها الدّبكة الشعبية!
وحين كنت في مدينة بيت لحم مؤخرا، التقيت بأحد المسنين، وعندما علم أنني من الرّملة سألني عنك، فأخبرته أنك تعبتَ من الأرض ومضيتَ إلى هناك، فبكى أمامي كالأطفال وقال:
لن أنسى هذا الشاب الطيب الذي ترك معطفه لي، وقال أنت بحاجة للمعطف أكثر مني!

نعم فؤاد
كثير من الشهادات المُحِبّة والصادقة بحقك، لا زالت دفينة نفوس عامرة بذكراك, فأنت حي بأعمالك وبحبّ الناس لك، ومن كان مثل فؤاد وبهذا الفؤاد لا يُنسى أبدا، فليُطوّب تذكارُك إلى أبد الأبد!

يا رفيقي فؤاد... أنهي رسالتي إليك بهذه الكلمات التي كتبتها بالدموع بعد رحيلك بيوم عنا:

سماؤُنا ما عادتْ صافيةً كما كانَتْ في البدءِ
رحلتَ ملاكًا وأنتَ تبتسمُ
رحلتَ وستبقى فينا.. ومعنا
تُشدّدُنا..
تغرس بنا حبَّ العطاءِ..
حبَّ الوطنِ.. ومودّةَ الصّغارِ!



لماذا كانَ عليكَ أن ترحلَ الآن بالذّاتِ؟
لماذا، ونحن بأمسِّ الحاجةٍ لأمثالِكَ يا أشرفَ الشّرفاءِ؟
أأعترفُ الآنَ أنّ ثقتي بالسّماءِ تزعزعت!
أم أنّ إيماني تلاشى؟
لا، لكنّي ظننتُكَ أقوى من الموتِ يا رفيق
هكذا أردتُ أن أومنَ أنّ لكَ خططًا رائعةً..
لتردَّ الحقَّ لأصحابِهِ.. لتقف بوجه الطغيان
بتحَدٍّ وثقةٍ وإيمانٍ كما عرفتُكَ

لكنّ اللهَ اختارَكَ بالفردوس قبل أيِّ شيءٍ
فالملائكةُ لا تعيشُ طويلاً على أرضِنا البلهاءَ
يُتعبُها الظّلمُ ويكويها!

قلبُكَ النقيُّ الطّاهرُ غادرَنا يا رفيقي
فمنْ منّا لم يبكِ فَراقَكَ رغمَ أنّكَ تفيضُ فينا باستمرار؟

ستبقى لنا شفيعًا بالسّماءِ في كلِّ حينٍ
وسيبقى مشهدٌ لك بذاكرَتي
يومَ اعتقلوكَ وكمالَ وآخرينَ
كنتَ تضحكُ منَ الطّغاةِ
وقد زادَ إصرارُكَ على النّضالِ أكثرَ وأكثر!

فؤادُ!
ستبقى حيًّا فينا اليومَ وغدًا وبعدَ غدٍ وللأبدِ
فذِكرُكَ سيبقى مطوَّبا!