خطاب القرآن في شعر الرواد الروس

ناظم الديراوي
2009 / 3 / 19

ظاهرة اقتباس وتوظيف آثار عربية دينية - ثقافية وسير وأساطير ومعطيات مدونة ومحكية من أسفار حضارات الشرق العربي والإسلامي وطراز حياة شعوبه،الواردة بجلاء في قصائد ونثر الأديب الموسوعي، المستأنس بآداب الشعوب،ألكسندر سيرغيفيتش بوشكين(1799-1837)ومنها قصائد(من وحي القُرآن)و(المغارة السّرية)و(النبي)و(الحرز)،والمجموعات الشرقية:(القمر يتألق)والرواية الشعرية(يفغيني أونيغين)و(روسلان و لودميلا)والرواية التاريخية(زنجي بطرس الكبير)و(رحلة في أرض الروم)وغيرها،فيمكن مقارنة معنويات أبطالها بأبطال المؤلفات الصوفية،الأمر الذي يفضي إلى ملاحظة تأثير إبداعات الفكر الصوفي(شعرا ونثرا)وعقيدته التقية الزاهدة المترفعة عن غراء الدنيا،على كتابات بوشكين الأدبية والفلسفية.،وربما أراد الحائر بوشكين أن ينأى بروحه إلى فضاء أرفع قامة وبهاء وتقية من فضاء مجتمع خيب من أماله ما كان عزيزاً عليه..فتراه يلجأ في قصيدة النَّبي،التي نظمها بوحي من سورة المُدثر(يا أيُها المُدثرُ(1)قُمْ فأنذر(2)وربُُّكَ فَكبِرْ(3)..)إلى سيرة النَّبي محمد(ص)مقتبساً منها ما كان يعوزه من روحانية معصومة من الزلل وإلهام رباني(يشعل بفعلة قلوب الناس):
كالجثة الهامدة،
كنت مضطجعاً
في الصحراء،
حين ناداني صوت الرب:
قُم،أَيها النبي،انظر واسمع
ونفذ مشيئتي،
وجب البحار واليابسة
بالفعل أشعل قلوب الناس.(*)
هذه الظَّاهرة(الاقتباس)استساغها معاصرو بوشكين وأتباعه من شعراء ورواة ونقاد،وطال تأثيرها رحالة وفناني وعلماء وفلاسفة ودبلوماسيي روسيا القرن التاسع عشر-بداية القرن العشرين واستثمروها بإبداع في روائعهم النثرية والشعرية والفنية على امتداد قرن من الزمان حتى غدت تياراً رفيعاً في الشعر الروسي الكلاسيكي،اكتنز مئات القصائد التي نظمت،بوعي المُدرك،من وحي ثقافة وفنون وبيئة الخطاب العربي والإسلامي البهي وإرثه المدون والمروي والمشيد.إلى هؤلاء الشعراء المُبدعين ينتسب؛قسطنطين باتيوشكوف(1787-1855)وميخائيل ليرمونتوف(1814-1841)وأفلاطون أبودوفسكي وقسطنطين بالمونت(1867-1942)وفاليري بريوسوف(1873-1924)وتاراس شفتشينكو(1814-1861)وأبولون مايكوف(1821-1897)وفلاديمير سولوفيوف(1853-1900) وياكوف بولونسكي(1819-1898)واليكسي أبوختين(1840-1893)وسيميون نادسون(1862-1887)وليسيا أُوكراينكا،وإيفان بونين(1870-1953)والكثير الكثير غيرهم.وكأنموذج سامي ترك النص القرآني الكريم أثراً واضحاً على قصائد الشاعر قسطنطين بالمونت وخصوصاً قصيدته(من هناك)التي تتجلى فيها قصص وحكم ومعاني كتاب الله،على الرغم من أن الشاعر بالمونت ضم إلى قصيدته بيت(انفروا جميعا ًإلى نداء النجم)الذي ينم عن عقيدة وثنية،ظل إعجاز خطاب القرآن الكريم هو الغالب على أبيات القصيدة.ونميلُ إلى أن الشاعر بالمونت لم يقصد في بيته هذا المس بعقيدة التوحيد وطقوسها الإيمانية وإنما،والله العليم،أراد أن يُضمن قصيدته أساطير وخرافات ذات منحى خيالي-متعي:
أعدكم بجنات
تحلون فيها خالدين
حيث بزوغ نجم الصباح.
جنات تغفى فيها أنهار
لا خرير لها.
سأدلكم على متاع
لا ينكث بكم أبداً
كحجر هوى إلى القاع
وما عاد يحدث
على السطح موجاً.
كما واقتبس الشاعر والكاتب إيفان بونين قصص من الخطاب الإلهي موظفاً مغزاها في كيان عالمه الشعري الذي ينز توليفات ونفحات روحانية-إيمانية- توحيدية سرت في نسيج قصائده التي نظمها الشاعر الروسي بمنفاه في باريس ومنها:(محمد في المنفى)و(علامات هادية) و(لخيانتهم).وفي قصيدة(مُحَّمد في المنفى)يروي الشاعر مشهداً من السيرة المقدسة للنبي العظيم التي اقتبسها من سورتي الشرح ويوسف؛(قال إنما أشكو بَثِّي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون)آيه/86):
حافياً، فوقَ الرِمالِ،
مَكشوف الصِدرِ، جلسَ ،
وٍبشجوٍ قال:
(مخلصٌ للفيافيِ أنا و للقفارِ ،
مُبعدٌ أنا
عن كُل مَن أحب !).
فقالت الأرواحُ :
(لا يُلِيقَ بالنبي أن يكونَ
ضعيفاً وعياناً).
فردَ النبيُ بشجَن ٍو اطمئنانٍ:
(للصخرِ شكوتَ أمري أنا).
ولا يحيد الشاعر والكاتب الروسي المُغترب إيفان بونين في قصيدته(علامات هادية)،المستوحاة من سفر القرآن،عن صراط الروح الهادية الباحثة دوماً عن الاطمئنان الأبدي في عالم صوفي تقي تضيئه أنوار الإيمان الحنيف الزاهد عن مغريات الدنيا وشغف وهيام انسها بملذات اللهو والغرام:
في المغربِ
لحجاجِ الليلِ،
أنار الربُ
سَّنا نجومِ الكلب المقدسةِ.
سلامٌ عليكِ
يا بارقة في السماء
ندى ماسٍ أَزرق !
........................
سلامٌ عليك
يا خرزات مَسبحةِ– الحاج
يا هادية هاجرَ
في الصحراء !
ويُحاكي الشاعر إيفان بونين في قصيدة(لخيانتهم)،التي صَدّرها بخطاب(اذكروا أولئك الذين هجروا وطنهم خوفاًً من رعب الموت)اقتبسه من سورة البقرة(أَلمْ تَرَ إلى الّذينَ خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت..)(آية/243)،سورتي القيامة والإنسان وينبه إلى تحذير كتابنا الكريم لأولئك الذين خانوا وطنهم وارتكبوا الإثم الثقيل.ويستعيد فيها بعبرة الواعظ،وهو الماسك بحب الوطن رغم عناء المنفى وهموم وآلام الغربة..الوطن الذي ينأى كلما اقتربت منه الروح المتلهفة إلى أحضانه وناجته الأفئدة المتدفقة بالمشاعر التي تنزف شوقاً وحنيناً إلى ماضٍ انزوى في زمانه وما غادر مواضعه فحال دون امتزاج ما فات بما هو آت وفي هذا يكمن مغزى الأمل الذي تنشده الروح التقية رغم أصفاد العسر والضنك القابضة على فضائها وإن ألفت صنوف الصبر على بلايا الدنيا وجحود من فيها أحياناً ممن ارتضوا أن يبدلوا أوطانهم بنزوة زائلة لا محال..ويا لهوانهم وذلهم وضيق مقامهم وبئس المهاد..!
لأنهم خانوا
الوطن البائس
أبادهم ربهم،
بعظام أجسادهم
وجماجمهم
بذر الحقولَ.
ومن جديد
بعثهم النَّبيُ،
داعياً اللهَ
أن يهبهم الحياةَ،
لكن عارهم
على الأرضِ
لن تغفرهُ الأرضُ لهم.
وأثار مشهد ذلك الحاج المسلم،الذي حمل تقواها في غربته ولم يكن ساهياً عن صلاته وأداء فرائض دينه وان على ظهر سفينة تمخر عباب البحر وتنقل أتباع دينات وأقوام شتى،الشاعر إيفان بونين فأنشد معجباً بذلك الحاج المتمسك بمناسك دينه وعادات أهله،رغم عناء الرِّحال وغربة المكان وتباين الرِّكاب،فترى الشاعر يقول في قصيدته(الحاج):
على بساط وقفَ
عند أصفاد المراسي
عاري القدمين،أشيب،
في جُبةٍ قصيرة
وعمامة كبيرة،
تزداد نضارة
في الغروب.
الليل قادم
والجسد فرح به،
وقف باسطاً يديه
وسط تموج الظلام ..
والهمَ رُشد الإعجازُ الإلهي في سور القيامة والإنسان ومريم،مقصد الأرواح الحائرة بين مسلمات الدنيا،الغير مصانة من غراء الدنس،التي بدت وكأنها يقين مطلق وبين الإيمان السكين مراد ذوي الألباب،الشاعر ياكوب بولونسكي في نظم قصيدته(من القرآن)المشبعة بتقوى خطاب عقيدة التوحيد:
وَحدهم العميان
لا يعثرون عليَّ
ولا يسلكونَ
صِراطا ًمستقيماً،
بل،بتخبطٍ،
في الظلام يتسكعون.
ترابيسُ البروج
لا تُخفيهم-
يطولهم عزرائيل،
حيثما حلوا،
......................
ذَكّر يا نبي
ضعيفي الإيمان
أني آت
لأحكم بالعدل
سيصلون في أغلالٍ حديدية
بجحيم نهرٍ يسيل
في ذاك اليوم.
ذَكّرهم- بلى لن ينسوا .
من هذه النصوص الشعرية - الروحانية الراشدة يتضح أن قصائد الشاعر الكسندر بوشكين والشعراء الكلاسيكيين الروس المتأثرة بفكر وخطاب القرآن الكريم اقتبست آيات كريمة اكتنزت حوادث تاريخية ومواعظ حميدة وسير كريمة لرُسل الله وأنبيائه،جرى إخراجها بأسلوب شعري بهي ولغة محكمة صافية تنساق في رهافة وتدفق وإيقاع حافظ فيه الناظمون الروس على روح وعبر كتاب الله الحكيم ورسالته الإيمانية التقية وتبشيره بالقيم الربانية السامية المستندة إلى إيمان العِالم وأخلاق التقي وحكم العادل وشكيمة المحق..وتبقى المؤثرات العربية والإسلامية تجري في خطاب ومُخيلة الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين وأتباعه كجدول معرفي-إلهامي فاعل وممتد يتدفق من منابع عقائدية-فلسفية ودنيوية-اجتماعية وجهت نحو خلق المزيد من التوافق والانسجام الروحي-الإيماني بين الإرادة البشرية المتطلعة إلى معرفة العالمين،الفاني والخالد،والإرادة الإلهية التي تحكم مصير ما في السماوات والأرض وما بينهما.وإلى أن يحل ذلك اليوم الموعود نبقى نردد مع الشاعر الروسي ميخائيل ليرمونتوف القسم الذي أُوحي إليه من سجع القران الكريم ورسالته الإيمانية-الأخلاقية الفاضلة:
أقسم بيوم الخليقة الأول
أقسم بيومها الأخير
أقسم بعار الجريمة
وبسيادة الحق الخالد
*جميع القصائد الُمدونة في هذه المقالة ترجمة/ناظم الديراوي.