القُرآن في شعر بوشكين

ناظم الديراوي
2009 / 3 / 14

يَنسبُ مؤرخو العلاقات الثقافية الروسية-العربية زيادة اهتمام العلماء والأُدباء والساسة الروس،في روسيا الحديثة،بآثار الحضارة العربية والإسلامية؛العمرانية والمدونة والمروية،إلى عصر القيصر المُصلح بطرس الكبير(بطرس الكسييفيتش رومانوف)(1672- 1725).إذ يعود له الفضل في اقتناء الدوائر الدبلوماسية والعلمية الروسية المسكوكات والمخطوطات والكتب والنقوش والرسومات العربية والتركية والفارسية النادرة وإنشاء خزائن لحفظها في دار التحف(معهد ومتحف الاثنوغرافيا والانتروبولوجيا)والمكتبة الإمبراطورية(مكتبة أكاديمية العلوم الروسية)،واهتمامه بظهور أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الروسية،أعدها العلامة والدبلوماسي الروسي بطرس بوسنيكوف عام(1716)من أول طبعة فرنسية مترجمة مباشرة من اللغة العربية وضعها المستشرق والدبلوماسي الفرنسي(اندريه دي ريّيه)قنصل فرنسا بالقاهرة منذ عام(1630)صدرت في باريس سنة(1647)بعنوان(قرآن محمت-(LAlcoran de Mahomet.وأُعيدت طباعتها أكثر من(18)مرة خلال قرن كامل.ويُؤاخذ على الترجمة الفرنسية لمعاني القرآن الكريم أنها لم تكن أمينة ومطابقة للأصل العربي.ورغم أن هذه الترجمة لا تخلو من أخطاء في كل صحيفة،فأنها كانت أكمل ترجمة في ذلك العصر.وقد بلغ من شهرتها وما لقيته من رواج،أن نقلت إلى اللغات الهولندية والألمانية والإنجليزية.وتعد ترجمة(اسكندر روس A.Ross)أولى هذه الترجمات إلى اللغة الإنجليزية،وطبعت على فترات في السنوات (1649-1688).وفي نهاية القرن الثامن عشر اعتمدت ترجمة المستشرق الفرنسي(أندريه دي ريّيه)طبعة امستردام(1770)،التي تضمنت مقالةً مملوءةً بالإفك والافتراء على شخصية الرسول محمد(ص)(نبذة عن حياة النبي الدجال محمت)أعدها كُتٌبِيّ فرنسي حاقد،كمصدر أساسي لترجمة روسية جديدة لمعاني القرآن الكريم،وضعها الأكاديمي والكاتب المسرحي الروسي ميخائيل فيريوفكين(1732-1796)وجرى طباعتها بمدينة سانت-بطرسبورغ(عاصمة القياصرة)عام(1790).واعتبر العلماء والأدباء الروس هذه الترجمة،عملاً أدبياً غير عادي،وكان لها أثر عظيم على مؤلفات أدباء وفلاسفة روسيا القرن التاسع عشر،وغدت مصدر إلهام الشاعر الروسي الشهير الكسندر بوشكين(1799-1837)الذي لم يأبه بالافتراءات والترهات التي حوتها تلك المقالة الكارهة للإسلام ونبيه،ونخبة من معاصريه وأتباعه الذين لاحظوا أن الكثير من الأخلاق الفاضلة والقيم الإنسانية الحميدة واردة وبقوة في خطاب القرآن الكريم...
تكشف مؤلفات الشاعر الكسندر بوشكين-الذي يعتبره الروس أعظم شعرائهم ومؤسس المذهب الواقعي في الآداب الروسية وسابك اللغة الأدبية الروسية الحديثة،ويعده غالبية النقاد من عباقرة الأدب العالمي-أنهُ انبهر وتأثر بسماحة روح ورقي خطاب كتاب الإسلام الأول وآياته الحكيمة التي تعرف عليها من الترجمات الفرنسية والروسية لمعاني القرآن الكريم التي أمدت قريحة الشاعر بزاد الشعر الذيذ.هذا التأثير الروحي-الإيماني لامس الخطاب الفلسفي-العقائدي ونحى إلى الشعري،المُتجسد في إيقاع سجع القرآن الفريد،الذي لم يألف له الشاعر الروسي كفوا لا في إبداعاته الشعرية ولا في قراءاته الأدبية والدينية،تجلى وسطع في ملحمته الشعرية(محاكاة القرآن)أو(من وحي القرآن)وقصيدة(النبي)و(مغارة سرية)التي نظمها بوحي من سورة الكهف التي قرأها،على الأرجح،في الشتاء بمنفاه في قرية ميخائيلوفسكي،جنوب روسيا،وتَذَكّر فيها الشاعر بوشكين بقوة مغارة القرم،الباردة والمظلمة والمكفهرة،وأيام(الحبس)و(العزلة)..وعند الشاعر بوشكين،يرى نيكراسوف،(تبقى الكلمات في ضيق بينما الأفكار في مدى رحب).هذا ما تشيع وتبشر به بلاغة الخطاب ورهافة وتدفق الإيقاع وعمق المدلول وصفاء المغزى في قصائد الشاعر.وما برح سراج القرآن المنير منهل الإلهام الشعري والإيماني ومحاكاة الماضي والافتتان البلاغي في قصيدة(المغارة السِّرية)*:
في المغارة السِّرية،
في يوم العصف
قرأت القرآن العذب
فجأة هبط ملاك السلوان
حاملاً لي طلسمان
قوته الغَيبية
كلمات مقدسة
خطتها عليه
يد خفية
بعدَ قراءتنا المتأنية لملحمة(من وحي القرآن)وترجمتها إلى العربية ومقارنة مقاطعها الشعرية،المتضمنة نصوص دينية،بالخطاب الإلهي تبين لنا أن شاعر روسيا الكسندر بوشكين قرأ بإمعان ترجمة معاني القُرآن الكريم باللغتين الروسية(ترجمة ميخائيل فيريوفكين) والفرنسية(ترجمة أندريه دي ريّيه)واقتبس آيات من سور؛البقرة والكهف ومريم وطه والحج والنور الأحزاب ومحمد والفتح والحجرات والنجم والواقعة ونوح والمُزمّل والُمُدثّر والقيامة وعبس والتكوير والفجر والبلد والضُحى و.. واستعار قصصاً ومواعظً هاديةً وعِبراً حكيمةً وثقت تمسكهَ بالفكر الإيماني،مبدد الغشاوة ومرشد الناس من الجهالة إلى النور،ومستأنساً بالمحاجات بين الأنبياء والمشركين(محاجات نمرود بن كنعان الجبار مع سيدنا إبراهيم) ومنشرحاً برُشد القلوب التي لا تزوغ وعلم ذوي الألباب المُبين ومعجزة لا إكراه في الدين والصبر الشفيع على بلايا الضَّالين...في هذه الملحمة الشعرية الممتعة تتجسد الكفاءة الرفيعة والموهبة الفذة في نظمهاُ.وما برحت الظلال الوارفة لأفكار وهُدى كتابنا الحكيم،القرآن الكريم،تنضحُ بنور الإيمان على أبيات القصيدة ما جعل معاصري الشاعر الكسندر بوشكين ينظرون إلى منجزات وقيم الحضارة العربية– الإسلامية كمنبع معرفي وواقع نفعي راهن وممتد في روافد ورواق الثقافة الإنسانية،بعد أن سعت زمرة من المستشرقين واللاهوتيين الغربيين المتزمتين وأنصارهم إلى طمسها وتغييبها في دهاليز الظلام بعيداً عن فكر وثقافة ومجالس العامة!وحيثما تقرأ تحسُ بظلال الإيمان تُفئ من نَفحات روح القُرآن وتسري في شعاب ملحمة بوشكين الشعرية،قاصداً العبور بها من تيه الغشاوة والضلالة إلى رحاب النور واليقين،عَلّه يُزجي إلى الفردوس روحاً هائمة-حائرة ساورها وسواس الغموض،وأضناها عذاب المقام في حشر الدُنيا وشحيح زمانها،والتعرج بها إلى فضاء الغيب ونيل الخلود؛

أَ وَلستُ أنا الذي اصطحب
رأسَ مَنْ أَحَبَّ،وأخفاه،
في سكِينَة،بعيداًً
عن عسفٍ يلاحقهُ؟

أَ لستُ أنا الذي سَقاك
في يومِ الظمأ من ماءِ الصحراءِ
وَوَهبَ لسانكَ سُلطاناً قديراً
على الألبابِ؟

بمروءةٍ ازدري الباطلَ
واسلك بثقةٍ صراطَ الحقِ
وأحببْ اليتامى،وبلغ قُرآني
المخلوقاتَ المرتعشةَ.
......................
أما أنتم؛يا ضيوفَ مُحَمَّد،
يا وافدينَ إلى أُمسيتهِ،
حذار من أن تعكروا
مزاج نبيِّ ببهارج الدنيا.
فالنَّبيُّ يمقتُ،حين يسمو
إلهامه المُقدس،اللَّغْويينَ
والكلماتَ المختالةََ والفارغةَ.َ
أَجِلّوا مأدبته بخشوع
وانحنوا بعفةٍ لنسائه الشابات.
....................
لِمَ يتغطرسُ الإنسانُ؟
أَ لأنهُ ظَهر إلى الحياة عارياً،
ليعيش ما لا يُزيد عن قرن،
ويموتُ ضعيفاً كما ولدَ ضعيفاً؟

أَ لأن الرَّب يُميتهُ
ويُحيه بمَشيئتهِ ؟
ومن السماءِ يَحميه
في السَّراءِ والضَّراءِ؟

أَ لهذا وهبهُ الرَّبُ الثمارَ،
والخبز َوالتَّمرَ والزيتونَ
وباركََ أعماله في التَّلِ
والحقلِ والبُستانِ؟
...............................
الأرضُ مستقرةٌٌ-السماءُ قِبابٌ،
سانِدُها أنتَ يا خالق،
أجلْ لَنْ تهوى
على الأرضِ والماء
ولن تسحقنا.

......................
للخالقِ صلوا،فهو القدير
يوجهُ الريحَ؛في يوم السعيرِ
ويزجي إلى السَّماءِ الغيومَ،
ويمنحُ الأرضَ ظِلَّ الشَّجرِ.

الرَّحيمٌ هو؛لمحمد
فتح القرآن المُنيرَ
أجل،سنشعُ بالنور أيضاً،
وستزولُ الغشاوةُ من العيون.
............................
قُم أُيها الوجل
في كهفِكَ
يَظلُ السراجُ المقدسُ
مُنيراً حتى الصباحِ.
بدعاءٍ من القلبِ
اطرد يا نبيّ
الهواجسَ الكئيبةَ
والأحلامَ الماكرةَ!
وِتلْ صلاةََ الصلاحِ
إلى الصباحِ
ورتّلْ كتابَ السماءِ
حتى مَطلعِ الفجرِ.
يا للقدر!كأن مصير الشاعر الكسندر بوشكين قد قضي وفقاً لرؤيته عن نهاية كل بطل باسل يخفق بين ترائبه قلب ليث غير آبه بدعوة عزرائيل لتفيض،بين يديه،روحه الطاهرة.ولعمري أن الأبيات التالية لا تخلو من نبوءة،إذ صُرع بعد نظمها الشاعر بوشكين في نزال دافع فيه عن الشرف الرفيع.والمفارقة إن هذا النزال المميت خلد بوشكين مثلما خلده الشعر ذاته:
حتى يكون القبر راسخاً
حيثُ يرقدُ الباسل هاجعاً
وليكونَ بوسعهِ الثأر،
على المحارب الصالح
دعوة عزرائيل.
(*)- هذه القصيدة وما يليها من قصائد ومقطوعات شعرية روسية ترجمة/ناظم الديراوي.