مسرحية عودة الحارث للأديبة انتصار عباس

عمر عتيق
2009 / 2 / 5



حمل عكازه وراح
راح
يجوب أروقة السماء
ولما حداه التعب
رمى بالعكاز بعيداً
أضاء أسرجة الوقت
وتدلى من شرفة السماء
لبس الجسد الورديَّ
وهامْ
هام
في خطى العابرين
ينادي
يا بنت رم
يا بنت رم
سقط الإله ذو الشرى
صريع الهوى
يستبيح عيون بترا
عطراً
وسماء

يا بنت رم
يا وردية الجيد والعبرات
يا مليكة الزمكان
كوني غبطة
كوني عبقاً
مطراً
شهوة للحاضرين
صحوة للعاشقين
أغنية وبيلسان.
يا بنت رم
أشعلي الأرض بالهوى
نقطف عناقيده
حبةً
حبةً
صحوةً
صحوةً
وأورقي في العابرين
نشوة
وأطيحي بـ( ذي الشرى)
وتعالي
تعالي
تعالي نصلي
للرب الواحد
الأحد
الصمد
تعالي
يا قرة عين الجان
ألقي بعصاك في غيبهب
الكون
تحط لك الدنيا
وتأتيّنك
سعياً..سعياً


المشهد الأول:
المكان : المعبد
الزمان : وقت الظهيرة
( يتعالى صوت النيران ورائحة البخور ، الإله ذو الشرى يتربع في وسط المعبد ، تصل بترا المعبد تصعد الدرجات وتدخل .. وقد اشتدت الشمس في كبد السماء .. )
( الحصان مربوط في الخارج ولا يتوقف عن الصهيل ...)
تجثو على ركبتيها...تطيل في الركوع مرددة :
مرددة: ( ذو الشرى)....( ذو الشرى) الهي.. الهي
صوت: بترا... ارفعي رأسك
تجفل!!
(تدفن رأسها في التراب لشدة الخوف...ترتعد )
الإله: لا تخافي فأنا الإلهة ( ذو الشرى)
بترا: "بفرح وفزع في آن واحد": الإله (ذو الشرى) ، (الإله ذو الشرى)...يا لحظي العظيم
الإله: دمعك أفزع مضجعي...
تبقى واجمة...
الإله: حدثي !
وبصوت متقلقل: ذهب للحرب... تصمت لبرهة ثم تعود: عاد الجميع وما عاد
الإله: أهو زوجك؟
بترا: تهز رأسها بالنفي...(.تحدث نفسها بل أكثر من ذلك)
الإله: أهو أبوك... أخوك...؟!
بترا: أبي ... أخي....لا..لا !
الإله: فمن تراه إذن؟
تصمت
بترا: ( تتنفس بعمق ) ..ريحه في كل مكان... أشمَهُ ...أشمَهُ إنه هنا، هنا
تحدق في الأفق..
الإله: بترا قوليها وبأعلى صوت ..أسمعيني ..
بترا: إنه ... إنه....
الإله : (بحزم) بترا
بترا: إنه ... إنه، حبيب الر...و. .و..و ..ح ..!
الإله: كل هذا الخوف وأنت في حضرتي؟
بترا: (لعثمات ابتسامة مرة على وجهها)، ليس الخوف تماماً... تحمر وجنتاها
الإله: أعلم...أعلم...
الإله: يحتد صوته: أريدك أن تكسري حاجز الخوف... وأن تكوني أنت.. بترا الأميرة التي لا تخشى شيئاً...

بترا: تهز رأسها بالرضا
الإله: وما الذي ترتجيه ابنة الحارث مني؟
بترا (وبصوت خافت يكاد يكون همسا) :أخشى أن يُسترق السمع لحديث ابنة الحارث فيفتضح أمرها...
الإله (بحده) : ارفعي صوتك ..
بترا : أخشى العابرين..
الإله :( وبصوت صارم) : أنتِ في حضرتي...!
تجثو على ركبتيها: ليسامحني الرب... ليسامحني الرب ..
صمت .... صمت....
الإله: أكره هذا الجبن.... بترا انهضي، انهضي....( بصوت الآمر)
يقترب الصوت أكثر:أعيدي علي من تراه يكون ؟
بترا : انه ..حبي..بي . . حبيبي
الإله : ألم تستقصي عنه الأخبار ؟
بترا: كيف يميط اللسان لثام القلب فيفتضح الأمر ؟
الإله: ألم يذكره أحد عله كان في عداد المفقودين...؟!
بترا: ( برجاء) لا تقلها أرجوك !!
الإله : لا أعني الموت ، لربما استهواه الرحيل...!
بترا: ليس نبو من يفعل هذا !
الإله: ربما الحرب جردته أشواقه..
بترا: محال هذا ..( تنظر للأعلى، وللأسفل بقلق وتوتر واضحين )
الإله: ولربما حرقته أشواق النساء...
(تشبك أصابعها ..تحدث صوتا عاليا.). هذا المحال .. محال هذا !
الإله: ألم يبدد كثرة الغياب هذا الحب؟!
بترا: صار يفوقني..
الإله: وما أنا بفاعل لك؟!
بترا: ألستَ إلهاً...؟!
الآله: وماذا بعد!
بترا: رده إليّ!
صمت....صمت....

المشهد الثاني:
المكان : المعبد
الزمان : عصرا
(حوار بين الإله( ذو الشرى ) والأميرة بترا حول الروح والجسد وعلاقتهما ببعضهما)
الإله: بترا فلتنسي هذا الحب...وعودي المعبودة كما كنتِ
بترا) : تشير بإصبعها إلى صدرها).. هو بعض من تلك...لولاها لكنا جثثاً هامدة نوارى في التراب...
الإله: أهي التي تشي للقلب بأن يطرب لذاك ويحيد عن درب ذاك؟!
بترا: هو مرآتها؟!
الإله: لا أوافقك! فالعين هي الأساس وهي التي تشي للقلب ليرى ما يرى...
بترا: العين شرفة القلب يطل من خلالها فإذا ما رأت الحبيب تجلى فيها
الإله: هذا يعني أن العين نافذة يطل القلب من خلالها على الأشياء...
بترا: منْ لم يرَ بقلبه فهو أعمى ..
الإله: كثير من البشر لا يرون إلا بأعينهم... ويستدلون الطريق...
بترا: يذبحون الآف المرات... ولا يعلمون ..
الإله: وما قولك في القلب يا ابنة الحارث؟
بترا: القلب مزمار الروح....
الإله: يتلبسني الظن أنك غدوت إلهاً....!
بترا: (تنظره بعتب.).الهي لا تهزأ مني ..فأنا أرى أن القلب مرآة الروح ..
متى ما توقد الآخر فينا تراءى في العيون... وخرج الجسد من مخبئه...الحقيقة الوحيدة التي نستطيع لمسها...هي الجسد...
الإله: إنه أله... تقلبها الروح كيفما شاءت
تخرج منها أهه ...
الإله: هبط الظلام..
بترا:سأذهب إنْ تأذن لي...
يقاطعها: وتتركين روحك هنا ؟!
بترا: إن هي رغبت!
الإله: حدثيني عن هذا الفتى... فقد أشعلت بي رغبة ما بعدها رغبة...
( تتغير ملامحها.. لتصبح أكثر جمالاً وحسناً من ذي قبل )
الإله: تورقين وأنتِ عنه تتحدثين!
بترا: لولاه ما ابتلت عروقي بالحياة، ولما تنفس فيّ نبض نساء، ولا اشتهتني ريح
ولا مرآة ... وما استودعني صبح ولا مساء...
الإله: تنكرين وجودك دونه،، وما خلقت إلا لتكوني أنت؟
بترا: خلقت لأكون أنا، وكم من النساء كن هن ؟؟ لكنهن ضائعات، تلمع شرارة الروح فجأة
إن تبعتها أينع القلب ، وتعالت قطوف الجسد، وإن جبنت وخفت، قبعت خلف جسدك... وتهت فيه... قد تصحو أشواقك فجأة... ولكن الخوف القابع فيك أكبر... وما بين صحو وتيه، تيه وصحو،،، يبللنا الموت ونغدو قبضة من تراب...
الإله:إن كان الحال كما تقولين فأكثر البشر لا يعرف إلا العتمة...
بترا: البشر ثلاثة:
منْ يرى بقلبه...
وآخر بجسده...
وآخر يولد ضليلاً، ويموت ضليلاً...
الإله: هناك حقيقة أزلية غائمة يعرفها البشر ولا يعرفونها ..
بترا: وما هي!!
الإله: قد يأتي الموت فجأة، فيسلخ عنك كل هذا...
بترا: فليأت ساعة يشاء وليذهب ساعة يشاء ..لماذا نبقيه مسكونا فينا ؟...لم لا نحيا حتى يجيء؟!
وبأعلى صوتها: أيها الموت تعال .. تعال . أقبل فنحن على شهوة اللقاء ..وكلانا ينتظر ..
الإله: كفاك ، واخلعي عبثية الفوضى عنك ؟!
بترا: عليّ أن أرحب بضيفي!
الإله : بين الموت والحياة خيط دقيق يكاد يتلاشى.. لولا أن الرؤيا لا تتجاوز خط
الجسد وأشواق النفس...!
بترا: ستنقشع غشاوة الحياة ، فنرى الأشياء كما هي ...
الإله : وما أدراك ؟
بترا : لا بد أن نجد الحقيقة الضليلة !
الإله: إذن فالحياة خدعة؟!
بترا: غشاوة وضباب كثيف يهيئَ لنا الأشياء كما نحب ونشتهي، فلا نراها بصورها الحقيقية (تنظر حولها) ... العتمة تشتد وعليّ الرحيل...
الإله:النور الذي فيك كفيل بالطريق...
بترا: لقد أضاء روحي
الإله: وكل هذا الغياب!
بترا: يؤثث الغياب فينا عشقاً، وحنيناً ولوعة مرة، لا شيء ينسي طعمها إلا حلاوة اللقاء...
الإله: بترا عودي بلا أنين ولوعة، وفي الغد تعاليْ..أتجلى فيك.. ولا تنسي أن تقصي عليْ رؤياك ... متى تعودين!!
بترا: أنى لي أن أنام وعلى أهدابي يعوي ذئب الانتظار؟
الإله: "وبحزم" أطيعي الرب ولا تجادلي...
تجثو على ركبتيها وإني لمن الطائعين... إني لمن الطائعين...
صمت... صمت...
المشهد الثالث:
بترا تودع الإله وتخرج من المعبد، الإله ينفخ .. في الهواء يباركها ويحميها- تلف وجهها باللثام ولا يظهر إلا عيناها )
ترفع رأسها...
الإله: (وبحنان زائد) أنسي الخوف ودعي القلب ليراني فما أشد حاجتي لامرأة تراني بقلبها ولننعم معا بهبات الروح...
بترا: إنه يراك!!
الإله: اذهبي فأنا دوما معك ..أيتها الرمال لا تشقي عليها الطريق... وجلليها بالحب والبركة...
ينفخ في الهواء....
(الزمان : ساعة الغروب
المكان :( الطريق رملي وطويل )
ينظرها بأسى... ليتك كنت كباقي النساء...وليت باقي النساء كن أنت ، لكنت.. وكن!
تتقالبها الحيرة: إنه هو.. قلبه النبّاض، روائحه تدق طبولي... فيتراقص جسدي
تنتبه للطريق: سر أيها الحمار فالدرب طويل.... وعويل بنات الليل يحاصرنا...!
تصمت لبرهة ... تحدث نفسها....
أتوق لأعرف سر( ذو الشرى) هذا! تصمت .. ثم تعود : نعم إنه هو... هو..
تحادث نفسها ( ربما الإله راعه حالي فدعاه ليتمثل لي... أو عله تمثل فيه وكلاهما في النهاية هو ، هو .. )
تمسح على رأس الحصان: إن رأيته بأم عينك تراءى لعينيك حجراً ، وان أغمضت صار
لحماً ودم، رائحته تخترق أنفاسك، تتلبس جلدك.. لتصبح أنت ..
جسدي يرتعش، يتراقص .. متى وصلت سأراقصك والماء.. ( تحادث جسدها )
(تسقط رأسها عند أذني الحصان تسأله كأنما صديق أو شخص مقرب منها )
هل أغمضت ورأيت ما كنت أرى...أ سمعته وهو يهمس قرة عيني... وكما كان يفعل دوما ؟
تصرخ بفرح : إنه نبو، نبو (وبصوت منخفض الوتيرة) إلهي( ذو الشرى) أمطره علي الآن واجعل مطره سيلاً على جسدي...يغسل وهم الإنتظار..
المكان : - (طريق ممتده بالحصى والرمل )
- : الحمار يصهل ..
بترا: تمسح على ظهره ضاحكة: أتغار؟!
- الحمار: يزداد صهيله...
بترا: ليحفظنا الرب( ذو الشرى )...ليحفظنا الرب... تربت على ظهره...ادعُ معي...
يزداد الصهيل...
بترا: ماذا لو نغني أغنية تنسينا هذه الظلمة، وتبعث فينا الأنس والفرح...
- الحصان لا يتوقف عن الصهيل...
(الطريق ظلام ، صوت الذئاب ، تشد رسن الحصان ليسرع أكثر ، وبصوت أقرب للرجاء )
بترا: يا حصاني الحبيب، أصوات الذئاب تعلو... فلنسرع... وإلا أخذنا الظلام وتهنا... أسرع ها نحن نعبر الخزنة...وها هو القصر يقترب .... نحن على الأدراج ... خطوتين
ونصل...
يزداد الصهيل...
بترا: في المرة القادمة سأصطحب الحصان الأبيض..فهو مطيع... ويحبني أكثر تصمت لبرهة ثم ( تكمل حديثها ) ولا يخشى شيئاً
يشتد صهيله..( صوت الذئاب يقترب )
بترا : فلتذهبي...أيتها الذئاب.. فأنا بترا ابنة الحارث.. سأجعلك طعاما للكلاب
المكان :( قصر البنت وقد اشتد الظلام )
تصل البوابة، تميط اللثام عن وجهها، تأخذ نفساً عميقاً... وتدخل..
( صوت الجواري وهن يستقبلن الأميرة مهللات ) وقد جهزن الماء .. يتصاعد البخار والروائح ، تتحسس جسدها بنعومة وحنان زائدين)
-: أيتها الجواري غليكن بالخزامى والزعفران..( تتحسس جسدها ) سأحتفي بك أيها الجسد..وسأتوجك ملكا لهذا القلب الممسوس بالهوى ..
تجلب الجواري الماء الحار، يتعالى البخار وروائح السدر , والخزامى، والغار، تمد برأسها تستنشق الرائحة.. وقد تركت أصابعها تعانق حرارة الماء (تنظر إلى الجواري: لتطفئن المواقد كلها،(وبصوت هادىء دعن البخور يضيء المكان .. أيتها الحناء باركي جسدي، وألبسيه شبق المرايا..
يتلوى الجسد تحت الماء: ( تحادثه ) تخشى الحرور..! يليق بك كل هذا، تأخذ نفساً عميقاً.. سأنام كما أوصاني الرب..!
المشهد الرابع:
المكان :مخدع الأميرة_ بترا في سريرها
الزمان : ساعات متأخرة من الليل
(تحدث نفسها –وقد استلقت على ظهرها ، القلق والحيرة واضحان على وجه الأميرة)
- : تراه سيعرف إن كنت سأنام.. ؟! (تتفحص عيناها الغرفة )
تتلفت حواليها: إنه يسمع، يسمع .. فهو الرب يعلم ما لا نعلم... ويرى ما لا نرى...إنه الرب...
( علامات الخوف بدت على وجهها )
تجثو على ركبتيها: ليسامحني الرب...ليسامحني...
تتذكر حمارها: قسوت عليك أيها الحصان الشقي...كتب عليك لترافقني ، ( تصمت لبرهة ) بفرح كأنما تزف بشرى للحصان ، أيها الشقي ابتهج ، غدا سترافقني .. وكل ما كان البارحة مجرد هراء..
تحدث نفسها: أكاد لا أصدق ما حدث ، ألهذا الحد تشبهنا الألهه ؟
وبصوت خفيض:( ذو الشرى) حجر، ونحن لحم ودم....ولكن كيف حدث هذا؟!
تتفحص الغرفة بعينيها: الحجارة تسمع... ترى...ويحي تدس رأسها في الفراش ..
سأنام قليلاً ريثما تشعل الشمس النهار بالقيظ ..
(صوت قادم من بعيد ينادي بترا .. بترا )
تصغي بانتباه : من تراه... يكون ...؟! نبو... نبو!!تصيح نبــــــــــــــــو !
صمت... صمت...
المشهد الخامس:
(الجواري يدخلن وهن يحملن الطعام الى مخدع الأميرة )
الزمان : ساعة الظهيرة

أشعل القيظ النهار... والأميرة نائمة...
( تحمل الجارية طبق القش على رأسها تنزله بدلال ، تطل في وجه الأميرة)
(تدخل جارية أخرى ، تحمل الخبز واللبن، وقطوف العنب، تنزل الصبية طبق القش عن رأسها...تضعه على الأرض... تطل في وجه الأميرة النائمة و ابتسامة الرضا على وجهها: لم تزل نائمة...وتخرج...
تدخل الشمس من النافذة تنشر ضوءها في الغرفة ..تفتح عينيها: آه ما أوحش قلبي وهو على هذه الحال! وما أبشع الصورة التي يلبسها وجهي ..
(تقف أمام المرآة تتفحص حالها ، تهامسه كأنما تراه) :- أنت مرآتي... فلماذا كلما لمحتني فيك ،
أراني أجمل من كل مرة... مرآتي يا مرآتي...قولي من تراها أجمل مني...
عاد الصوت ليتردد من بعيد: بترا .. بترا
بترا: إنه يناديني... يناديني !
( يدخل الصوت الغرفة ، ينادي بترا .. بترا )
( وقف النبطيون في الخارج يهللون لعودة الحارث )
أصوات تردد : عاد الحارث... عاد الحارث...
تدخل أمها: بترا كلنا بانتظار أبوك وقد عاد منتصرا .. وأنتِ هنا؟!لِم لا تخرجين ؟! ( باستغراب ودهشة كبيرين )


بترا: بلهفة إني قادمة... إني قادمة...
عاد الصوت ينادي: بترا....بترا ...يكاد يكون في الغرفة ... في البهو...وعلى الستائر المستحمة بالنور .. تبحث هنا ، وهنا ..
صوت الحارث يسأل لا أرى بترا ؟!
تلبس على عجل ثوبا أبيض محلى بالقصب.. تمسح عنقها بالطيب وتخرج...
(يفتح ذراعيه الحارث يحتضن ابنته ، والفرح، والانبهار بجمال الأميرة الآخاذ ، وكأنه يراها لأول مرة ،وقد لبس حلة محلاه بالذهب ، وعلى رأسه تاج مرصع بالياقوت )
الحارث: ما تراها ابنتي فاعلة لملاقاتي! يا لجمال بترا ولهفتي عليها يحتضنها، تدفن رأسها في صدر أبيها: نشتاقك أيها الحارث، يحتضنها بقوة.
تقترب أمها: لتدع بترا أمها تعانق أبيها، فهو ليس لها وحدها..
( مشهد لمداعبة الإبنة لأبيها ، تراوغة تركض تختبئ ، وتخرج ، أكثر منها مرة ، ثم تختفي دون أن يشعر بها )
تتفلت بترا من حضن أبيها وهي تتضاحك، تنظر الى حصانها يصهل من بعيد (كأنما يناديها )، تتسلل نحوه مسرعة ،( تمتطي حصانها وتنطلق) : يا حصاني لن ندع العتمة لتطوقنا...سنسلك وادي النبيذ، حتى نصل المعبد فندخل من باب الحظ السعيد
صوت أهازيج طبول... تغني نشوة النصر...ونصر بترا ... والحصان يعارك الطريق ليصل
المعبد...
(المكان : المعبد
الزمان : الظهيرة
( تترك الحصان في الخارج.. يصهل وحيدا وتدخل المعبد حيث الآله (ذو الشرى) جالس ) :
- أيها الرب!..أيها الرب !
الإله: أوتسمعين الصوت الخبيئ..!
بترا: وأستنشقه وتطرب لأصابعه الهائمة ذوائبي...
الإله: وما تراه فاعل بك الغياب!
بترا : يصحو وجهه معي كل صباح، وينام كل مساء أراه يتلحف ملاءتي، والأغطية،، يتقلبني
يمنة ويسرة، يعانق وسادتي، أتكور في السرير أرنو دفئه، أفتح عينيَ، تصطك أسناني حنيناً
ولوعة، نبكي وسريري، وفي ظلمة الليل تدق في روحي مسامير الغياب..
الإله: وماذا لو عاد وحارت به الظنون ؟
بترا: أيظن الظن فيه أن أشواقي المبتلة قد يجففها ريح أو علها تذيبها شمس تموز؟!
الإله: تمقتين الفكرة...( ضاحكا)..هكذا أنتن أيتها النساء، لكن الواقع يفوق كل الظنون...
يصمت لبرهة: اطمئني سيعود...
بترا: بفرح حقاً يعود...!!
تقترب: أيها الإله لماذا كلما غلقت العيون واحتضنتني وجدتك لحماً ودما ، يتقافز قلبك
فأشتم روائح دمك ... أنفاسك تعدو على صدري.. كخيل مسومة تأتي من بعيد ..
تذرو غبار القلب.. وتأخذه
يهمس: قرة عيني.. منْ لم يرَ بقلبه فهو أعمى !
( صدى صوت نبو يترائ لها .. تتفحص بعينيها المكان باحثة )
الإله: أحبيني يا بترا.. أحبيني أكن نبو العائد، أحبيني فأنا ما عدت أنا ، وما عاد إلإله الهي
- يتراءى لها نبو من خلف الإله( ذو الشرى ).
(بدهشة هستيرية ) نبو ..( ذو الشرى ).. نبو !
- أو تعلمين بحالي!!
تردد دون وعي : نبو ، ذو الشرى..لا أفهم ، لا أفهم ؟
- يقترب: لنصلي معاً...
تنظر( ذو الشرى) وتركع .. وما زالت على دهشتها !
( نيو يقطع رأس الإله .. يتدحرج الرأس على درج المعبد ، صوت تكسر الرأس
يحدث ضجيج )
- يمسك برأسها: أو نعبد ما تصنعه أيدينا؟! يضم رأسها الى صدره
- تصرخ...يضع يديه على فمها يسكتها .. أي إله هذا ويموت، يتكسر !
- يضمها إليه: إرحل أيها الخوف واترك جسد بترا فما عاد لك مأوى، يشدها إليه
- (تحتضنه وتبكي ماذا فعلت ب (ذو الشرى).؟)
نبو : دعي صوتك ليورق فيّ،ولنمزق هذا الساكن فينا ..
بترا: تدفن رأسها بين يديها ولا تتوقف عن النحيب ..
نبو :( يغير نبرات صوته بترا دمعك أفزع مضجعي .. )!
تبقى واجمة .. كنت هو ..كنت هو !!يا الهي (باستغراب شديد)
المشهد السادس:
( مشهد حواري يجمع بترا ونبو الغائب في المعبد )
نبوا:بترا ما زلت تحتبسين في أنفاسي تشعلينني بالضوء، يتحسس وجهها..
اشتقت لهذا الوجه .. وهذه العذوبة.. يقبلها
بترا: سلام على كل لمسة أضأت بها جسدي، وهمسة دفقت النور في عروقي،بل
وكل قبلة ما زالت تحوم على شفتي .. تباركني
نبو: سيعود كل شيء كما كان.. وأكثر
- بترا: ألن يأخذك الغياب مرة أخرى؟
نبو : - سنلتقي لقاءً أبدياً.. لا فراق بعده..
( مشهد عناق يجمع نبو والأميرة )
يتعانقان ...
صمت ..صمت
المشهد السابع
( مشهد حواري يجمع بترا ونبو في المعبد، كلاهما يرثي حاله دون الآخر، وهما بين المصدق وغير المصدق )
الزمان : منتصف النهار
بترا:وصلت سيولك سهولي وأنعشت القلب اليباس كم تحتاج روحي لحرثها ، وملْ
خرابها بالحب، وسد ثغورها بالحنان...
نبو: ليتني كنت شجرة في ظل دارك.. تقلمني أصابعك، تحنو عليّ..
لكنت أثمر كل الفصول... وكما تشتهي.. ليت هدأة الريح تحملك قمصاناً
إليّ.. يخلعني الموت ولا أخلعك..
بترا: ليت الزمن يعيدني إلى رحم أمي ويسقطني من بطنها دحنوناً على
طرقات دربك.. ليتني أنساني..وأعود بترا الطفلة إلى حضن أبي الحارث وأمي
شقيلا
- يمسح دمعها ..وصوته تحبسه الدموع ..فأنا ما عدت إلا من أجلك
- بترا: وكل هذه السنين؟!
- رغماً عني...
- بترا: أو تقسم
- أقسُم .. أقسُم.. بالله.. الأحد.. الصمد
بترا: الله.. الأحد.. الصمد ؟! يالهذا القسم ! ومن تراه الله الأحد ، الصمد ؟!
- نبو: خالقك، وخالقي، وخالق كل شيء ويعلم ما تخفي الصدور، يحيي ويميت
وهو على كل شيء قدير
- بترا: ومن دلك عليه؟!

كنت مفطوراً على حب الألهه، أجيء ( لذو الشرى ) أبثه همي، وأدعوه ، أدعوه ليقبل الحارث بي زوجاً لك، كبرنا، وكبر أخوتك.. صار الحارث.. وإخوتك همي، خضنا الحرب إلى جانب البطالمة وهاجمنا ميناء إيلا وكنت الساعد الأيمن للحارث
وكل هذا في سبيل عيون بترا ..
بترا: وأين كنت كل هذا الوقت..( باقتضاب) عاد الجند وما عدت؟
نبو: تخلفت عن الجند، لبعض شأني ، عدت إليهم فلم أجد أحداً، استغربت رحيلهم بهذه السرعة، تأخرت ولا أدري، سرت حيث الماء علني أجد أحدهم هناك،
مرت ساعات طويلة وأنا أسير دون أن أنتبه لنفسي إلا حين أسقطني التعب كنت ظامئاً
أبحث عن قطرة ماء، تلفت حولي فلم أرَ سوى ظلي ،وبينما أنا في تلك الحال إذ بجماعة
تجلس على مقربة مني أراهم ولا يرونني، راعني ما كانوا يفعلون، اقتربت،
رأيتهم يرفعون أكفهم للأعلى يدعون يا الله ثم يسجدون،، وعيونهم غارقة بالدمع،
هالني ما رأيت، فاقتربت أسأل وقد نسيت الجوع والتعب..
- قالوا نصلي لله
قلت : الله !
قالوا: الله الواحد الأحد، خالق السموات والأرض
- أحتاج أن أراه...
- أنظر... حولك تراه... !
- تلفت حولي باستغراب ..
- انظر السماء ، الأرض ، نفسك .. تراه في كل شيء، فهو خلقك... ثم يميتك... ثم يبعثك حياً...إنه الله.. وما انتصرت إلا بإذنه .. وقد كنت ميتا لولا أن هباك الله العمر...
لتعود أهلك وناسك...
نبو: وأين تراه يكون؟!
الجماعة: هو أقرب إلينا من حبل الوريد، ساكن السموات والأرض وكل شيء
- وألهتنا؟!
الجماعة: انظر...! نهض أحدهم وقطع رأس الاله ايل قائلاً: ما تراه فاعل الهك هذا
وقد قطعنا رأسه...؟! كل ما حولك مجرد وهم... هو الحقيقة الوحيدة أزلي الوجود
والكل فان...
- نبو: لا أريد الفناء..! !
- إذن اتبعنا...
حقاً مكثت في القوم ردهاً من الزمن أتعلم منهم
وكنت تكبرين فيّ يوماً بعد يوم حتى ضاق بك صدري ، فأتيت ‘ ورأيتك هنا
تعودين الإله وكما كنت أفعل .. اختبأت خلفه وحدث ما حدث ..
- تدفن رأسها بكفيها
يمسك بيديها: (يشير إلى صدرها)قائلا : هذا يعرف الله ..نعم إنه يعرفه .. اسأليه
بترا : وكنت أنت( ذو الشرى) تتنهد. . وتفعل بي كل هذا !!
نبو : إنها مشيئة الله..لقد تأخر الحارث أيضا..
وكأننا متفقان على العودة .. فأين كان كل هذا الوقت ..!!
ليته مثلي..يعود !
- بترا: طال غياب الحارث (وبحزن واضح): ولا أحد يدري عنه شيئا
ثم عاد اليوم.. لا أحد يدري كيف ولا من أين جاء .. فالفرح أسكت الناس السؤال ..
نبو : لن يطول الأمر وتسأل !! ليته عاد مثلي !!
تتنهد بعمق وعلى وجهها ابتسامة الرضا ..
نبو: يا قرة العين اقتربي... يغمز بعينه: تراه ذو الشرى كان حنونا عليك هكذا ، ويدعوك قرة العين؟!
( منظر الدهشة على وجهها وهي تكتشف أن الإله هو نبو الحبيب الغائب ، )
- وتفعل بي كل هذا! نبو ... ويحك!!
- مشهد للحبيبين وهما يتعانقان )
نبو : اقتربي يا حبق الروح..وزهرة القلب..اقتربي .. وتعالي .. تعالي نصلي
للرب الواحد..الأحد، الصمد..
(يركع الإثنان على الارض)
ويسجدان ..

(صوت الطبول ، وتهاليل الناس )
طبول تقرع ،أهازيج فرحة تطوق المكان ..الناس تهلل.. لعودة الحارث .



الشخصيات :
- الإله ذو الشرى
- بترا
- نبو
- الحصان
- الجواري
- الحارث
- زوجة الحارث
- مجموعة من الناس .


المكان : البترا
الزمان : زمن الحارثة الرابع