من ذاكرة الأسر.. صرخة من المناضل راسم عبيدات

ديمة جمعة السمان
2009 / 1 / 12

تنقل لقطات من حياة شهداء مع وقف التنفيذ.. تعيد الإعتبار لقيمة الإنسان والحرية..!!!
" نحن أمام أسرى يتحايلون على الزمن ويؤجّلون موتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.. يقاومون الحديد والتجاهل والإهمال وقوات القمع .. حيث يربون الأمل.. ويجترحون التفاؤل.. يقاومون بأسلحتهم الإراديّة ..جوعا .. صبراً.. قراءة.. يتسلحون بنبوءاتهم الأسطورية التي هزمت السجان أكثر من مرة وجعلت من السجون خنادق ومدارس ومكان ولادة جديدة للمقاومة وللحياة".
وقفت مليّاً عند تلك السطور المنتقاة من مقدمة كتاب " من ذاكرة الأسر" للمناضل راسم عبيدات ،حيث قدمه له الأخ عيسى قراقع .. وقد أحسن أخي راسم الاختيار.
كلمات تخترق العقول والقلوب .. وتتفاعل مع المشاعر والاحاسيس لتزيدها تأججا..تزيدها التهابا..فتصل لكل عصب في كل ضمير حي .. لتشعره بالتقصير تجاه شهداء مع وقف التنفيذ ..
تجاه أناس يقاومون بشراسة سحرية سياسة نزع الوطنية عنهم وإدراجهم في خانة الإرهابيين المجرمين..
تجاه أناس يطلبون كسائر البشر العيش بكرامة الإنسان الحر على أرض وفي دولة لها كامل السيادة ..
تجاه أناس يعيشون معاناة جسدية ونفسية وراء قضبان سجّان يدّعي الديمقراطية ..يعتبر نفسه فوق القانون.. وهو بالحقيقة بعيدا كل البعد عن القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية.
تجاه أناس أصرّوا على أن يكسروا عزلتهم .. ففتحوا شبابيك لا يراها السجان وتواصلوا مع المجتمع والناس.
"من ذاكرة الأسر".. كتاب ٌأهداه كاتبنا إلى الأسرى وإلى كل شهداء شعبنا الفلسطيني عامة.. وشهداء الحركة الأسيرة خاصة.. فهو توثيق لما يحدث داخل السجون..تسجيل لبشاعة ممارسات السجان.
تنقل صفحاته المعاناة الحقيقية خلف القضبان لأسرانا من خلال قصص حقيقية تتحدث عن يومياتهم .. لا يشعر بعذابها إلا من عاشها وخاض التجربة..وقد عاشها أخي راسم وسجّلها..ليلقي الضوء على ذلك الواقع المرير .. ويعيد الإعتبار لقيمة الإنسان والحرية.. التي تحولت إلى "رقم" ..لدى بعض من لا يدرك مدى حجم الخطر الذي بات بتهدد حياة الأسرى وأسرهم ومستقبلهم.. فهم لا يعلمون أن وراء كل أسير قصة .. وخلف كل باب بيت أسرةِ أسيرٍ معاناة.. قد تتحول إلى مأساة حقيقية..تزيد من حجم هموم الأسير وتشعره بعجز المُكبّل بسلاسل حديدية من الصعب كسرها.
لقد شعرت حقيقة بمرارةٍ يصعب وصفها عندما قرأت حتى الصفحة 117 .. وهي الصفحات التي خُصّصت بالكتاب عن قصص الأسرى وواقعهم المرير وأحلامهم ..
وبذكاء طعّمها الكاتب ببعض النهفات والمواقف الطريفة التي حصلت معهم.. لتكون "طُعما " بمثابة السكر المضاف للعلقم ليسهل بلعه .. فنجح.. ووصل .. وشربه القاريء برضاه .. دون مقاومة.. فضحك.. وضحك.. ليكتشف أنه كلما ضحك أكثر كلما ازداد تركيز طعم المرارة العالقة بحلقه.. والذي يزيد من شعوره بالعجز والتقصير بحقهم..خاصة نحو المرضى منهم.. فقد صدف وأن التقيت بالدكتور عبد الله أبو هلال ..طبيب والدة الأسير المريض محمد صالح خنافسة من أبو ديس.. المذكور في الكتاب (ص 100).. فتحدث د. عبد الله عن وضع أم محمد الصّحي .. حيث ارتفعت نسبة السكر عندها إلى درجة تنذر بالخطر.. وعندما لامها وسألها لماذا لا تلتزم بالحمية.. قالت تحترق: عن أية حمية تتحدث يا بنيّ..فأنا لم أتناول الطعام منذ أسبوع.. منذ آخر زيارة لمحمد.. فلا يوجد عندي شهية لتناول أي طعام.. فقد انخفض وزن ابني من 135كغم إلى 70كغم.. مرضه يستفحل ..أراه يذوب أمامي كالشمعة وأنا عاجزة عن فعل أي شيء لإنقاذه.."
صرخة من قلب أم ينزف على ابنها..فهل من مجيب..!!

أما بقية صفحات الكتاب .. حتى آخر صفحة في الكتاب(ص 186) ، فقد تناولت بعض المقالات السياسية التحليلية..والتي تتحدث بمجملها عن الأسرى وتعذيبهم والوسائل الحقيرة من قبل السجان معهم..وعن اعتبارهم وفق القانون الإسرائيلي المخالف لكل الأحكام والقوانين الدولية (مقاتلين غير شرعيين) .. وبهذا لا يعتبرونهم أسرى حرب . كما يتحدث أخي راسم ( أبو شادي) عن حقوق أسرانا.. وواجبنا نحوهم، ويستصرخ الحكومة بإدراج قضية الأسرى على قمة سلم أولوياتهم..ويدعوهم لإيجاد وسائل وطرق مجدية لتحرير أسرانا البواسل.
كما ويؤكد أن هناك إجحاف فلسطيني غير مبرر بحق أسرى 48، حيث تم التسليم بالشروط والمواقف الإسرائيلية ،بأن أسرى شعبنا الفلسطيني من مناطق 48 هم جزء من دولة إسرائيل، وبالتالي لا يحق للسلطة التكلم باسمهم .. وهكذا لا يتم شملهم في أية عمليات إفراج في إطار التفاوض مع السلطة الفلسطينية.
وتحدث عن مبادرات حسن النوايا من طرف واحد.. وعن صفقات التبادل.
ولم يغفل ( أبو شادي) عن التطرق لرحلة عذاب أهالي المعتقلين الذين يتوجهون للسجون لزيارة أبنائهم..فقد تحدث بإسهاب عن ذلك المسلسل الذي وصفه بالمعاناة المتواصلة..فهم يُتركون تحت حر أشعة الشمس اللاهبة ساعات وساعات في ساحة المعتقل صيفا.. وزمهرير برد الشتاء القارص شتاءاً.. كما أشار إلى مزاجيّة السجان، ومنها ما يخص السماح لأهالي المعتقلين وأطفالهم بالتسليم عليهم.

فتحيّة لجميع أسرانا البواسل الذين يمتلكون الإرادة ويختزنون الطاقة.. والذين يؤمنون بعدالة قضيتهم وحتمية انتصارهم وتحررهم.. فهم يدرسون ويطوّرون من خططهم وبرامجهم وأساليبهم التي تمكنهم من التغلب والإنتصار على إدارات السجون وهزيمتها في هذه المعارك النضالية.( كما جاء في الكتاب ص178).
وتحية لأسرانا البواسل الذين ترفعوا عن الفئوية..و توحدوا تحت راية العلم ..ودعوا إلى الوحدة الوطنية .. وخرجوا بوثيقة الوفاق الوطني. فهم يؤمنون بأنها الطريق المعبد نحو الحرية.
فلنتبنى وثيقتهم.. ولنمشي في طريقهم.. علّنا نفتح بها أبواب النّصر والحرية .
تحيةً لمبادرة أخي راسم الأسير المحرر ..
تحيّةً لكل مبادرة .. ولكل مؤسسة تسعى وتعمل من أجل إطلاق سراح أسرانا والعودة بهم إلى دفء أجوائهم العائلية.. خاصة المرضى منهم.. فقد قدّموا الكثير .. وجاء دور الفرد والمؤسسة لتفعيل الشارع الفلسطيني والعربي.. ومناشدة جميع المؤسسات الدولية والإنسانية .. التي تعنى بحقوق الإنسان ..لتأخذ دورها..وتقوم بواجبها تجاه أناس يدافعون عن حقوقهم وحقوق شعبهم ووطنهم..
فلتتشابك الأيدي .. ولنقف وقفة رجل واحد.. نشنّ حملة إعلامية واسعة مدروسة لإطلاق سراح أسرانا الأبطال.
معا.. لن نضلّ الطريق ..وسنصل بإذنه تعالى إلى طريقنا المنشود.