محادثة صباحية مع ناصر عطالله

رانية مرجية
2009 / 1 / 2

محادثة صباحية مع ناصر عطالله

تردّدتُ كثيرا قبل الاتصال بالشاعر والأديب الفلسطيني "ناصر عطالله"، والذي يعيش بغزة هاشم، لأني لم أكن أريد أن أصدَم أو أسمع خبرا، قد يعكّر صفو حياتي، ليس أني أشعر بخير وغزة تنزف دمًا وألمًا وتحترق أمامي، ولكني أحاول أن أتعايش مع الوضع من خلال الاشتراك، وتنظيم المظاهرات الاحتجاجية بالرملة واللد وتل أبيب، هذا أقل ما يمكن عمله بالمرحلة هذه، وبعد أن طمأنني على أسرته سألته عن صديقتي الشاعرة منال خميس، والتي انقطعت أخبارها فجأة، وافاني بخبر استشهاد سِلفها.
لكن كيف/ ولماذا/ وهكذا....
دون تفكير قلت له: لمَ لا تنتقلون للحياة برام الله، فمدينة رام الله أكثر أمنا.
أجابني: وهل يستطيع مليون ونصف فلسطيني الانتقال هكذا من غزة لرام الله؟
لم أستطع إكمال الحديث معه عبر الهاتف، فكلي بدأ يرتجف، وفكرت كيف عساني أصل لغزة هاشم الآن، بل واليوم، لأبحث عمّا تبقى لي بغزة!
بدون تفكير اعتمرتُ بالحطة، الكوفية الفلسطينية، ووضعت بطاقة الصحافة الحكومية بجيبي، والقليل القليل مما تبقى معي من نقود، وبعض الحلوى والملابس والطعام والهدايا الرمزية والبالونات، وقررت أن أقضي اليوم مع أطفال غزة، ممّن يتلقون العلاج بأحد المشافي الإسرائيلية في تل أبيب، والذي بات يربطني بأغلبيتهم علاقة ود وصداقة!
وبما أني لا أملك رخصة قيادة، ولا حتى رخصة للركوب على حصان أو جمل أو دراجة أو حتى حمار، فكان من الطبيعي جدا أن أستقل سيارة أجرة للمحطة المركزية بتل ابيب، ومن هناك علي فقط أن أنتظر باص 37 ، ليوصلني للمستشفى.
ورغم أني أسافر كثيرا عبر المحطة المركزية، لم يتمّ أبدا توقيفي أو تفتيشي، إلا أن هذه المرة كانت مغايرة، فقد طلبت مني واحدة من المسؤولين عن الأمن خلع جاكيتتي للتفتيش الدقيق!
سألتها: أمِن أجل الحطة الفلسطينية التي أعتمرها هذا التفتيش؟
قالت: نعم وهذه وقاحة، أنت في دولة إسرائيل.. بطاقتك أين؟
أخرجت لها بطاقة الصحافة!
قالت: ألا تخجلي من التعاطف مع العدو وأنت إسرائيلية؟
تابعت السير، فأنا لا أملك وقتا لأضيعه على أمثالها!
وصلت المستشفى، ووزعت ما معي من حلويات وهدايا على الأطفال الفلسطينيين، وأثناء ذلك، وأنا أوزّع الهدايا، مرّ بجانبي طفل يهودي وطلب بالونا، أعطيته بالونا وابتسمت، فهو طفل، ولا يُقال لا لطفل.
لكن...
تساءلت في سرّي، وبسمة تملأ وجهي بلبلة:
هل يا ترى، هذا الطفل اليهودي عندما يتعافى ويكبر، سيتجند ويقتل طفلا فلسطينيا، أو ربما يقتل مَن جاوره في غرفة المستشفى حين كانا مريضين؟