التسرب الأوروبي المبكر إلى الشرق العربي

ناظم الديراوي
2008 / 6 / 13

نعمة الامتيازات(Capitulations)،التي منحها السلطان العثماني بايزيد الأول(1389-1402)ومَنْ تبعه مِن سلاطين وتمتع بها الأجانب على أراضي السلطنة العثمانية،انقلبت إلى سلاح ٍماضي بيد الدول الأوروبية المتطورة للتغلغل في ولايات السلطنة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً،وتحويلها شيئاً فشيئاً إلى دولة نصف مستعمرة ومنطقة نفوذ لكبريات تلك الدول(4،ص7).وبفضل تلك الامتيازات تسربت الرَّساميل الأجنبية بمختلف أشكالها؛من سلعية ونقدية وإنتاجية،كما كانت عاملاً هاماً في تأخر تركيا عن ركب الحضارة الأوروبية وفي عرقلة نمو العلاقات الرأسمالية وفي توطيد أُسس العلاقات الإقطاعية في ولايات السلطنة،وتدعيم الحكم البيروقراطي(4،ص7).
وقبل إبرام المعاهدات الأولى بين السلطة العثمانية وبعض الدول الأوروبية جرى التعامل مع رعايا السلطنة من غير الأتراك والمسلمين وفق نصوص نظام(المُلة)،الذي(صنف هؤلاء الرعايا"أهل الذمة"تصنيفاً لا يقوم على أساس الجنس أو القومية أو اللغة،بل على أساس المذهب الديني الذي يدينون به)(6،ص60).ووقتئذ كان يطلق على كل مذهب ديني،على أراضي السلطنة العثمانية(مُلة).أي تنظيم أهل الذمة طوائف مستقلة استقلالاً جزئياً(*).وعن تأثير هذا النظام على العلاقات الدينية والدنيوية بين رعايا السلطنة كتب المؤرخ فيليب حتي؛أن نظام(المُلة)أعاق اختلاط الطبقات وحال دون الوحدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد.ما جعل السلطنة العثمانية تبدو وكأنها مكونة من مجموعة من الطوائف المستقلة استقلالاً ذاتياً مع وجود شقة واسعة تباعد بين الفئة الحاكمة من جنود وموظفين وعلماء وبين الفئة المحكومة من فلاحين وتجار وأصحاب مهن(3،ص17).
والغريب أن النظام الذي(باعد بين الفئة الحاكمة والمحكومة)لم يمنع كل مُلة من استعمال لغتها وممارسة عقيدتها وتطوير نظمها الثقافية وجمع الضرائب ودفع ما يخصها إلى خزينة السلطان.والأهم أن الغالبية الكبرى من الشعوب البلقانية فضلت هذا النوع من الاستقلال الذاتي،الذي تتمتع به تحت الحكم العثماني على القيود والاضطهادات التي كانت تعاني منها إبان حكم أُسرة الهايسبرج(6،ص60).
نظام الامتيازات..
منذ منتصف القرن السادس عشر ساد،في ولايات السلطنة العثمانية،(نظام الامتيازات)،الذي طُبق على الأجانب من رعايا الدول الأوروبية،وخاصةً التجار المقيمين في القسطنطينية(6،ص61).ففي بادئ الأمر كان هذا النظام بمثابة تسهيلات يمنحها السلطان العثماني طواعية إلى التجار الأجانب وكان باستطاعته سحبها في أي وقت شاء(8،ص21).وذلك تشجيعاً لهم على الإقامة والتجارة واستثمار أموالهم في المعاملات الاقتصادية.ومن هذه التسهيلات والضمانات محافظة الدولة العثمانية على أموال الأجانب وأرواحهم ومنحهم حق الرجوع في شئونهم التجارية والشخصية وكذلك في منازلهم المدنية إلى قناصلهم،مع احتفاظ الدولة العثمانية بحقها في تطبيق القوانين الجنائية عليهم(5،ص119).واتخذت تلك الامتيازات صور معاهدات،بدأت بالقليل ثم انتهت بالكثير الخطير.وبانت مشكلتها عندما أخذت الدول الغربية تُطالب الدولة العثمانية بالاحتفاظ بامتيازاتها في المناطق التي انتقلت من أيدي الروم إلى أيدي الترك آثر استيلاء هؤلاء على الإمبراطورية البيزنطية(4،ص7).
ووقتذاك عاشت كل مجموعة من هؤلاء الأجانب طبقاً لما نص عليه في المعاهدات الرسمية التي أبرمتها الدولة العثمانية مع حاكم الدولة التي تنتمي إليها هذه المجموعة(6،ص61).ومنذ البداية،عملت السلطات العثمانية على تنظيم إقامة الأجانب داخل أراضي الإمبراطورية.إذ عقد كل من بايزيد الأول(1389-1402)،ومحمد الأول(1413-1421)،ومراد الثاني(1421-1451)اتفاقيات مع البندقية وجنوه(6،ص61).خولت التجار الإيطاليين(الإقامة في مدن الإمبراطورية العثمانية وتعاطي التجارة وأباحت لهم ممارسة طقوسهم الدينية)(8،ص21).وفي عام(1453)منح السلطان محمد الثاني سكان جنوب غَلَطَه،الذين التزموا الحياد إثناء حصار القسطنطينية من قبل القوات العثمانية،شروطاً للصلح ملائمة؛ضمنت لهم حرية العيش والتملك،لقاء تسليمهم أسلحتهم،كما ضمنت لهم حرية التجارة،مقابل أدائهم الضرائب القانونية المكوس كافة(2،ص432).كما ووقع السلطان سليمان القانوني(1520-1566)معاهدة مع سكان البندقية عام(1520)،أضافت امتيازات جديدة إلى تلك الامتيازات(ثلاثين امتيازاً)التي كانت تتمتع بها أيام الدولة البيزنطية قبل سقوطها عام(1453)(3،ص17).وفي عام(1604)عُقدت اتفاقية بين السلطان العثماني وأهالي البندقية،التي رخصت لهم التجارة تحت حماية علمهم الخاص(8،ص21).
مخاطر الامتيازات..
بعد مضي خمس عشرة سنة على الاتفاقية العثمانية-الإيطالية،حصل فرنسيس الأول ملك فرنسا،سنة(1535)، من السلطان سليمان القانوني على أقدم امتيازات لدولته على أراضي السلطنة العثمانية ما جعل(العلاقات الفرنسية-العثمانية تتسم بالودية) (1،ص323).وبفضل هذه الاتفاقية يكون الفرنسيون قد سبقوا الإنجليز في الحظوة عند السلطان العثماني.الامتيازات الفرنسية تم تثبيتها في معاهدة الامتيازات الكبرى(Treaty of the Capitulations)،التي وقعها سليمان القانوني مع فرنسيس الأول وكانت(في الأصل معاهدة للتعاون والصداقة موجهة ضد الهايسبرج)(6،ص61).وبمقتضاها حصل الفرنسيون على حقوق ومزايا عديدة سميت فيما بعد بالامتيازات(6،ص61).وحينذاك مُنح رعايا فرنسا الحق في حرية الملاحة في المياه الإقليمية للدولة العثمانية،وممارسة البيع والشراء بحرية تامة وتحديد الرسوم الجمركية بنسبة موحدة ومقررة هي(5%)،وإعفاء الرعايا الفرنسيين من دفع أية ضريبة أخرى(مهما كان أسمها)وقُيَّدَ هذا الإعفاء بشرط إقامة الفرنسيين في أراضي الدولة العثمانية عشر سنوات متوالية.كما تقرر إعفاء الرعايا الفرنسيين من الخضوع للقضاء العثماني وقصر خضوعهم على القضاء الفرنسي في القضايا المدنية والجنائية و(كانوا مخولين بالمقاضاة أمام قضاة من ملتهم،وكانوا من أجل ذلك يقيمون في تركيا ويعينهم ملك فرنسا)(1،ص323).وتتم المحاكمات في دور القنصليات الفرنسية.وسمح لهم ببناء خان يقيمون فيه دون سواهم ويودعون فيه بضائعهم،على أن تخصص بجوار الخان أرض لدفن موتاهم،إلى غير ذلك من امتيازات تقررت في هذه المعاهدة لرعايا فرنسا(6،ص61-62).وبمقتضى معاهدة(1535)أصبحت فرنسا تدعي حق حماية المسيحيين الكاثوليك في بلاد السلطان(5،ص119).يتبع..
المصادر
1- بالمر،روبرت،تاريخ العالم الحديث،الجزء الأول،ترجمة:د.محمود أمين.بغداد/1964.
2- بروكلمان،كارل،تاريخ الشعوب الإسلامية،ترجمة:نبيه فارس ومنير البعلبكي،طبعة:8.بيروت/1979.
3- حتي،فيليب،خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى،الجزء الثاني.بيروت.
4- د.السباعي،بدر الدين،أضواء على الرأسمال الأجنبي في سوريا(1850-1958).دمشق/1967.
5- د.عبد الكريم،د.البطريق،د.أبو الفتوح،تاريخ العالم العربي في العصر الحديث.مصر،بدون تاريخ إصدار.
6- د.عمر،عمر عبد العزيز،تاريخ المشرق العربي(1516-1922)،بيروت/1985.
7- د.محافظة،علي،موقف فرنسا وألمانيا وإيطاليا من الوحدة العربية(1919-1945).بيروت/1985.
8- لوتسكي،فلاديمير،تاريخ الأقطار العربية الحديث.موسكو/1971.
*- كانت الملتان الكبيرتان الرئيستان في السلطنة العثمانية هما؛الإسلام وملة الدم الأرثوذكسي،التي كانت أهم ملة غير إسلامية في الدولة العثمانية،تليها ملة الروم الكاثوليك،وكانوا أقل شأناً من الأرثوذكس،ثم الملة الثالثة وهي ملة الأرمن وأخيراً ملة اليهود.وكانت الحكومة العثمانية تعترف برئيس الملة،الذي يعتبر مسؤولاً عن تطبيق شرائع الأحوال الشخصية على أفراد طائفته لدى السلطة.هذا ولم تطبق القوانين الإسلامية المتعلقة بالزواج والطلاق والإرث والتبني على غير المسلمين،بل كانت المحاكم المذهبية تعني بهذه الأمور.(للمزيد أنظر؛د.عمر،عمر عبد العزيز،مصدر سابق.ص60.