كنز الثقافة الروسية(2)

ناظم الديراوي
2008 / 5 / 20

تحتل أعمال فناني النصف الأول من القرن التاسع عشر،الذين انشغلوا في رسم الأحداث التاريخية والتحولات الاجتماعية والسياسية في روسيا،حيزاً بارزاً بين معروضات المتحف الروسي(The Russian Museum)إذ كانت الغلبة للاتجاه التاريخي الواقعي في الوسط الفني الروسي بفضل ما حققه من ازدهار مرموق،الأمر الذي بان في إبداعات أساتذة(المدرسة الأكاديمية).هذا ما يلاحظه الزائر في لوحات عباقرة الفن الروسي كبروني(موت كاميللي)وكارل برولوف صاحب اللوحة الأكثر شهرة(اليوم الأخير لبومبي)،التي أنجزها عام(1833)بعد عمل مُضني،استغرق ثلاث سنوات،في متحف(الارميتاج)،و(الحصاد)و(إقطاعية منشغلة في شؤون البيت)لفينتسيانوف… أما لوحات الفنان فيدوتوف وتحديداً (خطوبة ضابط)و(عشيق جديد)،فَيتسمان بالاتجاه(الغوغولي)التشهيري في فن الرسم.كما وحاول الفنان إيفانوف في لوحته الروحانية(عودة المسيح إلى الناس)أن يعبر عن اليقظة الروحية لدى الشعب الروسي.وأيضاً تعرض(بورتريات)من إبداع الفنانين كيبونيسكي وفوروبيوف،إضافة إلى منتخبات من أعمال نحاتي روسيا في هذه المرحلة مثل بيمينوف(هرقل وآنتي)ميخائيل كزلوفسكي(أورلوفسكي).
وتدخر صالات ورواق المتحف إبداعات رواد الاتجاه الواقعي(الذي طغى على غيره)الذين أحرزوا نصراً حاسماً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في الفنون الجميلة.والمعروف أن هذا الاتجاه تشكل بعد انفصال نخبة من الفنانين،في العقد السابع،عن الأكاديمية(الرجعية)وأسسوا عام(1870)جمعية(المعارض الجوالة)التي رفدت الفن الروسي بروائع نفيسة لعل أبرزها أعمال الفنانين؛ بيروف(جنازة فلاح)و(الثالوث)،وكرامسكوي(الحزن الذي لا يعزى)واللوحة التراجيدية(بطرس يستجوب الأمير ألكسي).ويكتنز المتحف باعتزاز،اللوحات البهية لنابغة الفن الروسي ريبين منها؛(اجتماع)و(اعتقال محرض)و(إيفان الرهيب)و(النواخذة على نهر الفولغا)… أما لوحات الفنانين المبدعين شيشكين وسافراسوف وفاسيليف فتنقلنا إلى طبيعة روسيا الخلابة والآسرة.أيضاً يمكن مشاهدة أعمال الرسام سورياكوف(إخضاع سيبيريا من قبل يارماك)و(عبور سوفوروف الألب)و(ستيبان رازين)ومنحوتات الفنان كامينسكي... عوالم ومواضيع وأشكال جديدة وأساليب أكثر تعبيرية ذات طابع(مؤدلج)كعطاء طبيعي لتفاقم حدة الصراع الاجتماعي والسياسي وتعاظم نفوذ الحركة الثورية في روسيا وشيوع تداول مؤلفات الأدباء والنقاد والمفكرين والثوريين الروس بين عامة الناس،ونخص بالذكر:بوشكين،ليرمونتوف، دوبرولوبوف،تشيرنيشيفسكي،غوغول،دوستويفسكي،تولستوي،سالفيوف،بيرداييف،سالطيكوف–شيدرين بولغاكوف،تورغينيف،تشيخوف،بيليخانوف،غوركي وغيرهم الكثير.الأمر الذي ساهم فعلياً في إنضاج الوعي الاجتماعي والسياسي وترك آثراً مباشراً على معارف وميول فناني ذلك العصر مما عجل في ظهور جمعيات للفنون الجميلة منها:اتحاد الفنانين الروس،اتحاد الوردة الزرقاء،جمعية عالم الفن…كما وتدخر مجموعات المتحف لوحات النابغة سيروف المبدع في فن(البورتريت)،والفنان ليفيتان(بحيرة)،والفنان فروبيل(مارد الطائر)،والفنان كوستودييف(التاجرة)،وليبيتروف-فودكين(آلام)،والفنان إلتمان(أخماتوفا).
ونقرأ في معروضات الفن السوفيتي(أكثر من 250لوحة)الخصائص الإبداعية لدى فناني ما بعد ثورة أُكتوبر،حيث لم يعد من الصعوبة معرفة عالم الفنان وميوله سيما وأنه اقترب في أدواته التعبيرية من تجسيد حركة الواقع الاجتماعي وتفاعلات الحياة الأخرى،وبدأت تتشكل تدريجياً خصائص مميزة لاتجاه الواقعية الاشتراكية.والواقع أن هذا الاتجاه لم يرسخ في الفن والأدب السوفييتي إلا بعد مرحلة الثلاثينات.وكان منهج الواقعية الاشتراكية يتطلب التصوير الصاف والمعلل تاريخياً لكينونة الواقع وتفاعلاته الثورية،إذ تغير مفهوم البناء الاجتماعي– الثقافي وتم الإطاحة بقيم ومفاهيم وتصورات بالية فَلسفتْ وقائع التأريخ وأحداثه بما يتجانس مع روح وقيم الاديولوجيا الجديدة..وأغلب الأعمال الفنية لهذه المرحلة تؤرخ مسيرة الحركة الثورية الروسية.هذا ما نشاهده في رسومات؛روبلوف(لينين على الخليج الفنلندي)وإيفانوف(العائلة)..وأعمال موخينا(العامل والفلاحة الكولخوزية)،وأنيكوشين تمثال(بوشكين)وأندرييف...
وتضم مجموعات فن الزخرفة والأعمال التقليدية نماذج منوعة من إبداعات فناني روسيا في العصور الوسيطة والحديثة.وتغلب أعمال الزخرفة والنقش على الخشب والأقداح وباقي الأدوات المنزلية والتزيين المعماري(حاز هذا اللون الفني على انتشار واسع آنذاك،وكان كغيره من الفنون سخر لخدمة مصالح وعقائد الكنيسة الأرثوذكسية)على غيره من المعروضات.وقد اتسمت الزخرفة والنقش بفخامتها وروعة ألوانها وتعبيراتها السيكولوجية القاسية في وجوه القديسين..ونلاحظ أيضاً تماثيل فريدة لأبرز معماري ونحاتي تلك العصور ومنهم فاسيلي يرمولين الذي صمم جدران الكرملين ونحت تماثيل من الصخر.
كذلك تُعرض في المتحف مصنوعات فخارية وزجاجية تنتسب إلى فترات زمنية مختلفة،وآثار رائعة من الفن التطبيقي مثل؛الحفر على الخشب والعظام والمصوغات والتطريز وأواني منزلية في غاية البهاء.وكلها تشهد على المهارة العالية للصناع(الفنانين)الروس.وتجسدت الزخرفة والأعمال التقليدية،في القرنين الثامن والتاسع عشر،في إبداعات؛فروبيل،وسوموف،وسيروف.كما نشير إلى إرث النحات البارز (شوبين)،واضع أساس النحت الروسي الواقعي.حيثُ لا تزال تماثيله القيمة تزين أكبر متاحف روسيا ورابطة الدول المستقلة.ومنها تمثال نصفي للعالم الروسي ميخائيل لومونوسوف وآخر لرومانتسوف...
وفي صالات أخرى عُرضت فخاريات دعائية تعود إلى الأعوام الأولى من ثورة أكتوبر وأيضاً أعمال زجاجية من إبداع الفنانة المشهورة فيرا موخينا ونماذج رائعة من مصنع الفخار في لينينغراد.
وتتحدث محتويات الفن الشعبي التي تزيد على(1500)قطعة فلكلورية،تعكس مراحل تطور الفن الفلكلوري الروسي منذ القرن السابع عشر وحتى وقتنا الحاضر،عن صنائع وتقاليد وخصائص وطراز حياة الشعب الروسي...
وأخيراً،رغم زياراتي الكثيرة للمتحف ومطالعاتي عنه،تظل معارفي ضئيلة إزاء هذه الثروات المعرفية والثقافية والفنية الهائلة التي يكتنزها المتحف الروسي في خزائنه وقاعاته ورواقه وفوق جدرانه البهية...