كنز الثقافة الروسية

ناظم الديراوي
2008 / 5 / 18


المتحف الروسي الكبير حافظة نفسية للثقافة الروسية،وأحد أهم المراكز الثقافية التنويرية في روسيا.تأسس المتحف عام(1895)،كأول مؤسسة روسية لحفظ وعرض كنوز الفن الروسي،وفتحَ أبوابه للزائرين عام(1898)،وفق مرسوم أصدرهُ القيصر نيقولاي الثاني(1868-1918).وتذكر المصادر أن الحكومة الروسية قررت قبل ذلك تشييد بناية خاصة بالفن الروسي تحت إشراف أكاديمية الفنون،لكن سرعان ما صرف النظر عنها ووقع الاختيار على قصر الأمير ميخائيل بافلوفيتش(1798-1849)الابن الأصغر للقيصر بافل(بولص)الأول(1754-1801).
قصة بناء القصر تعود إلى يوم ميلاد الأمير ميخائيل،حيث شرعت الأسرة الحاكمة بتوفير أموال خاصة بالأمير لبناء قصر له.ومع حلول عام(1819)دُشنَ القصر وحسب تصميم المعماري الشهير(الإيطالي الأصل والروسي النشأة)كارل روسّي(1775-1849)صاحب تصاميم قصور شهيرة في مدينة بطرسبورغ.ويُذكر أن تكاليف بناء القصر،الذي أنجز عام(1825)،بلغت سبعة ملايين روبل..وبعد وفاة الأمير ميخائيل ورثت زوجته يلينا القصر،بعدها تحولت ملكية القصر إلى ابنتهما الأميرة يكاترينا.وفي عام( 1895)أُلحقَ القصر بأملاك الدولة القيصرية وآنذاك اختير ليصبح خزينة كنوز الفن الروسي.
في البداية سُمي بمتحف القيصر(أليكسندر الثالث)وتألفت مجموعاته الأولى من روائع أعمال عمالقة الفن الروسي،التي جلبت من متحف(الأرميتاج)وأكاديمية الفنون الروسية وقصور القياصرة.،وآخذ عليها النقاد أنهاعُرضت بطريقة عشوائية وليس حسب التتابع الزمني لمراحل تطور الفن الروسي ولا حسب مدارسه واتجاهاته،كما وغابت إبداعات مشاهير الفن الروسي.استمر حال المتحف على ما هو عليه حتى انتصار ثورة أكتوبر(1917)،التي قادت تغييرات جوهرية ملموسة في حياة المتحف ودشنت مرحلة تاريخية جديدة،وخلقت ظروفا ًمناسبة لنمو عاصف في محتوياته.وحينئذ تضاعف عدد اللوحات والايقونات والتماثيل والأثاث والأزياء عدة مرات وعُرضت بترتيب في غاية الدقة مراعياً التتابع الزمني لظهور وتطور المدارس والتيارات الفنية الروسية.ولأجل أن يقتني المتحف إبداعات فناني روسيا الكبار،ليصار إلى عرضها بطريقة علمية متناسقة،رصدت الحكومة السوفيتية ثروات طائلة لهذا الغرض،حتى غدى المتحف وبحق واحداً من متاحف العالم العظام.
واليوم تكتنز قاعاته التي يربو عددها على المائة وخمسين أكثر من(400)ألف قطعة فنية منتقاة،تعكس مراحل تطور الفن الروسي منذ بداية القرن الحادي عشر وحتى وقتنا الحاضر.ويحتوي على لوحات تعبيرية ورسوم الغرافيت وتماثيل وتحف فنية وايقونات فريدة وآثار نادرة في غاية البهاء والرونق،إضافة إلى النقوش والزخارف التي تزين جدران المتحف.
تتوزع محتويات المتحف الروسي على عشرة أقسام رئيسية تكتنز نفائس الفن الروسي الأصيل.والمهم أن وظيفة المتحف لا تقتصر على عرض الإبداعات الفنية فحسب،وإنما يُعد مركزاً هاماً لصيانة وترميم النتاج الفني.وفيه تجري دراسات وأبحاث للظواهر الفنية.وتقام في قاعاته الرائعة معارض للفنون الجميلة،كما تنظم بين جدرانه ندوات ومحاضرات ودورات تعليمية..رتبت أقسام المتحف حسب المراحل التاريخية التي اجتازها الفن الروسي بمختلف اتجاهاته التعبيرية منذ العصر الوسيط وحتى وقتنا الحاضر،وتم عرض ثروته على مئات القاعات والرواق،شملت طوابق القصر كاملة إضافة إلى القصور الملحقة بالمتحف:
في قسم رسومات روسيا القديمة تعرض آثار العصر الوسيط وتشمل الصور الحائطية والفسيفساء ومجموعة هائلة من الإيقونات أبرزها:إيقونة(مريم العذراء)وإيقونة(إيفان وغريغوري وملاسي).كما تعرض إبداعات جماعة(أكاديمية الفنون المسكوبية في القرن الخامس عشر)ومنهم الرسامين العبقريين فوفان غريك وأندريه روبلوف وأتباعهما.في هذه الرسوم تمتزج،في رأي ناقد روسي،الفخامة بالدرامائية وتناسق الألوان الزاهي بالنزعة الإنسانية،وعبر وجوه القديسين في اللوحات يرنو إلينا أناس ذلك العصر الأحياء بملامح وجوههم الروسية الخالصة.وتعد إيقونات الرسام النابغة روبلوف وخاصة؛(الرسول بطرس)و(الرسول بولص)ولوحته الشهيرة(الثالوث)تُحفاً شامخة من بين رسومات عصر النهضة.هذا وكان لروبلوف تأثير هائل في تطور اتجاهات الفن الروسي في عصر النهضة وما بعدها،إذ لاقى،في هذه المرحلة،رسم صور التَّزيّن الصغيرة انتشاراً واسعاً في مدن روسيا،وقام الرسامون بتزيين المخطوطات بمئات الصور والرسومات الملونة الزاهية،وزخرفوها بكائنات خرافية.كذلك يمكن مشاهدة رسومات القرن السابع عشر،التي تميزت باشتداد الميل نحو الوصف الواقعي للحياة،ويتجسد هذا،بصورة ملحوظة وبأروع ما يكون،في إبداعات الرسام المعروف(سيمون أوشاكوف)الذي سعى إلى تجسيد الواقع تجسيداً فنياً نيراً منشرحاً وقريباً من الطبيعة نفسها.،
هذا وتتميز نماذج فن القرن الثامن عشر بالطابع العلماني الذي وسَّم الثقافة الروسية،آنذاك،نتيجة التحولات التي طالت البناء الاقتصادي والاجتماعي في روسيا،وتحديداً في النصف الأول من القرن الثامن عشر،حيث أدخلت(المانيفاكتورات)وشيدت القنوات والقلاع وتطور التكنيك الحربي وصناعة السفن والعمارة.هذه التحولات أعطت دفعاً قوياً لانتشار التعليم المدني والمعارف العلمية،ووضعت إصلاحات بطرس الكبير أساساً لتطوير الكثير من فروع العلم والتكنيك في روسيا وعززت العلاقات الثقافية مع بلدان غرب أوروبا والشرق.هذه العوامل مجتمعة ساهمت في ازدهار وتجلي الاتجاه التصويري في الرسم(البورتريت).ويعد الرسامان نيكيتين وأرغونوف رواد هذا الاتجاه،وأولا من رسما صور شخصيات سياسية اجتماعية.ومن اللوحات التي رسمها نيكيتين لوحة(بطرس الأول)و(نابولني كتيمن)وكلاهما ظهرتا إلى النور عام(1720).كما يمكن مشاهدة لوحات محفورة للفنان النابغة زوبوف،التي تصور مناظر بطرسبورغ ومشاهد من حروب روسيا.
ورغم أن الفنانين الروس عملوا في ظروف قاهرة وتعرضوا للملاحقة من طرف الوجهاء والسلطات القيصرية إلا أنهم أبدعوا آثاراً خالدة وأسسوا(الاتجاه التصويري)ووضعوا بداية موفقة للّوحات الفنية المحفورة والرسومات الفسيفسائية..يتبع