حملة نابليون في الفكر العربي المعاصر

ناظم الديراوي
2008 / 5 / 6

رغم مرور قرنين على حملة نابليون بونابرت على مصر وبلاد الشام(1798-1801)،لم يكف المؤرخون والساسة العرب باختلاف انتماءاتهم المعرفية والفكرية عن دراسة حيثيات وطبيعة الحملة الفرنسية وتأثيرها على أحوال ومستقبل العالم العربي والإسلامي.ويمكن أن نرصد في أعمالهم تقويمات واجتهادات متباينة في منطلقاتها ومتعارضة أحياناً.فالبعض يرى أن حملة نابليون قد أثرت في حياة مصر وأحوال الشرق العربي عموماً تأثيراً عميقاً،أدى إلى انقلاب حقيقي ونهضة فعلية.بل غالى بعضهم في تقدير وتبجيل هذه الحملة العسكرية إلى حد القول؛بأن الفتح الفرنسي لمصر كان كفتح الاسكندر للشرق سواءً بسواء،كان خطوة بالحضارة إلى الأمام(1).فيما ينفي آخرون وجود أية آثار إيجابية للحملة ويجزموا بأنها(كانت مجرد حملة عسكرية استعمارية مقرونة بحكم عسكري عنيف،انتهت بفشل تام،بعد أن استمرت ثلاث سنوات،مضت كلها بين الحروب والثورات والاعتقالات،والمظالم والتعسفات)( 2).والواقع،منذ بداية القرن التاسع عشر،أثار موضوع تأثير الحملة الفرنسية على أحوال الشرق العربي جدلاً حاداً في الخطاب العربي والإسلامي الحديث والمعاصر بمختلف مدارسه ومشاربه الفكرية والسياسية.وإلى اليوم ظلت أراء وأحكام المؤرخين والمفكرين العرب المشتغلين بالفكر السياسي والاجتماعي والعسكري للحملة الفرنسية وتفاعلها مع حالة ومظاهر النزاع السياسي والتصادم العسكري بين الدول الكبرى على الساحة الأوروبية وبلدان الشرق العربي وشبه القارة الهندية،مطلع القرن التاسع عشر،محور هذا الجدل ومرجعه المعرفي منذ أن سحب نابليون قواته المهزومة من أراضي مصر ومياهها عام(1801)وأعادها إلى فرنسا.
يُقرن المفكر إدوارد سعيد تشكل الصيغة الأساسية للعلاقة بين الشرق الأدنى وأوروبا بالغزو النابليوني لمصر عام(1798) الذي كان- على أكثر من وجه- النموذج الأكمل للمصادرة العلمية التي تُمارسها ضد ثقافة ما ثقافة أقوى منها.ويعتقد إن احتلال نابليون لمصر أدى إلى تحريك عمليات بين الشرق والغرب ما تزال تسيطر على منظوراتنا الثقافية والسياسية المعاصرة(3).وقبله اعتبر المؤرخ فيليب حتي غزوة نابليون للأرض العربية الأولى بعد الحروب الصليبية.وعَد سنة(1798)السنة التي اكتشفت فيها الدول الغربية الشرق العربي،ما أدى إلى صراع ومنافسة عنيفة للاستيلاء عليه أو اقتطاع مناطق نفوذ لكل منها.هذه الغزوة أثارت على المستوى السياسي والثقافي سلسلة من ردود الفعل ما زالت تتفاعل حتى يومنا هذا(4).ويقرر المؤرخ حتي أن أبرز ملمح من تاريخ الشرق الأدنى،في المائة والخمسين سنة الأخيرة،كان الأثر الذي خلفه الغرب في حياة هذه المنطقة(5).ويلتمس إدوارد سعيد في الحملة الفرنسية بمأثرتها البلاغية الجماعية العظيمة،وصف مصر،منظراً،أو وضيعة للاستشراق،لأن مصر أولاً،ثم البلدان الإسلامية الأخرى،اعتبرت المجال الحي والمُختبر والمسرح للمعرفة الغربية الفعالة بالشرق(6).كما وَعدَّ الباحث محمد الريس حملة نابليون على مصر وبلاد الشام بمثابة التجربة الأولى للاستعمار الغربي في الشرق الأوسط.وكان من نتائجها(أنها نبهت إنجلترا إلى فوائد استعمار هذا الجزء من العالم،وإلى خطورة موقعه من الناحية الغربية،وبينت ضعف الإمبراطورية العثمانية...)(7).ورأى الباحث الريس:إن تاريخ الشرق الأوسط في القرن التاسع عشر هو تاريخ النزاع الإنجليزي- الفرنسي مضافاً إليه علاقات الدولة العلية مع روسيا والبلقان وبروز(المسألة الشرقية)(8)أو(المسألة السورية)أو(المسألة اليهودية)كما يسميها المؤرخ عبد الوهاب الكيالي.إذ يُقن:إن الأزمة الأوروبية،أي أزمة تنافس الدول الصناعية الرأسمالية،واندفاعها من أجل تقسيم المستعمرات،التي أسرعت بنشوب الحروب والثورات،قد حولت نفسها لتصبح (المسألة الاستعمارية)(9).أما المفكر عبد الله عبد الدايم فيصف الحملة الفرنسية؛بأنها أول وأهم الحوادث بالنسبة لإنجلترا أو بالنسبة للبلاد العربية ذاتها. فبالنسبة إلى إنجلترا كانت بمثابة ناقوس الخطر الذي تيقظت عليه لتدفع عن نفسها منافسة فرنسا في المنطقة.ويذكر من بين مقاصد الحملة؛تكوين إمبراطورية فرنسية في الشرق والتصدي لطريق التجارة عبر الوطن العربي..وأيضاً كانت بمثابة المقدمة التمهيدية لتاريخ الاستعمار الحديث في البلاد العربية.إذ تبعها احتلال فرنسا للجزائر بعد حملات عسكرية عنيفة بين عامي(1827-1830)،ثم امتدت أطماع فرنسا إلى تونس والمغرب (10).وبالرغم من أن احتلال فرنسا لمصر كان قصيراً وغير ناجح،فقد كان حادثة مهمة مشحونة بنتائج كثيرة بالنسبة لمصر.فحتى وقت مجيء الحملة الفرنسية،يلاحظ المؤرخ عمر عبد العزيز عمر،لم تتعرض الولايات العربية الخاضعة للحكم العثماني لاعتداء سافر من جانب القوى السياسية في أوروبا.ويزعم الدكتور عمر عبد العزيز بأن الحملة أنهت العزلة التي عاشها الشرق العربي وأصبحت هذه الأراضي مجال تنافس بين الدول الأوروبية الكبرى،إذ أظهرت الحملة الفرنسية منطقة الشرق الأوسط ومصر خاصة منطقة ذات أهمية إستراتيجية كبيرة للقوى العظمى(11).ويرى أن الحملة أدت أيضاً إلى ازدياد نشاط بريطانيا في الشرق الأوسط وشجعتها على سياسة المحافظة على كيان الدولة العثمانية طوال القرن التاسع عشر،وأثرت في تغيير طبيعة العلاقات بين بريطانيا والدولة العثمانية،فأصبحت العلاقات السياسية في مركز الصدارة،فيما كانت العلاقات التجارية قبل الحملة.ويعتقد المؤرخ عمر أن الحملة دفعت الحكومة البريطانية إلى الاقتناع بضرورة أن يسيطر على مصر حاكم تربطه بإنجلترا روابط الصداقة حتى لا تترك مصر للفرنسيين(12).وتطول تأثيرات الحملة منطقة الخليج العربي حيث أدت إلى تدخل بريطانيا السياسي في هذه المنطقة.ولم يمنع الفشل السياسي والعسكري للغزو الفرنسي لمصر وبلاد الشام المؤرخ إبراهيم أحمد من أن يلتمس آثاراً مهمة لهذا الغزو في مصر والوطن العربي.حيث يقول:لقد كان الغزو الفرنسي أول تحد استعماري أوروبي تعرضت له مصر في العصر الحديث لذلك أيقظ هذا الغزو الشعب العربي في مصر من سُباتٍ طويلٍ قضاه في ظل السيطرة العثمانية وأشعره بشخصيته المُمَيزة،ومنه شعوره القومي العربي الذي تمثل بثوراته المستمرة ضد الحكم الفرنسي وقارب من فئاته المختلفة،فكان ذلك إيذاناً بمولد القوة العربية القومية في مصر(13).وكان للغزو الفرنسي،يزعم المؤرخ إبراهيم أحمد،تأثير واضح على بناء المجتمع العربي واتجاهاته الفكرية التي ظهرت أثارها واضحة فيما بعد،إذ ضعضع الغزو البنيان الاجتماعي القائم آنذاك(14).وبعد فشل الغزو بدأ تاريخ طويل من التنافس الاستعماري بين إنجلترا وفرنسا،هدفه الاستيلاء على أملاك الدولة العثمانية،فإن لم يكن فبسط النفوذ على الأقل..(يتبع)
المصادر
1 -الحصري،ساطع،آراء وأحاديث في التاريخ والاجتماع.بيروت/ 1985،ص48.
2-المصدر نفسه،ص72.
3-سعيد،إدوارد،الاستشراق؛المعرفة.السلطة؛الإنشاء.بيروت/1981،ص73.
4-حتي،فيليب،خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق.بيروت/1988,ص125.
5-المصدر نفسه،ص125.
6-سعيد،إدوارد،مصدر سابق,ص 73.
7-الريس،محمد ضياء الدين.تاريخ الإسلام الحديث.القاهرة/1959،ص36.
8-المصدر نفسه،ص37.
9-د.الكيالي،عبد الوهاب،تاريخ فلسطين الحديث.بيروت/1976،ص8.
10-عبد الدايم،عبد الله.التربية القومية.بيروت/1960،ص170.
11-د.عمر،عمر عبد العزيز.تاريخ المشرق العربي(1516-1922).بيروت/1985،ص234.
12-المصدر نفسه،ص238.
13-د.أحمد،ابراهيم خليل،تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني( 1516-1916).الموصل/1985،ص132.
14-المصدر نفسه،ص123.