مؤثرات عربية في الأدب الأوكراني

ناظم الديراوي
2008 / 4 / 12


تشغل المواضيع العربية والإسلامية في سرديات ومرويات الأدب الأُوكراني الحديث،وميراث البلاد الثقافي والفني حيزاً لافتاً.وتتجسد في إنشاء ورسومات رواد الثقافة والأدب،عبر مائتي عام.وتظهر بجلاء في تُراث الرحالة فاسيلي بارسكي،والكونت ريجوفسكي،والأديب نيكولاي غوغول،والمستعرب يوليان سينكوفسكي،والأديب تاراس شيفتشينكو،والشاعر بانتيلوس كوليش،والكاتبة ليسا أوكراينكا،والفنان إيفان تروش، والشاعر إيفان فرانكو،والمستشرق كريمسكي وغيرهم الكثير.
وآنذاك انصب اهتمام أولئك الأُدباء والعلماء والفنانين بشكل خاص على قراءة ونقل واستثمار تاريخ وآثار حضارة الشرق الأوسط المدونة والمتداولة على الألسنة.الأمر الذي ترك بصمات واضحة على مضامين ورسالة الآداب والفنون الأوكرانية الحديثة.وطرح أمام أدباء وفناني أُوكرانيا القرن التاسع عشر موضوعات جديدة تتناغم مع تفاعلات النهوض الاجتماعي-السياسي وتطلعات النخبة الثقافية-الأدبية في أوكرانيا الساعية إلى الإصلاح وبناء الشخصية الثقافية القومية.وعَرَّفهم على كنوز ثقافية وأدبية لعالم غني بإرثه الحضاري الديني والدنيوي.ومن نتيجة شغف الأدباء والمفكرين الأوكرانيين بالمنجز الحضاري العربي الإسلامي أن قاموا برحلات طويلة في بلاد وادي النيل وبلاد الشام والعراق وتركيا.وخلفوا مذكرات ورسومات عن هذه البلدان وحضاراتها حوت تسجيلات وانطباعات ممتعة،ذات أهمية تاريخية– ثقافية،عن طراز ومألوفات ومعالم حياة شعوب البلدان التي جالوا في بقاعها وأقاموا على أراضيها..
والمعروف أن الرحالة الأوكراني ف. بارسكي تجول في بلدان المشرق العربي في الربع الثاني من القرن الثامن عشر وزار مصر وفلسطين وسوريا ولبنان.وكان كثير الملاحظة والاهتمام بما صادفه فجاءت مدوناته ورسوماته التي حواها كتابه الرائع(رحلة في الأماكن المقدسة)مطابقة إلى حد كبير لما كان سائداً في مصر وفلسطين وسوريا وسواها من البقاع التي زارها.وفي مؤلفه وصف الرحالة بارسكي مدينة الرملة الفلسطينية يقول:(أنها تقع وسط سهوب خصبة،وقلما ترى هناك الرمال،لذا فإن هذه المدينة ملائمة لمن يريد العيش فيها،ويحيط بها كثير من البساتين الخضراء...أما أشجار الزيتون فتثمر في الصيف والشتاء على حدٍ سواء).وذكر حرف أهالي بيت لحم؛(الأهالي يتميزون ببراعتهم في الفنون والحرف وقبل كل شيء في صناعة الصلبان والسُبح وغيرها من التُحف المصنوعة من الخشب).
ينسب المستعرب فاليري ريبالكين المحاولات الأولى لدراسة تاريخ وثقافة وآداب العرب إلى( فاسلاف ريجوفسكي/1785-1831،بولندي الأصل أوكراني النشأة والثقافة)،الذي درس علوم الشرق في أوروبا الغربية فأتقن اللغة العربية إضافة إلى الفارسية والتركية.وزار بين عامي(1817-1820)بعض أقطار المشرق العربي لشراء خيول عربية أصيلة.وآنذاك(كناه)العرب بـ(الأمير ذي الذقن الذهبي)و(تاج الفخر).وبعد عودته إلى أوكرانيا واصل الكونت ريجوفسكي ارتداء الجلابية العربية.ويُذكر انه كان يعيش بين خيوله عيشة البدوي،ويقلد شيوخ العرب في نمط حياتهم..وفي أوكرانيا نظم للشعراء الأوكرانيين ما يشبه سوق عكاظ يتلون فيه قصائد المديح المشيدة بمناقبه ورفاعة شرفه.والى اليوم تتداول الأغاني والحكايات الشعبية الأوكرانية سيرة الرومانسي الكونت ريجوفسكي..وإليه وإلى المستعرب سينكوفسكي وغيرهم من المستشرقين يعود الفضل في نشوء التيار الشرقي في المذهب الرومانسي البولندي في أواسط القرن التاسع عشر،الذي تأثر به بعض أدباء أوكرانيا.
ويشير تاريخ الاستعراب الأوكراني إلى أن أول أديب أوكراني وظف موضوعات عربية في إبداعاته الأدبية هو الشاعر(بانتيليوس كوليش/1819-1897).ففي قصيدته(محمد وخديجة)التي أهداها إلى زوجته جانا بارفينوك،متعظاً بحب وإخلاص النبي محمد كقدوة ونموذج فريد لوفاء الزوج لزوجته،وصف الشاعر كوليش حب النبي محمد لزوجته خديجة.ولاحظ كوليش في شخصية النبي محمد أنها مترفعة عن الطمع والحسد وحب السيطرة وتتمتع بعقل حيوي وقوة خارقة وبسالة غير معهودة. وأشار كوليش إلى حب النبي محمد للأطفال.وأُعجبَ بقدرته الفائقة في التأثير على من هم حوله كمبشر لدين جديد.وهكذا نلمس أن النبي محمد،في تصور كوليش ليس شخصية أُسطورية يكتنفها الإيهام وإنما شخصية واقعية معبرة عن روح زمانه تتجسم فيها مزايا إنسانية بحتة.وتذكر الباحثة تاتيانا ليبيدينسكايا أن القصيدة صدرت في ديوان خاص بها(عدد صفحاته/46)عام(1883)في مدينة لفوف. والمفيد أن الأُدباء والمفكرين الأوُكرانيين تأثروا بكتاب المؤرخ الإنجليزي جون وليم دريبير(تاريخ الصراع بين الدين والعلم)،الذي كان واسع التداول بين مثقفي أوكرانيا منتصف القرن التاسع عشر.ومن هذا الكتاب وسواه من المصادر الروسية والبولندية والألمانية استقى رواد الأدب والفن معارفهم عن الإسلام ونبيه الكريم وسكان البادية العربية.
وللكاتبة الأوكرانية ليسا أوكراينكا(1871-1913)مؤلفات من وحي عالم الشرق العربي منها(الخيال المصري) و(أبو الهول والمعبود) و(حول الأطلال).كما ونظمت الشاعرة ليسا قصائد ضمت انطباعاتها عن مصر خلال زيارتها البلاد سنة(1910)بعنوان(الخريف في مصر).وأيضاً،ترجمت الأديبة ليسا عن اللغة الألمانية قصائد من الشعر الفرعوني،صدرت في أوكرانيا بعنوان(أغان وجدانية من مصر القديمة).وسجلت،في قصيدة من مجموعتها الشرقية إعجابها بذاك؛(الفلاح الصامت المطمئن،التربُ يبني بيتاً/وفي قلب الصحراء،يخلق واحةً للآخرين/الريحُ الساخنة تلفح الفلاح،وتجفف عرقه/).وللشاعرة ليسا أوكراينكا دراما شعرية رائعة مكرسة لشخصية النبي محمد عنوانها(عائشة ومحمد).كتبتها للمسرح عام/1907.وفيها تصف بصيغة شعرية- درامية حب عائشة لزوجها محمد و معاناتها الثقيلة من غيرتها،كزوجة مخلصة لزوجها،من تواصل حب النبي محمد لزوجته خديجة وذكره لها بأطيب الأوصاف رغم تعاقب السنين على وفاتها.وترى الشاعرة أُوكراينكا أن النبي محمد(مشدود)في حبه إلى عائشة ولكنه لا يستطيع أن ينسى خديجة.!ومأساة هذا الحب في اعتقاد الشاعرة تكمن في أن كل من البطلين يرى الحب بطريقة متباينة.لكن هذا لا يمنع ليسا أوكراينكا من أن تكتشف في حب النبي لعائشة تلك المشاعر الأنيسة المتوقدة حباً لها.وأن حبهما المتبادل أسمى وأرفع من الحب البشري وأكثر اكتمالاً ونقاوةً.وعائشة ما هي إلا تجسيد الحب السامي والغير مدرك بمعايير ومقاييس الحياة الأرضية.!دراما ليسا أُوكراينكا تُظهر النبي محمد بأنه نصير لفضيلة التقارب الروحي والتآلف الإنسي بين المرأة والرجل...
وأيضا نلاحظ في إبداعات المفكر الأوكراني تاراس شيفتشينكو(1814-1861)ملامح ورموز شرقية اختار موضوعاتها من بهاء الشرق وعالمه المتنوع في أديانه وثقافاته العريقة.التي مست مشاعر تاراس في مرحلة مبكرة عندما كان قناً مملوكاً للنبيل آنغل غارت،وحينها رأى،لأول مرة،في بيت سيده تُحفاً أثرية وقطعاً فلكلورية شرقية إضافة إلى السجاد والبسط والمنسوجات الشرقية.وزادت معارف تاراس عن الشرق إبان دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة.وكان لأُستاذه الفنان الروسي الشهير كارل برولوف عظيم الأثر في تنوير مداركه وتوسيع معارفه عن ثقافات وفنون شعوب الشرق الإسلامي وخاصة البلدان العربية وتركيا التي مكث فيها الفنان برولوف وقتاً طويلاً.كما وكان للأكاديمي برولوف فضل إنساني-أخلاقي رفيع على تاراس وربما على مجمل حركة الأدب الأُوكراني الحديث،أقصد في هذا مساهمته في عتق رقبة تاراس وتحريره من مالكه إذ دفع له(2500)روبل ثمناً لحرية تاراس وهو قيمة لوحة باعها الفنان برولوف.ويذكر أن هذا الفنان الجليل كرس كل ثروته لتحرير االأَقنان.والمعروف أن روسيا القيصرية ألغت نظام الرق الإقطاعي عام(1861).والمؤسف أن الأديب تاراس شيفتشينكو لم يشهد إلغاء هذا النظام إذ توفى قُبيل ذلك ببضعة شهور.
قلنا أن انتساب تاراس إلى أكاديمية الفنون الجميلة في بطرسبورغ عمق معارفه عن العالم الإسلامي وزاد اهتمامه بدراسة ثقافة وآداب وفنون هذا العالم. وأيضاً كان للمستعرب سينكوفسكي(رئيس قسم اللغة العربية في جامعة بطرسبورغ ورئيس تحرير مجلة مكتبة المطالعة– المجلة الجامعة لمواضيع الأدب والتاريخ والفلسفة)دور كبير في تنوير معارف شيفتشينكو عن الشرق العربي،ومكنه من الإطلاع على أعداد المجلة عندما كان طالباً وعندما كان في المنفى.كما وترك كتاب الرحالة فاسيلي بارسكي(رحلة في الأماكن المقدسة)تأثيراً واضحاً على ملاحم وكتابات الأديب شيفتشينكو الأولى.ففي ملحمة ماريا،كما تذكر الباحثة ليبيدينسكايا،يحاكي شيفتشينكو في طريق منفِس الغريب في مصر الفرعونية دروب بلاده ومعالمها الطبيعية والعمرانية.ويجتهد الشاعر في إيجاد ما يجمع بين البلدين من معان روحية في قصة لجوء مريم إلى مصر هرباً من الظلم والجور..وللشاعر شيفتشينكو قصائد من وحي الشرق العربي مثل؛(النسيبة وأنا)وفيها يقارن مدينة بطرسبورغ بمصر القديمة،ويبحث عن التماثل بين قلعة(بيترو-بافلوفسكايا /بطرس- بولص)بالأهرام المصرية العريقة– المعجزة.كما وله عمل أدبي(العزيز والدرويش).في هذه الأعمال يسعى الأديب شيفتشينكو إلى إظهار الطبائع والمزايا والمكونات الحضارية والروحية المشتركة للشعبين الأوكراني والعربي وموقفهما من أمور دنيوية كعلاقة الرجل بالمرأة،وعلاقة الإنسان بالعمل،والأساس الروحاني والتركيب الثقافي والملاحم الفلكلورية لدى الشعبين العريقين…
كما وجذبت سيرة النبي محمد الكاتب الأوكراني إيفان فرانكو.ولعل ما ميز كتابات فرانكو عن خصال ومناقب النبي محمد بالمقارنة مع زملائه الشعراء هو أنها ذات بطابع تاريخي–أدبي.أُعدت كمحاضرات ألقاها الشاعر على طلابه ومريديه في الحلقات الدراسية والنوادي الأدبية في مدينتي لفوف وفينا.ويذكر فرانكو في رسالة إلى زوجته مؤرخة في(20/2/1893)أنه ألقى،يوم الأربعاء،على طلابه محاضرة عنوانها(أساطير وحكايات السلفيان عن محمد).أعدها استنادا إلى مخطوطة عثر عليها في المكتبة..كما وترجم إيفان فرانكو حكايات من(ألف ليلة وليلة)بأسلوب شعري منها؛(الحداد باسم)و(حذاء أبي القاسم)و(التاجر باسم).والممتع أن حكاية(الحداد باسم)كانت الأقرب إلى روح الشاعر فرانكو حيث عادت به إلى أيام الطفولة عندما كان يعاون والده في الحدادة.يقول في مذكراته؛(هناك،بعيداً في الأعماق تشتعل النارُ...هذه النار نارُ ورشة حدادة والدي.حتى ليلوح لي أني،وأنا طفل،ذخرتُ في روحي من نارها ما يلزمني في طريق العمر الطويل وحسبي أنها لم تنطفئ إلى الآن بعد..!).ونشير إلى مساهمات العلامة المستشرق كريمسكي في إرشاد الشاعر فرانكو إلى الموضوعات العربية وتنوير معارفه بنتاج الموروث الحضاري العربي والإسلامي ومراجعة ترجمات الشاعر ذات الصلة بالشرق الإسلامي.
لعل لجوء رواد الأدب الكلاسيكي الأوكراني إلى الموضوع العربي الإسلامي ناجم عن طبيعة المكون الديني- الثقافي للمجتمع الأُوكراني الذي لم يكن منعزلاً عن العامل الجغرا-سياسي،ووطأة الحس بالحاجة إلى التغيير والتجديد في أنماط وبنى ورسالة الأدب الأوكراني،المنشغل آنذاك في البحث عن الهوية القومية والإبداع الخلاق،الذي يستفز ويُثور المخزون الحضاري والإنساني لهذا المجتمع التواق الحرية،في أطر الأفكار والتحولات في المفاهيم والقيم الجديدة التي غزت العالم المتحضر،ما يفرض نقل موضوعات ذات مغزى حضاري-تنويري وتوظيفها في الكتابة الأدبية والبحث المعرفي.وربما لا يخلو رأي من مبالغة وشيوب عاطفي إذا قلت أن رواد الأدب الأوكراني،في القرن التاسع عشر،التمسوا ضالتهم في تاريخ وسرديات وروحانية الفكر العربي والإسلامي أفادتهم في النزوع التجديدي في منظومة الفكر والثقافة الأوكرانية الحديثة التي لا تشكو من إيمان بالإنسان، والحرية،والتفاعل،والإثراء المتبادل بين الثقافات والمجتمعات،والصراع ضد الاستعلائية والهيمنة والتسلط.ولعل البروفيسور إدوارد سعيد على حق حين قال؛إن فكرة التعددية الثقافية أو الهجنة-التي تشكل الأساس الحقيقي للهوية اليوم– لا تؤدي بالضرورة دائما إلى السيطرة والعداوة،بل تؤدي إلى المشاركة،وتجاوز الحدود وإلى التواريخ المشتركة والمتقاطعة.(الثقافة والإمبريالية/ص:10).
وعندنا،تظل المؤثرات العربية والإسلامية في الأدب والأوكراني موضوع حوار وتفاعل،بحاجة إلى قراءة أعمق وأشمل أساسها المعرفة المتعددة الجوانب للمكون الثقافي-الروحي للشعب الأوكراني،وما إفصاح الأثر العربي الإسلامي فيه إلا إفصاح عن التفاعل بين الثقافتين المتجاورتين العربية-الإسلامية والأُوكرانية-الأرثوذكسية...