الجنازة حامية والميت كلب

ديمة جمعة السمان
2008 / 3 / 12


على باب أحد عمارات حي راقٍ من أحياء السويد تجمهر الناس .. وعلا سخطهم .. وُذرفت الدّموع.. واحمرّت العيون .. وتطايرت الشّتائم .. وارتسم على الوجوه الغضب .. وتعالت أصوات النّجدة من كل حامل هاتف خلويّ .
فاندفعتُ نحو جمهرة النّاس بطبيعة العربيّ المحبّ للمعرفة .. ملهوفا أسأل .. ولا مجيب.
العيون شاخصة .. وليس على اللسان سوى كلمات الدعاء والترحّم .. ( وكان الله في عون ذلك المسكين).
كنت أتوقّع أمرا جللا .. كأن يكون هناك قاتل وقتيل .. أو حادثة دهس مريع .. تنتشر الجثث على قارعة الطّريق .. أو عمليّة سطو مسلّح لبنك أو لأحد الأغنياء المترفين.. أو أيّ حدث من مثل هذه الأحداث التي ترهب .. ويهتزّ لها الضمير .. وتجعل هؤلاء الناس في مثل هذا الخوف والجزع الأليم .
بعد جهد وتدافع وتزاحم .. استعملت فيها منكبيّ وكلّ قوّتي .. تمكّنت من الوصول إلى الصّف الأوّل من الدائرة التي تحيط بالحدث.
إذا بي أمام جرو صغير .. يتدفّق الدّم من فمه.
ينبح بصوت الأنين . وقبل أن أستدير وأعود أدراجي .. وقد ارتسم على وجهي صدمة خيبة أمل .. أخذت أجاهد لأخلّص نفسي من ضغط الجماهير .. لأصل إلى مركز عملي .. ساخط على الجماهير .. وعلى نفسي أنّني أضعت الوقت في المزاحمة .. وبهدلة نفسي وملابسي..
رميت بنظري إلى أعلى .. حيث تتّجه العيون .. أمعنت النّظر .. إذا بالعيون ترصد رجلا يقف على شرفة في الطابق الخامس من عمارة شاهقة العلوّ .. واللعنات تنصبّ عليه كزخّ المطر.
دقائق معدودات .. إذا بالناس يوسعون الطّريق إلى سيّارة مؤسّسة الرّفق بالحيوان .. يسبقها صوت نفيرها.
تصل السيارة .. وقد أوسع لها الناس لتقوم بمهمتها بسهولة ويسر .. تترجّل سيّدتان ترتديان ملابس الممرّضات.. تنظران إلى الجرو .. وقد اكتسى وجهيهما بملامح الحزن.
ذهبت إحداهما إلى السّيّارة .. وعادت تحمل حمّالة إسعاف صغيرة .
حملت الأخرى الجرو .. وضعته على الحمّالة برفق وحنوّ . ثمّ حملتاه إلى السيارة. وانطلقت السيارة مسرعة.. وصدى صوت نفيرها يحذّر أنّها في مهمّة خطرة.
استبدّ بي العجب .. وهززت رأسي أتساءل: أكلّ هذا من أجل الجرو؟! الذي هو ابن الكلب!؟
وما كادت أن تبتعد السيارة .. حتى حلّت محلّها سيارة الشرطة.. ودخل شرطيان إلى داخل العمارة .. ليعودا بالرجل الذي كان يقف على الشرفة في الطابق الخامس.
وما أن رأته العيون المليئة بالغضب .. حتى علت الأصوات : ( مجرم .. قاتل حقير.. مجرّد من الإنسانية).
حتى أن إحدى العجائز هجمت عليه تضربه بمظلّتها.. فأسرع الشرطيان يدخلان الرجل إلى داخل السيارة يحمونه من غضبة الجماهير. ويذهبان به إلى حيث المساءلة والتحقيق .
وقبل أن أستخف بالحدث .. وأشتم وألعن .. وأستهتر بمشاعر المتألّمين أصحاب الضمائر الحيّة .. أخذت أسأل نفسي : ( لماذا لم ينتابني مثل هذا التأثّر الموجع الذي ينتاب هؤلاء الناس؟ لماذا لم تذرف عيوني الدمع؟ هل تحجّر القلب؟)
أخذت أتحسس غدد الدمع .. فوجدتها جافة.. مررت بيدي على أعصاب الشعور والحس .. فوجدتها يابسة .. فعدت أسأل نفسي:
ترى .. هل رأى هؤلاء البكاؤون المتأثرون ( محمد الدرّة؟ )
ترى.. هل رأى هؤلاء البكّاءون المتأثرون أمّا أرملة يحيط بها أطفالها تتوسّل إلى الجنود أن لا ينسفوا بيتها؟ هل رأوها تنصب خيمة على الركام تستبدل بيتها مع أطفالها بخيمة؟
ترى.. هل رأوا هؤلاء البكّاؤون عجوزا تتوسّل إلى الضابط .. ممسكا بالمفتاح الناسف .. ترجوه أن يؤخّر نسف البيت عدة دقائق .. حتى يتمكن الأهل والناس أن يخرجوا زوجها الذي أبى إلا أن يموت على أرضه تحت ركام بيته؟ فيهزّ الضابط رأسه رافضا .. يردّد المثل المأثور بكبرياء وقلب متحجّر: ( قد أعذر من أنذر).ويعلو صوت الإنفجار .. وتركض العجوز تنبش التراب بيديها تبحث عن زوجها؟؟!
ترى .. هل رأى هؤلاء البكّاؤون الجرّافات العسكريّة تحفر خندقا .. تضع فيه الناس مكبّلين .. تهيل عليهم التراب وتدفنهم أحياءا؟؟
ترى .. لو رأى هؤلاء البكّاءون معاناة أهل فلسطين والعراق ..هل كانوا سيذرفون من الدمع قدر ما ذرفوه على هذا الجرو؟؟
أم هل أصبحت الدموع حلالا على الحيوان وحراما على بني الإنسان؟؟!
---