امرأة بألف رجل..!

ديمة جمعة السمان
2008 / 3 / 10

تأوّهت .. شكت .. بكت ..( ألفا شاقل وتقول كثير؟ يا لك من نتن بخيل.)
أمسكت بالنّقود تقرّبها من أنفه : ( تمنّ عليّ بنقود بلّلها عرقي .. وتأوّه منها شقائي وتعبي.. وطهّرها وفائي وأمانتي؟؟ تعدّها ويدك ترتعش .. ومع كلّ عدّ كلمة تعكّر الدّم .. وفحيح أفعى تنفث السّم؟؟
" ألفان ".. كلمة ثقيلة .. يتعثّر بها لسانك .. وتمطّها طويلة .. مغموسة بالألم والحسرة.. تغصبها من أعماق روحك؟
حتى بتّ أشعر أنّك بعد نهاية عدّ الألفين ستكون روحك قد وصلت حافّة أنفك.
" ألفان" .. يصعب على لسانك نطقها .. ويثقل على يدك عدّها؟؟!
أمّا ثماني سنوات قضيتها في جهد وكدّ وعمل فيستخفّها لسانك .. ولا يتذكّرها ضميرك ؟؟!
ثماني سنوات كنت فيها عمود الوسط للخيمة .. حتى انحنى ظهري .. وابيضّ شعري .. ولبست النّظارة عيني.. إلى أن أصبحت الخيمة مصنعا .. لها فروع وسمعة وشهرة.
كانت البداية ثمانمائة شاقل .. تدفعها شهر .. وتتأخّر أشهرا إلى حين ميسرة.
وعندما كانت تمرّ الأشهر .. كنت تعطيني ما يتذكّره ضميرك.. ولم تكن تعطيني حقي أبدا.
والله لو أنّ جهدي كان من حجارة .. لكان اسمي مكتوب على كل حجر في هذا المصنع. ولو أن ميزان العدل منصوب على الأرض .. لكنت شريكة لك في هذا المصنع.
وتمر الأيّام .. يتّسع ويكبر المصنع.. ويحتاج إلى موظّف.. فيكون راتبه ثلاثة آلاف شاقل!
أمّا أنا .. وثماني سنوات من العمل والجهد والجدّ والإخلاص والتّعب .. وظهري الذي تقوّس .. وشعري الذي شاب ...!! ألفا شاقل فقط..؟؟!!)
قال الحاج رشاد .. صاحب المصنع :
- " يا ابنتي يا ( لطيفة) .. إنّه رجل ".
شهقت لطيفة تستغرب:
- " تقصد أن تحمّلني ذنب أنني أنثى!"
- " لا يا ابنتي.. إنّه نظام المؤسسات والشّركات والمصانع.. هنا في هذا البلد."
- " والكفاءة يا حاج رشاد؟!"
- " سؤال لا أعرف له إجابة.. سوى أنّني رجل من هذا المجتمع.. حتى أنّ الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز (للذكر مثل حظ الأنثيين) .. صدق الله العظيم.
قالت غاضبة :
- " هذا شرع الله في الميراث يا رجل.. لا تفسّر الشّرع حسب مصلحتك.. أنا لن أرثك .. وهذا الموظف ليس أخي .. فالذي ينطبق على مثل حالنا هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم( الثواب على قدر المشقّة).
مضت أشهر قليلة .. إذا براتب الموظف أحمد يزداد .. حرّك الظلم لطيفة .. فذهبت للحاج رشاد تتظلّم :
- " يا حاج رشاد أنصفني".
نفر في وجهها :
- " كفّي عن التّظلّم يا لطيفة .. فماهرة الفتيات لا يتعدّى راتبها ألف شاقل في أيّ مصنع".
قالت ملتاعة :
- " وخبرتي وكفاءتي .. والسنوات التي قضيتها في هذا المصنع ؟"
ضاق صدره يتأفّف :
- " كل هذا لا يستحق أكثر."
ثم رفع صوته مهددا :
- " هما خياران ليس لهما ثالث .. أن تستمري في عملك .. أو مع السّلامة .. تغادري إلى بيت أهلك".
كانت كرامة لطيفة أكبر من الخوف والتهديد والتّرهيب .. فآثرت الخيار الثاني.. إلا أنها لم تذهب إلى بيتها .. ذهبت من فورها إلى السوق .. وابتاعت ماكنة نسيج .. وبدأت العمل.
أمّا الموظّف الجديد أحمد .. فقد نال ثقة الحاج رشاد صاحب المصنع .. ومضت السنين تزحف .. والمصنع يتأخر ولا يتقدّم .
إلى أن جاء يوم أرسل فيه البنك إشعارا للحاج رشاد .. أن يسدّد دينا قد تأخّر .
انطلق الحاج رشاد مذعورا إلى بيت أحمد .. طرق الباب .. الباب مقفل .. طرق الباب أكثر .. فجاءه الجواب من الجيران: ( سافر أحمد إلى أمريكا).
اتخذ البنك إجراءاته .. وعرض المصنع في المزاد .
دارت الدنيا في الحاج رشاد .. وأخذ يتذكر( هي لطيفة وحدها .. أضع يدي في يدها .. ونعيد بناء المصنع .
سأل .. أخذ العنوان.. إذا به يقف أمام مصنع .. قرأ اليافطة .. تعجّب !!
لطيفة صاحبة هذا المصنع!!
رأته لطيفة .. تقدّمت منه .. أمسكت بيده :( تفضل يا حاج رشاد).
نظر إليها نظرة إكبار: " تستحقين ذلك وأكثر .. أنت يا لطيفة المرأة التي ينطبق عليها المثل..(امرأة بألف رجل.) "