مستقبل الاطر العليا المعطلة مع هراوات اسبانيا وبشارة الكاميرات في الشوارع العمومية

لطيفة الحياة
2007 / 6 / 20

بثت قناة الجزيرة أحداث القمع الهمجي، الذي تعرضت له المجموعات الوطنية للأطر العليا المعطلة( المبادرة، الاستحقاق، الحوار، النصر) يوم الأربعاء 13 يونيو 2007. أحداثا أسفرت عن سقوط العشرات من الضحايا بينهم 12 حالة خطيرة: خمسة منهم أصيبوا على مستوى الرأس، واثنان على مستوى الكلي، وخمسة آخرون أصيبوا بكسور على مستوى أجزاء متفاوتة من الجسم، في حين باقي المصابين يعانون الجروح والكدمات. هكذا إذن، وضعت الجزيرة العالم بأسره أمام الصورة الحقيقية للحكومة المغربية، وكيفية إدارتها لازمة البطالة. فبينما يسير العالم نحو تحقيق مزيدا من الشعارات في حقوق الإنسان والتنمية البشرية، مازالت حكومتنا تعتمد لغة العصا والقمع ردا على مطلب الإدماج الفوري والمباشر للأطر العليا في سلك الوظيفة العمومية. مطلب يستند إلى القرارين الوزاريين 695/99 و888/99 الصادرين بتاريخ 30 / 4 / 99 (الجريدة الرسمية 24 / 5 / 99).
لم يفاجئ هذا القمع الشرس المجموعات الوطنية للأطر العليا المعطلة إذ كان متوقعا من خلال سلسلة الحوارات، التي كان يستدعى إليها ممثليها، الذين لا يكادون يسمعون من المسؤولين عن ملف التشغيل إلا لغة التهديد والرعب بدل المقترحات الجادة و الحلول الجريئة. كما انه لن يوقف خيارهم المتمثل في الاعتصام المفتوح أمام البرلمان. وقد صدق من قال: " إذا كنت في المغرب فلا تستغرب" أليس هؤلاء المسؤولين من كانوا بالأمس في المعارضة يحتجون على المقاربة الأمنية لمشاكل المواطنين؟ فكيف يقبلون بها اليوم ويدافعون عنها تحت ذريعة الاستحقاقات الانتخابية وملف الصحراء؟
هاهو معالي وزير الداخلية السيد شكيب بنموسى يزكي خيار الزرواطة هذا، بعناصر جوابه على السؤال الشفوي، الذي تقدم به نواب من الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية في موضوع " سياسة العنف إزاء المعطلين" إبان جلسة من جلسات البرلمان. جاء جوابه الذكي والدقيق ليبرر القمع الذي لحق المجموعات الوطنية للأطر العليا قائلا: " إن تدخل قوات الأمن يندرج في صميم واجباتها القانونية لفض بعض الوقفات الاحتجاجية ومعالجة الوضع ومنعه من التفاقم حينما يتعلق الأمر بتصرفات تهدد في بعض الأحيان السلامة الجسدية للمحتجين وتمس مباشرة بحرية الغير وتخرق المقتضيات القانونية وتؤدي إلى إرباك سير العمل ببعض الإدارات وعرقلة حركة السير واحتلال الساحات العمومية وإلحاق الأضرار بالممتلكات العامة والخاصة" فهل غاب عن سعادة الوزير أن تبرير القمع أبشع من القمع نفسه؟
ومما يشفع للأطر العليا لدى الرأي العام، ويبرأ ساحتهم مما تتهم به وقفاتهم السلمية ما أورده السيد الوزير في جوابه من أرقام حيث قال:" تشير الإحصائيات المتوفرة إلى أن مدينة الرباط عرفت خلال الثلاثة اشهر الأخيرة (مارس وابريل و ماي) تنظيم 372 وقفة احتجاجية منها 202 وقفة خاصة بحملة الشواهد العاطلين عن العمل. واقتصر تدخل قوات الأمن خلال هذه الفترة على ثمان (08) تظاهرات مما يمثل 2 بالمئة فقط من مجموع الوقفات الاحتجاجية" فإذا حق لنا هنا أن نناقش معالي السيد الوزير فإننا نتساءل معه حول ما قدمته الحكومة المغربية خلال هذه المدة ( ثلاثة اشهر) التي ذكرتها الإحصائيات؟ وهل مدة ثلاثة اشهر غير كافية للبث في ملف المجموعات ؟ هل خاض المسؤولون عن التشغيل حوارات جادة ومسؤولة تجعل هؤلاء الأطر يثقون بحكومتهم؟ هل 202 وقفة احتجاجية التي نظمتها الأطر غير كافية لدى حكومتنا للنظر في الملف؟ هل تزايد عدد الوقفات بات دليلا على ديموقراطية الحكومة أم دليلا على تماطلها وتهربها؟ هل مراوغة القوانين وتسمية الأشكال الثمانية -التي تدخلت فيها القوات- بالتظاهرات بدل الوقفات سيبرئ حكومتنا المغربية أمام الرأي العام؟ وأخيرا وليس أخرا هل يعي مسؤولونا أن الاحتجاج يوميا أمام قبة البرلمان تحت أشعة الشمس الحارة ليس هو نفسه، الجلوس من داخل القبة في أجواء مكيفة وكراسي مريحة وراتب شهري ضخم؟
إن ما أسماه معالي الوزير باحتلال الساحات العمومية( الساحة الخضراء المقابلة للبرلمان) من قبل مجموعات الأطر المعطلة ليس إلا من باب مكره أخاك لا بطل. فلقد بدأت المجموعات الوطنية اعتصامها قبل هذه الفترة التي شملتها إحصائيات السيد الوزير، ومازالت مستمرة إلى اجل لا يعلمه إلا الله والحكومة المغربية. إذ لم تختر هذه الأطر المكوث في العاصمة الرباط والنزول للشارع إلا/ بعد تماطل الحكومة وعدم جديتها في التعاطي مع الملف. أما ما اسماه بعرقلة حركة السير فهو أمر جد طبيعي، ناتج عن الكم الهائل للمعطلين الذي جاوز الألفين، كم ملفت للانتباه أينما توجه، أكرهته سياسة الحكومة على أن يجوب يوميا الشوارع الرابطة بين البرلمان ومقر الاتحاد العام للشغل حيث التجمع اليومي للأطر. وأحيانا يتم تقسيم العدد إلى مسيرتين مراعاة لحركة السير ومنعا للحوادث والفوضى. هذا الكم الذي يصل صداه حتى العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، حيث تتقاطر كل صباح أفواج من الأطر الآتية من كل جهاتها - والذين يتجاوز عددهم 150 – على محطة المسافرين " أولاد زيان" في اتجاه محطة المسافرين بالرباط " القامرة"، ومنها إلى مقر التجمع بالاتحاد العام عبر الحافلات ارقام 17 أو 30 لتنتهي بهم رحلة الذهاب عند مقر البرلمان. حيث ستنطلق رحلة الإياب عبر نفس المحطات. المتغير الوحيد هو حلكة الظلام بدل أشعة شمس الصباح. يغادرون الرباط عائدين للبيضاء، ورأسمالهم أجساد منهكة وجيوب مفلسة ومعدات فارغة وبريق من الأمل في غد مشرق يحفزهم على الاستمرارية.
هذا، هو حال بعض من الأطر المعطلة القاطنة بالبيضاء والله اعلم بحال تلك التي أكرهت على السكن في الرباط تحت وطأة الفقر والبطالة والإيجار والتنقل والبعد عن الأهل. هذا حال الفئة التي يبرر السيد الوزير القمع في حقها، وتتحالف سياسة الحكومة مع الفقر والبطالة ضدها. فأين ما اسماه السيد الوزير بالأمن وحفظ السلامة الجسدية للمحتجين؟ هل الأمن عند الحكومة هو أن توقف أخر إجراءات عمليات الشنق الجماعي على شباك البرلمان - من مثل تلك التي أقدمت عليها المجموعات الوطنية للمكفوفين بعدما أعياهم القمع والاحتجاج لمدة خمس سنوات- أم الأمن أن تحل مشاكل المحتجين وتعطيهم أمل في غد أفضل؟ هل هناك مواطن مغربي يشعر بإنسانيته وكرامته سيحاول شنق نفسه أو حرقها أو رميها لأسماك القرش أو ركوب زوارق الغرق؟


يا سيدي الوزير كنا ننتظر الحلول في جوابك على السؤال الشفوي لكنك وللأسف خيبت أملنا وختمته بما يلي:" وختاما أخبركم انه في إطار تعزيز المنظومة الأمنية سيتم لاحقا اللجوء إلى استعمال كاميرات مثبتة في الشوارع العمومية التي ستمكن من تدبير امثل للتدخلات الأمنية بمناسبة مختلف التظاهرات مما سيساعد على اتخاذ ما يلزم من قرارات فورية ومتابعة وتسجيل تصرفات كل الأطراف والتجاوزات التي قد تتخلل هذه الأنشطة." بالله عليك سيدي الوزير هل الأمن في البلاد يأتي بحل مشاكل المحتجين أم بتتبيث الكاميرات في الشوارع؟ هل مشكلتنا هي البطالة أم غياب الكاميرات في الشوارع؟ هل هؤلاء الأطر في نظركم مشاغبين أم مواطنين محبين لوطنهم غيورين عليه ؟
وعليه فلا يسع المجموعات الوطنية للأطر العليا إلا مزيدا من الصمود والثباث والتغطية الإعلامية القوية. فالوقوف أمام قبة البرلمان دون إعلام لن يحل مشكلا في المغرب وفي العالم بأسره. فالتقنية اكبر مناضل في سبيل حقوق الإنسان في القرن الحالي، وما ضاع حق وراءه إعلام قوي. يبدوا أن حال حكوماتنا كحال الزوج القاطن بالبادية، الذي يمارس العنف ضد زوجته وأبناءه ومعزه وكل من اعترض طريقه. وفي يوم من الأيام اختار أن يرحل إلى المدينة ليسكن شقة بعمارة فلما غضب ضرب زوجته فصرخت وسرعان ما اجتمع حوله الجيران فخجل من نفسه، وهكذا صار كلما أراد ضربها تذكر الجيران وخاف الفضيحة فيتراجع عن ضربها. فالزوج لم يقتنع بأن العنف ضد النساء مرفوض ولكنه في حقيقة الأمر خائف من الفضيحة.



لنتأمل جميعا المفارقة الغريبة بين مطلب الأطر وسياسة الحكومة. فبينما الأطر العليا المعطلة تعقد أمالا على حكومتها في أخر عمرها لحل مشكلها وجهت هذه الحكومة الميزانية لاستيراد هراوات من اسبانيا خاصة بقمع احتجاجات الأطر. وفي الوقت نفسه، يبشر معالي الوزير السيد شكيب بنموسى بمشروع كاميرات متبثة في الشوارع العمومية لتعزيز الأمن كما تراه الحكومة وتفهمه. الشيء الذي يكسب المشروعية والمصداقية لبعض الشعارات التي ترفعها المجموعات الوطنية للأطر العليا المعطلة من مثل:
وفاين نتوما حكومة بلادي؟
الأطر مهمومة وعليكم تنادي
الناس تستورد برامج تنموية
ونتوما جبتوها زرواطة سبليونية
وهكذا طعنتوا في الصناعة المحلية
تبتاث الكفاءة الزرواطة المغربية
وهنا جربناكم حكومة النفوذ
وحيث طلعناكم وفين تلك الوعود؟