تجار الفتاوي

الهيموت عبدالسلام
2018 / 11 / 7

1/ كل من قرأ كتيبا دينيا بسيطا ،أو أطلق لحية ،أو أراد أن يُكفر عن حياة العربدة والمجون والتيه...،وكل من وجد الخلاص في الدين بعدما سُدت في وجهه كل مباهج الحياة ونعمها ،وكل من تعب من التبكيت وتأنيب الضمير والإحساس بالذنب في مجتمع مُنفصم يأكل ملذات الحياة أكلا ويلعنها لعنا ،وكل من أراد اتخاذ الدين تجارة في الرقية الشرعية والحجامة وطرد الجن ...وكل من أراد شهرة وبروزا في نظام عالمي انتصر للتفاهة والرداءة ،وكل من أراد تقربا من دوائر السلطة ،وكل من يُقحم الدين في السياسة كقنطرة للوصول للسلطة عبر دغدغة عواطف ومشاعر وأمزجة المؤمنين حقا بالدين ... يصبح مُفتيا .

2/ وحدهم العرب والمسلمون في الكرة الأرضية من لازالوا يعملون بالفتوى لأنه في الدول المتحضرة يعملون بالرأي والقانون والإبداع والبرامج السياسية ولا وجود لشيء اسمه فتوى لأن الفتوى تستمد شرعيتها من الدين ،والدين حين يُقحَم في الحياة السياسية لا يجلب سوى الخراب والتدمير والحروب التي كادت أن تودي بالبشرية إلى حتفها ، والتحضر والتقدم ابتدآ يوم تم فصل الدين عن السياسة في الغرب وفي غير الغرب،التقدم والتحضر انطلقا يوم عاد رجال الدين إلى كنائسهم ومعابدهم ،ويوم حتى الحسم في أن الدين أي دين شأن خاص بين الإنسان وخالقه ،إن الدماء التي سالت في الشرق الأوسط وغيرها كانت بسبب فتوى ،وعشرات الآلاف من الاغتصابات كانت بسبب فتوى ،وملايين المهاجرين واللاجئين والمفقودين والمعطوبين كان بسبب فتوى ،والتدمير والخراب الذي طال دولا بكاملها كان بسبب الفتوى الشهيرة ل107 من علماء المسلمين يتقدمهم القرضاوي والغنوشي والعريفي والريسوني وغيرهم .

3/ للتأكد من أن الفتوى مشروع خرافي تخريبي في عصرنا الحاضر،وللتأكد أنه من أهداف الفتوى فقط خدمة الاستبداد والتخلف والتبعية وخدمة الأنظمة العشائرية والمتسلطة وخدمة مشاريع الصهيونية والأمبريالية العالمية في تفتيت المفتت والتمكين لها من السطو على ثروات الدول العربية والإسلامية وتركها ملحقات تابعة ،بل والأخطر من ذلك تعمل الفتوى على غرس الشعوذة والجهل والخرافة والكراهية وعاداة الحياة وهي أفكار لا يقبلها العقل ولا المنطق ولا قيم العصر ، فتاوي تسخر من الذكاء الإنساني الذي انفتح على ثورة رقمية حولت العالم إلى قرية .
من هذه الفتاوي يقول الدكتور "صبري عبد الرؤوف" أستاذ الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر أنه «يجوز للرجل معاشرة زوجته بعد وفاتها » أما "سعود الفنيسان" عميد كلية الشريعة في الرياض سابقا يعتبر أن « ألعاب الفروسية وعامة المباريات الرياضية المحلية منها والدولية كلها حرام ولا يجوز للمرأة المسلمة ممارستها »
أما "الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ" المفتي العام للمملكة العربية السعودية يقول أنه « لا يجوز قتال الإسرائليين ويمكن الاستعانة بهم لضرب حزب الله وحماس ،وقتال الإسرائليين أو قتلُهم في باحة وحرم المسجد الأقصى لا يجوز شرعا ،وأن حركة حماس حركة إرهابية تريد بأهل فلسطين الشر ،والمظاهرات التي انطلقت في العديد من الدول العربية والإسلامية لنصرة الأقصى وقطاع غزة هي مجرد أعمال غوغائية لا خير فيها ولا رجاء منها ،وإنه يجوز الاستعانة بجيش إسرائيل لضرب المقاومة الإسلامية في لبنان بحجة أنهم روافض ،والضرورات تبيح المحظورات ،والتطبيع مع إسرائيل يزيد من قوة المملكة »
أما الفتوى الطريفة التي أصدرتها الهيئة الشرعية لما تبقى من "تنظيم الدولة الإسلامية" المعروفة بداعش عقب انهزامها في الموصل ،وهي فتوى احتجاجية على الله نفسه الذي لم ينصرهم في معركة الموصل وذلك بالتوقف عن الصلاة ،يقول مفتي تنظيم "الدولة الإسلامية" "أبو قحاطة الزبردجاني" (عن الله) « لقد تجاهل لعناتنا ودعائنا على أعدائه من الروافض والصليبيين ،ولم يلتفت لقرابين الاستشهاديين الذين ضحوا بحياتهم لإعلاء كلمته ،وفضّل نصر أولئك الكفار علينا نحن المجاهدين ، بدلا من أن يهبنا النصر عليهم جميعا ويعطينا نسائهم وغلمانهم ونقودهم فوق ذلك » وأضاف "أبو قحاطة" مفتي التنظيم مخاطبا الله « رغم الظروف الصعبة التي عانيناها ،والتي كانت أكثر صعوبة من تلك التي عانى منها الرسول لقصف الأعداء بحجارة مَن في معركة بدر،لم يرسل الله لنا ملائكة لتوفير تغطية جوية ولا طيور أبابيل سجيل،لقد تركنا بلا دفاع جوي ولا مدفعية طويلة المدى، ولم يدعمنا ولو بالتشويش على اتصالات الأعداء فأصبحنا لقمة سائغة لهم » وأشار "أبو قحاطة" إلى أن رجال التنظيم سيحافظون على التعاليم الأساسية للدين الإسلامي من سبي وجهاد نكاح وغنائم وإقامة حدود « سنكتفي هذه المرة بتوجيه رسالة احتجاج (إلى الله) عن طريق مقاطعة الأمور الجانبية مثل الصلاة والصدقة ومساعدة الأيتام وإماطة الأذى عن الطريق ،وفي حال عدم استجابته،سنكون مضطرين للعثور عن طريق آخر للحصول على النساء وسيارت رباعيات الدفع وخمر الجنة ،غير الجهاد في سبيل إله لا يستجيب لدعائنا » ولذلك أصدرت الهيئة الشرعية لما تبقى من عناصرها في العراق والشام بالتوقف الفوري عن الصلاة احتجاجا على عدم نصرة الله لهم في معركة الموصل.

4/ لم أُدرج العديد من الفتاوي المُشيِّئة للمرأة والمهووسة بها (وهي فتاوي لا علاقة للدين بها بل هي تندرج ضمن الأمراض النفسية مثل مضاجعة الميت ومضاجعة الحيوان وأكل لحوم البشر...) والتي تعج بها القنوات الفضائية الوهابية كإرضاع المرأة لزميلها في العمل منعا للخلوة الشرعية ،وفتوى بطلان الزواج للمرأة التي تخلع ملابسها أمام الرجل أثناء عملية الجماع ،وجواز أكل الرجل (جملة أو عضوا عضوا) لامرأته إن شعر بالجوع عربونا على تضحيتها وطاعتها ، وعدم جواز قيادتها للسيارة وتحريم استعمال بعض الخضر ذات الإحالات الجنسية ناهيك عن تحريم الموسيقى والفنون والسباحة والاختلاط وغيرها من الفتاوي التافهة التي لا يتسع المجال لبسطها ...
لم تلعب الفتوى دورا في تأبيد الاستبداد وفي التخلف الفكري بل إن الفتوي قد ساهمت في تخلف حضاري يفصلنا بسنوات ضوئية عما وصلت له البشرية ،الفتوى هي التي أخرت دخول المطبعة حوالي قرنين لدخول البلدان العربية والإسلامية ،الفتوى هي التي استنزفت شعوب هذه الدول في جدالات فقهية عقيمة حول شرب القهوة من عدمها ونتجت عنها إغلاق للمقاهي وفوضى وحرق وقتل ،الفتوى هي التي حرمت حتى شرب الشاي لأن طقوس شرابه تُشبه طقوس شرب الخمر،ولما دخل "نابليون بونابرت" غازيا مصر وجد علماء الأزهر يناقشون جنس الملائكة ذكر أم أنثى ، الفتوى حرمت بناء السكك الحديدية والتعليم في المدارس العصرية وإدخال التقنيات الإلكترونية والكهربائية والدراجة الهوائية والسيارة ومشاركة المرأة في الحياة المجتمعية والإضراب العام والتظاهر وحرمت حتى حملات تطعيم شلل الأطفال .