الباراديغم الإسرائيلي / سورية وفلسطين ونظام الإبادة السياسية

ياسين الحاج صالح
2018 / 10 / 10

إلى عبدو
وفقاً للإيديولوجية الرسمية للحكم الأسدي في سورية، يقوم بيننا في سورية وبين إسرائيل تعارض مطلق، أو "صراع وجودي". إسرائيل قوة معتدية وسورية بلد معتدى عليه ومحتلة أرضه. وهي كيان عنصري، وبلدنا ضد العنصرية والتمييز، وهي قوية لكن على باطل، بينما نحن ضعفاء لكننا على حق. إسرائيل دولة استعمارية مغتصبة، مرتبطة عضوياً بالامبريالية، ونحن كنا تحت الاستعمار قبل ثلاثة أجيال، وكبلد معتنق للقضية القومية نناضل مع إشقائنا الفلسطينيين والعرب (من غير العملاء من بني جلدتنا) ضد الاستعمار والامبريالية، ومن أجل الحرية والاستقلال. وإنما لهذه الأسباب نحن في حالة حرب مع إسرائيل رسمياً. الواقع أن هذا الخطاب انفصل عن أي بنى اجتماعي وسياسية وفكرية داعمة له منذ وقت ما من سبعينات القرن العشرين، وهذا بالتوازي مع حلول حافظ الأسد، ثم سلالته، كمشروع وحيد محل المشروع القومي العربي. فإذا رصدنا قدراً من استمرارية عائمة لهذا الخطاب، فبغرض تسويغ حالة الاستثناء المديدة، المبنية على افتراض الحرب مع قوة غريبة، تكن لها أكثرية السوريين عداء حقيقياً. حالة الاستثناء المسوغة على هذا النحو ناجعة جداً في ضبط المحكومين ورفع غطاء الوطنية عن المخالفين سياسياً وضمان دوام حكم السلالة.
مقابل الصراع الوجودي مع إسرائيل، ثمة تطابق تام بين هياكل النظام القائم في سورية منذ نحو نصف قرن وبين سورية، حتى أن سورية هي "سورية الأسد"، وليس في سورية ما يفيض على "سورية الأسد" هذه.
لكن وظيفة الإيديولوجية هي حجب الواقع، إما بقلبه رأساً على عقب، أو بإحلال عالم وهمي محل العالم الحقيقي، أو بإغفال كل الوقائع ذات الصلة التي تتعارض مع ما تقرره الإيدولوجية. هتك حجب الواقع هو ما أتاحته أكثر من سبع سنوات انقضت على بداية الثورة السورية، فسهلت لنا النظر في وجهه العاري. ومما ظهر بجلاء أن ما تقوله الإيديولوجية عن إسرائيل صحيح، لكن كل ما تقوله عن النظام الذي هو منتج هذه الإيديولوجية وموزعها هو تزوير للواقع. مثل إسرائيل، الدولة الأسدية قوة عدوان واغتصاب، تقوم على التمييز بين محكوميها، تفرق بينهم لتسودهم، وتحميها قوى دولية عدوانية. لا يلزم أن يكون الطرفان على وفاق أو متفاهمين سراً. ليس الأمر كذلك. ما أتكلم عليه هو تماثل بنيوي يشغل السوريون فيه موقعاً مماثلاً لموقع الفلسطينيين، ويلتزم النظام بباراديغم إسرائيلي يقوم على اللاتساوي الجوهري بين الإسرائيليين والفلسطنيين، وعلى إباحة الأخيرين للأولين، بما يُهدر البعد التحرري للصراع بين بلدنا والدولة الصهيونية. وهذا بقدر ما إن الدولة التي بناها حافظ الأسد على مثال سلالي تقوم أصلاً على تحويل سورية ذاتها إلى دولة تعذيب وقتل، وترفع السلالة وأهل ولائها درجات فوق عموم السوريين، مما صار مرئياً للجميع بعد الثورة.

تماثلات باراديغمية
سأعرض بداية أوجه تماثل مديدة، لا تبدو لي عارضة، بين سورية الأسد وإسرائيل، قبل أن أحاول تقصي جذور هذا التماثل.
1- يحتكر الحكم الأسدي سلاح الطيران وأسلحة الدمار الشامل في مواجهة السوريين، مثلما تحتكر إسرائيل التفوق الكاسح في هذين المجالين في مواجهة الفلسطينين والعرب كلهم. لم تتوفر يوماً وإلى اليوم طائرات للفلسطينيين، ولا حتى طائرات مدنية، ولم تتوفر لأي معارضين للحكم الأسدي طائرات من أي نوع، ولا حتى مضادات طيران.
2- يحظى الحكم الأسدي بتغطية في مجلس الأمن من قبل المورِّد الأساسي للسلاح له، روسيا التي استخدمت 12 مرة حق النقض، الفيتو، لمصلحته (وباسم الصين ثماني فيتوات للغرض نفسه)، بقدر ما تحظى إسرائيل بتغطية في مجلس الأمن من مُورِّد السلاح الرئيس لها، الولايات المتحدة: 43 مرة. لكن أميركا حمت إسرائيل بالفيتو مرة كل عام ونصف، فيما حمت روسيا محميها في سورية نحو مرتين كل عام، وكانت المرة الأولى في خريف 2011.
3- تصور إسرائيل نفسها واحة للديمقراطية في المنطقة، وبعد الثورة صار حكم السلالة الأسدية يصور نفسه كالدولة العلمانية الوحيدة الباقية في الشرق الأوسط العربي والإسلامي. ويروج الطرفان لصورة حداثية عن النفس، تقربهما من الغربي المتوسط في اليسار واليمين والوسط. وبالمناسبة وقف اليسار الغربي إلى جانب إسرائيل، ولم يبدأ بالتحول عنها حتى بعد الانتفاصة الأولى عام 1987، وتقف مجموعات واسعة من اليسار الغربي والدولي اليوم إلى جانب الدولة الأسدية، ولا تعرض تبدلاً في الموقف إلى اليوم.
4- أنتجت إسرائيل وسورية الأسد لاجئين بالملايين. إسرائيل لم تقم دون طرد ثلاثة أرباع الفلسطينيين خارج وطنهم، وسورية الأسد أنتجت لجوء ما يقترب من ستة ملايين، أكثر من ربع السكان، خارج سورية إلى اليوم، فضلاً عن عشرات الألوف في سلسلة سابقة من المجازر.المجازر عنصر مشترك في تاريخ القوتين الشرقأوسطيتين.
5- أسرائيل تشرف إلى اليوم على أكبر معسكر اعتقال في الهواء الطلق في العالم، هو غزة، تحاصر سكانه وتقصفهم وتجوعهم حين يتجاسرون على تحديها أو يقاومون بسلاح بدائي، وكان في سورية الأسد حتى منتصف نيسان من هذا العام ثاني أكبر معسكر اعتقال في العالم اليوم، الغوطة الشرقية، تعرض خلال خمس سنوات ونصف للحصار والقصف والتجويع. ويقطع الطرفان أوصال مجتمع الواقعين تحت سيطرتهم، ويمنعون بالسيطرة على المكان والحركة (الحواجز والحصار من طرف النظام السوري، والحواجز والطرق الالتفافية وجدار الفصل العنصري من الجهة الإسرائيلية) والحركة، وبالعنف، وبالاعتقال الواسع في الحالين. انتهى معكسر الاعتقال في الغوطة الشرقية على يد الروس والنظام الذي ختم الحصار بمذبحة كيماوية جديدة، وبتهجير الألوف من أبناء المنطقة، مدنيين ومقاتلين.
6- لدى الطرفين هوس بالأبد: القدس هي العاصمة الأبدية للشعب اليهودي! إسرائيل وجدات لتبقى! الأسد إلى الأبد! إلى الأبد يا حافظ الأسد! والبقاء الأبدي بطبيعة الحال يقتضي مقاومة التغير وسحق قواه، وحرباً مستمرة ضد المستقبل. إسرائيل في حرب دائمة، ومثلها الدولة الأسدية لأنهما يريان في التغير خطراً وجودياً عليهما. لكن ينبغي أن نلاحظ أن السلالة الأسدية هي الأبدية في سورية، بينما الأبدي عند أعدائنا هو كيانهم الحديث، دولة إسرائيل.
7- يشترك الأسديون وإسرائيل رفض منهجي وثابت للتفاوض والحلول السياسية. الحل السياسي يعني تسوية، تنازلات متبادلة، مساومات وحلول وسط، وهو ما لم يعرض الحكم الأسدي استعداداً له في أي وقت، ولم يعرض على الثائرين والمعارضين في أي وقت مشاركة في السلطة. إسرائيل مثله في ذلك، وتاريخ عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية هو تاريخ قضم كيان الفلسطينيين مع الحفاظ على العملية كمظهر سلمي.
8- فإذا تحول معارضو الأسديين أو إسرائيل إلى المقاومة المسلحة وصفوا بأنهم إرهابيون، وهذا مبيح للدم في شريعة النظام الدولي الحالي مثلما هو التكفير في شريعة الإسلاميين. في المحصلة لدينا الوضع المستحيل التالي: إذا رضخت لن تجني شيئاً، وإذا سايست أو حاولت أن تتصرف كطرف سياسي مستقل تسحق، وإذا قاومت تباد!
9- وفي أساس ذلك أننا حيال نظامين للإبادة السياسية.

الإبادة السياسية
النظام الذي أقامه حافظ الأسد في سورية يقوم على الإبادة السياسية للسوريين منذ قيامه في مطلع سبعينات القرن الماضي، مثلما تقوم إسرائيل على الإبادة السياسية للفلسطينيين منذ قيامها قبل 70 عاماً. مفهوم الإبادة السياسية Politicide كان قد وضعه عالما سياسة أميركيان، باربرا هارف وريتشارد غر عام 1988، وقصدا به وقتها إبادة قطاعات من السكان لأسباب سياسية، مثلما جرى للشيوعيين الإندونيسيين على يد نظام سوهارتو، وبتشجيع أميركي، في عامي 1965 و1966. كانت الأمم المتحدة قامت بتجريم الجينوسايد عام 1948، لكنها استبعدت المجموعات السياسية من تعريفها للجريمة التي أقرت أنها موجبة لمعاقبة الجناة. الجينوسايد كلمة مستحدثة في كل اللغات، وضعها الحقوقي اليهودي البولوني رافائيل لمكين في كتاب له نشر عام 1944، وكان القتل الواسع لليهود وغيرهم على يد النازيين لا يزال جارياً وقتها، وأراد به تدمير الجماعات، فيزيائيا وثقافياً. بين أشياء أخرى، الجينوسايد كما عرفه ميثاق الأمم المتحدة هو "أي فعل يرتكب بنية التدمير الجزئي أو الكلي لمجموعة قومية أو عرقية أو إثنية أو دينية". وقد استبعدت المجموعات السياسية من التعريف في حينه بضغط من الاتحاد السوفييتي وبريطانيا، خشية من أن يكونا موضع تجريم بسبب إبادة المعارضة السياسية في الاتحاد السوفييتي، بمن فيها معارضي ستالين الشيوعيين أو غير الموالين له بقدر ما كان يريد (حملات التطهير المتكررة)، وسجل بريطانيا في المستعمرات.
لمفهوم الجينوسايد ميزة مهمة: إنه اسم دون معنى سابق لمعنى دون اسم سابق. لم يكن للكلمة وجود قبل عام 1944 ليكون لها معنى، بالمقابل كان هناك معنى، هو جريمة الإبادة الرهيبة، ولم يكن لها اسم. ثم إن الجينوسايد معترف به في شريعة النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية كجريمة موجبة للعقاب. المدركات الأخرى، ومنها البوليتيسايد، تبدو أقرب إلى مفاهيم مجردة، معقولة كثيراً أو قليلاً، لكنها ليست أسماء لما لا يسمى. الجينوسايد يبدو "اسم علم"، يسمى واقعة مهولة لا تعقل. لا عقلانيته، أو بالأحرى لا مفهوميته، هي مصدر قوته.
ومصدر ضعفه، على الأقل في الصيغة التي تبنتها الأمم المتحدة.
في مفهوم الجينوسايد مشكلة خطرة تتمثل في افتراض أن المستهدفين بالإبادة جماعات معطاة الهوية سلفاً، وأنها تقتل بسبب هويتها. لكن في معظم الحالات المدروسة في القرن العشرين كانت الهويات ذاتها نتاج أفعال تصنيف وفرز وتمييز، تسبق الإبادة أو تمهد لها أو تواكبها. بصورة ما، يجري صنع اليهود قبل قتلهم ومن أجل قتلهم، أعني فرزهم عن غيرهم، ردهم إلى يهود حصراً، اعتبار اليهودية عرقاً (وفتح باب ضيق لبعض استثناءات ممن ليسوا يهوداً صافين). وبالمثل يجري صنع الفلسطينيين قبل تدميرهم سياسياً، وإن تكن المؤسسة الإسرائيلية تفرز الدروز والبدو عن الفلسطينيين، وتعمل على التفريق بين المسيحيين والمسلمين، وبين المعتدلين والمتطرفين، بحيث تضعف الهوية الفلسطيني وتبدد الكيان الفلسطيني. في كل حال يجري التعامل مع الفلسطينيين لا كمجتمع مختلط ومتحول، بل وفق منطق هوياتي، على نحو يقارب نظرية الأعراق النازية، وتعزيز ذلك بممارسات تمييزية وفق التمايزات الهوياتية التي تجري رعايتها وترسيخها. هذا منطق إبادة بقدر ما إنه يقيم مجموعات متفاصلة، ويخضع علاقات الأفراد لعلاقات الجماعات، ومصير الأفراد لمصير الجماعات. وكانت الأنثروبولوجيا الاستعمارية، الألمانية ثم البلجيكية، قد صنعت الهوتو والتوتسي في رواندا من فوارق جزئية وعارضة، فنسبت للأخيرين أصلاً حاميّاً، وجعلت منهم شعباً قادماً من الشمال، وأسبغت عليهم صفات فيزيائية إيجابية: طول القامة، أنف أقنى، نساء أجمل، فيما الهوتو أقصر قامة وهم فُطس الأنوف ونساءهم مفتقرات للجاذبية. كان هذا من مقدمات الجينوسايد الذي كلف 800 ألف خلال 100 يوم بين نيسان وتموز 1994، معظمهم من التوتسي.
وفي كل حال يجري التصنيف والفرز في سياق يستهدف التخلص من جماعات معارضة أو أدنى ميلاً إلى التماهي بالوضع القائم، أو هي ذات وزن اجتماعي أو اقتصادي يجده الحاكمون خطراً عليهم. من يبادون هم من يرون من منظور المبيدين كخطر، وإن قام المبيدون في الوقت نفسه بتعريف العدو تعريفاً "دينياً أو إثنياً أو عرقياً أو قومياً"، وبنسبة الخطر إلى ما تكونه هذه الجماعة وليس إلى ما يفعله أي أفراد منها. لكن عملية الإبادة، في طوريها، الإعدادي والنشط، هي ما تنتج الجماعات المبادة، أو ما تدفعها إلى التشكل في صورة مجموعات معرضة لأن تباد سياسياً، أو فيزيائياً. بالطبع لا تتشكل هذه الجماعات من العدم، لكنها قبل التصنيف والفرز والتمييز طيف منتشر، متداخل مع محيطه بصور متعددة: جغرافياُ (ينتشرون تقريباً في مناطق انتشار غيرهم) واجتماعياً (يتوزعون على الهرم الاجتماعي على نحو لا يختلف جذرياً عن غيرهم) وسياسياً (موزعون على التيارات السياسية المتاحة مثل غيرهم) ولغوياً (يتكلمون اللغة/ اللغات ذاتها). ما يجري عبر عمليات التصنيف والتمييز والفرز هو تكثيف الجماعات حول مركز أو ماهية مفترضة لها، فيحد من تنوعها الداخلي ويقلل إلى أقصى حد من اختلاطها مع غيرها، ويقلل إلى أقصى حد أيضاً التعاطف المحتمل معها من قبل غيرها. تتحول من وجود طيفي منتشر إلى وجود كتلي صلب، ملائم أكثر للاستئصال.
أُفضِّل لذلك مفهوم الإبادة السياسية، بوليتيسايد، على مفهوم الجينوسايد. من يبادون يبادون بسبب خطورتهم السياسية المحتملة، بسبب كونهم غير مطيعين أو متمردين. هذا لا يجعل الإبادة مسوغة أو يضفي عليها النسبية، لكن يوسع نطاق النظرية السياسية، ويظهر التكوين السياسي للهويات أو أولوية السياسة على الهوية. الهويات الخطرة تصنع في سياق التخلص من الجماعات الأقل تماهياً بالدولة أو من يديرونها، فلا ينبغي أن تحجب الدوافع السياسية للإبادة. هذا الطرح يدخل شيئاً من العقلنة والوضوح في التفكير في الإبادات، وينفتح على مطالب المواطنة والمساواة السياسية، وليس على كيانات إثنية أو دينية أو إثنية دينية مثل إسرائيل، ولا كذلك على تقاسم طائفي أو إثني للدولة.
وأن تكون إسرائيل أقامت شرعيتها على الهولوكوست بوصفه إبادة يهودية، وجعلت من ذلك "مظلومية وراثية" بعبارة زغمونت باومان (كتابه Modernity and the Holocaust)، يتوراثها الأبناء الآمنون عن الآباء المنكشفين، هو سبب إضافي للتفكير المتشكك في هذه القضايا وللتساؤل النقدي في شأن مفاهيم الإبادة ونظرياتها. لا يتشكك هذا التناول بحال في الهولوكوست ذاته، ولا في قتل نحو ستة ملايين من اليهود، ولا يرى في تشكك عربي منتشر في الهولوكوست أو في مجرد عدم الاهتمام به مسلكاً رشيداً. فمنذ قامت إسرائيل في فلسطين، قام بيننا وبين الهولوكوست رباط قوي جداً، يوجب أن نهتم بالموضوع معرفياً وسياسياً وحقوقياً، وفلسفياً وأخلاقياً، ونعمل على نزع التملك الخاص له من قبل الصهيونيين الذين يستخدمونه لإضفاء الشرعية على نزع ملكية االفلسطنيين لوطنهم. وبفعل الواقعة الإسرائيلية، ظاهر جداً أن الهولوكوست يهتم بنا كثيراً إن نحن لم نهتم به. وهذا قبل قول أي شيء عن أن الهولوكوست يمكن أن يضيء ما يجري لنا اليوم في سورية.
وقد يفيد أن ننتبه إلى أن اليهود كـ"شعب" نتاج الهولوكست بدءاً من وجود طيفي منتشر أقل تمايزاُ بكثير. المظلوميات عموماً تصنع الهويات (تنظر مقالتي: الضمير الخارجي، في المظلومية وأصول الشر السياسي. القسم الأول هنا: https://www.aljumhuriya.net/ar/38443، والثاني هنا https://www.aljumhuriya.net/ar/38498)، و"الشعب اليهودي" هو درجة متقدمة من تشكل اليهود القادمين من بلدان كثيرة بفعل مشترك من مظلومية الهولوكست وصعود القوميات، ودور الامبريالية الغربية. منذ الهولوكوست صار صعباً جداً على أي كان الاعتراض على فكرة "الشعب اليهودي"، بينما كان الأمر أقل عسراً قبله. ومنذ قيامها صارت إسرائيل مثل "أركتايب" مشجع على فرط التمايز بين الجماعات، في منطقتنا وفي نطاق عالمي أوسع، ومصدر تغذية للوعي الذاتي الهوياتي، فضلاً عن قيامها على التمييز والعنصرية.
كان باروخ كمرلنغ، عالم الاجتماع الإسرائيلي، استخدام مفهوم البوليتيسايد في وصف سياسة إسرائيل حيال الفلسطينيين في سنوات شارون رئيساً للوزراء (كتابه: (Politicide, Ariel Sharon’s War Against the Palestinians. هذا الطرح ضيق جداً. إسرائيل تقوم تكوينياً على الإبادة السياسية للفلسطينيين، قبل شارون وبعده. المقصود بالإبادة السياسية عند كمرلنغ ليس إبادة مجموعة من السكان لأسباب سياسية مثل الشيوعيين الإندونيسيين، بل إبادة السكان سياسياً وليس فيزيائياً. أعني إنكار أي ولاية سياسية لهم على أنفسهمpolitical agency ، واليوم يغطي مفهوم البوليتيسايد الدلالتين، وهو يصلح بهذه الدلالة المزدوجة تعريفا للباراديغم الإسرائيلي: قتل العدو إن قاوم، وإخضاعه كتابع إن سالم. لذلك فهو مناسب لتعريف الدولة الأسدية أيضاً: هذه تبيد من يقاومها وتستتبع من يسالمها، وتقيم مجتمعاً مراتبياً لا يتساوى فيه السكان. خلال أقل من نصف قرن تطورت الأسرة الأسدية ومحاسيبها إلى أرستقراطية من نوع جديد، تفكر في نفسها كطبقة أسياد، وترتب السوريين على مراتب من التبعية، وتجد في المساواة خطراً وجودياً عليها. هذا التحول العنصري ليس غير مدروس في سورية وخارجها فقط، بل هناك تمثيلات معاكسة لواقع الحال يتبرع بها أكثر من غيره يسار غربي جاهل ومتغطرس. في هذا الشان، أعني التحول العنصري، تماثل بنيوي إضافي بين الدولة الأسدية وإسرائيل. على أن المراتبية الإسرائيلية أوسع نطاقاً، والسلالة الأسدية بالذات لا ينظر إليها إلا كمرتبة أدنى، وإن يكن نظامها مفيداً لضبط المراتب الدنيا من "السوريين السود"، وضمان "الاستقرار" في "الشرق الأوسط". تفضل إسرائيل في آن بقاء الحكم الأسدي (إلهام الصفقة الكيماوية بين الأميركين والروس في ايلول 2013 جاء من الحكومة الإسرائيلية: https://www.nytimes.com/2015/06/16/world/middleeast/israeli-helped-inspire-us-russia-weapons-deal-with-assad-memoir-says.html?_r=0)، لكن ذلك لا يمنعها من الضرب في سورية، مستهدفة حماة النظام، بين وقت وآخر بغرض تثبيت النظام الشرق أوسطي، أي حراسة تراتبه.
لدينا في الحالين إنكار للحقوق السياسية لقطاعات من السكان، جميع السوريين في "سورية الأسد" وجميع الفلسطينيين في فلسطين/ إسرائيل، وكل المجال الشرق أوسطي على تفاوت. ولدينا في الحالين استعداد مجرب للقتل الواسع النطاق في حال قاوم المعنيون. وفي الحالين احتمال المجزرة الكبيرة، الأكبر من كل المجازر، يبقى قائماً إذا ما تمرد المحكومون. تاريخ الحكم الأسدي هو تاريخ التقدم في المجزرة، ومن طرف إسرائيل تبقى المجزرة القيامي سيفاً مصلتاً فوق رؤوس العرب ككل بالنظر إلى أنها تحوز السلاح النووي، سلاح القتل الشامل Omnicide، مثلما يحوز الحكم الأسدي أسلحة دمار شامل استخدمها مراراً وتكراراً ضد محكوميه، آخرها في 14 نيسان في دوما. بعدها مباشرة جرى التهجير. بالمناسبة لا يفهم هذا الحدث غير الضروري عسكرياً من أي وجه إلا على خلفية التكوين الإبادي للنظام، وطبعاً حصانته الدولية المضمونة.
وإنما لذلك أتكلم على فلسطنة السوريين، أي إشغالهم مقابل الدولة الأسدية موقعاً فلسطينياً: مباحون، يقتلون بلا حساب، ومع تغطية دولية فعالة للقاتل، بما في ذلك المشاركة المباشرة في القتل، مثلما فعلت إيران منذ منتصف عام 2012، وروسيا منذ أيلول 2015.

من تنافس المظلوميات إلى بناء باراديغم تحرري
وكما تقدم القول فإن هذا التماثل الباراديغمي بين الدولة الأسدية والدولة الصهيونية لا يعني ولا يقتضي تفاهماً من تحت الطاولة أو مؤامرة بين الطرفين على السوريين والفلسطينيين، بل موقعين متناظرين للدولتين حيال الشعبين. وبالمثل تصلح فلسطنة السوريين لإقامة باراديغم وحدة كفاح تحرري بين السوريين والفسلطينين. هذه نقطة مهمة للرد على خطابين رائجين. خطاب يرتفع صوته بين وقت وآخر بين معارضين سوريين، يرحب بضربات إسرائيل لقوات حُماة الأسديين في سورية (لم تضرب القوات الأسدية المنهمكة في سحق السوريين في أي وقت)، وخطاب ممانع يعتبر محنة السوريين المتمادية شيئاً ثانوياً أمام الصراع مع إسرائيل، هذا إن لم يعتبر الثورة السورية وما يجري للسوريين مستحقاً لاعتدائهم على نظام ممانع. الخطاب الأول انفعالي وغير عقلاني، وضد ثوري؛ والخطاب الثاني زائف ولا إنساني ضد ثوري بدوره، وفاشي صراحة في أحيان كثيرة. الممانعة كاذبة وغير تحررية، لكن ينبغي القول إنه لا شيء تحرري في ممانعة معكوسة، لفرط ما تنشغل بتكذيب الممانعة تضحي بالمضمون التحرري للصراع الذي تكذِب الممانعة بشأنه.
في الوقت نفسه، الكلام على فلسطنة السوريين، وما يتضمنه من إن فلسطين هي الأركتايب للتمييز أو الظلم، يحول دون تنافس المظلوميات أو صراع المظلوميات. هذا صراع نرجسي يقود إلى منازعة عبثية وفاسدة على من عُذِب أكثر ومن قتل أكثر ومن أذل أكثر ومن جرد من حقوقه أكثر، مما يولد الكثير من المرارة والغبن، فيضعف الضعفاء أكثر بدل أن يتقاربون من أجل مواجهة أعداء متماثلين. يجب الاعتراف أننا ننساق نحن السوريين بيسر نحو هذا الخطاب لأننا نواجه ممانعة في الاعتراف بنا، بل إنكاراً نرجسياً لمعنانا.
وليس مبعث التماثل الباراديغمي بين الدولة الأسدية وإسرائيل شيئاً يحيل إلى هويات كما قد يفضل إسلاميون، يعرض تفكيرهم منزعاً هوياتياً ثابتاً، وبالتالي جينوسايدياً. ليس المنبت العلوي للأسرة الحاكمة في سورية هو مصدر أسرلتها، بل كونها نظام إبادة سياسية وتطلعها إلى البقاء المؤبد في السلطة، ما يسوقها ذلك إليه من اعتبار المحكومين مصدر خطر يبنغي مراقبته وقمعه. لا الهويات تصنع تماثل النموذج، ولا هي تصلح لمواجهته. فكون أكثر السوريين عربٌ مثل الأسديين لم يحل دون تفظيع الأخيرين بهم، ولا يصلح هذا رداً من قبل ممانعين على واقع فلسطنة السوريين. الهويات أطر محتملة للتعبئة السياسية، تستنفر ذاكرات ومخيلات مفعمة بالمظلومية، تقوم بها نخب من أجل الصراع على السلطة والموارد، وليست هي فاعل التعبئة ولا غايتها.
وفي هذا الشأن ينبغي القول إن خطاب الإسلاميين المتمركز حول هويات معطاة سلفاً، دائمة ولا تتغير، يعرض نزعات إبادية أو جينوسايدية لا تسجل فارقاً جوهرياً عن الخطاب النازي. وهذا سواء في صيغة سنية تتكلم في سورية على "النظام النصيري"، وتشهر أسماء ورموزاً يتماهى بها السنيون أكثر من غيرهم أو دون غيرهم (أسماء كتائب وتشكيلات عسكرية ظهرت على نحو مفاجئ في عامي 2012 و2013)، أو في صيغة شيعية تتكلم على قتلة الحسين وورثة يزيد، وتشهر أسماء يتماهى بها الشيعية أساساً أو حصراً. هذا وجه رمزي لصنع الطوائف، وتمهيد للإبادة.
لب التحرر، الفلسطيني والسوري معاً، هو الخروج من نظام الإبادة السياسية والدخول في السياسة، أو امتلاك السياسة. ماذا يعني امتلاك السياسة؟ يعني أن السياسة مشاع، يدخل ميدانها ويعمل على التصرف بها جميع الناس ضمن أي وحدة سياسية معطاة. أن يقرر الواحد منا أنه ينفر من السياسة أو هو لا مبال بها، هذا شأنه، ولكن لا يجوز بحال أن تنزع ملكية المجتمع للسياسة التي لا يقوم ولا يتماسك إلا بها. السياسة ليست ملك سياسيين أو ملك الدولة أو ملك حزب أو أسرة او شخص. فإن صارت كذلك، تطابق التطلع إلى امتلاك السياسة مع تقرير المصير. في سورية القضية تقرير مصير بكل معنى الكلمة بقدر ما إنه فرضت على السوريين جميعاً شروط من التبعية السياسية، جردتهم من ملكية بلدهم عبر استخدام الدولة كملك عائلي خاص. ولا يتعارض ذلك بحال مع حق تقرير المصير، بما فيه الانفصال للكرد السوريين (وإن كانت القضية متعذرة المعالجة في غير إطار إقليمي أوسع من سورية لأسباب جغرافية وسكانية؛ ينظر الفصل الأخير من كتابي: الثورة المتسحيلة، في شأن حق تقرير المصير للكرد السوريين). وفي فلسطين يقارب مناضلون ومثقفون قضية تقرير المصير بمنطق دولة واحدة ثنائية القومية أو دولة لجميع مواطنيها، أو دولة فلسطينية مستقلة، والهدف في كل حال هو ألا يكون الفلسطينيون أدنى مرتبة سياسية أو قانونية أو وجودية من غيرهم. المشكلة مع إسرائيل ليست حصراً مشكلة هوية، بل مشكلة مساواة. هذا ما حفز انتفاضات الشعب الفلسطيني وثورته المسلحة قبلها، وهو ما حفز الثورة السورية. ماذا فعل السوريون؟ إذا أخذنا مقصد الثورة السورية من بداياتها، رأينا مجموعات متنوعة تحاول ان تحتشد بأكبر عدد ممكن وتحاول أن تحتل ساحات عامة وتعبر عن مطالب سياسية. لدينا إذن ثلاثة أشياء: التجمع، الفضاء العام كحيز للعلنية، والكلام في الشأن العام. نعرف أن التجمع ممنوع على السوريين منذ حكم حزب البعث البلاد قبل 55 عاماً. نعرف أن الامتلاك النشط للفضاء العام ممنوع على السوريين وأن صور وأقوال وتماثيل الحاكم هي التي تشغله وتحرس خوفهم: فزاعات، مثل تلك التي تنصب في الحقول لإخافة العصافير. نعرف أن الكلام في الشأن العام ممنوع وأن الاعتقال يتربص بمن يكون له قول سياسي مستقل، حتى لو كان لك في مجلس خاص (كتابة التقارير). السياسة لجأت إلى السرية أو إلى غير السياسي: الدين.
السياسة في سورية تعني هذه الأشياء الثلاثة: الكلام والاجتماع والفضاء العام. ونتذكر أن "ربيع دمشق" (2000-2001)، على ما تمثل بخاصة في ظاهرة "المنتديات"، يتلخص في التجمع والكلام. كانت المنتديات تعقد في مساحات خاصة، ومع ذلك قمعت.
وكما نعرف من تاريخ كفاح الفلسطينيين والسوريين فإن نظم الإبادة السياسية بالغة الوحشية في الدفاع عن نفسها: تتحول من إبادة السكان سياسياً إلى إبادتهم فيزيائياً حين يتمردون. في سورية قد يتعذر اليوم مجرد استجماع وقائع ما جرى من اعتقال وتعذيب واغتصاب وقتل في المقرات الأمنية والسجون وقصف بالبراميل والسلاح الكيماوي وحصار وتجويع ومجازر، مع دعوة شركاء أجانب للمشاركة في المذبحة. المحصلة لا نعرفها بكامل تفاصيلها، وقد لا تتيسر معرفتها يوماً، لكن هناك على الأقل نصف مليون ضحية، وفوق 80 ألف مفقود، وعشرات ألوف المعتقلين في شروط إبادية، ونحو ستة ملايين لاجئ خارج البلد، وأكثر منهم داخله، ومليون محتاج إلى المساعدة النفسية، وعدد غير معلوم من نساء تقطعت بهن السبل وفقدن المعيل أو نبذن بسبب تعرضهن للاغتصاب، وأطفال بمئات الألوف لم يلتحقوا بالمدارس لسنوات، أو تعلموا تعليماً دينياً فاسداً. هذا فضلاً عن وقوع البلد تحت احتلالات متعددة، وعن حروب متوازية ومتقاطعة تجري فيه، وعن ظهور كائنات متوحشة مثل داعش والقاعدة، ومتشبهون بها من تشكيلات إسلامية يصح وصفها بأنها عدمية وإبادية.

الإبادية الإسلامية
في شروط العدم السياسي الذي عاش بلدنا في ظله لنحو نصف قرن من يتضرر من ذلك أقل من غيره هو من لا يحتاجون إلى السياسة كشرط حياة، مثل الإسلاميين، وبعضهم مثل التشكيلات السلفية الجهادية تتضرر من السياسة، وليس فقط لا تحتاج إليها. هي مزيج من الدين والحرب، وأنسب الشروط لحياتها هي الحرب والخراب. لذلك فهي تزدهر في بلدان مثل أفغانستان المدمرة بعد الاحتلال السوفييتي، وفي العراق بعد الاحتلال الأميركي، وفي سورية بعد إسفار الأسدية عن وجه احتلالي وإبادي.
من هذا الباب فإن الخروج من نظام الإبادة السياسية هو المدخل إلى ظهور مجموعات وقوى سياسية غير دينية، وربما تحول مجموعات دينية من طيف "الإسلام السياسي" (وليس العدمي أو "الجهادي") إلى قوى سياسية مثل غيرها. في شروط اليوم اللاغية للسياسة يقترب الإسلاميون السياسيون من الإسلاميين الجهاديين أو يفشلون في التمايز عنهم. وعلى ضوء تجربة الثورة السورية، يبدو النظام السياسي الذي يزكيه الإسلاميون نظام إبادة سياسية (بوليتيسايد)، مع منزع هوياتي قوي، يرجح كفة الجينوسايد. هذا النظام الإبادي ينظر إلى المجتمع، مثل الدولة الأسدية، بعين السيادة وليس بعين السياسة، ولا يتطلع المنحازون إليه إلى أن يمتلكوا السياسة ليكونوا قوة سياسية مثل غيرهم في دولة تسودها قواعد وضوابط لكفالة المساواة بين السكان، بل يريدون امتلاك السيادة، أي الدولة ذاتها. من شأن ذلك أن يشكل استئنافاً للقلب الأسدي للدولة إلى دولة خاصة، أو دولة ضد الدولة. الدولة هي المنظمة السياسية /السيادية التي طورتها المجتمعات كي تنظم شؤونها وتواجه أسوأ نزعاتها نحو العنف وتستدرك التفاوتات الأشد حدة فيها وتقرب السكان من بعضهم، فتصنع منهم مجتمعاً. الدولة الخاصة، من النموذج الأسدي، تعمل بالعكس على تباعد السكان والتمييز بينهم وتبذل أقصى عنايتها لدوامها الخاص، وتمارس أقصى العنف من أجل ذلك. أتكلم لذلك على دولة ضد الدولة، قبل أن تكون ضد المجتمع، أو "ضد الأمة" بعبارة الأستاذ برهان غليون في كتابه "المحنة العربية". هذه الدولة المعكوسة تنظر بعين السيادة والواحدية إلى الداخل الذي يصير "فضاء استثناء" دائم، كأنما هو معسكر اعتقال (جيورجيو أغامبن). فهي بهذا المعنى دولة ضد السياسة، وإن كانت تنظر بعين السياسة إلى الدول الأخرى، القوية منها بخاصة. هذه الدولة ضد الدولة وضد السياسة هي (لا يكاد يكون هناك لزوم الآن لقول ذلك،) دولة عنف دائم، وليست دولة ضبط للعنف وتقنين له، على ما يشهد تاريخ الدولة الأسدية طوال نحو نصف قرن. ليس هذا أمرا عارضاً. إنه وثيق الصلة بتكوينها كدولة خاصة أبدية، دولة إبادة سياسية. دولة الإسلاميين المحتملة هي من هذا الصنف الخاص، التمييزي جوهرياً، والإسرائيلي جوهرياً. فإذا شفع تطلعها السيادي بميلها التصنيفي المتأصل أو الهوياتي الذي يعرف الناس بهويات قارة لا تتغير، حصلنا على حكم إبادي مثل النازيين. لا يصدر هذذا الحكم القاسي عن أية اعتبارات هوياتية، لا يمكنها إلا أن تكون إبادية. إطار الإحالة الخاص به هو الثورة السورية ودور الإسلاميين التدميري فيها. وبخاصة الجهاديين.
وما قامت به داعش ضد الإيزيديين هو عملياً تدمير للجماعة بسبي نسائها وبيعهن كسبايا وفرض نظام عبودية جنسية عليهن، ومن قتل للرجال في سن الحرب، هو جينوسايد وفق تعريف ميثاق الأمم المتحدة لعام 1848: التدمير الجزئي أو الكلي لمجموعة قومية أو عرقية أو إثنية أو دينية. داعش مثال أقصى على الإبادة السياسية والفيزيائية، لكن ليس ثمة ما يشير إلى توفر مجموعات الإسلاميين التي شهدنا ظهورها وصعودها في سنوات الثورة السورية على موانع ذاتية تحول دون بلوغ هذا الأقصى. كانت الثورة السورية مختبراُ ممتازاً في هذا الشأن. تاريخ سورية في الحقبة الأسدية يصلح للتفكير في تمايزات الإسلامية بين طورين. في طور أول، كان الإسلاميون نتاج الإفقار السياسي، صعدوا مع اندلاع الطغيان في مجتمعاتنا وتوقف التحولات السياسية والاجتماعية. هذا غطى نحو ثلاثين عاماً بين مطلع ثمانينات القرن وتفجر الثورة السورية. ظهور داعش في نيسان 2013 يصلح نقطة ذروة رمزية للإسلامية وبداية انحدارها. تغير موقع الإسلاميين، وانقلبوا بسرعة إلى عبء قاصم لظهر المجتمع في مواقع سيطرتهم. هذا تغير بعيد الأمد، ويبدو أنه ينضبط بالقاعدة الجيلية لتغير الإشكاليات الفكرية السياسية في تاريخ سورية (وربما المشرق) الحديث. ما بعد الربيع العربي، والثورة السورية بخاصة، هو طور جديد من الفكر السياسي، ومن الثقافة في مجتمعاتنا المعاصرة.

ختاماً،
قد نتكلم بخصوص سورية على إبادة انتقائية ببعد دولي قوي، أو حتى بإشراف دولي. في تقديري ما كانت الإبادة السورية ممكنة لمدة 7 سنوات وتحت سمع العالم وبصره وبمشاركة نشطة من قواه الفاعلة هنا وهناك لولا الصعود المتقابل لكل من الإسلامية المعولمة والإسلاموفوبيا المعولمة بدورها، وهما وجهان لما يتعين أن نسميه المسألة الإسلامية؛ ولولا أن الإبادة الأسدية تنضبط بالباراديغم الإسرائيلي، الحائز مسبقا على شرعية النافذين.
النقاش لا ينتهي هنا، بالكاد يبدأ. كسوريين لم نكد نبدأ في رواية قصتنا، والكلام على الإبادة ومفاهيمها هو مجرد مدخل بين مداخل متعددة إلى روايتها. رواية القصة بعد أساسي من أبعاد بناء القضية السورية، والتوجه نحو بناء تيار تحرري سوري عريض، تلح الحاجة إلى وجوده أكثر وأكثر.
يجمعنا بفلسطين باراديغم إسرائيلي اعتمدته المحمية الأسدية، ويؤمل أن يجمعنا بناء بارديغم تحرري نتخطى به معاً التنافس على المظلومية أو صراع المظلوميات.