ثقافة القتل و الهمجية

فتحي علي رشيد
2018 / 3 / 9

من المفارقات أن تقوم أغلب وسائل الإعلام العربية بالسخرية من تصريحات بشار الاسد خاصة تلك التي أكد فيها يوم 4/ 3 / 2018 لوسائل الإعلام . " عدم وجود أي تعارض بين الهدنة الإنسانية التي أقرها القرار الذي أصدره مجلس الأمن بالرقم 2401 وبين الأعمال القتالية التي يقوم بها الجيش السوري ضد الإرهاب وهي تعلم تماما فحوى القرار وأبعاده , و من تابع المفاوضات التي أوصلت مجلس الأمن إلى ذاك القرار , بعد ثلاث أيام من المداولات والاتصالات التي كانت تجري خلق الكواليس سرا , عليه أن يعرف أن هذا القرار تم التوافق عليه بعد أن وافقت أمريكا عليه أولا ومن خلفها إسرائيل , لتقوم روسيا بالتعديلات المطلوبة عليه بما يتيح لها القيام بالدور الذي تعجز عنه كلا من إسرائيل وأمريكا .
والقرار لا ينص على وقف الأعمال القتالية ,بل يطالب بهدنة إنسانية لمدة شهر. والأهم أنه يؤكد على استثناء الجماعات الإرهابية مثل داعش والنصرة والقاعدة والتنظيمات الأخرى المرتبطة بها منها .مما يعني أن القرار يعطي لبقايا الجيش السوري وحلفائه الحق باستمرار قصف الغوطة وأية منطقةأخرى في سوريا تتواجد فيها تلك الجماعات حتى يتم تحرير سوريا منها . وطالما أن القرار لم يحدد إسم تلك الجماعات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية , فهذا معناه أن القرار ترك الباب مفتوحا للجيش السوري لقتال وقتل كل من في الغوطة وغيرها من الأراضي السورية سواء أكان بريئا أو مجرما , طفلا أم امرأة . كما أن القرار يعطي للجيش الروسي الحق بقصفهم وقتلهم وهذا معناه أنه يعطي له أيضا الحق بحصارهم وتجويعهم ومنع الغذاء والدواء عنهم حتى الموت .
انهم صناع ثقافة القتل والهمجية حتى بات القتل حتى الموت مبررا و كل ما يؤدي إليه مثل التركيع , وكل أشكال معاناة ما قبل الموت , (من جراح أو إصابات أو حروق أو نزف أوبرد وقلة أكل وألم ونواح أومنع الماء والكهرباء ..وحتى حرمان الأطفال من رؤية الأم أو الأب وغيرها من الأمور المذلة للإنسان ) تكون مبررة أيضا . فعندما تصبح ثقافة القتل مبررة يصبح الموت البطيئ وكل شيئ يؤدي إليه حتى لو كان الحرق والتقطيع أو استنشاق غاز الكلور مباحاً ومبرراً حتى لوكانت تلك المعاناة أصعب من الموت ذاته .
ولدرجة يصبح الموت لدى الكثيرين أرحم من عذاب الجرح أو الحرق أو قطع جزء من الجسد أو بترعضو من الأعضاء. أو الاختناق بالغاز لعدة ساعات . ولهذا بتنا نرى اليوم ضمن ثقافة القتل السائدة في العالم , وبصورة ـ خاصة كما تتجسد في سوريا ـ أن القتل أصبح من أسهل الأمور لديهم , فالقتل من قبل أي مجند أو متطوع في جيش الشعب أو أي شبيح أو لص أو منحرف أو مريض نفسيا أو معقد أو.... يصبح أمرا اعتياديا مثل شربة الماء بل أسهل .لا بل و يصبح الجاني بطلا و ان مات يموت شهيدا بنظرهم !!!!! .والأعجب ان يتحول بعض الناس في لقاءاتهم على شاشة الاعلام السوري الى تأييد قطعي وطلب ملح من قبلهم لقصف اهلهم في الفوطة وإبادتهم الابادة الجماعية .
لهذا علينا أن لانستغرب هذا الموقف الدولي المتفرج ؛الذي يرى ويسمع أنات وأوجاع الثكالى والأرامل والأطفال والمهجرين والهائمين على وجوههم بلا مأوى أو ملاذ ولايفعل شيئا سوى تصريح من هنا أو من هناك , أو لايقوم في أحسن الحالات سوى بعملية توصيف لما يجري من أعمال قذرة , كونها تجاوزت قدرة العقل على الإحتمال , أو لتلك التي تتناقض مع ما تؤمن به شعوبها من قيم وأفعال يندى لها جبين البشرية ؟ .هل يعجز العالم الدولي فعلا عن القيام بأي عمل حقيقي يمكن أن يوقف قتل الابرياء ؟ .
من يصدق .أن رؤساء دول عظمى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وفرنسا الحرة فقدوا القدرة على فعل أي شيئ لمنع مايحدث أو لوقفه سوى التوصيف , وفي أحسن الحالات التنديد والوعيد حتى تكتمل المحرقة ؟ أوكما عودونا بعد كل جريمة أو مجزرة أو محرقة ( أكثر من ألف حدثت واستنكرت ) يعود كل منهم لحياته الاعتيادية وكأن شيئا لم يحصل ؟
لقد كان من الأولى بوسائل الإعلام والنخب العربية , بدلا من أن تندد بأقوال وأفعال الروس والإيرانيين وبشار ومرتزقتهم . أن تندد بممثلي ورؤساءالدول التي وافقت وصوتت على القرار الذي أعطى لروسيا الحق بدعم قوات ومرتزقة قادمين من شتى أصقاع الأرض ومليشيات أخرى مسعورة قادمة من ماقبل التاريخ ,لقتل كل من تتخذ منهم (كما يقولون )العصابات الإرهابية ,وهم قلة قليلة مقارنة بالكثرة الغالبة من المدنيين والأطفال والنساء والعجز,رهائن . إننا نعلم كما يعلمون هم ويعلم بشار الأسد وتعلم روسيا وإيران أن تلك الدول ورؤسائها لو كانوا جادين أو ينوون وضع حد لما حدث ويحدث لأوقفوه منذ سبع سنوات.
ونسأل هؤلاء المدعين المجرمين : إذا كنتم تعرفون كما تقولون "أنهم رهائن " فلماذا تقصفوهم بالنابالم والبراميل المتفجرة والسوخوي والكيماوي ؟ إذا كنتم تعرفون أن أغلب أهل الغوطة هم رهائن فلم تحاصرونهم وتمنعون عنهم الغذاء والدواء منذ سبع سنوات ؟ لماذا لاتجازفواوتخلصوهم من خاطفيهم ؟ إذا كنتم قد فاوضتم ألفا من الدواعش والنصرة الإرهابيين الصرف وأخرجتموهم من جرود عرسال سالمين غانمين , معززين ومكرمين , فلماذا لاتفاوضون اليوم من هم أقل منهم شراسة وعددا وعدة في الغوطة , ليخرجوا من بين المدنيين الأبرياء؟ لماذا تصرون على قتل المدنيين أكثر مما تقتلون منهم ؟ (قتلتتم من أطفال ونساء الغوطة ـ حتى الأن ـ مايزيد عن أعداد النصرة وداعش أضعافا مضاعفة ) ؟ أو بالاحرى لما ذا لاتوقفوا القتل بحثا عن مخرج سلمي طالما أنكم تقولون أن لا حل عسكري للأزمة ؟ أم أنكم بعد كل هذه السنوات قد تشربتم ثقافة وروح القتل التي لدى النازيين والإسرائيليين والأمريكان ؟ أم عدتم للهمجية التي للمغول والتتر ؟ إلى ثقافة القتل ؟
هل هي ثقافة القتل أم هي ثقافة الخواء والعماء ,والجبن والنذالة والخسة ,الثقافة التي لاتفرق بين البينين , تمسح وتسوي الأرض بما عليها ؟ أم لأن الثقافتين تكملان بعضهما البعض ؟ أم لأن مصدرهما في التطور والتاريخ والثقافة واحد؟
من يؤمن بسوريا , ويدافع عن سوريا عليه أن يعلم أن سياسة بشار الوحشية هي من جعل سوريا من الناحية الموضوعية والعملية , دولة محتلة ـ حسب القانون السوري ـ من قبل خمس دول وعشر مليشيات .رئيس دولة دمر ثلثها وهجر نصف شعبها , و,, إلخ لا يمكن لعاقل أومن لديه أدنى إحساس بالمواطنة والعروبة والحس الإنساني السليم . أن يدافع عنه أو عن سياسته أو عن إي موقف يتخذه بعد كل ما أحدثه في سوريا وشعبها .
ان الحرب القذرة على سوريا وشعبها مستمرة بفضل ادعاءات تلك الدول العظمى الكاذبة ووحشية النظام الذي ينفذ مخططهم ليس إلا , انه تنفيذ حرفي لمخطط الفوضى الخلاقة في المنطقة . فان كان نظام الاسد كما يدعي يحارب الارهابيين العملاء لإسرائيل والصهيونية العالمية في المنطقة لدرجة يصفها بالحرب الكونية على سوريا متهما كل الثوار الذي هبوا ضده بأنهم اداة اسرائيل في الداخل السوري لمحاربته , لذا !!!! لماذا لا يقوم هو وجيشه بتوجيه حربه مباشرة الى العدو الحقيقي ( اسرائيل ) بدلا من محاربة شعبه وسفك دماءهم باسم المقاومة والممانعة , ألم يكن الاجدر بالجيش السوري توجيه طائراته ومدافعه لاسترجاع الجولان المحتل من اسرائيل , ألم يكن الاشرف لهم أن تسقط دماء الجيش في حرب مع اسرائيل على ان تسقط في حرب دفاع عن نظام مجرم سفاح وضد من !! السوريين انفسهم .. ألم يكن من المشرف أكثر وهم يتباكون على دمار البلاد لو أن هذا الدمار كان بسبب قصف اسرائيل فعلا الظاهر للعيان لا أن يحولوا انفسهم هم انفسهم اداة طيعة لتنفيذ مخطط اسرائيل في المنطقة فأحرقوا الاخضر واليابس ودمروا البلد وأنهكوا الجيش ومقدراته الحربية وشردوا الناس وقتلوا وذبحوا واستباحوا باسم محاربة الارهاب ومحاربة اسرائيل وعملاء اسرائيل .
فتحي رشيد
8/3/2018